أزمة الحكومة الألمانية بسبب الهجرة واللاجئين.. هل تطيح بميركل؟

تعدى الخلاف بين أنغيلا ميركل وحليفها في الحزب الحاكم قضية سياسة اللجوء والهجرة إلى توتر العلاقة بين الحزبين الشقيقين وتحدي سلطة المستشارة. فهل بات مستقبل ميركل السياسي على المحك؟


دخلالبرلمان الألماني "البوندستاغ" في حالة الطوارئ، إثر تعليقه لإحدى جلساته، التي دامت في البداية لساعتين ثم بعدها لأربع ساعات، وذلك من أجل عقد اجتماع خاص لنواب الحزبين الحليفين الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري (CSU). هذا الأمر يعتبر غير عادي، والأكثر غرابة من هذا هو عقد حزبين شقيقين اجتماعات منفصلة. وكانت آخر مرة حدث فيها هذا الأمر في نهاية تسعينيات القرن الماضي، بحسب ما أدلى به صحفيون ذوو خبرة طويلة.
كما يخيم التوتر على أجواء البرلمان، وهناك حوالي 100 صحفي يتابعون الأحداث عن كثب ويحاولون إطلاق العنان لخيالهم لما ستؤول إليه الأمور. من جهة أخرى، يتوجه أعضاء البرلمان للصحفيين بالسؤال عما يجري. ولم تسلم حتى خدمة تقديم الطعام من مشهد التوتر هذا، إذ لم يكن مخططاً من قبل لاجتماعات الأزمة هذه. فلم يتمكن حتى وزير الاقتصاد الاتحادي بيتر ألتماير من الحصول على وجبة نقانق، وعاد من دون تناول أي شيء إلى قاعة البرلمان من أجل استكمال الاجتماعات. للوهلة الأولى يبدو المشهد مضحكاً، لكن ما يحدث خلف الأبواب قد يكون أكثر جدية من ذلك.

بعد مرور أقل من 100 يوم على تشكيل الائتلاف الحكومي في ألمانيا، تعاني برلين من أزمة حكومية حقيقية تتعلق بسياسة اللجوء والهجرة. لكن أطراف الخلاف الحالي ليسوا المعارضين السياسيين الحقيقين، ألا وهما الاتحاد الديمقراطي المسحي بزعامة ميركل (CDU) والحزب الاشتراكي الديموقراطي (SPD)، وإنما بين الحزبين الديمقراطي المسيحي وحليفه البافاري، الاتحاد المسيحي الاجتماعي بزعامة وزير الداخلية هورست زيهوفر.
سياسة اللجوء: نقطة خلاف قديمة
نقطة الخلاف ليست بالأمر الجديد. فمنذ أزمة اللاجئين عام 2015، يريد الاتحاد المسيحي الاجتماعي إيجاد حل سريع لمشكلة تدفق الهجرة نحو أوروبا وألمانيا بالأخص. لكن ميركل لا تريد التصرف بشكل أحادي على حساب بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى، وتبحث عن حل يتمحور حول حصص توزيع للاجئين وتأمين الحدود الخارجية. غير أنها لم تحرز تقدماً في ذلك لحد الآن، لاسيما أن بلدان أوروبا الشرقية ترفض توزيع اللاجئين عليها. هذا ما جعل الاتحاد المسيحي الاجتماعي يفقد صبره ويلجأ في كثير من الأحيان إلى التعبير عن كل أنواع الغضب العام بين الأحزاب الألمانية. أحياناً كانت تتلقى ميركل التوبيخ من قبل زيهوفر مثل تلميذة المدرسة. وفي أحيان أخرى كان زيهوفر يتحدث عما أسماه بـ"سيطرة الظلم"، لكن لحد الآن كانت تلك الخلافات تنتهي بالمصالحة.
وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر

"الخطة الرئيسية" المثيرة للجدل
يشغل زيهوفر حالياَ منصب وزير الداخلية، وبالتالي فهو مسؤول أيضاً عن سياسة اللجوء والهجرة. منذ حوالي أسبوعين، أعلن الاتحاد المسيحي الاجتماعي عن الخطة الرئيسية للتغلب على "أزمة النظام" بين اللاجئين والمهاجرين في ألمانيا. وتقول إحدى النقاط الـ63 من نقاط "الخطة الرئيسية" إنه ينبغي رفض طالبي اللجوء الذين سبق لهم التسجيل في بلد آخر في الاتحاد الأوروبي. وهذا ما ترفضه ميركل بشدة، لأن جوهر سياسة اللجوء الخاصة بها هو أن لا يحدث هذا بالتحديد. وكانت ميركل قد رفضت في وقت سابق مشروع مراجعة سياسة اللجوء، الذي عرضه زيهوفر ويريد الآن تفعيله مرة أخرى. المشروع ينص في جوهره على عدم السماح للاجئين بالدخول إلى ألمانيا إذا سبق لهم أن سُجلوا في إيطاليا أو اليونان، وهو أيضاً ما ينص عليه القانون الأوروبي واتفاقية دبلن بشأن اللاجئين.
ساعات عصيبة
بشكل مفاجئ، عززت الثلاثاء (12 حزيران/ يونيو 2018)، وفقاً لمصادر مختلفة، غالبية أعضاء البرلمان عن الحزبين الشقيقين في جلسة البرلمان المعتادة موقف زيهوفر. ولم تأت قمة الأزمة، التي عقدت على عجل وبشكل سري يوم الأربعاء في المستشارية، بأي حل. لكن على الأقل كان هناك اقتراح حل وسط، إذ طرحت ميركل اتفاقات ثنائية في المحادثة وأشارت إلى قمة الاتحاد الأوروبي المرتقبة في أواخر حزيران/ يونيو، التي تضع قضية سياسة اللجوء على جدول أعمالها. وبهذا تريد ميركل كسب المزيد من الوقت.
علاقات متوترة بين الحزبين الشقيقين
لا يزال الاتحاد المسيحي الاجتماعي مصراً على خطته، والآن بعد الاجتماع الخاص للكتل البرلمانية يوم الخميس (14 حزيران/ يونيو 2018)، يجب تنفيذ خطة زيهوفر، كما اتفق الجميع، لأنه لم يكن هناك متسع من الوقت بعد كل تلك التقارير اليومية تقريباً التي تتحدث عن جرائم اللاجئين والمزاج السيء بين المواطنين، كما قال المشاركون.
وفي لهجة واثقة، وصف زعيم كتلة الحزب البافاري في البرلمان، ألكسندر دوبريندت، الموقف بالـ"الجدي للغاية وحتى التاريخي". الأمر الآن يدور حول "الموقف والفعل ومسألة مستقبلية للبلاد". ووفقاً لدوبريندت، فإن أتت قمة الاتحاد الأوروبي بـ" قرارات متساوية الفعالية"، عندها يمكن أن تحل محل "الخطة الرئيسية". قبل بضعة أشهر، كان هذا السياسي الطموح البالغ من العمر 48 عاماً يتصدر عناوين الصحف من خلال بيان "الثورة المحافظة"، ما كان يعتبر حتى ذلك الحين إهانة لميركل.
ألكسندر دوبرنت زعيم كتلة الحزب البافاري في البرلمان الألماني

الأمر قد يتصاعد
هناك انقسام في الآراء حول ما يريده الاتحاد المسيحي الاجتماعي: هل لديه خطة رئيسية للإطاحة بالمستشارة؟ هل يحدث كل هذا فقط بسبب انتخابات برلمان ولاية بافاريا الخريف المقبل. حسب استطلاعات الرأي، من المتوقع أن يتعرض الاتحاد المسيحي الاجتماعي للمضايقات من قبل اليمينيين الشعبويين من حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD). فهل يتعلق الأمر فقط بممارسة الضغط على الاتحاد الأوروبي بحيث يوافق الجميع أخيراً على اتخاذ تدابير في سياسة اللجوء والهجرة؟
لا أحد يسمح حالياً بشكف أوراقه، إلا أن الواضح أن الخطة قد تؤدي إلى المزيد من التصعيد. يوم الاثنين المقبل، يريد نواب البرلمان عن الاتحاد المسيحي الاجتماعي الحصول على الدعم والمشورة من مجلس حزبهم. ويمكن أن يفرض زيهوفر أجزاء من خطته الرئيسية دون موافقة ميركل أو حزبها، لأن منصبه الوزاري الآن يمنحه الكثير من السلطة. لكن إن قام بذلك ضد إرادة المستشارة، فستضطر إلى إقالته. عندئذٍ من المحتمل أن ينسحب الاتحاد المسيحي الاجتماعي من الائتلاف الحكومي مع شقيقه الأكبر.
تساؤلات عديدة تطرح حالياً حول مستقبل ميركل السياسي: هل يتعين على ميركل أن تطرح مسألة الثقة بها على البرلمان في تصويت، أم هل ستقدم استقالتها بنفسها؟ في الوقت الحالي، لا يمكن لأحد في برلين تسمية من سيخلفها.
هل تتقلص سلطة ميركل داخل حزبها أيضاً؟
بعد انتهاء الجلسة الاستثنائية، كان واضحاً أن لا أحد من الحزب الديمقراطي المسيحي يريد مواجهة الكاميرات. كانت هناك معلومات منفردة ولم يرد أحد تقديم تصريحات. من بين 50 تصريحاً، معظمها كانت لميركل، لم يصدر إلا عدد قليل من التصريحات من الاتحاد المسيحي الاجتماعي. كما اتفق أعضاء البرلمان الأوروبي على اقتراح ميركل بالانتظار لمدة أسبوعين. لكن التساؤل عن كيفية تغير المزاج في غضون يومين، وكذلك ما إذا كان الحزبان سيواصلان التفاوض مع بعضهما البعض خلال الأيام القليلة القادمة، بقي من دون إجابة.
تمكنت ميركل من كسب قيادة حزبها ونواب كتلتها يوم الخميس، فضلاً عن أهم الرابطات الوطنية غرب البلاد. في المقابل، تلقى زيهوفر الدعم من شرق البلاد، حيث يتمتع حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني بنفوذ كبير. لقد نجحت ميركل في تخطي العديد من الأزمات في السابق والحفاظ على منصبها كمستشارة للبلاد منذ عام 2005. لكن لكل شخص نهاية في يوم ما، وأصبح من المحتمل أيضاً أن تحدث هذه النهاية قبل الأوان.
كاي ألكسندر شولتس/ إ.م