• الثقافة الديمقراطية بين العرب المسلمين وشرق المتوسط
:

حسن حاجي عثمان بن أوسو

أن حرية الفكر هي حرية التعبير عن (الشخصية الإنسانية) بكل ما تشمل من حس وإدراك وخلق ومزاج ومجهود، وهي عنده تساوي حرية الحياة، فسيان أن تمنع الإنسان أن يحيا، وأن تمنعه أن يفكر ويستوفي جوانب الشخصية التي تبلغ تمام مظاهرها في التمييز والتفكير، وهو يعتقد بأن حماية الحرية الفكرية هي حماية من غوائل(مصيبة) الذل والنفاق والغباء وحرية الفكر أن نكون أحراراً في طلب الحرية لئلا نطلبها كما يطلبها العبيد المسخرون.
ومن المؤكد أن التيار الليبرالي يؤيد فكرة الديمقراطية، والنظام النيابي الديمقراطي، ويجعلها محور النظام السياسي(فلا مفر من أن تكون ثقافتنا نحن الكورد الثقافة الديمقراطية).
والديمقراطية، يجب أن يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة، والتي ترعى حقوق الفرد، وما بين الشخصية الفردية، والشخصية الجماعية.
إن النتاج الثقافي للديمقراطية هو من لون خاص، ليس إسلاميّاً ولا يهوديّاً ولا نصرانيّاً، بل هو مزيج من ذلك كله، إضافة لغيره من الثقافات العلمانية ذات المضامين الإلحادية.
إن هذا النتاج الثقافي سيفرز علاقات اجتماعية جديدة، ليست مألوفة لدى أتباع الأديان الثلاثة، مما يترتب عليه اصطدام هذه العلاقات الاجتماعية الوليدة بالعلاقات الاجتماعية السائدة، وبما أن الانضباط الترابطي في العلاقات الاجتماعية لدى اليهود والنصارى مصاب بالترهل الشديد والتآكل البيّن: فإن الثقافة الديمقراطية الناشئة ستكون أكثر قدرة على التغلغل لدى أولئك، في حين أنها ستصطدم بمعوقات كثيرة لدى محاولة التأثير على العلاقات الاجتماعية لدى المسلمين، بسبب ما لديهم من مضادات ثقافية ذاتية من الكتاب والسنة وتراث سلف الأمة تركت آثارها البارزة في أدق تفاصيل العلاقات الاجتماعية بين المسلمين.
إن النتيجة المتوقعة لتفاوت تأثير الثقافة الديمقراطية على منتسبي الأديان الثلاثة ستؤدي حتماً إلى تعميق العلاقات الاجتماعية بينهم.
وهذا يعني: أن البلورة الاجتماعية الناشئة عن التباين الثقافي المذكور ستكون ذات طابع تهديمي وتهشيمي في ظل الواقع الديمقراطي لنظام حاكم، وإن هذا التهديم والتهشيم سيكونان أعمق أثراً لدى المسلمين مقارنة مع غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى.
ولم تستمر طويلاً بارقة أمل الشعوب والمجتمعات خاصة العربية بإرهاصات الإصلاح والدمقرطة التي انتعشت في السنيين السابقة وبشكل هش، مع تلك الموجة الخاطفة التي انطلقت بعد الثورات الربيع العربي.
فسرعان ما انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، وبدلاً من الارتقاء درجة في الديمقراطية حدثت نكسة أكبر باتجاه الطائفية والانقسامات الداخلية في العديد من الدول العربية، وعاد الاعتبار للدور الأمني سواء على الصعيد الداخلي- القطري، أم على صعيد العلاقات العربية- الأميركية ليحكم قبضته على الحياة السياسية العربية.
ثمة أسباب عديدة تُذكر في تفسير (الاستثناء الديمقراطي العربي) والانتكاسات المتتالية على هذا الصعيد، مقارنة بنماذج متعددة أخرى في العالم استطاعت جميعها تجاوز حالة النظم القمعية واستنشاق هواء الحرية، إذ لم يبق إلاّ الدول العربية في ذيل قائمة الديمقراطية العالمية مقارنة حتى بدول في إفريقية وأسيا وأميركا اللاتينية.
بلا شك هنالك دور كبير ومباشر تقوم به السلطة السياسة العربية اليوم، التي تتقاطع الديمقراطية مع مصالحها ونفوذها وسطوتها، ويُقال الشيء نفسه عن العامل الخارجي، الذي كان على الدوام مصدر إسناد ودعم للتسلطية العربية، وقد ظهر أثره السلبي بعد أحداث 11 أيلول 2001م، فبمجرد اهتزازه قليلاً تضعضعت هيبة السلطات العربية وأوجدت مساحة من الحركة والحرية للمعارضة.
لكن المسألة أبعد من السياق السياسي الرسمي، فعلى الرغم من استطلاعات الرأي - التي تجري في كثير من الدول العربية- وتظهر أنّ الأغلبية الشعبية تؤيد الديمقراطية ومضامينها المختلفة، فإنّ المسافة لا تزال شاسعة بين مجرد تأييد الديمقراطية وتجميلها في موقف الشعوب العربية، وبين وجود حامل اجتماعي وطبقة عريضة في المجتمع تؤمن بوضوح بأنّ الديمقراطية تمثل مصلحة أساسية لها، وأنها تتوازى مع أساسيات الحياة، وأنه لا يمكن الفصل بين لقمة الخبز والحرية بأي حال من الأحوال. فتلك الثقافة الديمقراطية المتجذرة في الوعي الاجتماعي العام مفقودة في العالم العربي والإسلامي.
قد يعترض البعض على الفكرة السابقة قائلاً إنّ الشعوب العربية تمتلك وعياً سياسياً متميزاً، وهنالك حركات معارضة شرسة في كثير من الدول العربية، وحراك وحوار سياسي قد لا تجد نظيراً له في كثير من دول العالم المتقدم. إلاّ أنّ هذه الدعوى بحاجة إلى تمحيص وتدقيق أكبر، فتلك المعارضة السياسية تقفز دوماً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخطاب وفي ممارستها، بينما تُعطي الأولوية لقضايا سياسية أخرى كالقضية الفلسطينية والعامل الخارجي، وتعلي من الجانب الأيديولوجي (أفكار قومية، يسارية، إسلامية)، مما انعكس طيلة العقود السابقة على مدى شعور المواطن العربي بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان تأتي في مرحلة ثانية أو ثالثة أو رابعة.
القاعدة السابقة كُسرت في الآونة الأخيرة من خلال بروز حركات معارضة شعبية تعطي الأولوية للديمقراطية وتضعها في بؤرة اهتمامها وخطابها السياسي، وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في سورية (المنتديات) وربيع دمشق، وفي مصر حركة كفاية. إلاّ أنّ هذه الحركة العربية الجديدة لا تزال تعاني من قصور الحامل الاجتماعي وضعفه مقابل وجود الحركات الأيديولوجية الأخرى كالإخوان المسلمين.
في هذا السياق يقدم المؤرخ المعروف هوبز باوم في كتابه عصر الثورة أوروبا (1789-1848) تحليلاً لطبيعة الظروف التي وُلدت فيها كل من الثورة الصناعية والثورة الفرنسية والحراك الاجتماعي والثقافي الذي صاحب ذلك، وما يلفت الانتباه ويتطلب قراءة عربية معمّقة أولاً العلاقة التاريخية بين الثورة الصناعية والثورة السياسية، وثانياً أن التطور باتجاه الديمقراطية والخلاص من النظم الملكية المطلقة التي كانت تحكم أغلب المدن الأوروبية ارتبط بولادة طبقات اقتصادية جديدة (البرجوازيين الجدد) اشتبكت مصالحها مع بعض الأمراء والنبلاء والمثقفين للخلاص من النظام الإقطاعي- الديني السائد، وبالفعل ومن خلال عملية تاريخية وتسويات وصفقات سياسية تحركت السياسة الأوروبية باتجاه الأخذ بأفكار التنوير والإصلاح السياسي والتخلص من النظام السابق.
بالتأكيد، التاريخ الأوروبي مختلف تماماً عن الخبرة العربية والشرق أوسطية، لكن الفكرة المهمة من قراءة هوبز باوم أنّ ولوج عصر الإصلاح مشروط بوجود طبقة اجتماعية تربط بقوة بين مصيرها ومصالحها ودورها ووجودها وبين الديمقراطية، وهو ما يدعو إلى قراءة اجتماعية ثقافية نقدية للمجتمعات العربية وتطورها، وصولاً إلى البحث عن الحامل الاجتماعي الصلب القادر على القيام بهذه المهمة التاريخية.
تريد فرض هذه القيم على العرب المسلمين تحت مسمى القيم الديمقراطية، لتصبح بديلا عن القيم الإسلامية.
أي أن المسألة تتجاوز الحرب السياسية بمعنى الصراع على المصالح الخالية من الحضور الديني، فهناك قيم أمريكية يراد لها أن تفرض مقابل القيم الإسلامية، وهناك حرب إفرنجية - بكل ما تحمله من الإرث والحاضر العلماني - يشنها العالم الغربي على الأمة الإسلامية، فالتحالف النصراني إذن يشن حربا دينية بالمعنى الواضح للكلمة، مهما حاول البعض دس رأسه في الرمال للهروب من هذه الحقيقة.
وقد ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفاً (للحرية).
ولا ينتبه الكثيرون من الناس أن الحرية قد تكون أكثر شمولاً أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهوماً خاصاً ربما يتقاطع مع الآخر ولا يلتقي معه بالضرورة، وربما أن هذا الأمر هو الذي قاد بعض المفكرين والباحثين إلى القول بأن الإسلام (ديمقراطي) وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها، وبدلاً من أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام، انطلقوا يتحدثون عن الحداثة الإسلامية في ثوب ديمقراطي.
إن التهيئة الغربية الأمريكية الجاري تحقيقها في البلدان المستهدفة مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن والسعودية ودول الإمارات، يدور معظمها حول شعار (الإصلاح) وإحلال «القيم» الديمقراطية، إما بإغراء العملاء للتحرك تحت هذا الشعار، وإما بالتدخل المباشر تحت زعم صعوبة التغيير السلمي.
تنطلق الديمقراطية كنظام سياسي من مبدأين رئيسين هما الفردية والتحررية، كنظام منبثق أصلاً من حصيلة التجربة السياسية الغربية استندت على مجمل التفاعلات الفلسفية التي زخرت بها التجربة الغربية على مدى سنين، وعلى العلاقة الجدلية الديناميكية بين هذه التفاعلات وحركة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الغربي، وتميزت هذه التفاعلات بقطبية ثنائية شهدت مشادة ما بين الفردية والجماعية، والتي حسمت في هذه المرحلة التاريخية لصالح الفردية.
وباختصار كبير تقول أن الفرد هو أساس المجتمع وليس العكس، وهو سابق على المجتمع عملياً من ناحية الولادة ونظرياً من ناحية الاستقلالية كشخص غير تابع لتصورات أو أفكار مسبقة.
والسلوك الاجتماعي عبارة عن سلوك فردي ويمكن تفسيره بناء على دوافع واستعدادات الأفراد وميولهم، وكل وضع اجتماعي أو حدث عبارة عن نتيجة لتشكيل محدد من قبل الأشخاص وليس بمبادرات جماعية تعكس مصلحة عامة. وإبداعات المجتمع هي في الأساس إبداعات الأفراد، وكل عقبة أمام تقدم الفرد هي بالتأكيد عقبة أمام المجتمع ككل، فصالح المجتمع يتحقق من خلال تحقيق كل فرد لمصلحته ولما يعتقد أنه صالحه، وعليه فإن مؤسسات المجتمع تقوم على افتراضات فردية، إنها تفترض أن الفرد يستجيب للثواب والعقاب، سواء كانا نفسيين أو ماديين.
ولذا فإن الأفراد يسلكون حسب القواعد المتبعة، لأن موافقتهم تؤدي إلى المكافأة وعدم الالتزام يؤدي إلى العقاب.
والصحيح أنّ هذا الحكم هو في منتهى السطحية، ذلك أنّ مدار بحث الديمقراطية بات شأناً عالمياً، حيث يروج لها الغرب الذي تهيمن حضارته ونفوذه على العالم، على أنها النموذج الأوحد الذي يصلح للعيش البشري السويّ، ويدعو بالتالي إلى نشره وإرسائه، بل وقد يتدخل بالقوة لفرضه، لا سيّما في العالم الإسلامي.
كما باتت معاييرُ سلامة الوضع الاجتماعي والثقافي والسياسي العام في أيٍ من دول العالم، تعتمد على مدى ترسيخها القيم الديمقراطية، ودلالات صحتها وعافيتها تقاس بمدى تحقق التحول الديمقراطي فيها.
ويفترض الغربُ أنّ العالم الإسلامي سيبقى معرضاً للاهتزاز والاضطراب وانعدام الاستقرار طالما غابت الديمقراطية عنه، وطالما بقي الحكم الشمولي الدكتاتوري مستمراً فيه، مما يجعله في نظرهم بؤرة توترٍ ومصدر قلقٍ دائمٍ لباقي العالم، وأنّ انعتاق العرب المسلمين من أتون الظلم والقهر والتخلف، هو رهنٌ بمدى التقدم الديمقراطي في بلادهم.
ولقوة الدول التي تستند إليها الفكرة الديمقراطية، مضافاً إليها ذلك الوهج الذي حظيت به في العقود الأخيرة، باتت أغلب الفئات الناشطة في الميدان السياسي في العالم العربي الإسلامي، تدّعي الديمقراطية وتدعو لها، بل وتزعم أنّها الهدف الأساسي لها، رغم مناقضتها لها عملياً أو عقائدياً أو كليهما في أغلب الأحيان.