قراءة في المجموعة الشعرية ( منْ يطرق باب الضوء ) الشاعرة رفيف الفارس

جمعة عبدالله

أننا امام شاعرة متمكنة تجيد , الخلوة الروحية والنفسية والمزاجية , في الاندماج الكلي في الخيال الشعري , لتخلق وتصوغ مكونات القصيدة بكل تفاعل متناسق ومتجانس , اي انها تخلق المناخ المناسب بكل تضاريسه , في استنبا الهواجس والهموم , وتسكبها بحروف شعرية . تطلق فيها عنان بواعث الشج والاشجان المشحونة في هموم الروح وخلجاتها , وتطلقها دون عوائق وحواجز , بل انها تستخدم حرية للخيال الشعري , أن يخلق ويصوغ الرؤى الشعرية والمضامين الفكرية التي لها صدى ورنين في رؤيتها , بين الواقع , والتناعم بالحلم والامل والحب , هذا التجنح المحلق في الفضاء الشعري في تداعياته المكونة , كأنها تخاطب الاخر العام , اي انها تنطلق من الذات الى العام , لتكشف حقيقة ثيمات الواقع المنخورة والمسلوبة في اشياءه , أو في مخلفاته التي تنتج بوادر الوجع والالم , في معاناة قاهرة , تجعل المرء مسلوب الارادة , يحترق بصبره على قارعة الانتظار . , ان ميزة الاسلوبية للشاعرة . انها تقدم الرؤى والصور الشعرية , في طبق جوهرها ولبها الكامن ف الدلالات التعبيرية , بعد ان تنزع عنها القشور , اي انها تنطلق نحو الهدف بشكل مباشر , لتصل مراميها التعبيرية الدالة في مدلولاتها العميقة . تتحرك بفعل آلية الفعل الضوئي , من السرد الشعري للحدث المعني والدال بعملية الاختزال والتكثيف , لتجعل المشاعر الحسية , تنبض وتتحرك بالنطق في مجسداتها الصوتية , بالتصوير والوصف في براعة الحس الجمالي الفني للتعابير الشعرية والفكرية , , التي تعتمد على خلفية واسعة من المعارف الواسعة التي تخزنها الذاكرة العقلية والثقافية , من بينها استلهام الموروثات الحضارية والدينية . التي تنظر الى الثالوث ( الضوء , المطر الماء ) اشياء مقدسة في عطاءها الدال بالنماء والخصب . لذا فان الرؤى الشعرية بدلالتها الايحائية والرمزية , تخاطب هذا الثالوث المقدس , لكي يضع بصماته على الواقع المهلك والمهلوك والمفجوع , ان يترك بصماته على جدران القلب . لكي يغسل الهموم والاحزان , ويطلق سراح مديات الحلم والامل , لتنتهي الحالة العبثة التي يعيشها الواقع , التي تجعل المرء مرميا على قارعة الانتظار , بجمرة الصبر الحارقة , التي ترهق بثقلها الوخيم على جدار الروح . في واقع مرهوص ومعجون بتراكم الثميات النازفة , التي تقوده الى التيه والضياع . لذلك تحاول انعتاق الواقع من اسره ومن شرنقته الاخطبوطية . حتى تضع الحياة على جادة الصواب , وليس بأن تكون مخزناً لتجميع عذابات الشاقة والمرهقة والثقيلة على الواقع الحياتي , بل تحاول تغيير مدايا الهموم ,بأن تجعلها تبتسم للحب والامل والحلم , لكي تنتهي الحالات المريرة , لكي تتعدى منصات العتاب والشكوى والمناجاة المريرة , من اجل ان يورق الحلم والامل بالاخضرار بالعشب والنماء . لذلك تستنجد بهذه المقدسات الثلاث ( الضوء . المطر . الماء ) وليس هناك سبيل ومخرج آخر , من الخروج من عنق الزجاجة , او الازمات الحياتية العاصفة . ان ينتهي الحزن الطاغي والمستبد للحياة والواقع . لان الذنوب والخطايا كبرت في جحيمها وعسفها على الحياة والواقع , ولا يمكن تحمل ثقلها اكثر , فلابد من غس وتطهير الارض والانسان ( البدن والروح ) , من الخطايا والذنوب , ومن الرج والدنس , التي غرقت بالانهار الدماء والفواجع , ولابد من تعبيدها وتطهيرها , هذه الحالة الفعلية مع الانسان هذا البلد , ان يزيل من روحه الشوائب والذنوب والخطايا , ان يغسل عذاباته حزنه , ليكون طاهراً , لكي تشع حياته بالحب والامل والحلم , وان تنتهي مرارة الانتظار . هذه الخطوط الفكرية التي تحملها تعابير القصائد , في شفراتها الايحائية والرمزية والايمائية . وهذا البيت القصيد . او ( مربط الفرس ) لقصائد المجموعة الشعرية , لنلقي الضوء على بعض القصائد .
1 - المطر :
هذه النعمة الالهية , لكنها جدبت بالجفاف وحرمت العراق من نعمتها . فأصبحت الارض بوراً تلعب بها الثعابين والاحراش والاشواك الوحشية , مما اشتدت وتصاعدت , ازمة الروح بالمعاناة والالم , فقد جفت الدموع من ان ترو الجفاف وعطش الاخاديد الجافة والشاحبة , مما جعلت الحياة , ان تسافر في قطار منهك ومتعب , يلوك العمر بالآهات . ان يضعها على قارعة الانتظا معذبة . فلا ولادة ولا انبعاث ولا عشب اخضر , فما بقى من سبيل , إلا رحم وشفقة السماء ان تذرف دموعها بالمطر , رحمة للعالمين , ان تنتهي المعانا الطاغية والمستبدة . لذا تستنجد بالسماء بالمطر , ان تطهر الارض من دنسه ورجسها وجفافها , ان تمنًّ السماء برحمتها , لتعود بسمة الحياة والفصول , لينتهي جور الزمان
مطر ..
متى تحن السماء
لتذرف المطر
يارب الخير والعطاء
إحمنا من جور الزمان
أطرح في ارضنا النماء
تعبت معاولنا من حفر الجفاف
جفاف ... جفاف
دموعنا التي تروي أكفنا
جفت ....
ملأت وجوهنا الاخاديد
غرست
في قلوبنا الحفر جفاف ....
متى يأتي المطر
يروي الحقول .. يروي القلوب
سأبكيك عمرا وانتظار
2 - تتراكم الرعود والبروق , بالاصوات المدوية , تحمل في طياتها الشؤوم محملة بمواسم الخوف والرعد والعبودية . محملة في بيارق الضياع والتيه . فالخريف طرد كل الفصول , واحراشه واشواكه احتلت الحياة والواقع , مما اصاب الحياة بالكهولة والشيخوخة والجفاف , تتشاحن في وهم الانتظار , وارتجاف اوجاع الالم . تتحرك هواجس الظلام لتلعب في كوابيسها , في عتمة التيه , لكي تغطي على الحقيقة الضائعة , التي تتقاسمها آهات الانين . هذه الوخمة الحياتية الوخيمة والثقيلة . فقد جف الواقع , لا نعول على ولادة من جديد , أوعشب اخضر يمتد من السهول والى القلوب . سوى يحصدنا الخوف والارتجاف والدموع نسكبها في قرعة الصبر , في مملكة حراس الرعب والاشواك والعبودية
كالدوي تسمعني
صوتي محمل بالرعود
بمواسم خوفٍ
وعبودية
مٌنجزر بالمديات الصاخبة
على سهول لوعة . .
تسمعني ... وفي أُذنك حرقة من طنين المتاهات
والمرافئ الخدرة بالزيف
تناسل البلور في دمي
أدمعا من خريف
لا تُنبي بعودة الفصول
أدمعا من ثلج على ثلج
لا يعول على الولادة
من جديد
يحصدنا معاول ارتجاف
3 - حالنا كحال النخيل , تموت وهي واقفة , يدهمها الجوع والالم والمعانا والجفاف , وهي واقفة . لم تنحني للعواصف والرياح الصفراء , بل انها اكبر من العذبات ملتفة بالزيف والخداع , تبتسم وهي في حرقة الانتظار , كما وانه تتنبأ بالفصول القادمة من لوعة الاحزان والاوجاع . فكل شيء يتحرك بالتأجيل احلامنا مؤجلة , انتظارنا مؤجل . ولكن نظل ندندن بهمسات الروح لتناغم م عيون السماء ونغازلها , بأن نظل واقفين كالنخيل . هذا قدرنا الابدي .
كما النخيل
لا ينحني ولا يستكين
لقيظ أو لبرد
ضاربا في الارض والجذور
السعف في السماء
ابدا سنلعب بالموت والجوع
ابدا سنبقى نقلب الرزق القليل
نبتسم للنخيل
للعذاب
تنقلب الفصول
تأتي وتزول
والاخضر المشعث لا يحول
ودماؤنا لا تحول
ابدا ستبقى تطالب
ديونها المؤجلة
حياتها المؤجلة
على مدى الدهر باقون
4 - لوعة الاشتياق : لا يمكن ان تخطف الحياة من الروح , الشوق والاشتياق فتبقى تداعب الوجدان وعواطفه في انفعالاتها , في همسات الامل , الى الطيور المهاجرة ان تعود الى اعشاشها بهزات الحنين , والحبيب يعود الى حب بأنغام الاشتياق , لان روحه تجري في عروق المحبوب , تجري بالحب والانين تجري في وجع المحرمات , التي تقف حائلاً في عدم التواصل الحبل السري للشوق والحنين , وهي مصلوبة على قارعة الانتظار , للقادم في عروق الروح , تسك اوجاعها في العتمة , وتتطلع الى الحلم في عشب اخضر , في صباحات مشرقة يستلهم الواح سومرية , التي كتبت العشق على صفحة الماء والمطر . كعراف غجرية تبحث عن وطن , قرأت ملامح الحب القادم من التيه , الى ملحمة الما والدم , لكي تنبت اعشاب الشوق والامل تتناسل في الف قصيدة وقصيدة في زم الانتظار , معطرة بالقبلات , في كل همسة تداعب اوتار القلب , في تخوم الليل , تترقب الفجر الاتي , فلا يمكن ان تخون الليل بالنوم , فالفجر آتٍ , في بساتين الامل , ان يعود الضياء الى العمر في نشوته الحياتية , لتحدق في البستان الغارق بالقمر , لتعلن عودة احلام المهاجر , لتعيد رسم الحياة من جديد
واتحول الى أرض خضراء وشمس
ألواح سومرية ومسلات
أبحث دوماً عن حروف لا يكتبها
تتناسل في الف قصيدة من زمن الانتظار
وحين يأتي الليل وترف الجفون
وتعلن احلام عودة المهاجر
أجاذب السهر !! ...
لن اخون ليلي بالنوم
احدق في بستانك
غارقاً في القمر
أقرأ الخيالات والصور
كعرافة غجرية
تبحث عن وطن
عن ملحمة الماء والدم
حين ابصر عينيك
سأعيد رسم ملامحك بالقبلات
5 - الى الانسان ..... نلسون ماندلا
الحلم لايمكن سجنه في زنزانة صغيرة . ولا يمكن كتم انفاس الحب والامل والسلام ولا يمكن ان تجف ينابيع المحبة والاخاء والتسامح , فتظل ترواد الروح على حلم مشرقاً في ضياء الشمس . ليخترق عين المستحيل , لينغمر مطر المحبة للاطفال والعشاق , يوعد بفجر جديد , يهدم اركان الليل والظلام , لتغرد الحناجر اغاني السلام , ليتحقق الحل المستحيل , من ينابيع السهول والوديان , ليعلو صوت الربيع في زمن المستحيل
والحلم انتشاء شمس في عين المستحيل
يناشد ختم السمرة
ان يوماً اليَّ المصير
مذ كان المطر فرحة ... طفل ..... عاشق ... مظلة
تناشد المستحيل
وفي البعيد
في عمق الرئات السجينة
من خلف القضبان عمرا ... حر
وهبت السلام .... نبياً
كم نحتاجك غيمة رحمة
تعويذة فرح
------
صعبة هي خيارات الخلود
واخترت ...... الحب ..... للخلود