إذا أمة لا تقرأ التاريخ:

حسن حاجي عثمان بن أوسو

إنهم ميتون ويواصلون الموت، ويمسكون دفترهم بيدين من نار وماء، ويحتمون في مذابحهم ويصبرون على أغنية النفور، ولكننا نحن الكورد مع الأسف أمةٌ لا تقرأ، أو تقرأ ولا تستفيد مما تقرأ- ومن العناوين المثيرة على اللسان، ونقول عن غيرنا (نحن لا نخشى أمة العرب، لأن أمة العرب أمة لا تقرأ)!، فالأمة التي لا تقرأ أمة غير مهيبة ولا مرهوبة، وهناك مشكلة أخرى، وهي أن الكثير من الشباب الذين يقضون وقتاً كبيراً في القراءة، لا يحسنون اختيار المادة التي يقرؤونها، فمنهم من يضيّع الساعات كل يوم في قراءة عشرات الصفحات من أخبار الرياضة، أو أخبار الفن، أو قراءة القصص العاطفية والروايات الغرامية والألغاز البوليسية، هم بالفعل يقرءون حروفاً وكلمات كثيرة لكن دون جدوى، وتمر الساعات والأيام والشهور والسنين، وماذا بعد كل هذه القراءات؟؟ لا شيء!!.
وهذا أمر في غاية الخطورة، فإذا كان للقراءة هذه الأهمية الكبرى، فإن المادة التي يجب أن نقرأها هي أيضاً من الأهمية بمكان، إذن فلدينا مشكلتان رئيسيتان:
الأولى: أن بعض الناس لم يتعودوا على القراءة، ويملّون سريعاً، وكلما علت همتهم وبدئوا في القراءة عادوا من جديد إلى الكسل والخمول، وهؤلاء في حاجة إلى وسائل تعينهم على القراءة وعلى الاستمرار فيها. أما الثانية: فهي أن بعض الناس يقرءون فعلاً، وينفقون أوقاتاً طويلة في القراءة، ولكنهم لا يقرءون لهدف معيّن، ولا يعرفون ماذا يقرءون لتصبح قراءتهم نافعة ومفيدة، وهؤلاء في انتظار حسن التوجيه إلى الموضوعات الأكثر نفعاً وفائدة.
إذاً ليكن هدفك من القراءة؟ ولماذا تقرأ؟
أنت تقرأ لأن الله عز وجل أمر بالقراءة، وقال لجميع البشر (اقرأ)، ولذلك فقراءتك طاعة لربك، أقرأ لتنفع نفسك في الدنيا والآخرة، فلا فلاح في الدنيا بغير العلم، ولا فلاح في الآخرة بغير العلم أيضاً، أقرأ لتنفع من حولك: أمك وأبك وأولادك وإخوانك وأخواتك وأقاربك وأصحابك, ومن تعرف, ومن لا تعرف، ولتصبح كحامل المسك لا يجاوره أحد إلا انتفع بشم رائحته العطرة.
أقرأ أيها الكوردي- أيضاً - لتنفع أمتك، لأن الأمة التي لا تقرأ - كما سبق أن أشرت - أمة غير مرهوبة، أمة متخلفة عن الركب، متبعة لغيرها، ولهذا فأنت تقرأ لتجعل أمتك في مقدمة الأمم، إنكم بالقراءة يا أخي تُرضي رب العالمين، وتنفع نفسكم، وتنفع من تحبون، وتنفع أمتكم أيضاً، لا شك أن هذه الدوافع العظيمة تُشعل حماستكم للقراءة، وطالما كانت في ذهنكم دائماً هذه النية فلن تغيب عنكم الضوابط التي ذُكرت في صدر سورة العلق، فأنتم تقرؤون باسم الله، فلا بد أن تكون قراءتكم على هذا المستوى، وعليكم أن لا تتكبرون بقراءتكم وعلمكم، لأنكم تعلمون أن الله عز وجل هو الذي منّ عليكم بهذه المنة وهذا الفضل.
في هذا الموضوع أسلط الضوء على المواقع الفاصلة، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ امتنا الكوردية المسلمة، والله - سبحانه وتعالى - قد قص علينا قصص السابقين، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين، لنتدبر فيها ونستقي منها العبرة، ونقرأ بين سطورها وفي ثنايا الدروس التي كتبها الله - سبحانه وتعالى - في قواعد محكمة،{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}،{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}.
وكما قضى الله - سبحانه وتعالى - بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا، وربط الشرط بالمشروط،{إن تنصروا الله ينصركم}.
غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها، ولا تخلد في أذهانهم ولا تبقى في عقولهم.
(اقرأ التاريخ إذ فيه العبر --- ضاع قوم ليس يدرون الخبر)
إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها ولا أن تخطط لمستقبلها، قال تعالى:{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى}، هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة، يظهر للمؤمن فيها قدر الله - عز وجل- النافذ وحكمته البالغة ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر من خلالها الصورة الحقيقة لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة.
إخوتي أبناء جلدتي : لا يخفى عليكم أهمية الوقت وقيمة استثمار الزمن عند أسلافنا من العظماء في تدوين التاريخ والعلم والمعرفة، وفي معرفة ذلك شحذٌ للهمم ودفعٌ للعزائم، واسترشادٌ وتأصيل وتأسٍّ بسير خير القرون، فمهما بلغنا في استثمار أوقاتنا في أنواع العبادات والطاعات، ومهما تنوعت دروسُ العلم وأوعب العلماء، ومهما بلغ اهتمامُنا بكتاب الله وانتشرت حلق التحفيظ وكثر الحافظون، وانتشر الدعاةُ ونشط الآمرون بالمعروفِ والناهون عن المنكر، ومهما تنوعت سبلُ الجهاد في سبيل الله، وأنّى كان المرابطون، وحيثما كانت الثغور، وكيفما أنفق الخيِّرون وأحسن المحسنون، مهما بلغنا في ذلك وغيره من مجالات الخير ففي تجارب سلفِ الأمةِ درس وعبرة، وفي جهادهم وأحوالهم هممٌ موقظة، وفي قراءة سيرهم دعوة للخير متجددةٌ مستمرة، وإذا كنا دائماً نتغنَّى بأمجاد السابقين فليست مآثرُهم قصصاً خياليةٌ نُسلي بقراءتها أنفسنا، وليست شخوصُهم دُمَاً مُحنَّطةً نظُنُّ أنه يكفينا أن نُمعن النظر فيها لتجلوا أحزاننا أو تخفف من مآسينا.
كلا فلابد من القراءة بوعي، ولابد من الجد والحزم، وتعالوا بنا لنصارح أنفسنا ونقارن بين واقعنا وواقعهم، ولنعلم الفرق بين استثمار أوقاتِنا وأوقاتِهم.
وحين المصارحة لابد من القولِ أن فينا من يحسُّ بالوقت عبئاً على كاهلِه لا يدري بماذا يصرفه، وكم هو مؤلم أن تسمعَ في مجتمعنا من يقول: تعال بنا لنضيع الوقت، وربما خفف العبارة آخرون فقالوا: هيا بنا لنقضي الوقت ومؤداهما واحدٌ إذا كان الاجتماعُ لتزجية الفراغ بما لا ينفع، وأشدُّ إيلاماً إذا كان الوقتُ يُقضى بما يضرُّ ولا ينفع.
إن حياة أبناء الكورد لا مكان فيها للإضاعة والتفريط، وإن جراحات الكورد لفتت أنظار الأعداء، فكيف تغيب عن الكورد فيظلون لاهين لاعبين؟.
وإذا أباح للكورد الترويح عن النفس ساعةً وساعة فذلك محكوم بضوابط اجتماعية، وأخلاقية والهدف منه تجديدُ النشاط والحفاظُ على النفوس من الكلل والملل، لكن أن تتحول الحياة إلى لهوٍ ولعب وإضاعة للوقت في معظم الأوقات وتصبحُ الجِّدِّيةُ واستثمارُ الأوقات حدثاً طارئاً وحالة استثنائية في الحياة فذلك انتكاسٌ في المفاهيم لا يُسأل عنه الأمة وسيحاسب عليها.
وقولوا لي بربكم: من يمضي سحابةَ النهار بالنوم، ويمضي ساعات الليل في السهر بما لا فائدة فيه وسواء كان على الأرصفة أو غيرها هل استثمر وقته واستفاد من عمره؟ والمصيبةُ أدهى وأعظم إذا كان هذا الصنفُ من شبابِ الأمة وأملِها في المستقبل؟ وإنه لحق على الخيرين أن ينصحوا لإخوانهم الغافلين وأن يصدقوا ويتلطفوا لهم في القول، فما خاب من كان سلاحُه في الدعوة: الصدق والإخلاص واللين، وإن في هؤلاء الشبابِ من يسمع ويستجيب، وفيهم طيبُ القلبِ حصيفُ العقل، لكنها الغفلة والشرودُ، ودواؤها الكلمةُ الطيبةُ، والموعظةُ بالحسنى، وعدمُ اليأسِ والإعراضِ والصدود؟.
إخوتي من أبناء جلدتي: كيف تستثمرُ وقتك في ساعاتِ طوال في مشاهدة الأفلامِ الهابطة، أو سماع الكلمات والألحان الغرامية الساقطة، أو قراءة الصحف والمجلات ذات الفكر المنحرف وحاملات الصور الرخيصة، والمتخصصات في أركان التعارفِ المشبوهة، والدعوة للعري والتحلل من القيم والفضيلة، وأهلك مشرد في أصقاع العالم.
إن من الخطأ أن نتصور أنّ عالم اليوم عالم غزو للفضاء فحسب، وننسى أنه عالمُ غزوٍ للأفكار رهيب، وعالمُ حربٍ للعقائد والقيمِ مُسَيَّسٌ مدروس، وإن من البساطة والتغفيل أن نتصور أن هذا المشهد المخرج يهدف إلى المتعة والتسلية لا أكثر، وأن هذا البرنامج المعد يرمي إلى الثقافة المجردة ليس إلا، كلا ، فطمسُ الهوية الكوردية وتذويبُ شخصيتنا والسيطرةُ على أدمغتنا هدفٌ يراهن عليه الأعداء، من الوسائل الحديثة.
أجل أحذركم من هذا الغول - ولكننا مع الأسف أمةٌ لا تقرأ، أو تقرأ ولا تستفيد مما تقرأ.
وكيف لا تثأر هذه العناوين، وتتعالى هذه الصيحات والمخطط مدروس والهدف مرسوم، واستشهد لكم أن سياسة الدول العظمى يقولون: {إن استراتيجيتنا يجب أن تتجاوز التعامل مع القادة إلى الشعوب، وذلك أن القادة قابلةٌ للتغير، وأما الشعوبُ فثابتة، ومن أهم وسائل تحقيق هذا التوجيه: التلفزيون، فهو الوسيلةُ القادرةُ بطبيعتها على السيطرة على أدمغة أبناء الأمة}.
وحتى يستيقظ الغافلون من أبناء أمتنا الكوردية وخاصة الطبقة المثقفة، وعسى أن يستدركوا، صيحتي ، إن هذه السياسة خطرٌ يهدد الجيل الجديد كله.