لسنا بحاجة للأصلاح في كوردستان
في الوقت الذي لانحتاج الى (الأصلاح) في كوردستان ، نرى أن موضوع الأصلاح بات اليوم حديث الساعة سواء في الشارع أو لدى السلطة ناهيك عن المعارضة وكل يدعي أنه الاصلاحي الحقيقي والاخرون يتقمصون ذلك الدور زيفآ وبطلانآ . هذا في الحين الذي يلاحظ فيه المرء ظاهرة غريبة مدعاة للتوقف والتروي عندها من أجل التفكير فيما يجري . اذ ترى أن كل الناس يشتكون من الوضع القائم ، حتى من بيدهم ناصية الأمور ومن يتمسكون بزمام القرار . قبل أكثر من خمس سنوات كنت في بيت أحد أعضاء المكتب السياسي لحزب كوردستاني متنفذ. فوجئت بالرجل عندما تحدث لي عن الفساد المستشري في الأقليم وأظهر امتعاضه الشديد عن كل ما يجري !!. في حادثة أخرى من الحوادث العديدة ، أخبرني أحد الأصدقاء أثناء تواجده في المقبرة يوارون أحد معارفهم الثرى ، أنه سمع مسؤولآ بارزآ في مدينة دهوك يشتكي لصاحبه ويبدي تذمره من هذه الحالة المزرية التي نعيشها في كوردستان !!. ولايخفى على أحد أن رئيس حكومة الأقليم نفسه قدم استقالته أكثر من مرة ، الا أنها قوبلت بالرفض !!. الكل يشتكون من الفساد والكل متهمون بالفساد والكل يبغون الأصلاح أو يدعون ذلك دون أن يصلح الحال !! . ان هنالك ثمة مشكلة معقدة ذات جذور عميقة . ولكن هل حقآ نحن بحاجة الى الأصلاح لتجاوز هذا المأزق؟. اذا كان الأصلاح يعني رجوع الحال الى ماكان عليه قبل طرودالفساد عليه على حد قول المفكر المغربي (محمد عابد الجابري) . فأن على المرء أن يفكر مليآ في التاريخ الكوردي القريب والبعيد ، ثم يقرر فيما اذا كنا فعلآ بحاجة الى الأصلاح . أي اعادة الحال الى ماكان عليه قبل أن يصيبه العطب . فأنا شخصيآ بقدر معرفتي بالتأريخ لا أكاد ألمس حقبة من التاريخ الكوردي كان فيه الحال صالحآ لم يطله الفساد ، اللهم الا اذا كان مدعوا الاصلاح يقصدون تاريخ امبراطورية ميديا قبل سقوطها بسنوات ، والا فلا يوجد معنى آخر للاصلاح في كوردستان غير العبث . لاسيما اذا قررنا الرجوع الى فترة من فترات تجربة (الأقليم) طوال عشرين سنة المنصرمة ، فكلها مليئة بالعثرات والهفوات والأخطاء العظام .
تركت الجابري محمد عابد ، جانبآ . وبحثت في موسوعة علم الاجتماع عن (الاصلاح الأجتماعي) ، لم أجد فيه ما يشفي غليلي وما يمكن أن ينتشل حالتنا المتردية في كوردستان . وبينما أقلب الصفحات وأفكر في الوقت نفسه ، حتى وجدت ضالتي في (التغير الأجتماعي) كما هو معرف في هذه الموسوعة بأنه (الأنقلاب الذي يحدث في بنية المجتمع ، هذا الأنقلاب الذي ينقل المجتمع من مرحلة حضارية واطئة الى مرحلة حضارية راقية ومتطورة) . اذن الأمر متعلق بالتغير ، وليس اعادة الحال الى ماكان عليه قبل أن يصيبه الفساد . خاصة بالنسبة لأناس انقطعوا عن (الصلاح) منذ اكثر من الفين سنة . لذلك فنحن بحاجة ملحة اليوم الى احداث تغير جذري على البنى التحتية والفوقية في المجتمع الكوردستاني وعلاقات الأنتاج فيه . واعادة تنظيم ذلك على أسس الأصالة ( orginality) حيث هي (كل شيء جديد ومبتكر ويختلف كل الأختلاف عن ما هو معروف ومتداول بين الناس) ..
الأمر هنا لايتعلق بالسلطة والمعارضة ، فكلا الطرفين لايختلفان بالنوع وانما بالدرجة فقط ، والا لصوت الشعب للمعارضة في ظل هذا الاستياء الذي يكتسي الساحة الكوردستانية . انهم ينتقدون السلطة ويصوتون لها في الوقت نفسه ، لأنهم لايرون في المعارضة بديلآ حسب اعتقادهم ، ويبقى الناس يبحثون عن خلاص ، لن يجدوه في (الأصلاح) لأن هنالك أزمة موغلة في العمق تتعلق بذهنية الأنسان الكوردستاني الذي أصبح ينظر الى العالم المتطور بعينيه ، بينما لازالت عقليته مترنحة عاجزة على تخطي ماأعتراها بفعل التاريخ والتراث والدين . ان هذا المجتمع يحتاج الى (اعادة التشكل) والا سيبقى في تخبطه يبحث عن الترقيع والتخدير دون جدوى .
لقد مرت سنوات منذ كتابتي لسلسلة (نقد العقل الكوردي) وتركيزي في سلسلة (نقد المجتمع الكوردي) ، على احداث تغير فعلي في كوردستان عن طريق خلق تفكير جديد وانسان جديد ، وعقد اجتماعي جديد يواكب الرقي والتطور ، مبني على أسس العدالة الأجتماعية . لأننا نعاني من مشاكل بنيوية بالغة التعقيد على صعيد الفكر والسياسة والمجتمع .

ئارام باله ته ي
ماجستير في القانون
aram_balatay@yahoo.com