في صعود شنكال وسقوط الأقنعة



هوشنك بروكا


بالنظر إلى ترف وبذخ المهرجانات الثقافية والإجتماعية الكثيرة، فضلاً عما بينها من سياسة وأحزاب كثيرة، والتي تنعقد بين زمانٍ وآخر، في "كردستان المسيار" الكثير، كان مهرجان الشنكالي الفقير خدر للثقافة، الذي بدأت أعماله في ال22 من تموز الجاري في "فضاء" شرفَدين وما تبقى له من لحنٍ وطنبورةٍ، وذلك تحت شعار "شنكال قلعة الفن والصمود"، كان مهرجاناً تحت عادياً، بإمكاناته البسيطة شبه المعدومة، وفعالياته الأقل من عادية، فضلاً عن دعم كردستان مادون العادي له، و"للمتطوعين" القائمين على أعماله.


أتحدث عن "مادون عادية" هذا المهرجان، ليس انتقاصاً من شأنه، بالطبع، ولا من شنكال، أو من المثقفين الشنكاليين، الذين بذلوا كلّ ما في وسعهم، للخروج ب"شنكال موحدة واحدة، لأجل ثقافة واحدة"، أرادوا أو تمنّوا لها أن تكون، وإنما فقط لأذكّر هولير الكردية، والنائمين في عسلها الكردي الباذخ، بأن "ما هكذا تورد الإبل يا فوق كردستان"؟

ما هكذا تُكال الكردياتي بمكيالين؟

ما هكذا تُلدغ شنكال من الجحر الكردي ذاته مرّتين؟


صحيحٌ أنّ مهرجان "فقير" الأغنية الشنكالية، الذي جمع الشنكاليين الفقراء، من فقرٍ واحد، على لحنٍ واحد، قادم من ذاكرة فقيرٍ واحد، وفي فضاء مزارٍ فقيرٍ واحد، لم يكن "مهرجاناً باذخاً" بموائده، وتشريفاته، وإيتيكيتاته، كما عوّدتنا "هولير البطرانة" على مهرجانات الترف الكردي، إلا أنه كان مهرجاناً غنياً، في رمزيته، ووحدته، وشنكاليته، وأصالته.


الجديد الشنكالي الغني في هذا المهرجان، هو أن القائمين على شئونه، أرادوا له أن يكون مهرجاناً شنكالياً، من الأغنية إلى الأغنية، ومن الثقافة وإليها، خارجاً على النشازات السياسية والحزبية، التي قتلت شنكال حتى اللحظة، ولا تزال تمشي في جنازتها.


لا علم لي بدقائق وتفاصيل قيام وقعود هذا المهرجان، لا قبل حدوثه ولا بعده، لكن ما نُشر حوله خلال الأيام الماضية، من مقالات وتعليقات وقصاصات ومؤاخذات، وتصريحات وتصريحات مضادة، يؤكد أمرين:

الأول: خروج الثقافي على السياسي، في شنكال، نسبياً، لأول مرّة منذ 2003. فكان حضور الثقافة في المهرجان على حساب السياسة، لافتاً.

الثاني: محاولة الخروج بشنكال من أزمة "الهويات القاتلة"(والتعبير هو عنوان كتابٍ قيّم لأمين معلوف)، لإدخالها في صلب "هويتها الواحدة" المتصالحة مع ذاتها أولاً، والتي حافظ عليها الشنكاليون، طيلة تاريخهم الواحد المديد.


لكن المستنتج أو المستنبط مما مورس من سياسات المنع والمقاطعة، والغياب والتغييب، والتهديد والترغيب، من جهة القابضين على شئون "كردستان شنكال"، في الحزب والدولة، ضد المهرجان، وبحق بعضٍ غير قليل من المدعوين إليه، يؤكد بجلاء أنّ هؤلاء "الممانعين"، كردياً، لا يزالون يراهنون على "سياسة العصا والجزرة"، ل"تفرقة" شنكال والشنكاليين، وضرب المزيد من شنكال بشنكال، على طريقة "فرق تسد"، وإلا ما الذي يضير كردستان، في أن تتحد شنكال في أغنيتها؟

ما الذي يضير الفوق الكردي، في أن يلتف الشنكاليون، على اختلاف جهاتهم الآيديولوجية والحزبية، حول جبلٍ لا يزال يغني لكرديةٍ واحدة؟

ما الذي يضير القابضين على "الأمن الكردي" في شنكال، في أن يؤمّن الشنكاليون، ملاذاً آمناً لأغنيتهم؟

ما الذي يضير هؤلاء الأكراد، في أن يجتمع أكرادهم(الأصلاء) على شنكال أصيلة واحدة، غنّت ولا تزال في حضرة سماء كردية واحدة؟

ما الذي يضيرهم، في أن يكون الشنكاليون أغنيتهم؟

ما الذي يضيرهم في أن يدخل الشنكاليون زمانهم ومكانهم؟

ما الذي يضيرهم، في أن يقيم الشنكاليون في تاريخهم؟

ما الذي يضير أهل كردستان، في أن يكون الشنكاليون كردستانهم، على طريقتهم الخاصة، كخصوصية جبلهم، من دين أغنيتهم إلى دين شرفدينهم؟


ثم ماذا يعني أن تمنع شنكالياً، من أن يكون شنكاله، مكانه وزمانه، أغنيته وثقافته، اختلافه وخصوصيته؟

ماذا يعني أن تمنع كائناً موجوداً في أن يكون وجوده المختلف، الذي خلقه الله عليه؟

ماذا يعني أن تتغنى بالحرية وما وراءها، وتمنع الأغنية ذاتها، على أهلها، في الحرية ذاتها؟

ماذا يعني أن تركب الديمقراطية وأخواتها، وتسمي نفسك وخيمتك وحزبك بها، وأنت لا تمارس سوى عكوسها؟


هؤلاء الداخلين، لا بل المتدخلين في كلّ صغيرةٍ وكبيرة في شنكال، وما يطوف حول جبلها، لم يكتفوا بمقاطعة وممانعة الأغنية الشنكالية، ومهرجانها الأول فحسب، وإنما منعوا أيضاً إبن الأغنية ذاتها، والجبل ذاته، من مشاركة أهل المهرجان في احتفائهم الأول بذاكرة طنبورةٍ، حملها الراحل المحتفى به، أباه، زماناً كثيراً، من فاجعةٍ شنكاليةٍ إلى أخرى، ومن عشقٍ شنكالي إلى آخر، ومن حكاية تبغٍ إلى أخرى؟


لا شك أنّ لهؤلاء المقاطعين الممانعين أو "الممنوعين" و"المكتومين" مبرراتهم، ولكن ما لا شك فيه أيضاً، هو أنّ تلك المبررات لن تتجاوز أكثر من كونها مبررات آيديولوجية، حزبوية، ديكتاتورية، فوقية، إستعلائية، أكل الدهر عليها كثيراً وشرب.


قرار فوق هؤلاء بسحب مشاركتهم وكلّ من لفّ لفهم، في هكذا مهرجانٍ اتخذ من الأغنية سبيلاً أساساً له، هو في الحقيقة، "حجبٌ" لكل ما يمكن أن يؤدي بشنكال إلى حقيقتها: حقيقة وجودها وهويتها وأغنيتها وثقافتها وخصوصيتها.


مهرجان الشنكالي فقير خدر، الفقير بإمكاناته، كان غنياً في حدوثه الرمزي شنكالياً، وغنياً في زمانه ومكانه الشنكاليين، الذَين صارا شاهدين، ولأول مرّة منذ سقوط الصنم العراقي الأخير، على صعود الأول من شنكال:

صعدت شنكال الحقيقية مع فقير أغنيتها، إذن، وسقطت الأقنعة.

صعد الوجه الشنكالي، وسقطت ما فوقه من وجوهٍ مقنّعة.

صعدت الأغنية في شنكال، مع المغني التموزي الفقير، وسقط اللغط.

صعدت الشنكاليات(جمع الملحمة الشنكالية أو الموال الشنكالي) وسقطت الشعارات والوطنيات الفارغات.

صعد اللحن، إذن، على مثوى الفقير الشنكالي الأخير، وسقط النشاز.

صعدت الثقافة، وسقطت السياسة.

صعد الشنكاليون البسطاء، وسقط الفوقيون الإستعلائيون المتكبرون عليهم.

صعد الجبل المغني في شنكال، وسقط المتسللون إليه والمتسلقون على ظهره.

صعد التين، وسقط الخرنوب.


لا تنسوا صعود جبلكم وأغنيتكم وتينكم وتبغكم في التاريخ، أيها الشنكاليون، فمن نسى الصعود إلى التاريخ سقط منه إلى الأبد!

فلتصعد وجوهكم كي تسقط المزيد من الأقنعة من حول شنكال(كم)!