العلويون في سوريا.. سؤال اللحظة الراهنة
منذر خدام
الشرق الاوسط

منذ اندلاع انتفاضة الشعب السوري في سبيل حريته وكرامته، وبناء نظام ديمقراطي تعددي قبل نحو عشرة شهور والسؤال الذي يتقدم الأسئلة هو: كيف سوف يتصرف العلويون؟ ما هو موقفهم مما يجري؟ هل سوف يدعمون النظام حتى النهاية؟.. أسئلة كثيرة مشابهة.
من حيث المبدأ فإن تخصيص السؤال بطائفة بعينها يجعله سؤالا خاطئا وبالتالي ليس له جواب صحيح. خطأ السؤال يأتي، أولا، من كون النظام ليس نظام الطائفة العلوية، وبالتالي لا يشكل العلويون خلفيته الاجتماعية.. إضافة إلى ذلك، ثانيا، لا يصح البحث في النظام السياسي السوري بلغة ومفاهيم طائفية، عندئذ لن نحصل على معرفة صحيحة به. النظام السوري هو نظام في المصالح، وفي حقل المصالح ينبغي دراسته وتحليله للوقوف على عناصر القوة فيه والضعف. إنه نظام طغمة مالية أمنية شديدة المحافظة، استطاع خلال أكثر من أربعة عقود أن ينسج علاقات قائمة على المصالح مع فئات اجتماعية مختلفة بعضها حقيقي وبعضها فيه كثير من الوهم، لكنه الوهم الذي تحول إلى نوع من القناعة لدى كثيرين، ومثال عليه الوهم القائل بأن النظام السوري هو نظام علوي، وأن العلويين يشكلون خلفيته الاجتماعية، وبالتالي سوف يدعمونه حتى النهاية.
لم يعرف عن العلويين أنهم طائفيون، غير أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد هو أول من أنعش هذا الوهم لديهم من خلال تسلمه للسلطة في عام 1970 بانقلاب عسكري، معتمدا بذلك على مجموعة من الضباط العلويين. لقد أوهم كثيرا من العلويين بأنه أتاح لهم أن يتسلموا السلطة وأن يستفيدوا من مزاياها والفرص التي تتيحها، وأن يتحولوا إلى قوة حقيقية في المجتمع والدولة، وإذا ذهب ذهبوا معه. ومنذ ذلك التاريخ عمل بصورة ممنهجة على تكثيف حضور العلويين في المؤسسات العسكرية والأمنية، وفتح شهية جميع الضباط القادة على الإثراء غير المشروع. لقد أوهم العلويين بأنه يعبر عن مصالحهم، والحقيقة هي أنه جعل منهم أدوات لتثبيت حكمه فقط، وأن الجبال الساحلية حيث ينتشر العلويون هي من أكثر المناطق فقرا في سوريا.
بطبيعة الحال ما كان باستطاعة حافظ الأسد ولا ابنه فيما بعد أن يستمروا في الحكم مستندين إلى أوهام نسجوها من حولهم، حتى ولو آمن بها كثيرون، لولا أنه بالتوازي معها أوجدوا لحكمهم ركائز حقيقية قوية. من أولى هذه الركائز وأهمها هي الركيزة الأمنية، أعني قمع كل رأي مخالف وزجه في السجن. لقد كان حافظ الأسد يعيش رهاب المعارضة لحكمه لذلك لم يكن يتساهل مع أي رأي معارض أو مخالف حتى ولو جاء من أخيه، كما حصل فعلا مع رفعت الأسد في عام 1984. لقد استمرت هذه الركيزة في عهد ابنه بشار الأسد، بل وتم تعزيزها وحمايتها من المساءلة عن أفعالها قانونيا. لقد كان نصيب أبناء الطائفة العلوية من قمع حافظ الأسد وابنه الكثير، إذ يندر وجود بيت في الساحل السوري لم يتعرض أحد أبنائه للسجن. واليوم تلمع أسماء كثيرة في معارضة النظام ينحدرون من الطائفة العلوية، مثل الدكتور عارف دليلة والدكتور عبد العزيز الخير، والصحافية خولة دنيا، والروائيتين سمر يزبك وروزا ياسين والمترجم الدكتور ثائر ديب، وكاتب هذه السطور، وغيرهم كثير.
والركيزة الثانية هي بناء علاقات قوية قائمة على المصالح مع طبقة التجار والصناعيين ورجال الدين، من خلال إشراكهم في لعبة الإثراء غير المشروع ونهب مقدرات البلد. لقد تكونت في عهد حافظ الأسد طبقة واسعة النفوذ من التجار والصناعيين استطاعت أن تراكم ثروات خيالية قامت بتهريب قسم كبير منها إلى خارج البلاد. تقدر بعض المصادر الرسمية أن حجم الأموال التي تم تهريبها خلال حكم حافظ الأسد تزيد على 135 مليار دولار، كان لرجالات حاشية الحكم من أهله أو المقربين منه الحصة الكبرى منها. إضافة إلى ذلك فقد خلق تسيب الحكم وفساده شبكة معقدة من المصالح قائمة على الفساد ونهب المال العام والتهريب، وهي اليوم تعد من أكثر الشبكات دعما ودفاعا عن النظام بثبات وقوة.
والركيزة الثالثة هي تفريغ المجتمع من أي حياة سياسية أو مدنية طبيعية وتحويل جميع الأحزاب التي سمح لها بالعمل وفي مقدمتها حزب البعث وكذلك النقابات إلى مجرد أجهزة للسلطة تؤدي أدوارا أمنية بصورة مستمرة.
لقد تم امتحان جميع هذه الركائز سواء ما كان منها وهما أو حقيقة خلال الأزمة الراهنة التي تسبب فيها النظام ذاته، وللأسف تبين نجاحها حتى الآن. لقد صمدت مؤسسات النظام ولم يحصل فيها انشقاقات ذات مغزى، عدا المؤسسة العسكرية. وحتى الانشقاقات التي حصلت في المؤسسة العسكرية لا تزال في نطاق أفراد أو مجموعات من الأفراد الذين يرفضون تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، ولم تتوسع لتشمل وحدات عسكرية أو تشكيلات كبيرة. لا تزال أيضا المؤسسة الدبلوماسية والحزبية للنظام متماسكة ولم يحصل فيها أي انشقاق حتى الآن، والسبب في ذلك لا يقتصر على طبيعة المصالح التي حققها النظام لأفرادها، بل لتهديده الواضح لكل موظف كبير في الدولة بأن أهله وأقرباءه سوف يكونون موضع مساءلة وعقاب في حال انشقاق أي منهم.
ونجح أيضا في المحافظة على دعم طبقة التجار والصناعيين له، وقد تمثل ذلك في الاستفادة من نفوذها لمنع خروج سكان حلب ودمشق في المظاهرات الاحتجاجية ضد النظام بصورة جماهيرية كما حصل في محافظات أخرى.
ونجح أيضا في الإبقاء على دعم فئة رجال الدين إلى جانبه. والأخطر من كل ذلك أنه نجح إلى حد بعيد في استثمار خوف العلويين والأقليات الدينية الأخرى في دعمها له. وفي هذا المجال استثمر على نطاق واسع ما حصل في العراق وليبيا من اقتتال وتدمير وتهجير للسكان، إضافة إلى التصريحات والدعوات الطائفية غير المسؤولة التي صدرت عن بعض الأفراد المشاركين في الحراك أو المحسوبين عليه لتخويف الناس من التغيير المقبل. غير أن صمود الشعب السوري أمام آلة القمع المنفلتة من أي ضوابط أخلاقية أو سياسية أو قانونية، التي زجها النظام في مواجهته، أذهل قوى النظام وجعله في حيرة من أمره، فكلما تغول في القمع ازداد الشعب صلابة في مقاومته. إنها بداية سقوط النظام الاستبدادي وانبلاج فجر الحرية والديمقراطية.. إنه المستقبل الذي يستحقه الشعب السوري بجدارة. لم يعد يشك أحد اليوم في حتمية سقوط النظام، لكن يبقى التساؤل: متى؟! وبأي ثمن؟!