داود ناسو: قراءة في الواقع الايزيدي

"كم هما مخضبتان بالدم مقلتاي ، لاوين امامك اعلن انكساري وهزيمة الزمان"
انتقلت القضية الايزيدية في الاونة الاخيرة من موقع المطالبة بالحقوق والامتيازات ، والمتمثلة اساسا بزيادة وتفعيل المشاركة الايزيدية في الحكم والادارة ، سواء على مستوى اقليم كردستان او على مستوى العراق عامة ، وتخديم المناطق الايزيدية بالخدمات الاساسية كمياه الشرب والارزاق والمدارس والمستشفيات .....الخ ، الى مرحلة اشد خطورة وبعدا وهي مرحلة الوجود او اللاوجود . فبعد احداث الشيخان وما رافقها من مضاعفات سلبية اثرت على العلاقة القائمة بين الايزيديين وغيرهم من اطياف المجتمع ، متجليا في اتساع الشرخ الاجتماعي الناجم عن الاختلاف في الروية الدينية – الاجتماعية ،الامر الذي ساهم ويساهم في زيادة الاحتقان بين الايزيديين والآخر المختلف روحيا . فالايزيديون وجدوا انفسهم عاجزين عن مجارة القوى التكفيرية العمياء فصبوا جام غضبهم وبشكل مخزي على فتاة في مقتبل العمر ، فكانت هذه الفتاة الوعاء الذي استفرغ فيه الكل الايزيدي فشله واحباطه في مواجهة واقعيّه الداخلي والخارجي .


هنا لا بد من الوقوف مجددا عند هذه الحادثة بغية استخلاص العبر والدروس :


1- لماذا قتلت هذه الفتاة : كما اسلفنا فان قتلها ناجم عن امرين اثنين: أولهما حالة الانكسار والاحباط التي يمر بها الايزيديون عامة والايزيديين في العراق خاصة ، نتيجة الشعور بالغبن والاحساس بانهم مواطنون خارج التصنيف ، عليهم ما على العراقيين عامة ، ولكن ليس لهم مالغيرهم . وثانيهما هو مجموعة القيم والمعايير الاخلاقية الناظمة للمجتمع الايزيدي . والتي هي في مجملها عصارة عادات واعراف اجتماعية عشائرية بالية ، وبالتالي فان محاولة البعض من النخب الثقافية والسياسية القفز على الحقائق وتصدير المشكلة ، بالادعاء ان الدين الايزيدي يخلو من نصوص تجيز القتل ، هو هروب مشين ومدان في مواجهة الحقيقة . فالاصل في الاشياء الاباحة وبالتالي فعدم النص صراحة على جواز القتل لا يعني بحسب مفهوم المخالفة ان القتل ليس جائزا . فلماذا تأخر بيان المجلس الروحاني والامير تحسين بك الى هذا الحد . اولم ترتكب جرائم شرف وراح ضحيتها اناس لا ناقة لهم فيها ولا جمل وبمباركة جهات ايزيدية مؤثرة ؟


2- التعاطي الاعلامي مع الحدث : أن النخب الثقافية والسياسية ، والتي ينبغي ومن حيث المبدأ ان تضلع بدورها الريادي في احداث الثورة المعرفية ، من خلال التصدي لكل هذه الممارسات ، لم تكن وللاسف الشديد بمستوى الحدث واهميته . فالبعض من الكل الايزيدي راح يتاجر بدم هذه المسكينة ، ليبرز نفسه امام اسياده بالمدافع النبيل عن القيم الانسانية . متناسيا هذا البعض من الكل انه من المشاركين في الجريمة . ولو بطريقة غير مباشرة، فراح ينحر هذه المسكينة صباح مساء ومازال.


3- نتائج قتل الفتاة : كنتيجة لهذا الحدث المأساوي وقع 26 فردا من الكسبة الايزيديين فريسة للارهاب القذر . واذا كان لا بد من الربط بين كل هذه المقدمات والنتائج فانه تجب الاشارة الى تداعيات الحوادث على نشاط النخبة الثقافية والسياسية الايزيدية في المهجر . التي تداعت الى عقد سلسة من الاجتماعات بغية تنظير الواقع الايزيدي للخروج بنتائج ،على ضوئها يتم التحرك لتفعيل القضية الايزيدية وتدويلها.


وفي هذا السياق عقد اجتماع في مدينة سله بغية التحضير لمظاهرة عارمة في مدينة بروكسل. وقد رأيت ضرورة تقييم كافة النشاطات والفعاليات التي جرت في اروبا وربطها بالاحداث الاخيرة ، ليتم الاستخلاص بعد ذلك الى قرار حاسم بضرورة القيام بهذه التظاهرة او تأجيلها الى اجل غير مسمى . بيد انه وللاسف الشديد لم تلق رؤيتي هذه صداً يُذكر، وعلت الاصوات بضرورة القيام بالتظاهرة بشكل ارتجالي غير مدروس . فطغت على المناقشات الروح الانفعالية ، وراحت اطراف تتاجر بدماء الابرياء من ابناء الايزيدية متناسين - وربما عن قصد - ان الايزيديين في الوطن انما هو في واقع الامر ضحايا مواقف وآراء النخب السياسية و الاجتماعية والثقافية التي تدّعي حرصها على الايزيديين والايزدياتية . فهناك حيث الوطن مازالت الطبقة المتنفذة والمتمثلة بالامراء والاغوات والباشاوات والوزراء والمستشارين ومن لف لفهم مازالت هذه الطبقة تتمتع بكافة الامتيازات وضمانات السلامة والوجود ، وهم ليسوا بحاجة الى مغادرة قصورهم حتى لقضاء ابسط حاجة . بينما يكتوي الفقير والمعدوم بنار الارهاب ، كونه أي هذا الفقير بحاجة الى تأمين لقمة العيش له ولافراد اسرته فهو مرغم على مغادرة بيته المتواضع بحثا عن رغيف الخبز وهذا ما لمسناه بقسوة قل نظيرها في تاريخ الايزدياتية في مقتل 26 عاملا ايزيديا فقيرا في طريق بحثهم عن لقمة العيش ، بينما الامراء والاغوات والباشاوات والوزراء والمستشارون ومن لف لفهم يتمتعون بالحماية والخدم والحشم


لايمكننا ان نكون سوداويين على طول الخط وعرضه . فإعمال العقل في هذه المرحلة مطلوب اكثر من اي وقتٍ مضى ، بغية التأسيس لواقع سلمي خلاق تسوده روح المودة والاحترام والتسامح . هنا نتسأل جميعا ما هو السبيل للخروج من عنق الزجاجة . فكما ذكرت في اكثر من مقام ومقال فان التداعي لعقد مؤتمر ايزيدي ضرورة تاريخية يفرضها الواقع الايزيدي نفسه . وهنا لابأس من مراعاة الامور التالية كمدخل لتجديد الايزيدية:


1- تشكيل لجنة مهمتها إعداد الدستور الإيزيدي الذي يجمع فلسفة وفكر هذا الدين ، ليكون دليل عمل لكل ايزيدي ويكون حجة للكافة وعلى الكافة ، ويلتزم كافة الايزيديين ببنوده ونصوصه بعد إقراره من المؤتمر العام والتصويت عليه من قبل كافة الايزيديين .


2- تشكيل مجلس أعلى يتولى مهمة ادارة شؤون الإيزيدية السياسية والإجتماعية والإقتصادية.


3- تشكيل مرجعية دينية بدون سلطات سياسية مهمتها تفسير النصوص والإشكاليات الناشئة عن تفسير بعضها. يخصص جزء من ريع المزرارت ومخصصات الإيزيدية كرواتب ومعاشات لهذه المرجعية . التي لا يحق لها ممارسة أعمال آخرى خاصة تلك الدائرة بين النفع والضرر.


4- تفعيل دورة المرأة من خلال الإهتمام بتوعيتها وإعطاءها فرص التعلم أسوة بالرجال ، لأنها الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأسرة ، وإكرامها من خلال إلغاء المهور لما في هذه المهور من إهانة وامتهان لكرامة وانوثة المرأة مما يجعلها سلعة كغيرها من السلع ، تباع وتشترى ، وضمان حقوقها كافة إذ أن المرأة محرومة من حق الإرث تماما في العديد من مناطق الايزيدية ، كما انها لا تملك حق مخالعة زوجها مهما استبد هذا الرجل وتمادى في غيه وجبروته ، كذلك النص على تحريم الزواج من أكثر من أمراة ، وفي هذا السياق يكون من الافضل التقدم بمشروع قانون ينظم الأسرة .


5- النص صراحة بقرار اميري بتحريم قتل النساء لعلة التزاوج من غير الطبقة او الديانة .


6- الغاء "الفتو" الاتاوات التي يجبيها الشيخ والبير من المريديين ، وتأسيس صندوق الخيرات الايزيدية في كل منطقة يبلغ تعداد الايزيدييين فيها 100 شخص واكثر .


7- وللحديث بقية .......................................!


داود ناسو