حول لغة بعشيقة وبحزاني

يبدو ان اسم الحاضرتين سرياني ارامي المنشأ والمعنى يدخلان ضمن سلسلة الاسماء التي تبدأ بحرف الباء كما في بغديدا, وبرطلة وباطنايا وباعذرا ….الخ ، وهي كثيرة في المنطقة جاء تزامنها مع التوطين السرياني الاول وبلهجاتها المختلفة والتي تنبع من اصل واحد.
بالرغم من اهمية وشهرة القريتين لم تتحفنا المكتبة لحد الان بكتاب يتناول تاريخهما ولم ترى النور لحد الان دراسات عميقة عنهما وجذور سكانهما الاصليين فيما اذا كانوا قدماء او جاءوا عن طريق هجرات مثلما هو معروف سابقا كانت تاتي هجرات كثيرة الى وادي الرافدين وكان يستوعبهم جميعا، ولهذا نرى الموزاييك السكاني المتشابك فيه.
ان هذه المقدمة ليس موضوع دراستنا حيث اتينا به لارتباطه بالموضوع الذي هو كلام وملاحظات عن اللغة التي يتكلم بها سكان القريتين وهي في نفس الوقت ليست دراسة معمقة عن مفردات اللغة من كلمات وافعال وجمل فهي متروكة للعارفين بحيثياتها والباحثين في اللغات واللهجات ومنشا الشعوب ، بل أن هدفنا هو ان يقوم باحثينا بالنبش والتنقيب عنها. مثلما هو معروف ان الايزدية يشكلون النسبة الاعلى من سكان القريتين ويتكلم اتباع جميع الديانات فيها نفس اللغة وهي وسيلتهم الاساسية للتفاهم وتطغي على السكنى الحديثي العهد فيها , مثلما هي قاعدة ازلية ان لغة الاغلبية تسري على الافراد والاقلية.
ذكرنا ان الايزديون يشكلون النسبة الاعلى في القريتين واللغة هذه تعنيهم وتنسب اليهم قبل غيرهم ، ان تاريخ الايزدياتي ليس مكتوبا بشكل عام غير نتف قليلة تتداول على شفاه الناس وتطفو ا بين سطور بعض المقالات كما ليس هناك شئ مدون عن مجئ الشيخ آدي {عدي بن مسافر} الى المنطقة والطريق الذي سلكه الى لالش. وتقول المعلومات المقتضبة بان سكان القريتين { القوالين } تحديدا كانوا معه ومن مرافقيه واستخدمهم في مراسلاته مع الشام وانيطت بهم مهمة حفظ الادب الديني وسرد القصص عن الشيخ عدي المتصوف جدا وذي الكرامات الخارقة وذلك باعتراف اقرانه لا المؤيدين له فقط بل المخالفين له من ذلك الزمان هذه القصص والاحداث تاتي سردها بين سطور الاقوال الدينية التي يتلونها رجال الدين.
ليس معلوما فيما اذا كان الشيخ آدي يتكلم اللغة الحالية لاهل القريتين اوالعربية الفصحى وما هي بالضبط لغة الام التي كان يتكلم بها علما ان جل الادب الديني الذي الف في زمانه وفيما بعده هو باللغة الكردية مع دخول بعض المفردات { المصطلحات } العربية في تركيبه وهذه هي الحال في مجمل الادب الكردي القديم كما عند احمدي خاني والى جكرخوين .
بعد الشيخ ادي تسلق الى قمة العدوية والايزدية حفيدي اخيه صخر وهما الشيخ حسن و فخرالدين المعروف بـ {فخرى مالا أ ديا } وقيل عن الشيخ حسن انه كان يتكلم عدد من اللغات بطلاقة ومنها الكردية وكتبا الاثنان عدد من الاقوال والادعية .
ما يؤسف له لحد الان لا توجد دراسات جادة ولا مراكز بحثية تتناول التاريخ الايزدي وتوثق الاحداث وحتى الفرمانات وتسرد لنا التاريخ بالشكل الحقيقي الذي كان عليه ، ولم يظهر لدينا علماء في التاريخ واللغة حتى ينقبوا ويحددوا كيف نشأت هذه اللغة او تلك اللهجة وما شابه ذلك فكلها اعمال اصابها الاهمال وربما المتعمد. وهنا تجدر الاشارة الى انه كان هناك مؤخراً دراسة قيمة للزميل صباح كنجي تحت عنوان " ابعاد ودلالات لغة بعشيقة وبحزاني" حيث تعتبر مدخلاً مهماً للتنقيب في هذه اللغة.
تقول بعض الالسن عن لغة بعشيقة وبحزاني انها تكونت نتيجة قربهما من الموصل والاحتكاك مع اهلها في التعاملات والتبادل التجاري ، وتذهب بعض التقديرات الى ابعد من ذلك ، اذ تقول انها لغة تأسست في مناطق بلاد الشام قبل قرون نتيجة الاختلاط بين اللغتين العربية والكردية ، وفي هذه الحالة تنتج لغة ثالثة وسبب هذا التداخل كان التبادل الاقتصادي بين افراد من ثقافات مختلفة وربما التحالف السياسي بين الامويين و شرائح من سكنة بلاد الشام ، ويدعم هذا الرأي والتقديرات وجود عوائل مبعثرة في أنحاء سورية وخصوصاً في حلب والجزيرة السورية يتكلمون هذه اللغة بالضبط كما في بعشيقة وبحزاني ويسمونهم بـ (محلمية) كما يتواجدون في ماردين ولواء الاسكندرون.
بالرغم من ان تاريخ بلاد الشام معروف واللغة السائدة كانت آرامية سريانية وبتفرعاتها في بلاد اشور وبابل ، الا ان هذا لا ينفي وجود اقوام اخرى في مراحل تاريخية اخرى ، وتحالفت مع الامويين القادمين من الجزيرة العربية , والغريب تكاد تنعدم في هذه اللغة أية مفردة آرامية سريانية ربما تجد فيها كلمات من اللغات الاقدم كالسومرية او اللغات الاجنبية .
أنها ليست لغة متكاملة العناصر وهي كالفارسية والتركية مع الفارق في قلة عدد السكان الناطقين بها. وهي مزيج من الكردية والعربية اللغتان المتجاورتان اللتان حافضتا على تركيبتهما.
فالكردية حافظت على نقاوتها لانزوائها عن الحياة الاقتصادية مع الاقوام الاخرى والاقتصار على الاكتفاء الذاتي لما تاتي بها الجبال وما جاورها من خيرات وثروات ، والعربية بعد اكتمالها وايجاد الحروف لتدوينها فاصبحت لغة كتابة وغزو وترجمة اثار اللغات الاخرى القديمة اليها ومن ثم حرق تلك الاثار القديمة كاجراء لنسيان التاريخ القديم لشعوب المنطقة. فجراء اسلمة الدولة الفارسية امتزجت الفارسية بالعربية فانتجت الفارسية الحالية وهي تختلف عن الفارسية الاصلية التي يحتمل الاكراد حافظوا عليها أكثر من الفرس انفسهم ، وكذلك قبل قرون خمس جاءت التركية الغازية ايضا لتخالط لغتهم شعوب ولغات المنطقة وبذا انتجت التركية الحديثة المليئة بالمفردات الكردية والعربية.
عودة اخرى الى لغة بعشيقة وبحزاني وباختصار انها ليست لغة اصيلة او تمتلك تاريخا قديما ، فهي كلمات مترجمة من الكردية الى العربية باوزان عشوائية وجموع كثيرة بلا قاعدة ولا زالت المفردات الكردية الباقية على حالتها تقدر بالمئات في وضعها الطبيعي ، وفي نفس الوقت انها بعيدة عن قواعد النحو والصرف العربيين ، والناس لايستطيعون النطق بجميع حروف لغة الضاد بشكل دقيق وتلزمهم ضعف كبير في التهجي ، ان عدم الدقة في لفظ اصوات الحروف يدل بشكل قطعي على ان اصولهم ليست عربية ، اما التعريب فقد اصابهم بدرجة كبيرة .
ومن الناحية الاجتماعية ترتبط القريتان بمحيط ايزدي كردي عام فترتبط مع الشيخان المسمى الولات وشنكال بوشائج كثيرة دينية ، تراثية ، اجتماعية ، اختلاط وزواجات وتراث ديني مشترك من اعياد ومناسبات وتقاليد في الزواج والدفن والطقوس الدينية ، وكذلك يشتركون في التشابه في الملبس وخصوصا الكبار ، اذا تركنا جانبا الغزو المديني وهو لكل الاقوام ، فالزي الكردي الشروال واليشماغ { الجمداني } وطريقة لفه في بعشيقة وبحزاني لا يختلف عن ختارى وباعذرا وخانك ، وللنساء ايضا الـ (رشك والميزر) والثوب الفضفاض والمنديل الابيض هي من اعمال وتصاميم وتقليد نفس الايادي اذا كانوا مستخدميها في بعشيقة او بنكند او شاريا. بالرغم من ان العنصر النسوي الشاب قد تأثر ايضا بموديلات أجهزة الاعلام والغزو الاوربي كباقي مناطق العالم والقريب مننا ايضا.
و كذلك هنالك صلة قربى وتقارب اكثر الا وهي { العشيرة } فتجدهم ينتمون الى خالتي وهكاري وختاري وماسكي وقائدي كلها عشائر ايزدية كردية الكلام والتقاليد والاعراف مما يدل على امتدادها نحو جميع مناطق الايزدية .
وما يعزز هذا الامتداد نحو الولات وشنكال الاسماء فلا زالت شمو وعيدو وخديدا وخرتو وسيفي وكولي وشمي وهي الاسماء التراثية التقليدية لجميع الايزدية وهي مرآة لنقل القديم والاصول وتبدل الاجيال في الحياة فعندما يقتل احد يتم تخليده بتسمية مولود جديد في العائلة باسمه او يتوفى الجد يخلد بتسمية الحفيد باسمه وهكذا على هذا المنوال حافظت القريتان على الاسماء التراثية لاسلافها مثل بقية الايزدية منذ قرون. بالرغم من الميل الى وضع اسماء عصرية كل من تاثره بما يغزو مخيلته فهناك من يضع اسماء عربية او اجنبية لمولوديهم ولابد لنا الانتباه الى اثر التعريب الذي اصاب المنطقة على مدى التاريخ وجعلت بعض الناس يسمون ابنائهم باسماء عربية وغريبة نشازعن طبيعتهم وتكوينهم الديني والقومي.
واخيرا لو كان سكان القريتين عربا او ادعى البعض بعروبتهم او لغتهم عربية لما تعلموا بيسر الكرمانجية بعكس العرب الاقحاح , فالكثير من الناس في القريتين يتكلمون الكردية بطلاقة الى جانب لغتهم الخاصة الخليطة ومنهم من يتعلم بسهولة دون دراسة وكلل .
لو كانوا عربا لاحتفظوا بلغتهم وتعصبوا لها وبقوا يلفظون حروف الضاد بشكل دقيق ولما قالوا العين البيزايي .
اسماء العشائر فيها كردية ولا تمت باية صلة بالعرب او باية اقوام اخرى غير الكرد الايزديين.
ابو جوتيار
3 اب 2007