المكون الأيزيدي في محافظة نينوى
الأكثر إستجابة للتغيير والتحضر




عبدالغني علي يحيى

يقيم المكون الكردي الأيزيدي في جنوب كردستان (كردستان العراق) وبدرجة رئيسة في المناطق الكردستانية المشمولة بتطبيق المادة (140) وينتشرون في قضائي سنجار والشيخان وقصبتي بعشيقة وبحزاني بشكل ملحوظ، وهم بحق من سكان كردستان الأصليين، مثلما المسيحيين من سكان العراق الأصليين، وكانوا في طليعة الأقوام التي اهتدت الى وحدانية الله، ولا يخفى على احد اشكال الاضطهادات الوحشية وحملات الأبادة التي سلطت عليهم على امتداد القرون وحتى في مطلع القرن الحادي والعشرين، انظر إلى مجزرتي تلعزير وسيبا شيخ خدرى بقضاء سنجار وحي النور بمدينة الموصل قبل أعوام قلائل، ولدى المؤرخين الخبر اليقين، واعود الى هذا المكون في عصرنا الحالي.
الملاحظ، أنه بعد سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003 وقبله فرض الحظر الجوي على جنوب كردستان ضمن خط العرض الـ36 وعلى اثر ظهور جملة من الأنشطة والفعاليات السياسية والثقافية والأجتماعية في القسم الكردستاني من محافظة نينوى وقف المتتبعون لشأنهم، على شغفهم بالثقافة والعلم والمعرفة والمدنية بصورة لافتة سيما في المجالات الثقافية، إذ صرنا امام كومة من الصحف الورقية والاكترونية مثل: شبكة لالش، دوغاتا كوم، لالش المانيا، خوشابا، بحزاني نت، بحزاني كوم، بعشيقة ـ بحزاني للأبد، كانيا سبي، أنا حرة، زهرة نيسان، شارستانيه ت، ديتنادن كوندي مه....الخ من الصحف والمجلات الورقية والالكترونية والتي يربو عددها على نحو (50) صحيفة ومجلة وباللغات: الكردية والعربية والانكليزية، يتم تحرير بعضها في كردستان واخرى في المهجر.
ولقد برزت جمهرة من الصحفيين الأيزيديين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: غسان سالم وهادي دوباني وخدر خلات ومصطو الدنايي والياس نعمو ختاري وكاوا عيدو ختاري وخضر دوملي. كما وظهر من بينهم كتاب مرموقون في مختلف الاغراض نذكر منهم: شمدين باراني وخدر شنكالي وعلي سيدو رشو وحسو امريكو.. وآخرون غيرهم. ومن بين الأقلام النسائية ويالكثرتهن أشير الى: سناء طباني و الأميرتين: عالية وعروبة بايزيد اسماعيل بك، ونسيمه شلال وسندس النجار..الخ من الاسماء الثقافية النسائية اللامعة. علاوة ما ذكرت فان مدنهم وقصباتهم وعدد من قراهم نجدها مرصعة بباقة من المراكز الثقافية والفنية، مثل: مراكز لالش، والمركز الثقافي الكردي في الموصل، ورابطة المثقفين الايزيديين وفرقة الفنون الشعبية في بعشيقة..الخ وللمثقفين الأيزيديين كل الفضل في احتضانهم لنقابة صحفي كردستان ـ فرع نينوى والمركز الثقافي الكردي في الموصل وذلك في بلدة بعشيقة، بعد ان تبين للمشرفين عليهما صعوبة مزاولتهما لانشطتهما داخل مدينة الموصل بسبب من الأرهاب. ويكاد المرء يعجز في الاحاطة باعداد الصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية والاجتماعية في المناطق الايزيدية بدءاً من بعشيقة وانتهاء بسنجار، الأمر الذي لا نعثر على مثله لدى المكونين الأجتماعيين المسلمين الكبيرين العربي والكردي في محافظة نينوى بالرغم من تفوق حجمهما على أحجام بقية المكونات الاجتماعية، يكفي أن نعلم ان قضائين عربيين في جنوب الموصل والجنوب الغربي منها، وهما: الحضر والبعاج وكذلك النواحي والقرى التابعة لهما، خاليان من الصحف والمراكز الثقافية والنوادي الاجتماعية بالمرة، وبمقدوري القول انهما لم يشهدا طوال تأريخهما، إنعقاد ندوة أو مهرجان ثقافي أو اجتماعي أو افتتاح معرض تشكيلي فيهما، علماً انهما وعلى النقيض من كثير من المناطق العربية في العراق يتمتعان بقسط من الأمن والأستقرار مقارنة ببقية المناطق العربية العراقية، والأمر من كل هذا، ان عقوداً من حكم العرب السنة للعراق لم تفلح في احداث تغيير في الاقسام العربية بمحافظة نينوى باستثناء مدينة الموصل التي تسكنها قوميات واديان ومذاهب مختلفة جنباً الى جنب العرب ويعود الفضل في نهضتها الثقافية الى المكون المسيحي والآباء الدومنيكان منهم بالذات.
أعود الى المكون الايزيدي لأقول من ان النشاط المتعدد الأوجه والاشكال والمضامين لا يقتصر على الألوان التي أوردناها بل يتعداها الى عقد ندوات سياسية وثقافية واجتماعية اسبوعية وشهرية وفصلية، فقرية (ختاري) تشهد في نحو كل اسبوع فعاليات ثقافية متنوعة رغم امكانياتها المحدودة، ولا أغالي إذا قلت انه لو أخذ، بالنسبة والتناسب ان جاز القول، لنرى كيف ان (ختاري) بزت حتى مدينة الموصل في مجال الفعاليات الثقافية والتربوية والسياسية. وعلى ذكر السياسية، فأن الايزيديين برهنوا على وعي سياسي رفيع سواء بعد انتفاضة عام 1991 أو سقوط النظام العراقي عام 2003 حين خاضوا المعارك السياسية السلمية بحماس منقطع النظير، فلقد تمكنوا من إحراز نتائج باهرة في الانتخابات التشريعية العراقية والكردستانية كذلك، ولولاهم لما تمكن التحالف الكردستاني في محافظة نينوى من الحصول على مقاعد تذكر في مجلس النواب العراقي والتي بلغت (6) مقاعد، لقد تقدموا على الكرد المسلمين في هذا المجال مثلما تقدموا عليهم في المجالات الاخرى في نينوى، في وقت لا يستهان فيه بالحجم الكبير للكرد
المسلمين في محافظة نينوى، ولا أجانب الحقيقة اذا قلت، ان عدد الكرد المسلمين داخل مدينة الموصل وحدها يفوق عدد إيزيديى كل المحافظة.
ان التقدم السريع للمكون الأيزيدي في فترة جد قياسية، ان دل على شيء فأنما يدل على أنه المكون الأشد إستجابة للتطور والآخذ بأسباب المدنية والرقي في نينوى، ويضاهي المكون المسيحي في مجال الاستعداد للتغيير والتقدم الذي كان اي المكون المسيحي، الى الأمس القريب ومنذ أيام العثماني المكون الاجتماعي الاكثر تحضرا و ثقافة في المجالات الثقافية والاجتماعية والعمرانية، فالنهضة الفكرية ونشر الثقافة في الموصل تما على يد مثقفي ومفكري هذا المكون وللأباء الدومنيكان منهم دور مشهود، يكفي ان نعلم انهم كانوا، السباقين الى فتح المدارس في الموصل وفي القرى والبلدات المسيحية في شرق الموصل وشمالها وكانوا السباقين في بناء الدور بالجص والحجر وليس الطين وعلى الضد من القرى العربية والكردية التي كانت والى الأمس القريب وما زال بعضها مبنية بالطين.
ان تطور الأيزيديين السريع والمدهش للغاية، مرده قبل أي شيء، أجواء الحرية التي وفرتها لهم الديمقراطية الكردستانية، فلأول مرة وفي ظل النظام الديمقراطي في كردستان، تبوأ الأيزيديون مراكز مرموقة في الحكومة الكردستانية وبدرجة وزير واعضاء برلمان ومسؤولي أقضية ونواحي، الأمر الذي لم يحصل مثله طوال اعوام الدولة العراقية، ومع كل ما حصلوا عليه، إلا ان العدالة تقضي بأقرار مزيد من الحقوق المشروعة لهم ليس في حكومة كردستان فقط إنما في الحكومة المركزية العراقية أيضاً. اضف إلى هذا السبب أنه لما كانت الديانة الأيزيدية من الديانات الكردية القديمة جداً، ولا ننسى ان الأديان القديمة غالباً ما تتسم أو تتميز بالبساطة والابتعاد عن البدع والطقوس الصارمة التي تحد من حرية وانطلاقة الأنسان، والدين الأيزيدي انموذج جيد للأديان المتحررة من البدع و..الخ. عليه، فأن ذلك كان من اسباب التقدم لدى الأيزيديين الذي، أي التقدم، جاء بمثابة طفرة، وفي فترة جد قياسية. فضلاً عن هذين السببين أو العاملين، فأن القمع المفرط غير المسبوق بحقهم والذي تقشعر له الأبدان ناهيكم عن افانين التمييز ضدهم، جعلتهم لا يفكرون بتسنم مراكز في الدولة بل وجهتهم الى التحرك في مجالات: الثقافة والفن والتي توفرت لهم في وقت متأخر للغاية، وبشكل مازالت النواقص تتخلله.
ليست الأسباب اعلاه وحدها التي دفعت بالأيزيديين الى ان يكونوا في مقدمة الاخذ بالتطور والحداثة في محافظة نينوى، فهنالك اسباب اخرى غيرها بعض منها و كانها متجذرة او متاصلة فيهم، فهم قلما ينزعون الى العنف والانتقام او الاخذ بالثار، وغيرها من التقاليد الاجتماعية غير الحميدة التي تعاني منها المجتمعات العراقية والكردستانية باستثناء المسيحية ، فالايزيديون على العموم اناس متسامحون على درجة من الوداعة الى حد اقترابهم من المبادئ التسامحية التي نادى بها المسيح و بوذا، وهكذا صفات تنسحب على معظم الاقليات في العالم ان لم نقل جميعها، ولكل قاعدة شواذ كما يقال.
يلي المسيحيين والايزيدية، الكرد المسلمون في تقبل العصرنة والتحضر والديمقراطية، فهم يتفوقون على القوميات الكبيرة في المنطقة من تركية وعربية وفارسية في التقبل ذاك، فالذي تحقق في ظل الحكم الوطني في كردستان على مدى(21) عاما من حكم الكرد لجزء من بلادهم في جزء من جنوب كردستان (كردستان العراق) مدهش بحق، ويمضي التغيير و اللحاق بركب الامم المتمدنة بوتائر سريعة، حتى ان بعضهم يتنبأ لكردستان بمستقبل سويسري ان جاز التعبير، فيما يتوقع اخرون ان تتجاوز اربيل او كردستان دبي او الامارات، وكل من زارها(اربيل) لا يستطيع اخفاء انبهاره بها . الشبيبة الكردية ميالة الى الاخذ بالحياة والتقاليد الغربية المتطورة في حياتها بشكل عام.وليس من وجه للمقارنة بين ما تحقق من منجزات لكردستان و بين ما تحقق منها في ظل نحو 83 عاما من حكم الحكومات العراقية للعراق، ويوما بعد اخر تتجه انظار العالم الى ما يجري من قفزات وطفرات في كردستان باتجاه مزيد من الرقي، ولو فتح باب الهجرة امام شعوب الشرق اليها، لغدا اهلها بين عشية وضحاها اقلية.ومع هذا فان الكرد الايزيديين ووفق (النسبة و التناسب) يتقدمون على اخوتهم في القومية،3 الكرد المسلمين، فامام الكم الهائل واللافت من الفعاليات التي ذكرناها للايزيديين، فان الامر يختلف لدى اخواتهم الكرد المسلمين المحيطين بهم، بالايزيدية، فلو غادرت بعشيقة اليزيدية الى الشمال الشرقي منها مرورا بقضاءي (بردرش) و (عقرة) تصا دفك مجلتان ثقافيتيان و سيا سيتان فقط (خازر) في بردرش و هي فصلية و تصدر بد عم من حكومة كردستان او الحزب الديمقراطي الكردستاني و (سيبه) في عقرة و تصدر بدورها من احدى الجهتين المذكورتين اعلاه و بينهما والى الحدود التركية فلا من صحيفة ورقية او الكترونية.جدير بالذكر ان الاصدارات الايزيدية في معظمها تقع على عاتق الافراد وقلة منها بدعم حكومي او حزبي ، و في جنوب و غرب بعشيقة حيث التجمع السكاني الكردي الشبكي الكثيف فان الوصنع الذي يسوده يشابه الوصنع السائد في الشمال الشرقي لبعشيقة.
و في قضاء سنجار الذي يغلب عليه طابع ايزيدي و يزخر في ذات الوقت با نشطة و فعاليات ثقافية واجتماعية وسياسية واعدة، فان الوضع نفسه في جواره، اي تلعفر و هو اضخم قضاء في العراق ويقطنه التركمان ، مختلف والا نشطة الثقافية فيه دون مستوى الانشطة الثقافية لعرب الموصل، ولا يتواجد التركمان في تلعفر فقط انما يتوا جدون في عدد من القرى القريبة من الموصل ايضا، يكفي القول ان تركمان تلعفر يتقدمون عليهم على تركمان الموصل باشواط و في المجالات كافة و ليس من وجه للمقارنة بينهما اطلاقا.
ختاما، تستدعي الاستجابة الايزيدية للتطور و التغيير، منا ان نتوقف اكثر عندها، و حسبنا انا اكتفيا بايراد هذا القدر المتواضع عنها. وثمة متسع امام الاخرين ليدلو بدلوهم فيها و ذلك اتماما للفائدة.


رئيس تحرير صحيفة راية الموصل-العراق.
Al_botani2008@yahoo.com