بحزاني نت حاورت المثقف والكاتب وسام جوهر حيث حدثتنا من ستوكهولم عاصمة السويد قائلأً :
ان واقع حال الايزيدية اليوم يفرز مجتمعات ايزيدية و ليس مجتمعا ايزيديا واحدا. فلكل مجتمع من هذه المجتمعات خصوصيته التي تختلف عن غيره. فايزيدية المانيا و السويد على سبيل المثال لهما خصوصية تختلف عن مثيلاتها في كوردستان والعراق و سوريا فلكل مجتمع اذن بيئته الاجتماعية الفاعلة المؤثرة على المجتمع الايزيدي الذي بدوره يتفاعل مع بيئته بغية تحديد هويته القديمة الجديدة. ان ما يصح من تغييرات لمجتمع ايزيدي قد لايصح بالضرورة لمجتمع اخر. ليس كل ما ينسب الى الايزيدي هو بالضرورة تراث و موروث ديني بل الكثير منه اجتماعي يعبر عن تاريخ طويل تفاعل فيه هذا المجتمع مع ذاته و مع تراث المجتمعات الاخرى و المحيطة منها خصيصا .

الإيزيدية إلى أين؟

ملف خاص ب"بحزاني نت"
حوار مع الكاتب
وسام جوهر

راي في حوار ترتيب البيت الايزيدي...الواجهةالدينية
تلقيت مشكورا دعوة الاخوة في ادارة بحزاني نت للمشاركة في الحوار الايزيدي القائم , حوار الاصلاح و التغيير. ها انا البي الدعوة املا ان تساهم مشاركتنا في اغناء الحوار بعيدا عن التشنجات و الشخصنة و ما الى ذلك من الامور الغريبة عن الحوار المتمدن حيث احترام الراي و الراي الاخر و اننا في نهاية المطاف نهدف جميعا الى ما فيه خير للجميع.
اذا ما نظرنا الى مجتمع ايزيدي ما نراه يعاني من تحديات كثيرة و في مقدمتها صراع البقاء في ارض الاباء و الاجداد على اثر التهميش المتعمد والذي استمر لقرون من الزمان و من ثم لاحقا على اثر التقلبات و التحديات السياسية الجديدة في العراق و اخيرا في سوريا و قبلهما في جمهوريات الاتحاد السوفيتي و على وجه التحديد ارمينيا و جورجيا. كان من الاولى طرح مشروع ترميم البيت الايزيدي من هذه الواجهة و ليس التغيير و الاصلاح المطروح من اجل الواجهة الدينية. على اية حال سندلي بدلونا في هذا الحوار.
عندما يعاني مجتمع ما من قيود و معضلات تثقل كاهله يصبح البحث عن التغيير ضرورة ملحة, اذ لاتغيير من غير توفر الظروف الملائمة فكل تغيير في الحقيقة انما هو عملية طبيعية بل حتمية فليس هناك ما هو ثابت و جامد, بل ان كل شيء في الطبيعة يجد نفسه في تغيير ازلي مستمر. و التغيير لايحدث خارج ظرفي الزمان و المكان. المجتمع الايزيدي بكل تاكيد بحاجة الى اصلاحات و تغييرات شانه بذلك شان المجتمعات الاخرى عموما و المجاورة على وجه الخصوص.
ان التغييرات المنشودة و الحوار الجاري لا يجوز لهما القفز على معطيات و ثوابت مهمة كي لايصبح الحوار غريبا على مادته. اولى هذه المعطيات المهمة هو ان واقع حال الايزيدية اليوم يفرز مجتمعات ايزيدية و ليس مجتمعا ايزيديا واحدا. فلكل مجتمع من هذه المجتمعات خصوصيته التي تختلف عن غيره. فايزيدية المانيا و السويد على سبيل المثال لهما خصوصية تختلف عن مثيلاتها في كوردستان والعراق و سوريا فلكل مجتمع اذن بيئته الاجتماعية الفاعلة المؤثرة على المجتمع الايزيدي الذي بدوره يتفاعل مع بيئته بغية تحديد هويته القديمة الجديدة. ان ما يصح من تغييرات لمجتمع ايزيدي قد لايصح بالضرورة لمجتمع اخر. لعل خير مثال على هذا الاصلاح المنشود بخصوص الخروج عن الطبقات و الزواج من خارج العقيدة و قبول الانتماء الى العقيدة. ان مثل هكذا اصلاح قد يكون مقبولا للمجتمعات الايزيدية المتواجدة في بيئات حضارية اجتماعية متقدمة لكنها قطعا غير مقبولة لبيئات اجتماعية و سياسية كالتي تسود بلدان مثل العراق و سوريا. اذن ليس من الحكمة التكلم عن اصلاحات و تغييرات عامة و شاملة من زاوية احادية النظر لان المجتمع الايزيدي و كما اسلفنا اصبح مجتمعات ايزيدية شاء من شاء و ابى من ابى.
ماتقدم لا يجب ان يفهم ان هذه المجتمعات لاتملك مشتركات عامة بل المراد من قولنا هو اخذ هذه الخصوصيات و المعطيات بنظر الاعتبار في حوار الاصلاح و التغيير. نرى ضرورة عدم خلط الديني بما هو ليس ديني. المجتمع الايزيدي هو كائن اجتماعي قبل ان يكون هوية دينية صرفة شانه بذلك شان المجتمعات و الاديان الاخرى. اذن ليس كل ما ينسب الى الايزيدي هو بالضرورة تراث و موروث ديني بل الكثير منه اجتماعي يعبر عن تاريخ طويل تفاعل فيه هذا المجتمع مع ذاته و مع تراث المجتمعات الاخرى و المحيطة منها خصيصا. فعلى سبيل المثال لا نجد نصا دينيا لدى الايزيدية يحرم اكل الخس او حلق الشارب او لبس الازرق او يمس لبس الانسان اصلا و عليه فان مثل هذه الامور لايمكن تبويبها ضمن المحرمات الدينية بل الى عادات اجتماعية قد نجد او لانجد تفسيرا لها ولدي الامر سيان طالما ان المجتمع الايزيدي واكب للتغييرات من حوله ولقد ترك الكثيرون هذه العادات دون ان يشكل ذلك مصاعب تذكر في حياتهم الدنيوية. نسجل احترامنا لليبرالية الديانة الايزيدية حيث انها حقا لا تتدخل في صغار امور الدنيا لتضيق هذه الدنيا على تابعيه. فمع جل احترامنا للاديان الاخرى نراها في الحقيقة تتدخل في اكلهم و لبسهم و الكثير من امور الدنيا و كأن المغزى من حياة الدنيا هو تسخير الانسان للدين واخرتها الموعودة المتوعدة.
ارى ان الجانب الاجتماعي يواكب التغيير بشكل طبيعي دون مصلح او مرشد. يبقى الجانب الديني وماهية حاجته الى الاصلاحات و التغيير. يبدوا لي ان الحوار تمركز حول الطبقات من عدمها و الزواج بين و من خارج هذه الطبقات! انا الراي عندي بان الايزيدية بحاجة الى امور اكثر اهمية من ازالة الطبقات حيث انها لا تشكل عائقا في تطور حياة الفرد الايزيدي الى درجة تستوجب كل هذا التركيز.
ان وجود طبقة من الابيار في حالة يصعب فيها الالتزام بالزواج من داخل طبقته يجب ان تعد حالة استثنائية و ارى ضرورة ايجاد مخرج متزن لهذه الحالة من قبل ذوي الشان. اما مسالة الكرافة بين افراد ذات الطبقة او حتى بين افراد الطبقات المختلفة اراها امرا غير مقبولا و لا مستساغا وانا شخصيا اجد ان الكرافة بين افراد المجتمع الايزيدي اما ان تلغى نهائيا او ان تبقى الى حيث يراها الايزيدي ضرورة اجتماعية , حصريا بين الايزيدي و المسلم اي كانت قوميته. الكرافة تبدوا لي وليدة حاجة تاريخية لمعايشة واقع خاص انذاك لتنظيم الصداقة الاجتماعية مع جاره المسلم دون المساس بمبداء "شريعة" فيما يخص الزواج من خارج العقيدة, اذ رفعت الكرافة الى منزلة اجتماعية مرموقة وصنف الكريف من بين محرمات الزواج. ارى نشازا كبيرا في كون شيخي او بيري كريفا لي في ذات الوقت!!!! و كما هو معلوم فان العرف الايزيدي يحرم الزواج بين الكرفان من ذات الطبقة الايزيدية لسبعة اجيال وعليه ارى ضرورة اخرى تستوجب ترك عادة اختيار الايزيدي كريفا للايزيدي.
في اعتقادي ان اكبر و اهم اصلاح او تغيير ان جاز التعبير يجب ان يكون تنقية النص الديني من قبل باحثين و مختصي الشان و جمعه في كتاب يصبح مرجعية موحدة حيث ان الاوان لاستحداث مثل هذا الكتاب. لاخوف على سماوية هكذا كتاب من عدمه فقدسية اي مصحف او كتاب لا ياتي الا من خلال ما يحتويه من قيم روحية. معضلة اخرى تستوجب التعامل معها تحت طائلة التغيير هي تغير هيكلية رجال الدين نحو هيكلية مؤوسساتية عوضا عما هو عليه الحال اليوم. لا بد ان يكون دور رجل الدين مفتوحا لكل من يرغب ان يحمل هذا الوزر ومن ثم لابد ان يتسلح رجل الدين عندها بالحد الادنى بمعارف الدين و اموره وهذا بدوره يتطلب مؤوسسة دينية تؤهل و تخرٌج و تصنف هذه الكوادر, الى جانب مهام اخرى. ان التحدي و الاصلاح الحقيقي يكمن في التحول من الحالة الجامدة في ادارة شون هذه العقيدة الى الحالة الديناميكية المؤوسساتية و هذا على اقل تقدير اسهلا قولا منه فعلا. اذ ما صح بالامس ليس بالضرورة و التلقائية صحيحا اليوم. على سبيل المثال لا الحصر نرى ان ادارة ووضع لالش في حالة يرثى لها ولابد من استحداث هيكلية مؤوسساتية تتولى كافة امور الدين.
هناك مسالة اخرى قد تثار على بساط الاصلاحات الا و هي عدم تبشيرية الديانة الايزيدية و عدم جواز تبني العقيدة الايزيدية الاٌ من خلال الوراثة و الولادة. على قدر اهمية هذه المسالة تاتي حساسية و خطورة هكذا طرح و خصوصا في دولة كعراق او سورية اليوم او حتى كوردستان اليوم حيث التناحرات القومية و الدينية و المذهبية بل حتى المرجعية ضمن المذهب الواحدو قد بلغت ذروتها. ان اي طرح من هذا النوع ليس في محله و لايمكن ادراجه ضمن باب المسوولية اذ يعرض المجتمع الايزيدي الى مشاكل هو في غنى عنها حيث يرزخ اصلا تحت وطأة غياب العدالة الاجتماعية و غياب دولة القانون و المساوات.
يضاف الى ماتقدم اجد نفسي مقتنعا بان هذا الامر اي عدم تبشيرية الديانة الايزيدية اذا ما نظر اليه من باب الضروررة التاريخية سيجد المرء ما هو مقبول خاصة في الفترة الزمنية التي لحقت ظهور الاسلام و ما الت اليه الامور تبعا لذلك حيث اصبح الاسلام دين السلطة بل استخدم ,بضم التاء و كسر الدال, الاسلام كوسيلة فعٌالة لتثبيت اركان السلطة من قبل الحكام على مدى مئات السنين فعلى سبيل المثال حكمت الامبراطورية العثمانية بسلاطينها المسلمة زهاء اربعة قرون مناطق شاسعة من ارض الله بما في ذلك كوردستان و كما هو معلوم ان الفرمانات ال 72 و التي اصابت الايزيدية على شكل القتل والتشريد الجماعي قد حصلت خلال هذه الفترة المشؤومة من تاريخ المنطقة. اصبح الاسلام الديانة السائدة في كوردستان حيث موطن الايزيدية و الاسلام يسمح بل يشجع دخول الاخرين اليه و يكفر خروجهم منها اذ يصبح الخارج مرتدا ويقع خارج موضوعنا شان المرتد في الاسلام. اين السلطة او القانون الذي يحمي الايزيدي المنتسب!!
في ذات الوقت لايجب ان ننظر الى هذه المسالة بتجرد من المكان و البيئة فما لا يصح في العراق او كوردستان ليس بالضرورة ان لا يستقيم في بيئة اوروبية حيث تتوفر الكثير من الحماية و المستلزمات الاخرى وهنا لا اتفق مع خلق طبقة سابعة تستوعب الايزيدية الجدد اذ لا يمكن الحديث عن نصف ايزيدي او ايزيدي مرشح او ما شابه ذلك من الوضعيات الضبابية. بل من الافضل قبول مبدأ الانتساب على اساس الايمان بالعقيدة الايزيدية, فالايمان لا يمكن ان يكون حصرا على افراد معيننين دون غيرهم و العقيدة الحقة يجب ان تكون ملك البشرية جمعاء. ان المجتمعات الايزيدية الجديدة تواجه تحديات حقيقية لا يستهان بها في صراعها من اجل البقاء, حيث ان استمرار المجتمعات الايزيدية الجديدة في بيئاتها الجديدة امر شبه مستحيل دون تكيفات ضرورية يحافظ فيها على لب العقيدة دون الخلط بين الاجتماعي و الديني.
دون انفتاح على المحيط تغامر المجتمعات الايزيدية الجديدة الاندثار نتيجة الاستنزافات المستمرة لصالح المجتمعات المحيطة. هنا تبدو الحاجة ماسة الى الكتاب الذي تطرقنا اليه سابقا, مترجما الى لغات المجتمعات الايزيدية الجديدة كالانكليزية و الالمانية و السويدية. ليس من المعقول ان تكون ايزيديا بالولادة و لاتعرف شيئا عن ماهية هذه العقيدة و طقوسها و ممارساتها.
ترميم البيت الايزيدي ضرورة ملحة و السؤال المطروح ما هو السبيل الى كل هذه الاصلاحات؟ بداية قد تكون صحيحة هو عقد ندوات و سيمينارات بعيدة عن التداخلات السياسية على امل الانتهاء بمؤتمر و ربما موتمرات عديدة من اجل الوصول الى مشروع يتبنى عملية ترميم البيت الايزيدي من واجهته الدينية.
للحديث صلة حيث ننتقل الى الواجهة الدنيوية من البيت الايزيدي المتصدع ......في مقال قادم
وسام جوهر
السويد18/03/2012