بحزاني نت حاورت الصحفي والكاتب
مصطو الياس الدنايي حيث حدثتنا من سنجار الفضاء الأيزيدي الأكبر قائلأً :

هناك حالة تهميش واضحة للوجود السنجاري في القرار الأيزدي العام بشأن المستحقات او الدور الذي يجب أن يكون عليه والمكانة اللائقة بنسبة أيزدية سنجار(المجلس الروحاني مثالاً).الهروب من أداء الطقوس الدينية والتقيّد بها أجده نابعاً من قلة الإيمان بالموجودات، والقوانين المطاطية التي أصبحت في متناول البعض لاستخدامها في سبيل تحقيق المآرب الشخصية او الفئوية على حساب حالة الكل.. وهذا ما يؤدي الى عدم الاهتمام بما يجري. الأيزديون متواجدون سياسياً وثقافياً، لكنهم متأرجحون اجتماعياً ودينياً.

الإيزيدية إلى أين؟

ملف خاص ب"بحزاني نت"
حوار مع الكاتب
مصطو الياس الدنايي

سينهض المجلس الديني من سباته عندما تصبح مطالب الجمهور الأيزدي مطلباً واقعاً لا مفرّ منه مبنيا على أساس طلبات أو ضغوطات رسمية تدعمها الدولة (سواءَ في الإقليم او في حكومة المركز). والأسس التي لا بد منها من أجل تطوير مجلس الروحاني هي التخلص من حالة الضعف والجهل والاستسلام للأمر الواقع.. إذ أن المشاكل التي تواجه الأيزديين والأيزدياتي صعبة وكبيرة وستكون أصعب كلما تقدم العصر والزمن، لذلك لا بد أن يكون هناك مجلس روحاني قوي يستطيع مجابهة تلك التحديات ولن يكون إلا باختيار أناس لهم فكر سياسي واسع وهذا الفكر مستند على ترسيخ مبدأ الأيزدياتي بكل الأحوال.
أما التوفيق بين الأيزديين الجدد والأيزديين القدماء، فصعب.. بسبب التشتيت وحالة التسيب في منظومة المجتمع ولن نغالي لو قلنا أن تركيبة الديانة الأيزدية بشكلها المنظور تكاد تكون عشائرية ومبنية على علاقات (الفرد، المجتمع، الأسرة) ببعضها البعض.. وهذه تؤثر بشكل مباشر على الديانة لان كل شخص يحدد طريقة تعامله مع الدين حسب أهوائه ورغباته او الضد من رغبات الآخر.
ويمكننا تعريف الأيزدي: هو مَن يتأثر بالأيزدياتي ويحافظ على ثوابتها (المهددة بالزوال لو لم يتم لها الحلول الصحيحة).. ويعرف ما هو معبد لالش المقدس ولماذا حُورِبَت ديانته سابقاً ولما هي منبوذة بنظر الآخرين.. هوية الأيزدي تثبته ديانته وقوميته المستندة على تعاليمه الدينية الخالصة دون تشويه او تأثر بالآخرين ولعل أغنية (بيتا لالش) خير دليل على تعريف الأيزدي وديانته، لا بل تعريف الأيزدياتي للأيزدي نفسه التي تحددها تلك القيم والثوابت.
كما انه لي رأي، ربما استنبطته من آخرين سبقوني في الكلام أو الكتابة ألا و هو (الدين والعلم او التطور لا يتفقان أبداً.. بحساب أن الدين شيء ثابت لا يجب المساس به والتطور او العلم شيء متواصل وقابل للتغيّر او التجديد).. وقد لا يكون هذا الرأي صائباً.. لكنني مقتنع به.. هذا ما أقصده في حالة الربط بين الدين وعصر العولمة.
وصعب جدا الحفاظ على العلاقة بين الأيزديين والأيزدياتي في ظل التغيّرات التي تحصل ومنها التي تتعلق بالهجرة الغرب.. لأن الجيل الحالي سريع التقليد او التأقلم مع الآخرين حتى بأدنى المستويات وأكبر التنازلات عن القيّم والثوابت التي افتخرنا بها دائماً.. وأصبحت هناك حالة تشبه الى حد ما الرضوووووخ.
أما طبيعة أو عادة تقبيل الأيادي طبيعة.. فأجدها ليست بمحلها رغم أنني شخصياً أتعامل بها كوني أعيش في مجتمع يعتمد على المظاهر أكثر مما هو اعتماده على الجوهر.. هذه الحالة تصل أحياناً إلى حد مسمى النفاق او الدجل، إذ كيف للمرء عمل شيء هو ليس راضياً به!!! مع جلّ احترامي لرجال الدين الفعليين أو كبار السن والذين يستحقوا كل أنواع التقدير.
نربط الهجرة من الوطن بالهجرة من الدين لأن الأيزدياتي مثل السمكة التي تعيش في الماء.. متى ما تركت مكانها تموت، في حين أن الأيزدياتي تضيع لو خرجت عن الدارة أو البيئة التي عاشت فيها، والأيزدي يعيش حالة الضعف بداخله لأسباب كثيرة تجعله يضيع كما أشرنا، بالإضافة الى كل الأسباب المتوفرة في بلاد الغرب والتي تحفزّ تخلي الأيزدي عن ذاته.
والهروب من أداء الطقوس الدينية والتقيّد بها أجده نابعاً من قلة الإيمان.. نعم قلة الإيمان بالموجودات، والقوانين المطاطية التي أصبحت في متناول البعض لاستخدامها في سبيل تحقيق المآرب الشخصية او الفئوية على حساب حالة الكل.. وهذا ما يؤدي الى عدم الاهتمام بما يجري.
أعود وأكرر.. ان الدين والحداثة لا يتفقان، والمؤسف أن ممَّن ينادون بالحداثة يعرّضون الدين بشكله العام للخطر لأن صيحاتهم غير مدروسة بما فيه الكفاية (سواءَ عن جهل بالأمور أو عن دراية). ويجب أن يكون الأمر بحيث يكون هناك خط متوازي وليس عكسي ما بين الدين والحداثة دون المساس بالجوهر، فالأيزديون أناس يتقبلون التأقلم مع الوضع الجديد دائماً ويمكن هذا يعود الى ترحالهم الدائم هربا من حالات تقويضهم ومحوهم التي عاشوها في فتراتهم المتلاحقة بسبب ديانتهم بحيث أصبح لديهم بما يشبه الخبرة في التعامل مع الأحداث الجديدة، لكن الخوف من هذا الأمر هو ما قد يدخل في اطار الدين عندما يترك المجتمع مبادئ أجداده الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على وجودهم الديني قبل البشري.. لذلك نستطيع القول في أن الأيزدية لن تكون حاجزا أمام العالم الجديد بشرط أن تكون الخطوات مسؤولة ومدروسة مع التأكيد في أن المجتمع الأيزدي برّمته قائم على أساس اجتماعي.. عشائري، وهذا ما يجعلنا أن نقول في أن المعوقات الاجتماعية هي التي تقف حائلاً أمام الدخول للعالم الجديد لأن القيل والقال في المجتمع تؤدي الى تفعيل مشاكل تصل حد التجاوز على الدين وأساسياته.
أما فيما يخص رجال الدين في المجتمع الأيزدي.. فالحل الأمثل في شأنهم هو إيجاد حلول مناسبة لهم والتي تتمثل بالدرجة الأساس توفير رواتب شهرية او مُنح لهم تفيدهم في معيشتهم أو إيجاد فُرص عمل مناسبة يستطيعون عبرها الاعتماد على لقمة عيشهم بكرامة واحترام.
ولا شك في أن رجل الدين بحاجة الى العلم والعلم.. ثم العلم، نقصد هنا بالدراسة على كافة أشكالها حتى الفلسفية كي يكون متضلعاً ويستطيع اثبات شخصيته في المجتمع الأيزدي وخارجه، وغير ذلك سنبقى كمجتمع نراوح مكاننا.. وستكون هناك فئة مستفيدة من الوضع دون غيرها مما يؤدي الى استمرار حالة التشرذم في الأفكار والتوجهات وحتى في أمر الدين.. ومتى ما أصبح الهرم الأيزدي مثقفاً بكل ما تعنيه الثقافة.. حينها لن يكون للأمية وجود في صنع القرار او التعامل مع المحيط بمجمل المسميات.. ولعل ما يجيش في أنفسنا أن المجتمع الأيزدي ما يزال يقاوم من أجل البقاء والابتعاد من أذى الآخرين.. وهذه الحالة تجعل من أفكارنا جميعا تصب بذلك الاتجاه دون التأكيد على المتطلبات الأخرى للديمومة والبقاء بشكل حضاري.
ومن أجل الظفر بنتيجة طيبة وبأقل الخسائر.. الأمر يتطلب مجازفة وجرأة وتضحيات.. يا ترى، هل هناك مَن هو أهل لها في خضم كل التحديات العشائرية والمصالح الذاتية وفي ظل حالة الخوف الدائمة من الآخر؟؟؟ لا أعتقد.. لأن المجتمع ليس مستعداً للتضحية وهو اتّكالي أكثر مما هو حركي.
تفتقد المؤسسة الدينية الأيزدية إلى أبسط مقومات المؤسسة بسبب حالة التشتيت في التوجهات المختلفة ومنها السياسية والخوف من المنصب او الكرسي الذي قد يذهب.. هذا من جانب، ومن آخر.. المجتمع الأيزدي يجابه أصعب مرحلة في تاريخه بسبب التحديات المختلفة والتي تجعل من أهل القرار السير في اسلوب ما يشبه المناورة والتأرجح الى حين(يحلها ألف حلَّال).
وما دمنا نقول في أن المؤسسة الدينية تبقى المسؤولة، لكن تعالوا واعملوا توافق بين التقويم المعمول به(في المناسبات والأعياد الأيزدية) حسب المجلس الروحاني متمثلا بسماحة بابا شيخ والأمير تحسين وبين تقويم رجال الدين الفقراء في منطقة سنجار.. مثالاً على حالات عديدة وما أكثرها في المجتمع الأيزدي حتى نستطيع القول في أنه ليس هناك سلطة حقيقية تدير دفة الأيزديين حتى تكون متهمة او مسؤولة (أي من الجهات هنا مسؤولة وأي منها السبب في تعطيل التوافق المطلوب؟ سؤال لا زال يشغل الأيزدي نفسه، فما بالكم الذي يتابع الأيزديين من خارج الأسوار!)، مع الاشارة الى وجود هفوات تضع تلك المؤسسة في خانة المسائلة ولاسيما ما يحدث في معبد لالش من حالة مزرية أيام الحج والعوائد المادية أثناء الحج إليه وباقي المناسبات.
أما بخصوص الحلال والحرام وفق قوانين المؤسسة الدينية.. مرَّت أحداث ومناسبات أنا عايشتها فترة الثمانينات وما بعدها رغم صغر سنّي حينها، جعلتني أفهم قوانين مؤسستنا الدينية بحيث تكون مطاطية في التعامل مع الأمور ولعل حالة تحريم العائلة التي لم تكن تملك نفوذاً في المجتمع والتي قبضت مهرا أكثر من المحدد(في أواسط الثمانينات من القرن الماضي) وعدم التعامل معها اجتماعيا ودينيا كعقوبة لم تسري على العائلة الأخرى والتي ملكت نفوذاً وخطبت ابنة أحدهم بمبالغ طائلة تفوق المهر المحدد بكثير.. هو مثال واضح في أن القانون لم يكن يسري على الجميع بذات الشكل وهذا ما وَلَّد فقدان المصداقية والثقة.. بَل أن الأمر وصل أحياناً في أن المتنفذ لا يخرج عن دائرة الدين حتى لو اختلط بخارج محيط الديانة الأيزدية (في حالة تشبه كثيراً الى حالة قتل المرأة بذريعة الحفاظ على الشرف دون ردع الرَجُل). بالتأكيد نحتاج الى ضوابط ومقننات تسيّر حياتنا كي نكون منَّظمين ونستطيع التعامل مع المجريات بالشكل السليم.. لكن هل نستطيع التغلب (مجتمع ومؤسسة دينية) على ما أشرتُ إليه في السطرين أعلاه من حالة ازدواجية التعامل مع أفراد او مجموعات المجتمع.. ولعل عدم وضع النقاط على الحروف من قِبَل المؤسسة الدينية أو التغاضي عن المعطيات ناتج عن محاولة الحفاظ قدر الإمكان على تواجدها، لأن المجتمع لا يساعدها في تسيير الوضع نحو الأمثل.. ولأن هناك شرخً كبير و بَونٌ واسع ما بين المؤسسة الدينية وبين أفراد المجتمع الأيزدي.
وفيما يتعلق بالشيخانية والبيرانية.. لن أتحدث في هذا الأمر لأنه ليس من اختصاصي، وهناك ممَّن لديهم القول في هذا الأمر.. لكن كل ما لديّ من الكلام بهذا الخصوص في أن لكلّ منا كأيزديين مسؤولياته تجاه دينه وتجاه المجتمع، ومَن يزرع بذرة خير للأيزدياتي والأيزديين يكون له مكانته العالية في نفسه قبل نفوس الآخرين.
أما بخصوص موضوع محرمات الزواج وما أثير مؤخراً حوله.. ابتعدتُّ عنه ولم اعلق أي موضوع من المواضيع التي طرحت في المواقع، لكنني أقول لكل مادة خواصها.. ومتى ما استحدثت او تغيرت.. تفقد معظم عناصرها إن لم تكن جميعها.
وبالنسبة لموضوع تأهيل رجال دين أيزديين عصريين للمستقبل.. فأنه يكون عبر الدراسة والعلم الصحيح، ونستطيع القول في أن إنشاء مدارس خاصة بتخريج رجال دين هو الحل الناجح على أقل تقدير.
أما الحديث عن شنكال (سنجار) وما يعنيها مما يجري من أحداث.. فقد أشرت الى موضوع مناسبات الأعياد والتقاويم الزمنية مثالاً في أن هناك حالتين في الأيزدياتي:1- الحالة الولاطية (مناطق بعشيقة وبحزاني والتابعة للشيخان) والمتمثلة بالمجلس الروحاني. 2- رجال الدين الفقراء في سنجار والذين يمثلون رأي المجتمع السنجاري في التعاطي مع معظم مجريات الأمر الأيزدي رغم أن هناك عشائر عديدة متفقة مع القرار في المؤسسة الدينية.. لذلك ستبقى سنجار الوجه الثاني أو الوجه الآخر من الحالة الأيزدية دائما.. على الأقل في ظل هذه الأوضاع التي نعيش فيها، كما أن هناك حالة تهميش واضحة للوجود السنجاري في القرار الأيزدي العام بشأن المستحقات او الدور الذي يجب أن يكون عليه والمكانة اللائقة بنسبة أيزدية سنجار(المجلس الروحاني مثالاً).
أما لماذا يحتكر المجلس الروحاني الأيزدي لنفسه بكلّ شيء ولا يفعل أي شيء؟ ذلك لأن أغلب عناصره منتقاة وليسوا منتخبين بحيث انه لا يسعى الى تطوير نفسه لأن الوضع الأيزدي بشكله الحالي يؤدي الى ما يجري.. ومتى ما اختلفت المفاهيم والرؤى ستختلف المساعي والغايات.. ولعل الأوضاع الإقليمية والسياسية هي الأخرى لها دور فيما يجري.
وفيما يخص المجلس الاستشاري، فأقول.. أين هم المطالبون بتغيير المجلس الاستشاري؟؟؟ ثم مَنْ هم هؤلاء المستشارين في المجلس؟؟؟ أليس بمقدورنا القول في أن المجتمع الأيزدي لا يعرف ما يجري بالضبط! وبصراحة لا أعرف الهيئة الاستشارية وشخوصها حتى أعرف موقفها ولعل أمثالي كثيرون لأن الحالة ضبابية وغير معروفة.. وهذا ما يؤدي بنا الى استنتاج في أن المستقبل مجهول ومحفوف بالمخاطر والخوف.. وبالتأكيد سيكون هناك ضياع مأساوي وستضيع الحقوق والهوية ما دامت الحالة متشرذمة و مشتتة وغير منظمة.
نحن بحاجة الى منهج.. لكن أين هو ذلك المنهج؟؟؟ هل تلك الدعاوي والتي نادت بالاصلاحات هي خطوات نستطيع الاعتماد عليها منهجاً للتغيير؟ هل معاداة تلك الصيحات الاصلاحية تعتبر خطوات ممنهجة؟ هل الهروب من الواقع ووضع الرأس في التراب تعتبر خطوات ممنهجة؟ مَنْ يستطيع المجازفة وتقديم ما يمكن تقديمه من منهج يثق به الأغلبية.. ثم أين هي تلك الأغلبية أساساً؟ لا أحد.. ليس هناك من مضحي أو مغامر.. فالتاريخ والشعوب المختلفة علمتنا أن النتائج تحتاج الى المغامرة والتعب والتضحية..عندها سيتحقق الهدف ولو بعد حين.
وأخيراً.. الأيزديون متواجدون سياسياً وثقافياً، لكنهم متأرجحون اجتماعياً ودينياً.
تقبلوا تحياتي من سنونى..
مصطو الياس الدنايي/ شنكال
19/ 3/ 2012