الإيزيدية ومعركة إثبات الذات / زردشت جعفر



هي معركة أزلية إذاً بين شعب يحافظ على تراث آبائه وأجداده بكل ما أوتي من قوة وشكيمة , متمسكاً بترابه وكرامته وثقافته بأسنانه وأظافره , ويرفض الاستسلام للقوى التي تريد النيل منه , وبين بعض الحاقدين والشوفينيين, والذين باعوا ضمائرهم وتراثهم , وداسوا على قيمهم الوطنية والقومية والدينية .

أكتب هذه المقدمة البسيطة وقلبي يعتصر ألماً, لما آل اليه حال بعض الأشخاص الذين هم بالأساس نكرات يحاولون الظهور حتى ولو على حساب كرامة بني جلدتهم من الكرد الإيزيديين , وهم بهذا يحاولون هدم مابناه الإيزيديون بمساعدة أصحاب العقول النيّرة من مختلف القوميات والأديان , من غير المتعصبين , وهم كثر والحمدلله , ولهم منا كل التحية والاحترام .

فبالأمس كان الاسكندر المقدوني ( الكبير ) ومن بعده التتار والمغول والعثمانيين , فهم لم يدّخروا جهداً في سبيل القضاء على الديانة الإيزيدية , وعزاؤنا أنهم كانوا أجانب وغرباء وأعداء , أما عندما ظهر قادة وزعماء من الكرد , أطاحوا برؤوس الإيزيديين وقاموا بسبي نسائهم وباعوها في الأسواق , من أمثال الأمير الأعور محمد الراوندوزي , أصبنا بالدوار, وانعقدت ألسنتنا , ماذا نقول عنهم وهم منا وفينا , ويؤذوننا أكثر من الأعداء , وبدأنا نترحم على هولاكو وجنكيزخان وسلاطين وباشوات اسطنبول والباب العالي.

وبعد أن عجز السيف والمدفع والطائرة في القضاء على الايزيدية , لأن جذورها تمتد الى أعماق التاريخ , ظهر من بين الكرد أشخاص يحاولون دك إسفين في نعش الإيزيدية , ولكن ليعلم الجميع بأن الإيزيدية , وبفضل أبنائها المخلصين , وبمعونة الشرفاء من مختلف القوميات والأديان , لم ولن تموت , وستبقى شوكة في عيون الحاقدين كائناً من كان .

لن نتكلم عن أشخاص وقفوا ضد الديانة الإيزيدية منذ زمن طويل , ولكن سنكتب عن شخص يعيش بين ظهرانينا يحاول أن يظهر للعلن ويصل الى السطح من فوق جسد الديانة الكردية الأولى , وكنت سأتجنب اسمه , ولكن لابأس فليعلم الجميع مدى الحقد الذي يحمله هذا الشخص في قلبه تجاه من كان هو منهم , وهو آزاد سعيد سمو , وإن لم تخنني الذاكرة فقد نال شهادة الدكتوراة من الجامعة اللبنانية , وكانت اللجنة المشرفة على مناقشة رسالته من المتعصبين , واعتقد انهم هناك حولوا رسالته الى كتاب في عام 2001 , وأعتقد أيضاً أنه معيد في جامعات اقليم كردستان. مهما كان وضعه ومهما كانت الجهة التي منحته الدكتوراة أو التي أصدرت له كتابه , فهذا لايهمنا , وقد لانملك المعلومات الصحيحة بهذا الخصوص . ولكن المهم هو أن هذا / الدكتور الكردي / أصدر كتاباً جديداً تحت اسم / اليزيدية ... دراسة حول اشكالية التسمية / عن دار الزمان للطباعة والنشر بدمشق , والكتاب صغير كصغر عقل المؤلف ويقع في 62 صفحة ومن الحجم المتوسط .

لن أتطرق لما جاء في الكتاب , فهناك سادة أفاضل أشبعوه نقداً وتصحيحاً , ولكن أنا فقط أقول للسيد آزاد الذي نال شهادة الدكتوراة بعد أن داس على ثقافة آبائه وأجداده : هل قرأت يا دكتور المصادر الكردية القديمة التي تتحدث عن الإيزيدية وتاريخها وأدبها ومعتقداتاها بدلآ من محاورة وسؤال أحد الإيزيديين الأميين الذين كبروا على الجهل والتخلف , وهم غير ملومين؟ وأنا أجزم أنك لم تقرأ إلا ما وقع بين أيديك من كتب وضعها أمامك أمثالك من المتعصبين .

لقد وقع بين يدي في عام 1988 نسخة مصورة من كتاب / موجز تاريخ كردستان / باللغة الكردية , منقوص الجلد لكاتب كردي وضع الأحرف الأولى من اسمه وهي / C P B / يقع في 388 صفحة من الحجم المتوسط ومطبوع بأحرف صغيرة , وهو كتاب كان المؤلف قد أهداه للزعيم الخالد الملا مصطفى البرزاني , ويتحدث عن تاريخ كردستان من الفترة 10000 عشرة آلاف سنة قبل الميلاد ولغاية عام 1918 م , وقد طبع الكتاب عام 1970 , واعتمد الكاتب على أكثر من 120 مرجع ومصدر من مختلف اللغات والأعراق والقارات, وأمضى ثلاثة عشر سنة من الجهد حتى ظهر كتابه للنور , وقد حاولت كثيراً أن أتصل به أو أن أعرف اسمه الحقيقي وأن استأذن منه لترجمة الكتاب الى العربية , فلم أفلح , وقال لي أحد الأصدقاء المثقفين , وهو صاحب مكتبة معروفة في سورية , بأن هذا الكاتب لم يذكر اسمه الحقيقي خوفاً على حياته من الشوفينيين , لأنه كتب الحقيقة بتجرد ودون أن ينجر الى هذا الطرف أو ذاك .

وبالمناسبة هذا الكاتب هو مسلم حقيقي , درس في جامعة الأزهر في مصر وتخرج منها , وهو زميل ورفيق السيد محمد علي عوني , مترجم كتاب تاريخ كردستان للعلامة المرحوم محمد أمين زكي , وعندما نقول أنه خريج جامعة الأزهر أعتقد أن هذا دليل على أنه مثقف دينياً بشكل جيد , وقد قمت بترجمة الكتاب المذكور الى اللغة العربية منذ عشر سنوات , وحاولت طباعته هنا في سورية , ولكن هنا لايوافقون إلا على طباعة الكتب التي تحطّ من قدر وقيمة التراث الكردي , والترجمة الآن نائمة في أدراجي عسى أن يأتي اليوم الذي تفيق من نومها , وبالمناسبة أنا على استعداد لأن أنشره في أي موقع من المواقع الايزيدية لكي يستفيد منه كل راغب , وقد قمت بنشره على حلقات في مجلة يزدان yezdan , ولكن مع الأسف فقد توقف صدور المجلة بعد صدور ثلاثة أعداد فقط نتيجة ملاحقة كاتب المقال والتضييق عليه واعتقاله .

قبل أن ألفت نظر الدكتور آزاد الى ما جاء في كتاب السيد CPB / موجز تاريخ كردستان / أود أن أنقل للسادة الذين يصرخون ومن على منابر المواقع الالكترونية بأننا إيزيديون لا زردشتيون أو العكس , بعض الفقرات من الكتاب بهذا الخصوص , فقد جاء في الصفحة 17 من الكتاب مايلي : إن الإيزيدية هي من بقايا الزردشتية , وهي فرع من الديانة الزردشتية

/ Êzidî ji zerdeştî ên Kevin mane, ola Êzidîan celebekî ola zerdeşî e

ليس هذا هو موضوعنا ولكن فقط أردت أن أذكر هذه المعلومة لأن الكثيرين يرفضون فكرة أن أصل الإيزيدية يعود الى الزردشتية , ويتهمون من يقول ذلك بالتحزب , وكنت أنا شخصياً أقول ولازلت / حسب قناعتي الشخصية / بأن الإيزيدية أقدم من الزردشتبة وهي أساسها , وأن زردشت بحد ذاته كان بيراً إيزيدياً , حاول القيام بما يشبه الثورة لتجديد الديانة الإيزيدية , ولكن أصحاب النفوذ والسلطة من كهنة ورجال الدين لم يوافقوا زردشت على إصلاحاته لأنها ستضر مصالحهم , وحسب إصلاحات زردشت فقد تزول الفوارق بين الشعب, أي لافرق بين الراعي والملك ,إلا بما يقو به الانسان تجاه ربه ودينه, حسب فكرة زردشت , لذا فقد أشاعوا عن النبي زردشت بأنه ساحر ومشعوذ ... وما الى ذلك , وقد كتبتُ ذلك في كتاب اسميته/ الديانة الإيزيدية ... تسميتها ... طقوسها ... أدعيتها / وطبعاً لم يسمح لي بطباعته هو الآخر , وهو أيضاً دخل في نوم عميق ضمن أدراج مكتبتي .

المهم أعود الى السيد آزاد وأذكره بما كتبه السيد CPB حول الإيزيدية , فالسيد CPB يكتب اسم الديانة الإيزيدية هكذا Êzidî وليس yezîdî / ئيزدي وليس يزيدي / وذلك قبل اكثر من خمسين سنة , المضحك المبكي أن آزاد يغمز من قناة الإيزيديين ويتهمهم بأنهم حرموا التعليم على أبنائهم , وأن ديانتهم دخلت في طي الكتمان .... !!

لو كان قائل هذا الكلام غير كردي لكنا قد منحناه العذر , وحبذا لو سأل آزاد آباءه وأجداده عن سبب تحريم دخول الطلاب الإيزيديين المدارس , فكان سيسمع الجواب بأن الإيزيديين لايوجد لديهم مدارس تدرّس الديانة الإيزيدية , وأن الطالب عندما يدخل المدرسة فهو مرغم على قراءة وتعلّم الديانة الإسلامية بدلاً من ديانته الإيزيدية , وهو مرغم أن ينطق بكل ما من شأنه الإساءة الى ديانته الإيزيدية مثل اللعن , وهو أمر مرفوض لدى الإيزيديين , وسوف يصبح هؤلاء الطلاب مع مرور الأيام مسلمون , شاؤوا أم أبوا , فكان القرار الذي اقترحه أولياء الأمور وقتها هو عدم ارسال أولادهم الى المدارس , صحيح أن ذلك التحريم كان خطأ من ناحية التعلم والمعرفة , وأبقى الإيزيديون جهلة متخلوفون , لكنه في نفس الوقت أبقى على وجود الديانة الإيزيدية , وبقيت الديانة الإيزيدية مخبأة في صدرو وعقول رجال الدين الأفاضل الذين أوصلوها لنا على طبق من ذهب , بعد أن لاقوا الويلات , لأن العثور على ورقة تذكر أو تدل على الإيزيدية مع أحد الأشخاص , كان كافياً ليتم القضاء على حاملها , وهنا أنسخ ماقاله السيد CPB فيقول في الصفحة 16 مايلي:

... قبل دخول المسيحية والاسلام الى كردستان كانت هناك الكثير من المكتبات التي تضم آلاف الكتب القيّمة من دينية وعلمية وتاريخية وجغرافية وكتب علم النفس والفلك والرياضيات والطب والفلسفة , وقد كان ملوك آشور يغرفون من تلك المعلومات , ولكن مع الأسف فبعد دخول الاسكندر الكبير عام 331 ق.م , ومن ثم قيام الجيش الاسلامي بقيادة الخليفة الاسلامي الثاني عمر بن الخطاب سنة 637 م بالسيطرة على كردستان , فقد تمّ إحراق كافة المكتبات والكتب الكردية , فاحترقت آلاف الكتب النادرة , ومن ضمنها كتب الديانة الكردية .../

نعم نحن كنا جهلة ومتخلفون , فمن ياترى جعلنا كذلك ؟ وكان من المفروض أن تقوم أنت ياسيد آزاد كرجل يدعي أنه مثقف بمد يدك لبني جلدتك وتساعدهم للتخلص من جهلهم وتخلفهم , لا أن تقوم بمساعدة من كانوا السبب في جهل وتخلف الإيزيديين .

لن أطيل أكثر , فقط أقول للدكتور آزاد : لماذا كرّست كل وقتك وجهدك ضد الإيزيدية ؟ ما هي غاياتك من وراء ذلك وكم قبضت ثمناً لذلك ؟ ولو كنت غير كردي كنا نعفيك ونسامحك على ترّهاتك , أما أنك كردي وتتنكّر لأصلك وتحاول البحث عن كل كلمة تسيء الى الإيزيدية , فهذا غير مقبول , كن كما تشاء أن تكون , ودعنا نحن كما نشاء أن نكون , فنحن راضون ومقتنعون بديانتنا الإيزيدية , ولسنا بحاجة الى براء ذمة منك ومن أمثالك .

واختتم مقالتي بسؤال موجه اليك كمثقف : ماذا كنت ستفعل أنت وأمثالك المتعصبين لو كان الأمر معكوساً , أي لو كان هناك كاتباً إيزيدياً انتقد أو وجّه سهام النقد الى ديانتك الاسلامية / التي نتحرمها بكل تأكيد ,/ أما كنتم تفتون بهدر دمه ؟؟ هذا مجرد سؤال وخاتمة !!!


زرشت جعفر - حلب