في العراق شعب واحد، لا شعوب متعددة!

بات مألوفا، للاسف، واحيانا بحسن نية استخدام البعض مصطلح "شعب" من قبل متحدث، او كاتب، اوصحفي، وهو يقصد احد مكونات الشعب العراقي الاثنية.
منذ ان، افتى الشيخ مسعود البرزاني بعد الاحتلال، واستعمل عبارة "شعوب العراق" امعانا في تقسيم العراقيين على اساس قومي، وطائفي يخدم مصالح حزبية ضيقة. صار مباحا، كما يبدو، تقسيم، وتمزيق، وتقزيم العراق بشكل منهجي، ومخطط. ينجر له البعض دون تمحيص، وبحسن نيه. المقولة كانت طعما، وبالون اختبار مر بسبب انشغال العراقيين بالتطورات المتسارعة منذ الاحتلال، وسقوط الصنم، وحتى الان. لم يرض الجميع عما قاله مسعود، واراد البعض استغلالها لصالحه، واجنداته السرية. رغم خطورة، وخطأ الاستخدام. فالشعب كلمة قانونية تعني المجموعة البشرية التي تضمها حدود دولة ما. تعدد القوميات لا يعني تعدد الشعوب. هي مكونات قومية، لا مكونات سياسية. المكونات السياسية، لاي بلد، هي الاحزاب، التي تمثل طبقاتها، وفئاتها الاجتماعية. المثير للقلق تكرر اطلاق كلمة الشعب على مكونات العراق القومية، او الدينية، او الطائفية. على الطريقة الصهيونية، التي اعتبرت اليهودية دينا، وعنصرا. صرنا نسمع شعبنا الكردي، وشعبنا الاشوري، وشعبنا السرياني، وشعبنا الكلداني، وشعبنا التركماني، وهكذا. وربما نسمع قريبا شعبنا المندائي، او شعبنا الشيعي، اوالسني، اواليزيدي، اوالفيلي، او الشبكي، او الهوراماني، او البصري(استخدمت) هكذا، دون الاعتبار لتداعيات التمزيق، والفرقة، والانعزال، والمواجهة، التي قد تنسحب على التفكير الجمعي، وتخدش لوحة الفسيفساء الجميلة، التي يتباهى بها شعبنا العراقي. ان العراق يضم قوميات، وعناصر، واثنيات متعددة توحدت في بوتقة الشعب العراقي الواحد. ان دس السم بالعسل قد يبدوا للوهلة الاولى مغريا، لكنه يؤثر على الانتماء الوطني، وشعور، وروح، وحق المواطنة، ويعيدنا الى نغمة "التبعية" وهو ما ترغب به القيادات الضيقة النظرة. تنفذ بذلك المشروع الامريكي الصهيوني في العراق، والمنطقة عن قصد، او بدونه. وخبرابناء شعبنا الاصلاء من الفيلية التعامل العنصري معهم، والجرائم ضد الانسانية، والابادة الجماعية، التي ارتكبت بحقهم من قبل النظام الصدامي، وقبلها التمييز الحقوقي زمن الحكم الملكي. وكأن انقلابي شباط الاسود كانوا يريدون شطب اخر منجز، كان باقيا، لثورة14 تموز الذي اقر مواطنة الجميع لمن يرغب بها، دون التمييز بين عرق، او دين. ولا احد يريد تكرار تلك الماساة، التي لم تنطو فصولها لحد الان. كما ان ذلك قد يؤثر على روح التضامن، التي عرف بها الشعب العراقي عندما تعرض الاشوريون، او البرزانيون، واكراد العراق عامة اثناء حروب الشمال، والانفال، او جريمة حلبچة. كذلك ما تعرض له الفيلية من ظلم فاحش. حيث شملت الاحتجاجات، والادانات كل المدن العراقية. ابرزها صور التعاطف مع المهجرين قسرا من ارضهم، وديارهم، ووطنهم.

الشعوب تعيش داخل حدود بلدانها بخارطتها المعروفة حتى، وان اختالف الجيران على الحدود المرسومة. لم نسمع احد يقول، مثلا، شعوب الولايات المتحدة الامريكية رغم التعدد الهائل لقوميات ذلك البلد، او جارته كندا. حتى دولة المانيا الفيدرالية، وسويسرا الكونفدرالية، لم نسمع، او نقرأ احد يقول شعوب المانيا، اوشعوب سويسرا. المعروف، ايضا، ان ايطاليا، وفرنسا، واسبانيا فيها قوميات متعددة، ولم نسمع احد يقول "شعوب" اذا استثنينا الباسك في اسبانيا. حتى المتطرفين منهم تخلوا مؤخرا عن مطالب الانفصال، ولم ينجحوا بكسب جماهير قوميتهم في اسبانيا، او في الجزء التابع لفرنسا ان يسموا انفسهم شعبا مستقلا. وهاهم الاسبان جميعا يناضلون ضد الازمة الاقتصادية، رغم الارث الفرانكوي البغيض. فكيف، ونحن بلد صغير، قياسا، بالدول المشار اليها نقول الشعوب العراقية. هذا ليس تعاليا، ولا اغفالا للحقيقة، ولا شوفينية، او طمس حق احد، او نكران انتماء احد، بل العكس تماما. فالعراقي في زاخو هو نفسه العراقي في الفاو من ناحية الحقوق، والواجبات، والانتماء الوطني. العراقيون ينتمون لقوميات، واثنيات عديدة فهم عرب، واكراد، وتركمان، وكلدواشورين، وارمن، وهناك الكثير من اصول فارسية، اوهندية، او شركسية او..او..او، لكن هذا لايجعلهم شعوبا متعددة، بل قوميات، واثنيات متاخية تعيش في بلد واحد، كشعب واحد.

الاديان السماوية، وغير السماوية تضم قوميات، وشعوب متعددة لكن لايمكن القول مطلقا، ولم نسمع، الشعب الاسلامي، اوالشعب المسيحي، وحتى الصهاينة في اسرائيل يسمون انفسهم الشعب الاسرائيلي رغم انهم يمزجون بين الدين، والقومية. الشعب مصطلح قانوني، لاعلاقة له بالانتماء الديني، او الطائفي، او القومي.الهند، التي تتفوق على أي بلد في العالم بتعدد الاديان، والطوائف، والقوميات، لم اسمع، او اقرا يوما، من يقول، او يكتب "الشعوب" الهندية. كانت تسمى شعوب شبه القارة الهندية قبل انشاء دولة الهند الحديثة بعد الاستقلال من بريطانيا، والانفصال الدموي، باسم الدين الاسلامي لباكستان. وهي الاخرى متعددة القوميات لكن مصطلح الشعب الباكستاني هو السائد. ثم انفصلت بنغلاديش عن الباكستان. ولا زال البلدين يزحفان في حين تتقدم الهند بفضل ديمقراطيتها بخطوات واثقة لتكون قوة اقتصادية جديدة في العالم، يحسب لها حسابها، رغم محاولات المتطرفين التي تتاكل امام التكامل الاقتصادي، والاجتماعي.

دول اوربا الان، وبسبب الهجرة المتزايدة اليها تضم مزيجا من كل القوميات، والاديان يبلغ الملايين احيانا مثل الاتراك في المانيا، او العرب في فرنسا، او الهنود في بريطانيا. كل منهم يحمل جنسية البلد الذي يعيش فيه وينتمي لشعبه، ولا احد يكتب، او يقول الشعب الهندي في بريطانيا، او الشعب التركي في المانيا، او الشعب العربي في فرنسا. يشار لهم بالعرب، او الاتراك، او الهنود، او الافارقة، ويضاف لهم اسم بلدهم الجديد لتحديد انتمائهم، وتثبيت مواطنتهم. فالاكراد العراقيون، والتركمان العراقيون، والعرب العراقيون، ليسوا شعوبا مختلفة، بل قوميات متاخية متشاركة في هذا الوطن المضياف المتسامح. لايهم من نزح اولا الى ارض الرافدين. فكل مواطن هو عراقي، قبل ان يكون كردي، او عربي، او تركماني، او أي انتماء اخر. كلنا ضيوف عند ابناء الوطن الاصليين، الذين ازحناهم على مرالتاريخ، بطرق مختلفة، وحولناهم، واسميناهم "اقليات"، بل وصفهم بعض الحمقى ب"الجاليات". لقب، وروح المواطنة هو الاهم، والاصح، وهذا حالنا منذ السومريين. حتى اليهود، بعد السبي البابلي، الذي ندفع ثمنه الان على يد الصهاينة، ومخططاتهم، وجواسيسهم، وعملائهم، واذنابهم. حتى اولئك الاسرى ذابوا في بوتقة الشعب العراقي، الذي فتح لهم ذراعيه، حتى اصبحت قبور حاخاماتهم مزارا لكل الاديان، وصاروا "انبياء الله" يتبرك بهم الجميع، ويصلون في اضرحتهم، ويقدمون لهم العطايا، والنذور.

ان محاولة "خطيئة" اذا لم نقل "جريمة" تمزيق العراقيين الى شعوب متعددة، لا تخدم احد. وتضر بتطور العملية السياسية، وتعرقل مسيرة البلد نحو دولة مدنية ديمقراطية. ان بعض غلاة القوميين، والعنصريين يستغلون المشاعر القومية، لخدمة مصالحهم الشخصية، او مصالح احزابهم فقط. لقد راينا كيف نفخت الاصوات، والشخصيات، والزعامات المتعصبة في نيران الحرب الطائفية، فلم يجن منها العراقيون غير المذابح، والمآسي، والالام، والتشرد، والتغرب. في حين يتربع اولئك المجرمون على كراسي السلطة، والنفوذ، ومصادر الثروة، ويتصافحون مع امثالهم بايديهم الملوثة بدماء حروبهم الطائفية التي اشعلوها.

لقد دفع العراقيون ثمنا باهضا جدا لتلك الحرب القذرة، فلا تبذروا لحروب عنصرية، قد تزيل خارطة العراق السياسية الى الابد، وتعود بلاد الرافدين مثل لغاتها القديمة، الى صفحات التاريخ. اتمنى من الاصدقاء الصحفيين، والكتاب الانتباه الى هذا المنزلق الذي يحاول البعض ان يجرنا اليه، عن سوء، او حسن نية.الاسكندر الكبير عندما احتل بابل، تمنى انه ولد فيها لتغنيه عن كل حروبه، والمعروف انه عاد، ومات فيها. ولا زال يسمى المقدوني رغم اغريقيته.

رزاق عبود
15/7/2012