إيزيديوا سوريا:
الهروب من تحت "الدلف" لتحت "المزراب"!

لا شكّ أنّ النظام السوري، الذي وصفته قبل أكثر من 6 سنوات، من على منبرَي إيلاف والحوار المتمدن، ب"الإحتلال الوطني" و"الإرهاب الوطني"، و"الكذاب الوطني" و"المخرّب الوطني" (1) هو نظام منتهي الصلاحية، في أن يحكم، وهو المختفي في عباءةٍ طائفية، شعباً كثيراً، متعدد الأديان والقوميات والإثنيات، كالشعب السوري الكثير.
ذهابي إلى توصيف الديكتاتور السوري بإسمه الحقيقي، وبإرهابه واحتلاله الحقيقيين لسوريا وللسوريين، كان نابعاً من إعتبار واحد ووحيد، وهو أنّ لا دين ولا طائفة ولا حزب ولا إيديولوجيا ولا عشيرة أكبر من كائنٍ، من المفترض أن يكونه الكلّ مع الكلّ، بما لهم وما عليهم، اسمه "الوطن".

هكذا، وانطلاقاً من كينونةٍ إسمها "الوطن"، بإعتباره "بيتاً للجميع" ومن الجميع إلى الجميع، وفي كونه دستوراً فوق الجميع، انطلقت الثورة السورية، ككل ثورات "الربيع العربي"، قبل ما يقارب ال20 شهراً. لكن السؤال الملحّ، والتحدي الأكبر الذي تواجهه الثورة السورية، ككل أخواتها من الثورات الجارة في دول "الربيع العربي"، هو:
هل ستنتهي الثورة إلى حكم الجميع للجميع، كما ابتدأت بالجميع؟

سؤالٌ جوهري، ليس من الصعب الإجابة عليه، خصوصاً بعد "انقلاب" الربيع على ثوراته، في أكثر من دولة، وخطف جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها "الأخوان المسلمين"، لتلك الثورات، وقطفها لثمارها، في تونس ومصر، دون أن ننسى ليبيا التي تحوّلت رغم تقدم "التيار الليبرالي" فيها نسبياً، إلى ساحةٍ مفتوحة لنشاط وإرهاب الجماعات الإسلامية المتشددة.
الثورة السورية، في هذا المنحى، ليست استثناءً، سيما وإنّ الماسك بزمام الأمور على الأرض، هو "الجيش السوري الحرّ"، بكتائبه المسماة في غالبيتها بمسميات دينية، لا بل "سنية قحة"، والتي هي في بعضها الأكبر، عبارة عن "جيوش سنية" مسلحة ب"العقيدة السنية" لمواجهة جيش النظام، الذي لا تتوانى بعض غير قليل من فصائل المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، عن وصفه أو اتهامه ضمناً، ب"الجيش العلوي" التابع ل"الجيش الصفوي" و"إيران الصفوية".

الثورة السورية، بدون أدنى شك، هي ثورة ابتدأت بإعتبارها ثورةً لكلّ السوريين، عرباً وأكراداً وسريان وأرمن وتركمان وأشوريين، سنةً وشيعةً وعلويين، دروز ومسيحيين وإيزيديين واسماعيليين، وذلك انطلاقاً من وجع الداخل السوري المقموع، منذ أكثر من أربعة عقودٍ من الزمان السوري الصعب، لكنها بكلّ أسف، لن تنتهي، على الأرجح، لحساب هذا الداخل في سوريا ولسوريا، كما تقول الوقائع على الأرض، وتشير إفرازات الصراع الدموي الفظيع وتداعياته اليومية، بين "سوريا النظام" (أو "سوريا العلوية" بحسب التوصيف الطائفي الدارج) تحت قيادة جيشها النظامي بدعم واضح وصريح من دول "المحور الشيعي" (إيران + "العراق الشيعي" + "لبنان حزب الله") ومن خلفه روسيا والصين، و"سوريا الثورة" تحت قيادة "الجيوش السورية الحرّة" بدعمٍ مقابل من دول "المحور السني" (تركيا + دول الخليج وعلى رأسها قطر والسعودية + "العراق السني") ومن خلفه أميركا والدول الأوروبية.

الصراع في سوريا، الذي تحوّل، بكلّ أسفٍ، بقضّه وقضيضه، إلى صراعٍ عليها، بات أكبر وأكثر منها: أكبر وأكثر من النظام والمعارضة (أو المعارضات) على السواء.
الصراع في سوريا، الذي يدفع السوريون فاتورته الباهظة من دمائهم، لم يبقَ صراعاً محصوراً ضمن الحدود السورية فقط، وإنما بات صراعاً "عابراً للحدود" أكبر من سوريا والسوريين بكثير، فما بالك بمكوّن سوري صغير جداً، كالمكوّن الإيزيدي، الذي لا يشكل إلا نسبةً ضئيلة جداً بين أكرادهم السوريين، الذين يقارب تعدادهم ال 3 ملايين نسمة، والموزّعين بين أحزاب وجماعات يتجاوز عددها عدد عشائره؟

لا شكّ أنّ الإيزيديين الذين لا يتجاوز تعدادهم في سوريا، بحسب أعلى التقديرات 70 ألف نسمة، هم جزءٌ لا يتجزأ من الموزاييك السوريّ المتعدد والكثير، بأديانه وطوائفه وقومياته وإثنياته ولغاته. ولا شكّ أيضاً في أنّ من حقهم مشاركة أخوانهم من أبناء الأكثريات والأقليات من القوميات والأديان والطوائف والإثنيات الأخرى، في رسم مستقبل سوريا(هم). لكنّ السؤال الجوهري الأساس ههنا، هو كيف ومع مّن؟

في البدء، قبل أن تُسلَح الثورة، وتّسجّل ملكيتها على الأرض، بالكامل، بإسم "الجيوش السورية الحرّة"، السنية المذهب والدستور في أغلبها (والتي لن تقبل في القادم من سوريا، بأقل من دولة تحكمها "الأكثرية السنية"، ب"دستور سنيّ"، كما يقول لسان حال كتائبها، وشعاراتها، وتكبيراتها، وشرائعها المتبعّة في "محاكم الثورة" ما قبل الإنتقالية)، كان الثوار السلميون يرددون بملئ حناجرهم: "واحد..واحد..واحد، الشعب السوري واحد"؛ "سنة..علوية..إسلام ومسيحية"؛ "سلمية سلمية..إسلام ومسيحية"، لكنّ الآن وبعد التحوّل الدراماتيكي الخطير على مسار الثورة، التي خطف بريقها بعضٌ غير قليل من الجماعات والكتائب المتطرفة، المحاربة تحت لواء هذا "الجيش السوري الحرّ" أو ذاك، أصبح للثورة حديثٌ آخر، للهمس به في أذن السوريين، والقادم من سوريا(هم).

قبل تحوّل الثورة السورية من صراعٍ بين نظامٍ وشعبه، إلى حربٍ أهلية حقيقية، على حد وصف المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي نفسه، بين شعبٍ وشعب، وطائفةٍ وطائفة، وجيشٍ نظامي و"جيوش حرّة"، كان السوريون ينظرون إلى الثورة بإعتبارها "خلاصاً" لكلّ سوريا من كلّ النظام؛ كلّ السوريين المحكومين المظلومين، بكلّ طوائفهم وأديانهم وقومياتهم وإثنياتهم من رجس كلّ الحاكمين والظالمين من رأس النظام إلى أخمص قدميه. لكنّ الآن انقلبت الآية السورية في الداخل السوريّ وخارجه على السوريين، ناهيك عن انقلاب "الربيع العربي" عليهم، وتحوّل النعمة في الثورة إلى نقمة.

الآن، بعد تسلح الثورة السورية، بالدين قبل السلاح، أصبح أهل الأديان الأخرى، كالإيزيديين والمسيحيين والدروز، ناهيك عن الطوائف الأخرى كالعلويين والإسماعليين وسواهم من أهل الأقليات الدينية، فضلاً عن الأقليات القومية كالأكراد والسريان والآشوريين، يتساءلون فيما بينهم، عن محلهم من الإعراب في القادم من "سوريا الثورة": القادم من زمانها ومكانها واجتماعها وسياستها وثقافتها.

ظاهرة "قسطل جندو" التي طفت مؤحراً على سطح الثورة السورية، كانت كالقشة التي قصمت ظهر بعير البعض غير القليل من أهل الثورة، الذين يريدون لها أن تكون "ثورةً إسلامية"، للعبور فوقها إلى "سوريا إسلامية"، في دينها كما في دنياها.
مهاجمة قرية إيزيدية صغيرة، ك"قسطل جندو"، من جهة "كتائب" تحسب نفسها على الثورة السورية، كي يشهر أهلها اللامسلمون (الإيزيديون) إسلامهم، على طريقة "أسلِم تسلَم"، فيها من الرمزية ما يكفي، لتصوّر المشهد السوريالي المرعب لقادم سوريا: قادم دينها ضد دينها، واجتماعها ضد اجتماعها، وثقافتها ضد ثقافتها، ومكانها ضد مكانها، وزمانها ضد زمانها.

البعض فسّر الظاهرة، في حدودها السياسية الضيقة، لكأنها بين سياستين، أو حزبين، أو جماعتين، أو جيشين، لكنها في حقيقتها ظاهرةٌ تعكس بعضاً من أوجه القادم من الصراع في سوريا وعليها، الذي سيكون صراعاً بين عقلين، وثقافتين، ومكانين، وزمانين.
الظاهرة تعكس بعضاً من أوجه "الصراع الأهلي"، الذي سيكون في أساسه، صراعاً على الهوية: صراع الهوية ضد الهوية.

سواء تبرّأ "الجيش الحرّ" ممن حاولوا "فتح" جهة الإيزيديين في "قسطل جندو" (هنا مثالاً) أو لن يتبرّأ منها، فإنّ ذلك لن يغيّر من حقيقة التقارير الأممية الصادرة عن كبريات منظمة حقوق الإنسان، ك"العفو الدولية" وال"هيومن رايتس ووتش" وسواها، التي تتهم المعارضة السورية المسلحة وعلى رأسها بعضٌ غير قليل من كتائب "الجيش السوري الحرّ" بارتكابها "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية". الأمر الذي دفع بالجزائرية ليلى زروقي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة، الثلاثاء الماضي، إلى الإعلان عن إجراء تحقيقات تجرى حالياً في ممارسات لجماعات سورية معارضة ضد الأطفال يمكن أن تؤدي في حال ثبوتها إلى إدارج تلك الجماعات في "قائمة العار"، مما يعرضها لعقوبات من مجلس الأمن الدولي.

ما جرى في "قسطل جندو" لم يكن مجرد "حادث عابر"، أو "حطأ ثوري"، أو مجرد "خروج ثوري لا مسؤول" عن خط الثورة، كما يريد البعض من أهل "الجيش السوري الحرّ" التنظير له.
كان من الممكن اعتبار ذلك بالفعل "خطأً" لولا تكرار المئات من هذه "الأخطأء" وأخواتها بحق أقليات سورية أخرى، وفي مقدمتهم العلويين، ناهيك عن الأطفال والنساء والأسرى.

ظاهرة "قسطل جندو"، التي تمّ توظيفها في الأونة الأخيرة، من جهة البعض من الأطراف المتنازعة، سواء لأهداف سياسية، أو حزبية، أو حتى "شللية" و"شخصية" ضيقة، هي ليست ظاهرة عرضية، كما قد يُتصوّر. جوهر الصراع ههنا، لا يكمن بالأساس، في أن يكون اللامسلم (اللاسنّي)، أي الإيزيدي، أو المسيحي، أو العلوي، أو الدرزي، أو الإسماعيلي..إلخ، مع الثورة ضد النظام أو العكس، وأنما القضية تحوّلت بكلّ أسف، كما يبدو من تداعياتها وإفرازاتها الطائفية، داخل سوريا وخارجها، إلى: إما أن تكون مع "دين الثورة" ضد "دين النظام" أو مع "دين النظام" ضد "دين الثورة".

ليس سرّاً إن قلنا بأنّ خطف بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل "جبهة النصرة" الموالية للقاعدة، وبعض غير قليلٍ من الكتائب القادمة من زمان "الخلافة الماضية"، و"الدين الماضي" و"الدنيا الماضية"، والمنضوية بهذا الشكل أو ذاك، تحت لواء "الجيوش السورية الحرّة"، والتي لا ترى حلاً للدين/ كلّ الدين، وللدنيا/ كلّ الدنيا، إلا في الإسلام و"دستوره"، بإعتباره "كلّ الدين وكلّ الدنيا عند الله"، ربما عملاً بالتفسير الواحد للآية القرآنية التي تقول: "إنّ الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: 19)، هذا "الخطف" الإسلامي لبريق الثورة السورية من قبل جماعات متشددة، لا تقبل بأقل من "الشريعة الإسلامية"، دستوراً لكلّ سوريا، فيه من الخوف ما يكفي، ليس على سوريا ومستقبلها، وإنما على مستقبل المنطقة برمتها.

يجدر القول، بأنّ تلك الجماعات التي توصف في أوساط النخب السياسية، في الداخل السوري وخارجه، بالجماعات الإسلامية "المعتدلة"، مثل "جماعة الإخوان المسلمين"، بإعتبارها جزءاً لا يتجزأ من "التنظيم العالمي للإحوان المسلمين"، لا تختلف كثيراً، في خطها الإسلامي "العام" مع أخواتها من "الجماعات المتشددة"، خصوصاً وأنّ شعارها الأساسي، الذي يختزل كلّ دينها في دنياها، وكلّ دنياها في دينها، لا يزال على حاله، كما هو: "الإسلام هو الحل"!

القضية ههنا، لا تكمن بالطبع في الإسلام نفسه كدين، فالدين لله، بقدر ما أنها تكمن في الإسلام السياسي وجماعاته، التي تكاثرت ولا تزال كالفطر، في "ربيع" الثورات العربية بعامة، و "ربيع" الثورة السورية بخاصة.
المشكلة، ههنا، ونحن نتحدث عن الثورة السورية، هي قطعاً ليست في إسلام الثوار، حيث الدين ملكٌ لله فيما الوطن ملكٌ للجميع، وإنما هي في أسلمة الثورة.
المشكلة، ليست في أن يكون كلٌّ في الثورة دينه، وإنما هي في أن يصبح دينٌ ما، أياً كان، ديناً أو "دستوراً" لكلّ الثورة.

النظامُ، كان ولا يزال مشكلة كلّ سوريا، لكن مشكلة المعارضة السورية، بشقيها العسكري والسياسي، هي أنها لا تزال تدفع سوريا نحو المزيد من المشكلة، بدلاً من دفعها نحو المزيد من الحل.
مشكلة أهل الثورة هي أنهم يريدون استبدال "ديكتاتورية النظام" ب"ديكتاتورية الثورة"، أو "ديكتاتورية الأقلية" ب"ديكتاتورية الأكثرية".

لا يُنكر أنّ الإيزيديين كسواهم من أهل البلد، هربوا من النظام، فرادى وجماعات، لأسباب سياسية أو إقتصادية أو معاشية، لم تكن لها أية علاقة مباشرة بالدين، لكن الخوف بل كلّ الخوف، هو أن يهرب ما تبقى من الإيزيديين، كسواهم من أهل الأقليات السورية الأخرى، من الثورة وأهلها، لأسباب تتعلّق حصراً بالدين والهوية.

أخشى ما يخشاه الإيزيديون كسواهم من أبناء الأقليات السورية الأخرى، الدينية والقومية، هو أن تخرج سوريا من ديكتاتوريةٍ حُرِم فيها السوريون من حرية الدنيا، لتدخل في ديكتاتوريةٍ أخرى يُحرم فيها أبناء الأقليات (اللامسلمة، اللاسنية) من حريّة الدين.
أخشى ما يخشاه الإيزيديون، الذين عانوا كسواهم من السوريين من نظامٍ ديكتاتوريٍّ فاشيٍّ ما عانوه، هو الهروب صفر اليدين، من تحت "دلف" أهل النظام لتحت "مزراب" أهل الثورة.


  1. لقراءة المقال "كفاكم احتلالاً وطنياً: لكم بعثكم ولسوريانا دين!"، انقر على الرابط التالي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=94657

هوشنك بروكا

hoshengbroka@hotmail.com