هيروشيما سنجار 3

علي سيدو رشو

في شباط الماضي وبمناسبة مرور ثلاثة اعوام على كارثة الشيخان في 15/2/2007، لم نقرأ مقالا او خبرا أو تعليقاً حول تلك المأساة، ولم نسمع عن المحن والمعانات التي رافقتها وما خلفته من أزمة واختناق في نفوس من عايش الحالة، وتعايش معها واقعيا وذاق مرارة ماحصل. وكذلك الحال مع فاجعة بعشيقة عندما راح ضحية الارهاب الاسود 24 عاملا إيزيديا بريئاً، وتيتم 123 طفلاً بريئاً وترملت 15 إمرأة. ففي الحقيقة، فإن الاحداث المرعبة التي تعد من هذا الحجم وتمس حياة الشعوب والمجتمعات والاقليات العرقية – على وجه الخصوص- وبهذا الاستهداف المخطط مع سبق الاصرار، هي ليست مسائل واحداث عابرة لكي يطويها الزمن عبر سكوت البعض الكثير عنها بحجة انها قد تثير الحساسية، أو أن الوقت الان ليس مناسباً لاثارتها والحديث عنها، أو لكي نقول بأن ضحايانا تستحق الاهتمام أكثر من غيرها. وإنما يجب التذكير بها في كل سنة وفي كل مناسبة لكي يتردد المتسببين عنها والفاعلين لها معاً في التفكير بها، وأن يتحسبوا الف مرة قبل الاقدام على مثل هكذا فعل شنيع مرة اخرى. لذلك، مطلوب من السادة الكتاب والباحثين والفنانين والمهتمين بهذه الشؤون أن لا يتركوا مناسبة مهما كانت بشقيها السلبي والايجابي من أن تعبر دون أن يعطوها الاستحقاق والقيمة الاعتبارية، لان في ذلك ضمانة للحق التاريخي للمناسبة وما يُمكن أن يترشع عنها ثم ماذا يمكن ان يُستَنتًج منها.
فبالعودة إلى مأساة سنجار في 14 اغسطس 2007، وما خلّفته من دمار وانهيار في الجوانب النفسية والمادية وحجم الضحايا من الشهداء والجرحى والمنكوبين والتي مازالت تداعياتها تستفحل وستستمر في الاستفحال مادام هنالك جسد ينبض فيه عرق وعين تبصر وضمير حي يحس بالالم والمعاناة. والدليل هو هذا الكم الهائل من المنتحرين في الاونة الاخيرة وخاصة من شريحة النساء من مجمعي القحطانية والجزيرة – تل عزير وسيباية الشيخ خضر- اللذين تعرضا لتلك الهجمة البربرية. فإن هذا الموضوع لم يأخذ استحقاقه الذي يجب أن يكون عليه، سواءً على المستوى الرسمي من جانب الحكومة الاتحادية أو من جانب حكومة الاقليم، لإن حدثاً بهذا الحجم وبهذا التخطيط والاستهداف إنما هو نقطة سوداء في أداء الحكومة وخاصة عندما تجاهلته من حيث التحقيق وكأنه فعل شخصي ضد مجهول.
وبهذه المناسبة فإننا ننحني إجلالاً أمام دماء تلك الضحايا من الارواح البريئة، والجرحى الذين ذاقوا مرارة الاتعاب وانين الالم، والامهات الثكالى اللاتي فقدن اعزاء عليهن. والايتام الذين فقدوا قدواتهم. والارامل اللاتي اصبحن ضحية هذا الارهاب الاسود. والمفقودين الذين لم يعثر ذويهم على اثاراً لهم. والعوائل التي ابيدت عن بكرة ابيها ولم يبقَ من يعزي الاخرين نيابةً عنهم. والشباب الذين ضحوا بزهرة حياتهم. والعرسان الذين لم يهنأوا بقفصهم الذهبي. والاباء الذين فتشوا عن بقايا فلذات اكبادهم بين الانقاض ولم يعثروا عليها. وننحني كذلك أمام شموخ تلك البيوت المبنية من الطين والتي تهدمت على رؤوس اصحابها وأبت أن تنتقم منهم رحمة منها لتلك الارواح البريئة. فعزاؤنا فيهم نقول، للشهداء جنات الله ولذويهم الصبر والسلوان.
تحية لكل مَن رسم لوحة عبّر فيها ومن خلالها عن ذلك الالم. وتحية لكل من كتب قصيدةً أو خبراً أو مقالةً أو تعليقاً أو قام بإحياء تلك الفاجعة. أو وضع أكليلاً من الزهور على قبور تلك الارواح البريئة. تحية لكل من زار عوائل الشهداء وخفف عنهم معاناتهم. تحية لكل من مَد لهم يد العون والمساعدة بأي شكل كان، سواء أكانت مساعدة مادية أم عينية. تحية لأهلنا في المهجر لما قاموا به من نشاطات وحوارات ونقاشات ومد جسور المحبة والتعاطف والتعاضد تضامنا مع حجم الضحايا وخصوصيتها وطريقة استهدافها. تحية للأحياء الذين يقاهرون الظروف وينتظرون دورهم في الموت القادم. تحية للمقابر الحية فوق سطح الارض في سنجار. تحية وتقدير لصبر ذوي الضحايا من الشهداء والجرحى والايتام والثكالى على مصابهم والخزي والعار للذين خططوا ونفذوا وشاركوا بهذا الفعل الشنيع.
لقد كتب العديد من الكتّاب الايزيديين في ذكرى مجزرة حلبجة بما تستحقه تلك المناسبة من على جميع منابر الاعلام الكردي والايزيدي على حد السواء. ولكنني –مع الاسف- عندما تصفحت جميع المواقع الالكترونية الكردية، بدءً بحكومة كردستان ومرورا بصوت كردستان وانتهاءً بقاموس كردي وجريدتي التاخي والاتحاد، فلم اقف على خبراً أو تعليقاً أو إدانةً أوتلميحاً إلى مأساة القحطانية والجزيرة والتي تعد الاكبر في تاريخ العراق بعد الاحتلال، لا من جانب الطرف السياسي الرسمي ولا من الجانب الشعبي ولا حتى على مستوى المثقفين والصحفيين، مما يشير إلى أنه بالنسبة لهم لم تكن المسألة تعنيهم سوى خدمةً لمصالحهم االسياسية والاعلامية وقتذاك مع جل تقديري لمن تبرع بالدم وتعاطف مع الحدث، على الرغم من أن تلك الواقعة لم تقل وحشيةً وتخطيطاً واستهدافاً عن حلبجة من حيث الدمار والضحايا. وعليه فإنه من الحق، لا بل من الواجب علينا في أن نستذكر هذه الواقعة ونفضلها على غيرها نظراً لحجم وهول الضحايا والاضرار.

علي سيدو رشو
المانيا/بيلفيلد في 15/8/2010