الكتب


كان يستمد من كتبه الطاقة اللازمة للانصراف إلى شؤونه اليومية الاعتيادية وكان كلما ترقى في وظيفته تشبث بكتبه أكثر وجلب المزيد منها ليستعد للآفاق الرحبة التي ستفتحها أمامه وظيفته الجديدة كعضو في الجماعة ويتوقع منه أفكارا جديدة ومتجدّدة فهو يرى نفسه ليس كمعلم فقط بل ملهم ومفكر ومنظر لنظرية الحياة العظمى وطبعا هو بذلك يعتمد على كتبه كليا كي لا يخيب أمل ورجاء مريديه في كل مكان ، وكلما تقدم به العمر شغل مناصب أعلى وأكثر أهمية وكثر مريدوه في كل مكان ويتزامن ذلك دائما ببذله المزيد من الاهتمام في شرح مفاهيمه ونظرياته الفريدة في الحياة فيضطر فريد زمانه وعصره إلى إنفاق المزيد من الوقت في القراءة وجلب كتب أضافية للتعمق في فلسفته الجاهزة وإضافة كل ما هو غريب ومطلوب .
ولأن ما في رأسه منقول دائما من الكتب فهو دائما يشتري الكتب ويشتري ويشتري ليزيد من نتاجه الفكري المنقول والمسروق بطريقة هي أبرع ما تكون .
ولكن الكتب أصبحت في كل مكان على الشرفات وعلى الطاولات وحتى على الأرضية بعد أن امتلأت المكتبة وكذلك الصالة والمطبخ وكل الزوايا والمساحات الفارغة ، وكان شعاره السرّي الأوحد ( لو أخذت من كل كتاب كلمة لأتعامل بها مع الغير فسأحكم العالم يوما) ، وهكذا كانت الكتب هي كل عالمه التي بها ينوي أن يغزو العالم .
يتخيل لزائره إن كتبه كائنات حيّة تمارس حياة سرّية في وقت ما .
لم يقع يوما في فخ التشاؤم من الكتب رغم إنها كانت تنقل إليه هلوستها وتسرق وقته الثمين الذي بات يتضاءل مع تقدمه في العمر وبدأت تضيق عليه مساحاته المتبقية من البيت الواسع وباتت تخنقه شيئا فشيئا فقرر يوما ـ وقبل أن يفقد أثمن ما يملكه ـ إعدام كل تلك الكتب حرقا .
في باحة الدار وهو جالس يستمتع بحرق الكتب وكأن همّا ثقيلا أزيح عن صدره كان يطالع كتابا يتكلم عن جواز إهداء الكتب في جميع المناسبات فبدأ يتطلع للباب الخارجي بين الفينة والأخرى ودخان جميع تلك الحكم والمواعظ يتصاعد .