عندما يصبح "الشرف" في كردستان لعبةً انتخابية قذرة!

في الأول من "الدخلة الشرعية" على الطفلة الإيزيدية (11 عاماً ونيف) سيمون/ سيمان، على سنة الله ورسوله، في "كردستان الشريعة الواحدة"، نوهتُ أكثر من مرّة وفي أكثر من اتصالٍ مع أكثر مهتمٍ في هذا الشأن، إلى أن تتحول القضية إلى "لعبة انتخابية قذرة"، خصوصاً بعد غمز الأمير في رسالته المفتوحة إلى الثنائي البارزاني، رئيس الإقليم مسعود بارزاني، ورئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني، من هذه القناة، وتحذيره الفوق الكردي، من مغبة تأثير القضية على إقبال الإيزيديين على الإنتخابات التي باتت على الأبواب.

ما كنت، أخشاه، كمراقب، يبدو أنه قد وقع.

لا داعي للدخول في مفهوم الشرف وتعاريفه، سيما وأنّ للشرف، مثله مثل أي قيمة إجتماعية، إنسانه الخاص، واجتماعه الخاص، ومكانه وزمانه الخاصين. فالشرف في قيم الشرق يختلف عنه في قيم الغرب، والشرف، كقيمة دينية، في قيم الإسلام مثلاً، يختلف عن مفهومه في قيم المسيحية، أو اليهودية، أو البوذية، أو الهندوسية، أو الزرادشتية، أو الإيزيدية، أو في قيم أيّ دينٍ آخر.
فمثلما لكلّ إنسانٍ كقيمة نهائية، شرفه الخاص به، كذا لكلّ إلهٍ "شرفه" الخاص به.
مثلما، للناس على الأرض شرفهم، كذا للآلهة في السماء ومن يتبعهم "شرفهم".
الشرف، إذن، كقيمة إنسانية أولاً وآخر، ليس قيمةٌ واحدة، وإنما هو قيمة متعددة وكثيرة، يتعدد مفاهيمه وتعاريفه بتعدد الثقافات والأديان والعقائد والمذاهب الأخلاقية.

المتابع لقضية الطفلة سيمون، منذ اختطافها، و"الدخول الشرعي" عليها في التاسع من كانون الثاني الماضي، سيلحظ بأنّ القضية التي كان من المفترض بها أن تبقى في إطارها القانون، بإعتبارها قضية جنائية (اعتداء جنسي على طفلة) وأن تُعالج الأمور في محاكم إقليم كردستان، تحت سقف قوانينها، كشبه دولة، سيلحظ أنها قد خرجت من إطارها وحجمها الطبيعيين، لتتحوّل من قضية "حقوق إنسان" بالدرجة الأولى والأساس، إلى "قضية دينية" بإمتياز، ومن ثم إلى لعبة إنتخابية قذرة، يلعب بها الخصوم، لتصفية حسابات قديمة جديدة فيما بينهم، على حساب شرف الآخرين.

"الشرف"، كقيمة مجتمعية ودينية، واحدةٌ من أكثر القضايا الإجتماعية إشكاليةً في كردستان. عليه فإنّ شرف المواطن، طبقاً للتقاليد الإجتماعية والدينية الموروثة هناك، هو أكبر من كلّ وطن. من هنا يمكن تفسير إزدياد وتيرة العنف ضد المرأة في كردستان، وارتفاع معدلات جرائم "غسل العار" فيها، إلى أرقام مرعبة. فبحسب إحصائيات رسمية في كردستان العراق (طبقاً للحالات المسجلة فقط) وصل عدد النساء اللواتي تعرضن في سنة 2009 للعنف إلى 2658 امرأة، منهن 414 امرأة "انتحرن" حرقاً أو تم حرقهن! وحسب الإحصائية ذاتها فإن 70% من النساء "المنتحرات" كانت أعمارهن تتراوح بين 14 ـ 30 سنة. وبحسب تقارير 2012 فإن أعمال العنف ضد المرأة وجرائم "غسل العار" قد ازدادت بشكل ملحوظ مقارنةً مع الأعوام السابقة، والسبب الأساس لهذا العنف، هو التركيبة الدينية العشائرية للمجتمع الكردستاني، حيث أنّ التطرف الديني من جهة والتطرف العشائري من جهة أخرى، يساهمان بشكل مباشر في تغذية العنف الوحشي ضد المرأة وتكريسه، حتى كاد أن يصبح قانوناً لا يعلوه أيّ قانون!

قضية سيمون الإيزيدية، بعد فشل قانون كردستان، كما حدث في قضايا أخرى سابقة (لعل أخطرها وأقربها إلى الذاكرة الإيزيدية، هي "قيامة الشيخان، 15.02.07") في معالجتها بالتي هي أحسن، وخروجها بالتالي من إطارها الجنائي، دخلت "سيمون" كقضية مركبة أو متعددة ومتكررة، في إطار التعدي على "الشرف" (طبقاً للمفهوم الكردي نفسه، وفي كردستان نفسها) مرتين؛ مرةّ على الطفولة كجزء لا يتجزأ من اجتماع كردستان، وأخرى على الإيزيدية كدين من أديان كردستان.

لكنّ الغريب في هذه القضية، هو تحولّها إلى كرة يلعب بها الخصوم في ملعب الإيزيديين، الذين ليس لهم فيها، كما في كلّ قضاياهم السابقة المشابهة لهذه القضية، إلا أن يخسروا المزيد من دينهم ودنياهم، لخاطر حزب زيد ضد حزب عبيد، أو فديةً لعشيرة فلان ضد عشيرة علان. أما الأغرب، ههنا، فهو تناول البعض الإيزيدي الحزبي، أو "الرسمي"، سواء في السر من تحت الطاولة، أو في العلن من فوقها، المحسوب على "إله" هذا الحزب، أو شيخ تلك الجماعة، للقضية ذاتها، لكأنها قضية "بازار إنتخابي"، أو "فرصة انتخابية لا تُعوّض"، للنيل من هذا الحزب أو ذاك الخصم، لتصفية حسابات سياسية قديمة جديدة، ليس للإيزيدين فيها لا ناقة ولا جمل.

بعد فشل "فضائية ك ن ن" المحسوبة على حركة التغيير (كوران) المعارضة، بقيادة القيادي الإتحادي المنشق نوشيروان مصطفى، في تناول القضية فشلاً ذريعاً، وإخراج معدّ التقرير القضية من إطارها الحقيقي بإعتبارها قضية جنائية صرفة، أو قضية حقوق إنسان أولاً وآخراً، ووضعها في سياق ديني، طائفي، مفبرك، خارج مهني، لضرب الدين بالدين، وكردستان بكردستان، وأكرادها بأكرادها، وأكل الحلاوة بعقول المشاهدين، وتبشيرهم ب"نزول" الوحي على الطفلة سيمون، وإعلانها لإسلامها في منامها (!)، بعدها استفاق البعض من أهل حكومة كردستان المحروسة (ومعه جيش "الصحّافيين" الرسميين، الإيزيديين منهم بخاصة)، ليستغلوا القضية، ضد خصومهم المعارضين، وكأن القضية بدأت للتو، أو انطلقت من استوديوهات فضائية معارضيهم، وليس من عمق كردستانهم، وعلى مرأى أسايشها، ورجال قانونها، وسائر مؤسساتها القضائية المختصة.

لماذا سكتت كردستان، و سكت معها كلّ "ربعها" من الفوق إلى التحت، على القضية، بعد مرور أكثر من إسبوعين عليها، وكأنّ القضية لا تعنيهم، ولا تعني أطفالهم ولا إيزيدييهم (أكرادهم الأصلاء)، لا من قريب ولا من بعيد؟
عدا المناطحات الكلامية، والخربشات المكتوبة تحت الطلب، التي حدثت في الأيام الأخيرة، لإعتبارات حزبوية شللية صرفة، ودواعي انتخابية خبيثة، ولغايات قذرة في نفس يعقوب قذر، ما هي النتائج النهائية التي وصلت إليها الجهات الرسمية الكردستانية، لعرضها على الإيزيديين، أو أمام الرأي العام الكردستاني بخاصة، والعراقي بعامة؟
هل هناك ولو بصيص أمل في كردستان، لسنّ قوانين حقيقية (لا مطاطية) كمشروع دستورها "المطاط" جداً، تضع حدّاً لهكذا انتهاكات ضد حقوق الإنسان والأديان؟

في البلاد المحترمة، العقل يُخاطب بالعقل، تُرى بأي عقلٍ خاطب الفوق الكردي أكراده الإيزيديين بخاصة والمسلمين بعامة، بخصوص هذه القضية الحساسة جداً، على مستوى حقوق الإنسان أولاً، وحقوق الأديان ثانياً؟
هل من جوابٍ رسمي للرئيسين البارزاني مسعود والبارزاني نيجيرفان، حتى الآن، إلى أمير الإيزيديين في العالم تحسين سعيد بك، ردّاً على رسالته المفتوحة إليهما؟
أليس مرور أهل الفوق الكردي وعلى رأسهم الرئيسان مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني على القضية، كسواها من أخواتها السابقات، مرور الكرام، وعدم ردّهم على أمير الإيزيديين، برسالة واضحة، إهانةً صريحة ومكشوفة لكلّ الإيزيديين وعلى رأسهم أميرهم؟
أليس سكوت الفوق الكردي على القضية حتى اللحظة، استخفافاً بعقول كلّ من ساهم بحرفٍ أو بكلمةٍ أو بجملةٍ أو بمقالٍ، للتنديد بهذه الجريمة؟

وفوق كلّ هذا وذاك، ما الذي يضمن من ألاّ يصبح الإيزيديون ديناً ودنياً، في المستقبل، مجتمعاً في مهبّ تطرّف إسلام كردستان؟
ما الذي سيضمنه الفوق الكردي لإيزيدييه، أو أكراد (ه) الأصلاء، من ألاّ تتكرر اعتداءات كهذه بحق الإيزيديين وأطفالهم، في الآتي من كردستان، وألاّ تتحول سيمون إلى "سيمونات"، وشيخان القيامة إلى "شيخانات"، وأحداث "إعدام النبيذ" في زاخو وأخواتها إلى "زاخوات"؟

أخيراً وليس آخراً، في حوارٍ افتراضي بين غوار الطوشة "السكران" وأبيه "الشهيد لأجل الوطن" (مسرحية "كاسك ياوطن": http://www.youtube.com/watch?v=XvlY7e7o5lw )، يسأل هذا الأخير "الميت على الوطن" نجله غوار الذي مات فيه الوطن، أسئلة معبّرة كثيرة، عن حال الوطن والمواطنين. في خلاصة ردّه على أسئلة والده "الشهيد المرتاح"، يقول غوار، المواطن الحقيقي نزيل "بطحته"، في وصفه للوطن، بسخريةٍ جميلة: "الله وكيلك يا أبي مو ناقصنا شي إلا شوية كرامة"!

حقيقة الإيزيديين ومن على شاكلتهم من "نزلاء" كردستان (أو أصلاءها المفترضين)، من أعلى فوقهم إلى أدنى تحتهم، هي من حقيقة غوار الطوشة السكران في الوطن/ البطحة.
الإيزيديون في كردستان، بعد أكثر من عقدين من الخيبة المتواصلة في وطنهم النهائي، ما عادوا يحتاجون إلى انتخابات محسومة سلفاً، لا مع هذا ولا ضد ذاك، والأسباب كثيرة.
ما يحتاجونه الإيزيديون في كردستان(هم)، هو كحاجة غوار الطوشة، في وطن أبيه "الشهيد" إلى "شوية كرامة"؟
فهل من بعض كرامةٍ، لما تبقى من الإيزيديين، في ما تبقى من كردستانهم؟


هوشنك بروكا

hoshengbroka@hotmail.com