صلاح بدر الدين يتخبط في نعش المظلومين بدلا ً من التضامن معهم

بقلم د. ميرزا حسن دنايي

لو كان كاتب مقالة (حول غزوة "الازيدية السياسية") واحدا ً من المبتدئين من جيل الانترنيت، لما كانت تستحق جلب الإهتمام، لما فيها من مغالطات وكأن الكاتب يعالج موضوعا ً بعقلية عام 1975، أبسط مثال فيها جهله بمعاني كلمة الايزيدية وأيزيدخان -فيربط ذلك بيزيد بن معاوية-. وهي الكليشة الثابتة للفكر الشوفيني الذي كان يبتغي محو الثقافة الايزيدية الكوردستانية وجذورها القومي ةومهما كان سياق الموضوع، فالكاتب الذي يعتمد حسب مزاعمه على ثلاثة أمور ليبدأ هجومه الشرس ضد الايزيدية، .

بل يعتبر ذلك "غزوة سياسية"، وعلى مسمع قريب من السيد الكاتب مئات الايزيديين يهربون من بلادهم ليتركوها لطبالي السلطان، في ظل إزدياد وتيرة الأعمال المتطرفة والتمييز العنصري ضدهم، في حين أن الامور المزعومة لم تكن بالخطورة التي دق فيها الكاتب جرس إنذار الامن القومي –وحسب الاصطلاح العراقي الشعبي "تحجي ع الريس".



ولكن كون كاتب هذه المقالة الاستاذ صلاح بدر الدين، الكاتب والسياسي الكردي (السوري) المعروف، الذي يقيم في ضيافة الرئيس بارزاني بإقليم كردستان –ضمن نفقة 17% من الميزانية المخصصة لكردستان العراق- تستحق الوقوف عندها بل والبحث عن دوافعها:

فليس معقولا ً أن يجهل كاتبنا المرموق كل مايجري حوله، وينهض من سباته على نشر بيان لجهة سياسية أيزيدية، شهدنا في السنوات السبع الماضية مئات البيانات مثله، أوعلى تأسيس جمعية نسوية متواضعة مثلها مثل عشرات الجمعيات الايزيدية وغير الايزيدية الموجودة في اوروبا، التي تضم بضعة أفراد او ناشطين، أوعلى نشر المواضيع التي تهتم بالايزيدية ومآسيهم وهي في تواصل دائم في ظل المعاناة الأيزيدية الدائمة.. وبعبارة أخرى لم تكن هذه الأشياء اليومية تستحق أن يدق الكاتب على طبل "تحجي ع الريس". فليس فيها من جديد ولاخطر. ولو كان الكاتب يريد أن يكتب بإخلاص للقضية الكردية كان عليه ان يدرس تلك المقالات والانتقادات سواء كانت من كتاب معروفين او من مواطنين بسطاء لمعرفة مواطن الخلل ومحاولة التنظير من أجل معالجة تلك النقاط لا تخوين المثقفين والتيار الفكري الايزيدي الكردستاني بالذات.

وهذه الأحداث لم تكن تستحق أن ينهض الأستاذ صلاح من سباته حول الأيزيديين، مادامت الهجمة الارهابية في شيخان (فبراير 2007)، ومجزرة عمال النسيج (أبريل 2007)، ومجزرة تلعزير (أغسطس 2007)، وفتوى ملا فرزندة حول الإبادة الايزيديين (صيف 2008)، ومجزرة سنوني (أغسطس 2009)، وحرمان مئات الطلبة الايزيديين من مقاعدهم الدراسية منذ عام 2003 بسبب الإرهاب، وعشرات الرؤوس المقطوعة لعمال ومواطنين إيزيديين في شوارع الموصل وعلى الطرقات، وغيرها من ممارسات التهميش والاهمال التي يعاني منها المواطن الايزيدي دون غيره، مادام كل ذلك لم يحرك ضمير كاتبنا السياسي من أجل التضامن مع أشقائه من بني قومه المغلوبين على أمرهم... لماذا يكتب اليوم عن الايزيدية وهو يلبس وشاح العلمانية والتحضر، في حين تفوح من سطور مقالته رائحة دموية لاتختلف عن رائحة الدماء البريئة التي هدرها الامير الاعور (1832) وهو يقتل أبناء الايزيدية بوحشية ، ويهدي نساءهم الى سادته من باشوات الموصل –أول عملية بيع للشعب وللشرف الكردي على أيدي زعيم كردي في التاريخ-.



الأمر الخطير في مقالة الأستاذ صلاح بدر الدين ليس إنتقاده لحفنة من الأيزيديين ربما يختلفون مع الأغلبية في بعض الأفكار، كان من الممكن تلافيها في البداية لو لم يكن هناك بيننا ممن يمتهنون كتابات التخوين. وعلى أية حال، ليس معقولا ً أن نعاقب الأغلبية على أفعال الأقلية. إذ نعلم أن التاريخ الكردستاني المرير لا يخلو من (الجحوش) وممن كانوا يبيعون قضيتهم القومية للأعداء. ولاتزال ذاكرتنا تستوعب تاريخ قلة ممن كانوا يعملون مرتزقة لدى منظمات إرهابية لسبب أو لآخر وهي ليست موضوع نقاشنا. فمجزرة الأول من شباط في أربيل التي راح ضحيتها عشرات الكورد الأبرياء في يوم العيد بينهم قياديين أشداء ليست بعيدة عن ذاكرتنا، التي كانت بتخطيط وتنفيذ من أبناء المدينة من فلول القاعدة وذيولها، فهل يستطيع السيد بدر الدين أن يتهم كل أهالي أربيل بالخيانة؟!! إذن لماذا يريد السيد بدر الدين ان يحاسب نصف مليون أيزيدي على رأي البعض الأقل؟!!

وهذا ما كان غريبا ً في مقالة الاستاذ بدرالدين، فهو لم يتناول حالة شاذة موجودة بين الايزيديين، وهو يدرك أن الأيزيديين أثبتوا في كل المواقف السياسية بقاءهم الاختياري ضمن الخط الكردستاني العام؟!! بل نستشف من مقالته وإسلوبها الهجوم الشرس على الايزيديين المساندين للقضية الكردية؟؟!! أليس هذا غريبا؟!!!

ألا يدعونا هذا الأمر الى التساؤل: لمصلحة من وبتكليف ٍ ممن يكتب الاستاذ بدر الدين؟ لأن أي تساؤل آخر لن يكون في محله: فلن أستطيع أن أصف هذا السياسي المخضرم بأنه يجهل الوضع العام في كردستان وموقف الأيزيدية: وهل يعقل أنه كتب مقاله عن قلة دراية بالواقع العملي -على سبيل المثال أن الأيزيدية لايشكلون سوى 10% من الشعب الكردي في العراق، ولايمكن أن يقودوا إنقلابا ً أو يديروا دولة. وأن جل مايطالبون به هو حق المساواة وتثبيت حقوقهم في الدستور والحياة المدنية وأن يتم الالتفاف اليهم مثل بقية المناطق، وأن لايتركوا في مهب الريح، ضحية الصراعات القائمة؟ وأنهم ديانة مسالمة لاتعرف التبشير، فتنقص ولاتزيد!

وليس معقولا ً أن الاستاذ بدر الدين يجهل أن المواطن الايزيدي كلما ازداد تشددا ً وتمسكا ً بتراثه يزداد تمسكا ً بكردستان وقضيته القومية، لأن لغته ومقدساته وكينونته ومعابده ها هنا، ولأنه جزء من الكل وحوله بحر من الظلمات. فمصيره ونهضته مرتبطة بمصير كوردستان!! وليس معقولا ً أن يجهل الاستاذ صلاح بدر الدين أن أول المدافعين عن حقوق الايزيدية في دستور العراق كان الرئيسان طالباني وبارزاني، فهل يقصد السيد بدر الدين أن المساكين الايزيدية إستطاعوا أن يكسبوا الزعيمين لكي يدعموا هذه غزوتم المزعومة؟ فلو طبقنا معادلة صلاح بدر الدين (التخوينية) الخطيرة على الزعيمين، فهما يعتبران في مفهومه أول المتهمين المشاركين في الغزوة وهما أيضا خطر على الأمن القومي الكردستاني، لأنهما يعترفان بخصوصية الايزيدية وضرورة مراعاة هذه الخصوصية ضمن النسيج الكردستاني –حتى لو لم يطبق كل ما نريده في الواقع العملي-؟!!



كنت أتمنى أن يتناول الأستاذ صلاح بدرالدين مقالته بعيدا ً عن كليشة التخوين وحبذا لو إبتعد عن حشر الوطنيات في موضوعه لأننا شبعنا من هذه الشعارات. وأقول بصراحة حتى القيادة الكردية أيضا شبعت من هذه الشعارات الوطنية المزيفة –اذا كان غرض بعض الكتاب تخوين الاخرين للتقرب منها-. ولكن لا ضير من أن أذكر إستاذنا العزيز، أن الكثير من المناضلين الأيزيديين كانوا يقاتلون في صفوف الحركة التحررية الكردستانية مضحين بأرواحهم وعوائلهم من أجل قضيتهم المشروعة أيام النضال السلبي، ولو كتبت أسماءهم لما اتسع المقال لذلك. وفي ذات الوقت كان الاستاذ صلاح يقيم في لبنان مشاركا أو غير مشارك في الحرب الاهلية المرعبة حيث يموت اللبنانيون المسالمون على أيدي منظمات تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء يبتاعون القضية الفلسطينية على مصاطب بيروت. ولم يكن ذراع النظام العراقي السابق بعيدا ً عن تلك الساحة وكثيرون كانوا يأتمرون بأمره. والاستاذ صلاح بدر الدين، أكبر من أن نتهمه بتعاونه مع المخابرات الصدامية في تلك المرحلة ضد سوريا التي كانت آنذاك الصديق والعون الأساسي للأحزاب الكردستانية (العراقية). ولا داعي أن نستذكر كيف أن المخابرات الصدامية في ذات الوقت كانت تنتهك حرمات الشعب الكردي في السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك والموصل وتغتصب ألارض والعرض.
بغداد في 6 سبتمبر2010