داود ناسو : نهج الغزاة


نهج الغزاة رداً على مقال الأستاذ صلاح بدر الدين"حول غزوة الإيزيدية السياسية"
كنت قد آليت عن نفسي، أن أنآى بها عن التدخل في الشأن الإيزيدي العراقي على وجه التحديد، ليس ترفعاً حاشى وكلا، بل إيماناً وقناعةً مني، أن من بين الإيزيديين العراقيين من هم بحجم المسؤولية التاريخية لإدراك الواقع الخطير الذي تعيشه الإيزيدية عموماً وفي العراق خصوصاً. فأهلها أدرى بشعابها. كما أن وضع إيزيدي سورية ليس بالأحسن على أي حال.
بيد أن مقالاً للأستاذ صلاح بدر الدين بعنوان "حول غزوة الإيزيدية السياسية" منشور في عدد من المواقع الإلكترونية ، دفعني كما دفع الكثيريين من المثقفيين الإيزيديين قبلي على الرد على هذا المقال " الغزوة" .
صلاح بدرالدين غني عن البيان في الأوساط السياسية الكردية بشكل عام والسورية بشكل خاص. وهذا ما دفعني كإيزيدي سوري للرد على أفكاره الواردة في متن مقاله المذكور أنفاً بغية بيان عدة نقاط عل إفادة فيها وإعتبار.
يبدو أن الأستاذ صلاح غير مطَّلع على حقيقة الديانة الإيزيدية بإعتبارها ديانة غير تبشيرية، وبالتالي فلا فائدة ولا مغزى لقيام الإيزيديين بغزو كردستان أوأية بقعة كونية أخرى بهدف "فتحها" إيزيدياً(حتى لو كان مجازياً). فتاريخ الإيزيديين مجبول بالترحال مذ عهدهم بالبشرية، خوفاً وهرباً ممن يتربصون بهم، المكفريين لطقوسهم وعاداتهم، الداعيين إلى محوهم عن بكرة أبيهم. لذا لا محل لقلق الأستاذ صلاح من "إزيدة كردستان" .
الإيزيديون كانوا ومازالوا أبداً في موقع الدفاع وليس في موقع الهجوم والغزو وهذا أحد أهم أسباب الإنكسار الإيزيدي الحالي. ولا أعني هنا الهجوم بمفهومه الديني القائم على الغزو والاكراه والنحر بل أعني به الهجوم عبر التأسيس لمشروع وواقع حضاري يكون أرضية لإستقرار ثقافي وإجتماعي وإقتصادي.
كان حرياً بالأستاذ صلاح بيان أسباب هروب الإيزيديين من وعن كردستانهم.لا أن يحاول رمي حدة الإنقسام الكردستاني في سلة الإيزيديين، في محاولة مكشوفة للهروب من الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا التخوف الإيزيدي " المبرر" في الكثير من جوانبه.ولم يتطرق الأستاذ صلاح لا من قريب ولا من بعيد للأسباب التي دعت الى خوف وقلق الإيزيدي من كردستان، حيث جاء مقاله عرضاً للحالة دون البحث في المسببات.
عرض الأستاذ صلاح صحيح من حيث المبدأ ،فالكثير من المثقفين الإيزيديين، الذي يوسمون أنفسهم أمميون أو كردستانيون في المستوى الثقافي والايديولوجي الادنى أو ما فوق دينيين، كانوا وحتى عهد قريب يؤمنون بكردستان لكل الكردستانيين (دينيا وعرقيا). فالمساحة المكانية المسماة بكردستان ليست حكراً على دين او عقيدة بحد ذاتها، بل هي مساحةٌ مكانية وفضاءٌ رحب يسع لكل الأطيافِ، إذما توافرت الشروط الضرورية والحتمية لقيام علاقات حياتية يومية عادية. أما وأن تُقًّدس كردستان ويُقًّدس الحزب ويُقًّدس القائد وينحر في محاربهم الإنسان، فهذا ولعمري مصيبة عظيمة، لابد لأي عاقلٍ أن يشير إلى النتائج الوخيمة التي ستؤول اليها الأمور، لو أنها تُركت على عواهنها. فلايمكن لاي ذي بصيرة ان ينكر الطابع الديني المهيمن على مجمل الشرق ومنها كردستان المساحة، ولكن وحينما يطغى طابع على آخر ويدعو إلى إنكار حق الأخر في الوجود، حينها نكون أمام واقعٍ خطيرٍ، يجب والحال هذه على كل اولئك المؤمنين بكردستان للجميع أن يراجعوا حساباتهم. وهذا ما ينطبق على الإيزيديين ضمناً. فلا يمكن إنكار حقيقة أن الفرد الايزيدي يعيش أزمة هوية وأزمة إنتماء، تكمن أسبابها الحقيقية في الصدمة من تحول كردستان الوطن الحلم إلى كردستان المنابر والجوامع والحلقات الدينية والفتاوى. فنحن هنا اذاً امام ردة فعل على واقع بدأ ينحو باتجاه مقلق.
الكثير من الإيزيديين هم كوادر في الأحزاب الكردستانية ولهم تاريخ نضالي. ولكن أي مثقال يمثله هذا التاريخ وهذا النضال مقارنةً بالانتماء الديني. فالميزان الكردستاني ميزان مختل برأي، حينما يتعلق الأمر بالخلفية الدينية، وهذا ما دفع الايزيديين المراقبيين الى الرجوع الى الأصل أي الى الوسط الايزدي كمحل وساحة للفعل وليس مجرد ساحة تحت الطلب، يمكن ايقاع الفعل به لأمر طارىء أياه.
الامر لا ينسحب على كل الكوادر الإيزيدية، اذ مازالت الانانية والنرجسية والمصالح الذاتية تشكل المعايير الأخلاقية للبعض في إطار تسخير القضية الإيزيدية كوسيلة للتسلق، وليس كغاية مرتجاة. وهنا تكمن بالأساس المصيبة الإيزيدية العظمى بإعتباراها مصيبة بنيوية أساساً.
المثقف الإيزيدي "الحريص والمخلص" مازال لاعباً فرداً، يفتقد إدراك أهمية العمل الجماعي، ولذلك ايضاً أسبابه لعل من ابرزها توزع الطبقة الايزيدية المثقفة على الاحزاب الكردية المختلفة والتشبع بالايدولوجية العقائدية لتلك الأحزاب الأمر الذي يؤدي في نهاية الأمر الى تأخير الموضوعة الإيزيدية إلى محطات متأخرة جداً في سلم الأولويات!

داود ناسو
daoudnaso@gmail.com