الدكتور محمود عباس:للشنكال عهد مع الأزل

شعب فتت، وأرض مزقت، وقومية صلبت، والرهبنة لا تفارق المثقف الكردي، والساسة يتغاضون أو يحيلون الطرف، والتكابر لا يفارقهم. حورب الكرد على مر التاريخ وتحاربوا، وخلق الله الدمار والويلات تيمناً بما جرى للكرد وكردستان عامة وللإزيديين وشنكال خاصة،
وفعلوا بالجسد المثخن بالجراح وعلى مدى التاريخ ولا يزال، وبأساليب متنوعة، وتحت إدعاءات غريبة وشاذة لا تتقبلها الإنسانية، ومنافية لمبادئ المجتمع الكردي. بدأت بالإدعاءات الطائفية، وفيما بعد القومية، والأن تظهر نفاق السياسة الإقتصادية. الأعداء يقسمون الجهات السياسية في كردستان إلى عدو أوصديق حسب المصالح الذاتية الأنانية، فلا ثالث على الأرض، إما منافق أو مؤمن، صديق أو عدو. كل من ليس معهم عدواً لله والسلام، وكأن الله والدين والعدالة ملك يمينهم ولا يحق للآخر امتلاكه، وهذا امر العلي القدير؟ وأمرهم الخالق بأن يلفقون بالكرد مع الطرف الخاسر، وسياستهم بالجهة المعادية للتطور والسلام، وللكرد الأزيديين في هذا التقسيم حصة. ولهم على الكرد عامة ادعاء، صداقة أو تعامل في الخفاء مع يهود العالم، وأسرائيل خاصة( وياليتها كان)، حكم مطلق يسبق النقاش والتداول، ويرمى بالأمة الكردية في الطرف الآخر السلبي من الإنسانية، وفي هذا لنا نظرة عنجهية مغايرة كلياً، قد لاتتلائم ونظرة الشوفينيون من العرب والترك والفرس والإسلام الراديكالي عامة. وهناك من يتهم الكرد في بواطنه، ولا يستمع إلى المنطق في الكلام والتصريحات العلنية في السياسة، بل يذهبون إلى الباطنيات في النفس البشرية الكردية، ويلصقون بهم تهم العمل من أجل تمزيق جغرافية الدول الحاضرة، والتي لنا فيها أيضاً نظرة جغرافية تاريخية عميقة الأبعاد، الجغرافية الواهية التي تكونت فيما وراء الكواليس، بنيانها الحقد والكراهية والعنصرية، ولا أعتراف بها، لا من أصحابها ولا من ساكنيها، لا يعني هذا بأن الكرد ينطقون خبثاً، بل الخبث يكمن في منطق السامع للنطق والتصريح، وينقل النطق بالتلفيق، تسييساً لإحضار مبدأ موبوء بالكراهية للآخر. تطورت الأحداث وتفاقمت الاتهامات، وعشش الخلل المجتمع الكردي الديني والثقافي والسياسي والإقتصادي، إلى أن اصبح واضحاً الآن، وفي هذا العصر، الهجمات الإجرامية الواضحة والجانبية على احد أنقى مكونات الشعب الكردي الرئيسية تاريخياً وروحياً، وأخص بالذكر هنا المكون الديني، والدين " الأيزيدي" بالضبط. لن أتدخل في تاريخه، لقد أصبح له كُتَابه الذين يكتبون بمنطق جميل، رغم أن النقاشات لا زالت دائرة، والمفاهيم تتكاثر، والرؤى تتنوع وتختلف، لكن المجاري معظمها تسير بمنطق سليم وإلى غاية نزيه. ولن أتدخل في تلك الخفايا الموبوءة، التي يقف ورائها السماسرة، وغايتهم بيع ماهية هذا المكون الأنقى أصالة في الكرد، في أسواق النخاسة العربية، وتحت يافطات ملوثة مهترئة من قبل باعة أمثال" أنور معاوية" والذي يسميهم صاحب القلم الجريء والمنطقي "بيير خدر آري" ب" التجار"، كما ولن أتحدث عن المظالم التاريخية التي مر بها الكرد عامة والأزيديون خاصة، مرة لأنهم كرد، وأخرى وهي أفظعها لأنهم يؤمنون بدين يحمل تاريخ معتقدات الإنسان في الشرق من جذورها، والتاريخ بدأ يبان وبسهولة، والأقلام تبرز على الملئ تلك الصفحات السوداء من تاريخ المسلمين أولاً والشعوب التي أستعملت الإسلام كسلاح وبدون رحمة ضد الكرد الأزيديين، وللأسف لبعض قادة الكرد المسلمين دور فظيع في عمليات الإبادات الجماعية، ولسوف لن أبحث في هذه المآسي. بل سأتحدث عن شنكال الحية الميتة.
وعيت على افقٍ، شنكال نهايته، الهالة السرابية الأبدية تلك، التي كان يصطدم بها نظري كل صباح، جماله البعيد هناك وهيبته، خلف السراب يقف شامخاً" شنكال الأبد" وأنا في " نصران" مكان خلق الروح، أقرأ المسافات البعيدة، أستنشق من نسيمها الأزلي، ترعرعت على رؤية جبل غرز فيَ، فكرة الصمود والتحدي، العنفوان والكمال، هذا ما كنا نتحدث فيه حينما كنا ننظر إلى شنكال الخيال البعيد مع أصحابي من أطفال قريتي"نصران". لم أعرف للبعد أمتداداً إلا ووقف على جبلين صامدين " باككوك" في الشمال و" شنكال" في الجنوب، حيث الأحلام والخيال والأساطير، التي كانت تطير إلينا من دهاليز ثغوره، سلاسل تتحدث من البعد عن تاريخ عظماء مغمورين عاشوها، وأبطال يسكنونها. حلماً كان يراودني ولا زال، متى سأعيشه، وأتلذذ روحه السرمدية ملامسة، ولا زلت أحلم. يؤلمني، ويدمي ذكريات أحملها بلذة وألم معاً، وأنا أسمع وغربتي هذه، آهات شنكال أرضاً وإنساناً، فهل تقلص حجمها؟ وضاقت وديانها؟ وهجرت غزلانها؟ وطردت من سمائها صقورها؟ هل لايزال لروح الشموخ والعلياء فيها من أثر؟ شنكالُ كردستان، والأيزيدية روح الماضي الحاضر الكردي، آلا نؤمن بالسرمدية الرباعية هذه؟ هناك من يحفر قبرها جهاراً وحقداً وآخرين جهالة أو خباثة.
شنكال الحاضرة أبداً، كتب عنها الكثيرين في الماضي والحاضر، كانت لها ماضيها المشرق مثلما لها الأن حاضرها المؤلم البائس، الحاضر الذي يبحث فيه بعض الكتاب، وهم قلة، مقارنة بالدمار والتخلف والإهمال، وللأسف هناك غياب مقيت من قبل المثقفين الكرد المسلمين، ومعظم الذين يكتبون عن ألامها هم أيزيدييها، ويعاتبون على أنه تعصب خاطئ!! أمثال السيد " هوشنك بروكا" الذي لمس آلامها وشاهد المعانات روحاً ومادة، يكتب عنها بقلم الإنسان وليس بالنفس الدينية، ولا السياسية، الألم والجوع لا يتعرفان على السياسة والدين. تطرق إلى الأسباب كلها، في لحظة شرح المعاناة، وأين الجريمة، هل في الكلمة أم في الإحتضار والموت في ذاته؟ ناله نقد لم يعتمد على مناهج النقد المفتوح أو المغلق، وهل كان يجب أن يكتب عن آلام شنكال كاتب مسلم ليكن أكثر واقعية؟ أم كان على بروكا أن يعتنق الإسلام ومن ثم يكتب عن آلام شنكال!؟ أم أن الواقع الإنساني يفرض علينا أن نستمع إلى تلك الكلمات التي تحمل الصراخ من أعماق الألم الذي تعانيه شنكال، وشيخان، وبحزانة، ولالش المقدسة، وغيرها، دون الإنتباه إلى شخص الكاتب. هل كلمات بروكا حقيقة أم ورائها غايات؟ لا أظن بأن بروكا يحتاج إلى تبرير كهذا لتبيان وجهة نظره السياسي. ومن منا لم يتأثر يوم كتبت السيدة " سندس سالم النجار"عن شنكال، مالكة اليراع المبدع، والفكر الناصع، والمبدأ القويم، والكردية حتى النخاع، المعتزة بها دون إنتظار من مجامل أو عابر سبيل، ليبين لها هويتها، كتبت ولا تزال تكتب أقل ما يقال عنها الرزانة والحصافة في الفكر والمبدأ والكردايتي، الإنسانة التي تحس كأحساس كاتبة واقعية تعيش معانات أمتها وعائلتها، مقالتها" الكرد الأصلاء والكرد الدخلاء(شنكال، أربيل) رسالة إلى السيد البيشمركة مسعود البرزاني المحترم" التي هزت شعور كل كردي شريف، وزعزعت الأحاسيس لدى بعض القادة السياسيين في الأقليم، في تقديم بعض الخدمات العامة لشنكال، وظهرت الخدمات على شاشة تلفزيون كردستان ت ف بعد أقل من يومين من نشرها للمقال. الخدمات الإنسانية لقسم من أرض كردستان المثخن بالجراح لا يحتاج إلى بهرجة سياسية، الصرخات تعلا منذ أمد، من أبنائها وزوارها، "أعتذر عن ذكرهم جميعاً" يجب أن يهز الوجدان الإنساني في حكومة الأقليم وليست جرافات يتيمة وكاميرة خجولة ك" الكاميرة الخفية" تبحث في إحدى طرق شنكال المدينة المحتضرة. أية كلمة أعمق وأصدق معنى من كلمتي الكرد الأصلاء، الكرد الذين حملوا الكردايتي فكراً ومبدأً، وأية كلمة أوضح من كلمتي الكرد الدخلاء، الذين باعوا الكردايتي سابقاً وهم سماسرتها وتجارها اليوم، والمختفين بين شعاب طرق النهب والسلب في الأقليم الغالي، وأية مقارنة أجمل وأنقى من شنكال مع أربيل، وأي تقدير أعظم من تقدير أعطاء صفة البيشمركة المقدسة لكاك مسعود أبن البرزاني الخالد، والذي لاشك من أنه يحمل كردايتي الوالد، فكراً، وعقيدة، وإيماناً، وهذا ما تقصده السيدة سندس والتي كتبت عن الألم والمآسي الحقيقية، وبكل نزاهة، عن ضياع شنكال وشيخان ولالش و...كتبت في الماضي عن المرأة الكردية الأيزيدية وقضية العناسة ومآسيها التي لم يلتفت إليها أي كاتب قبلها، أليست هذه المرأة جزء من المجتمع الكردي؟ أليس شنكال رمز من رموز كردستان، والفولكلور الكردي يمجده ويفتخر به إسماً وصموداً ورمزاً كردياً عريقاً؟ - أهنئكم على تكوينكم للهيئة الخاصة بالمرأة الأيزيدية- نعلم والعامة تعلم بأنه للمجتمع الأيزيدي خصوصياته وبشكل خاص المرأة الأيزيدية ضمن مجتمعها بل وفي المجتمع الكردي عامة وفي الحضارة الأوروبية خاصة، والتي لها خصوصياتها في التعامل والزواج وبناء الأسرة وغيرها، لكل دين عالمه وخصوصياته. وأخيراً وليس آخراً المقالة التوضيحية الخجولة للأخ "مصطو ألياس الدنايي"، "شنكال ما بين الواقع والإعلام" يقول بأن الأهمال من الجهتين، لكنني أشدد بأن المركز والأقليم هم من يقع عليهم كامل المسئولية وبدون نقاش، الرواتب المتناثرة هنا وهناك لن تدفع بشنكال إلى ركب التيار العمراني، شنكال يحتاج إلى بناء متكامل في البنية التحتية من الكهرباء والمياه والطرقات والجسور، والمجاري والخدمات الهاتفية وغيرها، إلى المدارس والمستوصفات والمكاتب العامة والمطار و... وإلى بنية صناعية وخدمات زراعية، إلى أستثمار في جميع المجالات الأقتصادية. وهناك آخرين كتبوا، والنتيجة كانت كلمات ضاعت في كهوف ووديان شنكال.
الخلط فظيع وقاتم، الكردي المسلم يعاني الويلات قومياً، والأيزيدي يعاني قومياً ودينياً، الكردي يعاني من السلطات الدكتاتورية الطاغية على كردستان، والكردي الأيزيدي يعاني من السلطات والفئات الإسلامية الراديكالية ومن بعض الساسة والمثقفين الجهلاء بالتاريخ والدين الإسلامي ومن ضمنهم بعض الكرد المسلمين، فئة غير قليلة في الأقليم الفيدرالي، كم من المرات طرد الأيزيدي من عمله تحت حجة بأن الزبون لا يتلقى البضاعة من يد كافر، وكم من المشترين في الأسواق لا يشترون بضائع الباعة الأيزيديين، وغيرها، وغيرها من المشاكل العديدة والعديدة جداً، منها الثقافية والأقتصادية والسياسية، وحكومة الأقليم إن حركت لا تتعدى حركة تلميح باليد، فهل الذين يكتبون عن هذه الآلام ينبهون إلى حركة أنفصالية للأيزيديين عن الكيان الكردي المتكامل ببعضهم؟! هل يشعر بمثل هذه الآلام إلا من يتذوقها كل يوم ويعيشها كل لحظة؟!
الأقليم الفيدرالي خسرت ولا تزال تخسر أفضل خطواتها الفعلية، في دمج قسم كبير من المناطق المتنازعة عليها إلى جسم الأقليم، وأن لم يكن معترفاً بها من قبل الآخرين، ولماذا يجب أن يطلب منهم بالسماح لهم للعيش في دارهم؟ عندما يكون الدار في متناول اليد والأبواب مشرعة! ألم يكن من المنطق السياسي القيام بالتحايل الإداري في ضم هذه المناطق بحنكة سياسية ،اقتصادية، ثقافية متكاملة.
تحررت العراق من دكتاتورية الفرد الذي كان يحل ويربط بدون نقاش، والأن يحكمها قوى عديدة، ولا أظن بأنه هناك من سيتجرأ ويوافق على السماح لحكومة الأقليم بأخذ الأراضي المتنازعة عليها، وبسهولة، سوف لن تحلم حكومة الأقليم بهذه المشاهدة. والسؤال من هي القوة التي ستتحمل هذه المسئولية أمام العرب والفرس والترك الشوفينيين، والخوف لا يزال يأكلهم من مستقبل قادم؟ وعود الماضي شيء والواقع الفعلي شيء آخر. لا أظن بأنه من الحكمة السياسية الإنتظار حتى تنفيذ المادة 140 والتي قد لا يكون لها نهاية مستحبة، وإذا كان حكومة الأقليم يؤمن بكرديتها عليهم بدعمها اقتصادياً، كحق عين في هذه الفترة، على الأقل للأبقاء على الرابط الجغرافي، وإنقاص الهوة العمرانية ما بين التطور الحاصل بين الأقليم والدمار الذي يعانيه شنكال وما يتبعها. كان على حكومة الأقليم صرف جزء لابأس به من الميزانية لتطوير شنكال وشيخان وغيرها من المناطق المتنازعة عليه، التي دمرت وعن قصد في السابق والمهملة الآن، ونحن نراقب الدمار فيها ولا يتحرك لمساعدتها سوى أقلام من هنا وهناك، ومعظمهم من أبنائها وهم أيضاً يصارعون ضياع التناحر والأقتتال على الثانويات. ولا يخفى بأنه أصبح الأن لهؤلاء الأقلام رنة خاصة على الساحة الثقافية، وليست في كردستان فقط، لكنهم وللأسف ماهم سوى إنعكاس لمرآة القضية الكردية، حتى ولو كان الحديث يجري عن القضية الأيزيدية، ومناطق البؤس التي نتحدث عنها.
مفاهيم التمييز والعنصرية السياسية لا يتبناها عادة الفقراء والضعفاء، بل هؤلاء هم عادة قادة في الصراخ من أجل الحرية والعدالة والسلام، ولا يكتبها أبناء الذين ألقي بهم على أطراف جداول الزمن العابر، أبناء شنكال وشيخان وبحزاني والمناطق الأخرى، بل هؤلاء يكتبون عن آلام المرأة الكردية والأيزيدية خاصة وصراعها مع ثقافة المجتمع والحياة. المفاهيم التي تشد على العنصرية تأتي عادة من الذين يتكتمون على المآسي، والقريبون من مراكز القرار، وهؤلاء هم الذين يعارضون الأقلام الجريئة بل الصريحة في القول، وبالتأكيد لا أتحدث عن الأقلام التي لا تزال تعيش في عهود الظلمات، والتي لا تزال تكتب بمنطق عصر الخلفاء.
شنكال رمز لكل القصبات والقرى والمناطق الأخرى، تهلك الآن أقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، وهذا التدمير يؤدي بحد ذاته إلى التخلف الديني، والنداء يجب أن يعلى أكثر وأكثر من الأقلام صاحبة الضمير بالاسراع في تقديم المساعدات والخدمات. أنادي الإخوة المثقفين والساسة والغيورين وأصحاب الأقلام النيرة، الأيزيديين خاصة، الإنتباه والتركيز على تحديد النداء في طلب المساعدة الاقتصادية، بل الدعم لضم المناطق إلى الأقليم وبالطرق الاقتصادية قبل السياسية، كأعادة بناء شنكال وغيرها، وأن يوصل النداء إلى رئيس حكومة الأقليم أبن البرزاني الخالد البار، الرئيس مسعود البرزاني، والذي لا يشك بأنه المثال عن القائد الخالد في الكردايتي مفهوماً وفكراً ومبدأً، وهو المثال في التفاهم والإدراك والتقارب، ورؤية مراكز الخلل، ومن ثم دراسة الواقع فعلاً وعملاً وفكراً ومبدأً.

الدكتور محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com