ماذا لو كانت مقالة السيد بدر الدين بشكل آخر؟

علي سيدو



بعد قراءة ما كتبه السيد بدر الدين استشفيت منها وببساطة شديدة بانها كانت موجهة للتغطية على الحملة المنظمة التي قادتها بحزاني نت حول مقتل المغدور بارز خلات ئيزدين في 30 اغسطس 2010، وخطف الاضواء عنها وتحويلها إلى مجرد حدث عادي، وقد حققت فعلا بعضا مما رسمت لها لإنها تزامنت مع الحدث وحظيت باهتمام الكثير من الكتّاب والباحثين. ولكن أن الذي حصل هو على العكس واضافت حملة جديدة إلى تلك الحملة وبطريقة اكثر منهجية ومدروسة ومفيدة ايضاً لانها حرّكت الكثيرين الذين رأوا في المقال مناسبة للتعبير عن مابداخلهم. في الحقيقة لم أكن اعرف السيد بدر الدين قبل هذا اليوم بهذا القدر من الاهمية والنضال، وبهذه الروحية الحماسية في الوصف والاتهام، لأن أحداثاً جسام حدثت في الشأن الايزيدي ولم نقرأ لسيادته ولو تعليقا بسيطاً عليها. فكم كان جميلا لو تناول مثل هذا السياسي البارز، الاوضاع الراهنة التي تمر بها تجربة كردستان الفتية بالتحليل والتقييم واقتراح الحلول للكثير مما يشكل عقبة في طريق تطوريها وازدهارها بدلا من هذا الكيل لمجتمع بذل الغالي والنفيس في رفد تلك القضية، قبل، ومنذ اليوم الاول لبيان آذار 1970 وما تلا ذلك حتى سقوط النظام عام 2003 ولغاية اليوم باغلى امكانياته البشرية واللوجستية، وقدم من الضحايا ما لم تدفعه كردستان منذ عقدين من الزمن.
فمهما نكتب أو نُعلَق، فسوف لن نضيف الكثير على هذا الكم الموضوعي من الردود على كاتب مقال *حول غزوة الازيدية السياسية*، ولكن لانتمنى ان تكون بعض تلك الكتابات هي لتصفية الحسابات القديمة بين بعض الخصوم السياسيين على حساب حقيقة ومعاناة المجتمع الايزيدي. فالمتتبع لسرد مقال السيد بدر الدين يتأكد بأنه متابع جيد للكتابات التي تصدر من الكتّاب الإيزيديين على مساحة تواجدهم في كل من ارمينيا والمهجر والعراق ولكنه يتخوف من اية نهضة قد تنمو في وسط هذا المجتمع المظلوم حتى ولو كانت على مستوى الاشخاص، في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون المقال بعكس ما ذهب إليه السيد الكاتب وهو توجيه الانتقاد للسياسة الكردية تجاه الايزيدية، لانها هي التي خلقت المجالات التي اشار إليها في مقاله. فكم كانت فرحتنا ستكبر فيما لو تفهّم كاتب بمستوى السيد بدر الدين بأن المظالم التاريخة لا تموت بالتقادم ولكنها قد تنمحو وتنتهي بتأسيس سياسة راشدة تعترف بالحقوق الاساسية للمكونات التي تعرضت للمظلومية وتعطي لهم الحق في التنوير وسَد الطريق امام الذين يؤججون نار الفتنة كما حصل للإيزيديين بدءً بكارثة الشيخان مروراً بمجزرة بعشيقة وبحزاني وانتهاءً بزلزال سنجار.

وما الاعتذار الذي قدمه السيد الطالباني للمسيحيين وكذلك الحكومة التركية للأرمن إلا أدلة دامغة على ما نحن بصدد الحديث عنه. فالأحداث التي وقعت بحق الايزيديين هي ليست اتهامات من الفراغ، ولا هي من وحي خيال الايزيديين لكي يتهموا بها الكرد، وإنما كتب بها وعلّق عليها الكتاب المسلمين قبل ما ينطق بها الايزيديون وحتى قبل ان تنتشر الثقافة والمعرفة الكتابية فيما بينهم. وأن محاربة الفساد في كردستان لا تلغي حق الاخر في المطالبة بتصحيح ما هو خطأ أو توجيه الانتقاد للمسئولين الحزبيين الذين أثروا سلباً في تهيئة مناطق الايزيدية لخدمة القضية الكردية وتجربة كردستان الحالية، فليس الايزيديون هم الوحيدين الذين يكتبون عن الفساد والافساد في كردستان بطوله وعرضه وعلى مستوى الكبار بشكل اخص.

فكما تفضل السيد بدر الدين بأنه تابع وبتأمل ومنذ فترة ليست بالقصيرة اتجاهات الاحداث السياسية واشكاليات الانبعاث الثقافي الملتبس في ساحة هؤلاء الاشقاء مما دفعه إلى تناول الازيدية السياسية، حسب رايه، نقول هل كانت تلك الكتابات عبارة عن دعوات لتأسيس أحزاب سياسة بالضد من حقوق الكرد أم كانت انتقادات مباشرة لرؤس النظام السياسي الكردي وباسماء صريحة ومعروفة في الوسط الثقافي؟ وأية علمانية هذه التي تخوّن تأسيس منظمة مجتمع مدني نسوية في دولة اوربية، والسويد تحديداً؟ هل توجد منظمة مجتمع مدني واحدة بين عموم المجتمع الايزيدي وفي جميع مناطق سكناهم من غير ان تكون مرتبطة ومسيسة حزبياً وبشكل بحيث لا تستطيع تطبيق ابسط المعايير الانسانية؟ فبعد كارثة تل عزير والجزيرة في 14 أغسطس 2007، طلبنا شخصيا من بعض الشباب لتنظيم منظمة تهتم بشؤن الايتام والارامل الذين فاقوا حد التصور آنذاك، ولكن عندما علم بها مسئولوا الحزب الديمقراطي في سنجار، قالوا بان هذه المنظمة *قد* تكون بداية لتأسيس حزب ايزيدي سياسي وانصرفوا عن الفكرة بدافع الخوف. ف عن اية ديمقراطية تتحدث يا سيد بدر الدين؟

كنا نتأمل من الحكومة الكردية ان تتفهم بأن الايزيديون كانوا تحت الحسار والظلم كباقي الشعب العراقي، وكانت ميزانية كردستان تتحمل بان تقوم بالكثير من الواجب الاخلاقي تجاه الذين قدموا ضحايا ضمن الحركة الكردية المسلحة. ولكنهم بدلا من ذلك تعاملوا معهم بكل غرور واستعلاء وكأن الايزيديين واقفين لهم بالمرصاد كخصم سياسي واعتبروا كل خروج عن الخط المرسوم هو بمثابة اقتراف الخيانة العظمى - الحركة الايزيدية من اجل الاصلاح والتقدم، حزب التقدم الايزيدي وبعض الشخصيات المنتتقدة لساسة مسؤولي كردستان- واصبح التعامل معهم كضحايا تحت الطلب واعدادا جاهزة لصناديق الاقتراع، فلم يقدموا البرامج التربوية الهادفة، ولم يركزوا على التعايش السلمي السائد بين مكونات المجتمع بقدر ما ركزوا على شراء الذمم وخلق الحساسيات المذهبية والدينية، لا بل حتى فيما بين الايزيديين والكرد المسلمين. فهل تعقل بأنه لا يوجد في سنجار اكثر من مائتي عائلة شيعية وأن رئيس المجلس البلدي في سنجار هو كردي شيعي مع جل احترامي لهم؟ وهل تعلم بانه لا يوجد موظف واحد ايزيدي على طول كردستان وعرضه في موقع قيادي سياسي أو عسكري أو أمني أو استخباراتي أو دبلوماسي، ولا يوجد طالب ايزيدي واحد ضمن البعثات الدراسية؟ فهل يعقل بأن يكون ستة اعضاء إيزيديين منتخبين في قائمة كردستان في المجلس النيابي ولا يوجد سوى موظف واحد متعين وجاهياً في برلمان كردستان؟ وهل تعلم بأنه كان لغاية 2009 واحد وثلاثين عضو كردي من اصل اريعين في مجلس محافظة نينوى ولم يكن هناك سوى ثلاثة ايزيديين معينين من قبل تلك الأحزاب والان ارتقفع عددهم إلى ثمانية من اصل اثناعشر؟ هل حصلت مأساة في تاريخ الايزيدية بحجم تلك التي وقعت عليهم عندما كانت محافظة نينوى تحت السيطرة الكردية؟ اليس من حق هؤلاء الناس المطالبة بابسط ما يمكن المطالبة به ألا وهو الاستحقاق الانساني والخدمي؟ وهل اصبحت المطالبة بالمستحقات الانسانية للمجتمعات والحفاظ على خصوصيتها عارا يجب السكوت عنها لكي لا تتهم بانها مسيسة؟

أليس من حق الايزيديين بعد هذا الوقت من التهميش المتعمد والمدروس بشكل منهجي أن يفكروا بما يحفظ ما تبقى من كرامتهم التي اهينت على ايدي اقرب الناس اليهم؟ بماذا تفسر هذه الهجرة الجماعية لكل فئات المجتمع الايزيدي بعد 2003 وبشكل خاص اصحاب الكفاءات منهم؟ فكنا نتنظر من شخص واقعي وسياسي بارز من وزن السيد بدر الدين في أن يبحث في المظالم بشكل عمودي وافقي ومحيطي ويقدمها كمقترحات لحكومة كردستان لكي يناصر الحق على حساب الباطل، لا أن يناصر الباطل على حساب الحق.

كان من المفترض، مادمتم على هذا الاطلاع الواسع على كتابات الايزيديين وبهذا القرب والقدر من الحقيقة، أن تكونوا قد اطلعتم على جانب من المناشدات والالتماسات والدعوات سواء عبر الرسائل المفتوحة أو من خلال الاعلام اليومي الذي وجهه السادة للقيادات الكردية. ولابد أيضا بان تلك القيادات قد اطلعت على نتائج الانتخابات النيابية في عام 2005 و2010، وكذلك انتخابات مجالس المحافظات، وحتى لو كانت تلك النتائج لفريق كرة قدم، لكان من الاخلاق بعد هذا الجهد ان يتم مكافأتهم على النتيجة. وسوف لن ابتعد كثيرا عن صلب الموضوع إذا ما قلت بأن جميع المناشدات والدعوات والرسائل التي وجهت للقيادة الكردية وبعضها رسائل مفتوحة للسيد رئيس الاقليم شخصياً باستيعاب الطلبة الذين تركوا دراستهم على مدي اربع سنوات بسبب الاوضاع الشاذة في الموصل. ولكن جميع تلك الدعوات لم تؤخذ باي اعتبار إلا عند وصول اول مناشدة من الجانب المسيحي، مع كل الاحترام لهذا المكون الذي اكن له التقدير والمحبة، وتم قبول اكثر من 3000 طالب في جامعات الاقليم بإيعاز من السيد رئيس الاقليم شخصياً. فعندما نطالب بالحق المشروع، يجب ان يكون هناك من يسمعه وإلا فسيكون له شأن مع التقادم فنقولها وبكل صراحة وشفافية بان الادارة في مناطق الايزيدية هي إدارة حزبية ضيقة ودكتاتورية عشائرية مغلفة برداء الديمقراطية، وهي دعوات قومية ولكن التنفيذ على الواقع هو تنفيذ ديني بحت مع تمييز عنصري، وأن إدارة من النوع التي تركز على شراء الذمم وشق النفوس وتدمير التراث والفلكلور الايزيدي بدلا من تقديم الخدمات وتنمية الانسان ليكون اهلا لمستقبل مشرق، لهي إدارة عرجاء لا تخدم القضية الكردية، لا بل تضع العراقيل في طريقها. إذن، فهذه ليست إدارة لتهيئة مستقبلية بقدر ماهي إدارة لحالة مؤقته يراد بها تحقيق غايات سياسية مرحلية وليس لتأسيس كردستان كما وصفها زميلنا هوشنك في انتقاداته الرصينة والتي لو أخذت بها القيادات الكردية، لكانت من القيمة ما لا يمكن شراؤها بمليارات الدولارات. ف بعد سبع سنوات من الزمن لم يعد مبررا بأن يتم الاهمال بهذا الشكل والمنطقة بكاملها تحت الطلب الكردي ولخدمتها وتحت تصرفها. كما ويجب على القيادات ان لا تهمل الانتقادات الصريحة وباسماء اشخاص حريصين على الامن القومي الكردستاني أو تثار ضدها الانتقادات التي تصفها بالخيانة عندما تضع السكين على الجرح. وهنا لا استبعد ان بعض القريبين من القيادات الكردية المتنفذة قد تسلك نفس ماكان يقال للناس عند مقابلتهم لصدام حسين |لا تخلي الريس يزعل|، وبذلك دمروا العراق واهله لأن الامر كان يوصف بغير ماكان يجب ان يكون عليه.لذلك كله نقول،إذا كان السيد رئيس الاقليم لا يعرف عن حقيقة هذا الانسان وبهذا الكم من الاتهامات الصريحة لشخصه وتاريخه النضالي، مع كامل احترامنا لنضاله السياسي، وما بدر منه تجاه النضال الكردي عبر هذا التاريخ وهو بهذا القدر ودرجة القرب من للقيادة المتنفذة في كردستان، فعلينا أن لا نعاتب أحداً على التعيينات الحزبية والادارية وسير العمل السياسي والحزبي في باقي مناطق كردستان والمناطق المتنازع عليها. أما إذا كان يعرف عنه كل هذا الكم من التهم، وبكل تأكيد ليس فقط هذا السياسي هو الوحيد الذي يمارس العمل عن قرب بمثل هذه الصلة والمنزلة والاهتمام ويغض عنهم الطرف ويسمح لهم بهذه المساحة من العمل والحرية، فنقول بأن للناس كل الحق في النقد والانتقاد والبحث عن ما يمكنهم الخلاص من هذا النفق المظلم سواء أكان بتأسيس حزب سياسي أو منظمات مجتمع مدني أو المطالبة بالتعاون مع جهات توفر ما لم توفره الجهات الحالية. فلم يعد الامر سهلا كالسابق في ابتلاع الايزيدية بتلك السهولة واليسر، وعلى الاخر ان يدرس الانتقادات بتفحص ودراية وأن لا يقفز فوق الحقائق ويبتلعه الغرور، والمضي قدما في شراء الذمم وترك الحقائق تتحدث عن نفسها بشكل يومي. وكما كانت التهم الجاهزة تكيل في كل مرة، أرجو ان لا تضعوا الانتقادات في خانة الخيانة لان الانتقاد اساس التقويم، وأن تستوعبوا قيمة وأهمية الخدمة اللوجستية التي قدمتها الايزيديين لانها لا تعوض بثمن
علي سيدو
بيلفيلد_ المانيا