اوقفوا الحقد . . اوقفوا حروب الاخوة !

ـ 1 ـ
د. مهند البراك
ahmedlada@gmx.net

تشهد منطقتنا بدولها و شعوبها و مكوّناتها صراعات عنيفة وحشية لم تشهدها قبلاً ، فبعد انقضاء مرحلة حروب الدول الجارة و الشقيقة التي تجمع بين شعوبها انواع الروابط، التي يشهد لها تأريخ شعوب و دول المنطقة . . الحروب التي تسببت بخسارة الملايين من شبابها و مدنيّها رجالاً و نساءً، و خسارات مليارات فلكية من العملة الصعبة، و تسببت بدمار المنطقة فكرياً و روحياً و ماديّاً و حضارياً، و ارجعتها الى منطق الغاب و العنف و الثارات و الاحقاد . . فيما يتقدّم المجتمع البشري الى آفاق الديجيتال و السايبر ـCyberـ و الاتصالات العابرة للقارات، التي كانت تترائى في الخيال و الاحلام .
صراعات وحشية تعكس . . ماهيّة نتائج و تجليات نهاية الحرب الباردة فيها، من مراحل الذهول و الضياع و مراوحة الصراعات الطبقية الاجتماعية في كل بلد بذاته في مجاهيل ظلام يتكشف ببطء عمّا يحمل. بعد ان اعدّت الآلاف من معاهد البحوث و الساينس فيكشن، التي رُصدت لها مليارات طائلة . . اعدّت اساليب تجريبية متنوعة لقيادة و للتعامل مع المراحل التي نعيشها الآن، التي تطغي عليها حروب من نوع جديد تحاول اعاقة الصراعات الاجتماعية الجارية في سبيل التقدم و العدالة الاجتماعية
حروب تجري بضوء التغييرات الستراتيجية في موازين قوى المنطقة ذاتها و الاكتشافات الجديدة لثرواتها من جهة، و بضوء اعادة اصطفاف القوى المتعددة الجنسيات وفق التغييرات العولمية التي تتخطى حدود الدول، بسبب حرية تنقل رأس المال في ظل عدم فاعلية القوانين الدولية السابقة . . التي اخذت توجّه الفكر نحو تصاعد المخاوف من سقوط التعايش التأريخي لمكوّنات منطقتنا، و من تفكك دولنا ومجتمعاتنا وجيوشنا. و تحذّر اوساط كبيرة من الخبراء من مخاطر سقوط حصانة الحدود الدولية و من الحروب الأهلية إلإقليمية التي تجري بفعل التدفق السريع للمشاريع العابرة للحدود، التي يحذّر خبراء من الخشية من كونها طريق مؤدي إلى زمن مليء بالدويلات والميليشيات والمقابر والأقاليم (الطاهرة النقية).
فيما تتواصل بالنمو جُزُر التمدن الذي يجتاح مناطقاً بوراً قاحلة ـ وفق مفاهيم الحضارة ـ فيها . . و تتواصل تأثيرات الثورة التكنولوجية المعلوماتية الهائلة المستمرة التي تسود العالم، التي لايمكن عزل منطقتنا عنها . . و التي تشير و تشجّع على الضرورة الملحّة لتطوير مفاهيم التعايش مع الآخر، و مفاهيم المنافع المتبادلة على اساس تزايد معرفة الكينونة الذاتية للفرد و الجماعة و الامكانيات الجديدة للذات التي كانت غير واضحة ككينونة فاعلة بعيون الآخرين، و خاصة ادوار المكوّنات الثانية (قوميات او اديان و ملل) التي تنمو و تزداد نضجاً و فعْلاً في عالم اليوم و تغييراته العاصفة . .
يجري ذلك و غيره في منطقتنا . . التي بنوها لتكون منطقة للعواصف المتضاربة . . بثرواتها المتنوعة المتزايدة، و ثقافاتها و اديانها و مذاهبها، بالاعداد الكبيرة لشاباتها و شبابها في مجتمعاتها، و بعواطفها الجيّاشة في الحب و في الكراهية، على حد وصف اقطاب القوى الكبرى التأريخية التي شكّلت دول المنطقة على ضوء دراسة تلك الاسس، لأجل إدامة منافعها الانانية منها و ادامة سيطرتها عليها . . الاقطاب ـ و خاصة اقطاب النفط و السلاح و المال و السوق السوداء (*)ـ التي بعد سقطت من ايديها امكانية توظيف (حروب الدول) في المنطقة لمشاريعها اثر غياب ثنائية القطبية القائمة عليها . . وظّفت الفراغ السياسي و الفكري و وظفت الموجة الدينية الصاعدة التي نشأت اثر انتهاء الحرب الباردة . . و التي ابتدأت في العراق للحفاظ على السلطة الاستبدادية منذ الحملات الايمانية في زمن الدكتاتور المقبور و مروراً بالمحاصصة الطائفية . .
المحاصصة الطائفية التي رغم نجاحات قياسا بالدكتاتورية المنهارة، الاّ انها ادّت و تؤدي الى نشوء الميليشيات الطائفية المتحاربة التي تتعامل بعنف لاتحدّه حدود و لايبالي بأمن و سلامة المدنيين . . . و ادّت الى استمرارها في التفريخ حيث يعلن بلا انقطاع عن قيام ميليشيات جديدة بلا رادع قانوني عملي فعلي، بل وبضوء اخضر من كتل حاكمة، برغم تحذير مراجع عليا شيعية و سنيّة من المخاطر الهائلة لذلك الحقد و التطرف الذي تغذيّه، و الذي تسببت نزاعاته الطويلة بظهور عشرات الآلاف من ممتهني مهن العنف و السلاح، بل و الارهاب، زاد منه الصراع الدموي الجاري في الشقيقة سوريا . . حتى صار يخشى من ان يتحوّل الى مرض يستعصي على الحل .
و في الوقت الذي كشفت فيه احداث العقد الاخير في المنطقة، ان القوى الكبرى ـ و الاقليمية السائرة في افلاكها و في تناقضاتها ـ تشجّع و تفسح المجال لتحقيق نجاحات طائفية محلية بالعنف . . نجاحات تريدها هي مهما كانت شعاراتها، طائفية او وطنية و قومية تقدمية، ان اتفقت في الاخير مع وجهتها، و لكنها لاتسمح بتحقيق نجاحات كبرى قد تهدد امنها و سلامة مشاريعها . . كما حدث في انتفاضة ربيع 1991 العراقية، انتفاضة الحجارة الفلسطينية اواخر الثمانينات، اضافة الى نتائج ثورات الربيع العربي في مصر و تونس و ليبيا مطلع العقد الجاري . .
فإن اوساطاً كبيرة من الشيعة و السنة ترى في تقسيم البلاد اضراراً خطيرة هائلة . . و يرى متنفذون حاكمون سواء من (شيعة السيد المالكي) ان صحّ التعبير، او من متنفذين من ولاية الفقيه الايراني (انّ عاماً او عامين من القتال يحقق اعادة رسم الحدود الفاصلة بينهم وبين السنة والكرد، ومن ثم سيحصل سلام وتفاهم اقليمي برعاية المجتمع الدولي، المحتاج للنفط الذي يملأ ارض (الجنوب الشيعي). و ان ذلك سيجنبهم العقوبات والعزلة، و بالتالي يجنّبهم المثول امام المحاكم المختصة بجرائم الحرب . . )، فقد فاتهم ان هذا التصور خاطئ تماماً و يعكس عدم تقدير واقع النفط والطاقة في عالم اليوم. لأن رأس المال النفطي قد ينسحب من جنوب العراق، ويتوجه الى المصادر الجديدة للطاقة التي اطلقتها التقنيات الحديثة، و ان نفط الجنوب الغزير يمكن ان يوضع “على الرّف” حتى لاكثر من عقدين وفق خبراء . . اخذا بالاعتبار توفر مصادر عراقية بديلة اخرى . .
و فيما سحبت الدول المتاخمة يدها من اعلان كيان سنّي (او دويلة سنيّة) في غرب العراق . . فإن السلام و التفاهم الاقليمي بعد سنتي حرب كما مرّ ذكره قد لن يحصل برأي اغلب المراقبين لأن الكيان (او الدويلة الشيعية) في جنوب العراق ستُعدّ سابقة لإعلان (كيانات شيعية على اساس طائفي) اخرى في الخليج، الامر الذي سيؤدي الى ان توظّف انظمة دوله كافة مواردها لإحباط المشروع وافشاله، مهما تطلب الامر و مهما اهرقت من دماء، ولن يجد (شيعة العراق) في ذلك حليفاً سوى ايران الفقيه المستنزفة بسبب الحظر الدولي عليها بقرار اممي . . كما يرون. (يتبع)


29 / 5 / 2013 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الاقطاب التي ازدادت باقطاب اسواق السلع الاستهلاكية . . و بظهور اقطاب اقليمية مماثلة و متفاعلة معها في دول المنطقة و مكوّناتها .