+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية 1ـ 2 .. عبدالله اوجلان

  1. #1
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية 1ـ 2 .. عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية







    عبدالله اوجلان



    عن الحوار المتمدن




    عبدالله اوجلان
    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية
    المرافعات المقدمة
    إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية


    الجزء الأول والثاني


    “ أهدي مرافعتي هذه إلى شهدائنا الذين افتدوا
    أرواحهم ببطولة في سبيل تحرر الجغرافيا التي احتضنت ميلاد البشرية وشعبهم العزيز"


    عبد الله أوج آلان



    المحتويات

    المقدمة …………………………………………………………………………… 9
    الفصل الأول
    المجتمع العبودي والتطور الحضاري……………………………………………… 17
    أ ـ السومريون : الحضارة التي ولدت على ضفاف دجلة والفرات……………… 18
    ب ـ الدور التاريخي للحضارة السومرية وتمأسسها……………………………… 21
    ج ـ النتائج الدائمة للحضارة السومرية………………………………………… 28
    د ـ التطور التاريخي وقضية الأسلوب في التوسع والانتشار…………………… 33
    ه ـ انتشار الحضارة العبودية ومرحلة النضوج ………………………………… 36
    1ـ الحضارة المصرية…………………………………………………… 38
    2ـ حضارة هارابا وماهانجادارو في الهند والبنجاب ووادي اندلس………… 39
    3ـ الحضارة الصينية……………………………………………………… 39
    و ـ عصر دويلات المدن ـ العبودية في الشرق الاوسط………………………… 41
    4 ـ حضارة الكريت………………………………………………………… 52
    5ـ الحضارتان السومرية والمصرية………………………………………… 53
    ز ـ الإصلاح والمقاومة ضد الحضارة العبودية…………………………………… 54
    1ـ ميلاد الأديان التوحيدية وموقعها في الحضارة……………………………… 57
    2ـ مقاومة البنى الاثنية والحضارة العبودية…………………………………… 62
    3ـ تطور الفكر الفلسفي والحضارة "نبذة تاريخية عن التطور الروحي والذهني……65
    أولاً: زرادشت والزرادشتية………………………………………………… 70
    ثانياً: البوذية………………………………………………………………… 72
    ثالثاً: كونفوشيوس…………………………………………………………… 73
    رابعاً : سقراط وعصر الفلسفة الاجتماعية……………………………………… 74
    ح ـ الذروة في الحضارة العبودية………………………………………………… 81
    1ـ حضارة الإغريقية…………………………………………………………… 82
    2ـ مرحلة روما في الحضارة العبودية………………………………………… 90
    3ـ ظهور ميديا ـ الفرس، ومفترق الطرق بين الشرق ……………………………98
    ط ـ انهيار الحضارة العبودية……………………………………………………… 110
    الفصل الثاني
    عصر الحضارة الإقطاعية………………………………………………………… 139
    أ ـ الهوية الأيديولوجية للعصر الإقطاعي……………………………………… 141
    ب ـ الإسلام ـ القوة الثورية في العصر الإقطاعي……………………………… 148
    ج ـ تمأسس وانتشار الحضارة الديمقراطية……………………………………… 171
    د ـ الذروة والانهيار في الحضارة الإقطاعية…………………………………… 178
    ه ـ بدلاً عن النتيجة…………………………………………………………… 190
    الفصل الثالث
    حضارة عصر الرأسمالية……………………………………………………………199
    أ ـ ميلاد الحضارة الرأسمالية وهويتها الأيديولوجية……………………………… 204
    ب ـ تطور وتمأسس الحضارة الرأسمالية………………………………………… 214
    ج ـ عصر انتشار الحضارة الرأسمالية والذورة……………………………………226

    د ـ الأزمة العامة للحضارة وعصر الحضارة الديمقراطية………………………… 234
    الفصل الرابع
    المكان والزمان والهوية الأيديولوجية للتطور الحضاري الجديد وشروطه………………261

    الفصل الخامس
    هل يستطيع الإرث الثقافي في الشرق الاوسط ان يكون تركيباً للحضارة الجديدة.؟……295

    الفصل السادس
    القضية الكردية في الشرق الأوسط وسبل الحل المحتملة……………………………327
    االمدخل………………………………………………………………………… 327
    أ ـ بعض المصطلحات الأساسية……………………………………………… 331
    ب ـ بعض المواقف المتعلقة بالظاهرة الكردية، ومشاكل الأسلوب…………………338
    ج ـ اطار التاريخ الكردي ………………………………………………………344
    د ـ حركة الكرد الديمقراطية الوطنية الأثنية………………………………………386
    هـ ـ نحو الحل في القضية الكردية………………………………………………414

    الفصل السابع
    أن تكون محارب الحرية لأجل الشعب في طوق المؤامرة………………………… 437

    المدخل………………………………………………………………………… 437
    أ ـ تاريخ المؤامرات والدروس التي يجب استخراجها…………………………… 341
    ب ـ حقيقة المؤامرة التي تعرض لها PKK …………………………………………451
    ج ـ المؤامرات التي فرضت على قيادة PKK هي اعتراف
    بالخوف من الهوية الحرة للشعب…………………………………………………464
    د ــ كيف يجب أن يفهم الوجه الداخلي لمؤامرة العصر..؟…………………… 477

    الفصل الثامن
    هل يتمكن نظام الحقوق الأوروبي من إيجاد إمكانية لحل القضية …………………503

    الفصل التاسع
    هوية آبو: من القبيلة نحو التحول إلى شعب………………………………………531
    الخاتمة الأولى……………………………………………………………………563
    الخاتمة الثانية……………………………………………………………………569


    المقدمة

    لقد أظهرت ظروف مرحلة محاكمة إيمرالي حاجة ماسة لبذل جهود، تساهم في قطع الطريق وبسرعة أمام العنف الذي نتج عن اعتقالي، الذي تم على شكل مؤامرة، وعدم إتاحة الفرصة لتحقيق آمال المتآمرين وحلفائهم، والقيام بما هو صحيح للتوجه نحو السلام المشرف حتى ولو كان محدوداً.

    ان التقرب العملي من ذلك جاء على شكل تقديم الدفاعات على أساس الحل و" السلام والوحدة الديمقراطية". ولا يمكننا أن ننسى سيطرة البطش السياسي على الأجواء في هذه الظروف. واعتقاد بان الأوساط صاحبة التفكير السليم والمسؤولة في تركيا كانت بعيدة عن فهم منطق تطور المؤامرة في تلك الظروف، وكانت غير مستعدة لمواجهة مجرى الأحداث وتطوراتها، وظروف اتخاذ قرار سليم لم يلاح في الأفق وعلى جميع المستويات أو أنه كان محدوداً.

    لقد كانت المؤامرة بمثابة هدية سقطت من السماء على الشوفينية التي أصابها مس هستيري، وتم إعداد اللعبة الرومانية للقرن العشرين أي تقديم الضحية للأسد في الحلبة، وهذا كان عرضاً للعنف الأعمى الذي لا يمكن الخروج منه، والذي يتجاوز جميع أهداف حزب العمال الكردستاني ويتناقض معها. مع الأسف الشديد دخل الجميع في الموقع المضاد ضد بعضهم، معتقدين بأن العمليات الانتحارية والمواجهة والمقاومة هو حقهم المشروع، وأسوأ ما في الأمر هو ترك الأطراف بعيداً عن فهم اللعبة.

    إن إحدى أكبر الخيانات للعصر، هي أنها لازالت تظهر نفسها وكأنها صديقة ومؤيدة للحرية من جهة، وتحاول نسيان وإزالة أصحاب الموقف المظلوم والبطل دون رحمة من جهة ثانية. فكان الميدان سينفتح أمام جميع الخونة والعملاء المتربصين في الكمين، الذين ظهروا مرات عديدة. في الحقيقة كان قد تم إعداد وضبط كل شيء حسب موتي، وكان الهدف هو إزالتي جسدياً على الأرجح، وإذا لم يحدث ذلك فالهدف هو إزالتي معنوياً، ولا أعتقد أن هناك هدفاً آخر غير ذلك رغم تفكيري بالمسألة مطولاً.

    كانت المؤامرة عميقة ومليئة بالاستفهامات لدرجة يتطلب إفشالها انطلاقة إنسانية متقدمة جداً لا تقل قيمتها عن قيمة القيام بمعجزة.
    كان كل شيء معداً وفق قدرٍ لا يرحم، جعل العالم برمته في الموقع المضاد، ولم ينتظر الأصدقاء المقربين وحتى الرفاق أكثر من "موت مشرف" كارتباط بالقيم العقائدية والمعنوية، وكان هذا منطق العصر، ومنطق الصديق والعدو أيضاً، في هذه النقطة بالذات تتجمد العواطف والمعتقدات، وكان كل شيء يفرض العزلة. لن أقول أن الرمي بالرصاص كانت عقوبة بعيدة حسب قواعد الحرب، لكنهم لم يمنحون هذا الحق رغم رؤيته كحق، إذ كانت الحضارة ترغب بالانتقام بشكل آخر.

    لم ألعب في أي وقت من الأوقات من أجل البطولة، كما أني لم أكن بذاك الشجاع كما يعتقد، ورغم رغبتي بأن يعرفوني كما أنا، إلا أني لم أشهد ذلك حتى لدى أكثر رفاقي المقربين، ولكن كان لدي جانب لم أخنه، وكنت سأستمر أن أكون ذاك الطفل الذي لا يخون أحلامه، ولا أعترف بآلهة الحضارة، ولا انحل في مؤسساتها، ولم أكن سأصبح رب أسرة زوجاتها. لقد حقق ديالكتيك شخصيتي تطوراً من هذا النوع، وكانت المسألة قد خرجت من أن تكون مسألة تناقض داخلي بسيط لتركيا منذ أمد طويل، كان موقعي يفرض عليَّ أن أكون بروما توس prometeus العصر. إن صلبي على حجر إيمرالي لم يكن يختلف عن صلب بروما توس في جبال القوقاز كما جاء في الأسطورة، وكم كان ذلك محزناً ومؤلماً، فقد قام بذلك أيضاً أحفاد إله أثينا زيوس zeus .

    أن موسكو التي تعتبر إحدى أهم المراكز الحضارية، لعبت لعبة دنيئة لا مثيل لها ضد اشتراكية الملايين حتى وإن لم يكن لهذه الاشتراكية دعائم كافية، فإنها في مسألتي أيضاً، لم تكن ستشعر وبدون أي خجل بالانزعاج من المشاركة باللعبة، وذلك مقابل بضعة مناقصات وقرض بضعة مليارات من صندوق النقد الدولي. أما روما بحلبتها العبودية الكلاسيكية، وحساباتها الدقيقة للرأسمالية الحديثة فإنها لم تكن ستعترف بالقيم القانونية والمعنوية. وكانت تجبرني على خوض حرب كبيرة من أجل الشرف، بإرهاب نفسي لا يمكن وصفه، وكنت سأضطر للقيام بما تطلبه. أما أثينا فقد كانت ستستغل باسم الصداقة الثقة الممنوحة لها بأكثر الأشكال دناءة، حتى ان عاهرة لا يمكنها التفكير والتجرؤ على القيام بذلك وترسلني الى عاصمة كينيا، موطن آكلي لحوم البشر. لقد كان يتضح الوجه الحقيقي لحضارة القرن العشرين مع كل دقيقة تمر حيث الخسة والتعذيب والبعد عن المشاعر، ذاك الوجه القبيح الذي لا مكان للقيم الإنسانية فيه وسوى منطق المنفعة، وكنت سأظل جامداً تجاه ذلك. هذا هو الواقع الذي جمدت فيه ردود أفعالي، وهذه هي الحقيقة، فالذين ينتظرون موقفاً مختلفاً لن يستخلصوا النتائج الفكرية والمعنوية اللازمة فيما إذا لم يدركوا الحقيقة بكل جوانبها ولن يشعروا بها حتى النخاع.

    ما آمنت بالقدر أبداً، لكن كنت سأنتظر لوحدي في الصليب الحديث للقرن العشرين، والذي صنعته لي قوى القدر في سكون القبور، وكنت أدرك بان استخدام آخر نبضة لقلبي وآخر جزء من معرفتي لصالح الإنسانية هو فضيلتي ومعناي الجوهري، وكنت سأترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي.

    في الوقت الذي أقوم فيه بهذا التعريف القصير لمن يريد فهم وقفتي في إيمرالي، فإن الشيء الذي سيتطور ليس نقداً أو نقداً ذاتياً عادياً، أو آمالا بالعفو، أو أمل العيش بشكل أو بآخر، إن التطورات بهذا الاتجاه، لا يمكن أن تكون فضيلة ومعنى ما عشته. إن الوضع مختلف ويتطلب فهماً حقيقياً وجوهرياً وبلا تردد، لأني لا أشك أن موقف السلام والأخوة ـ حتى لو كان محدوداًـ هو سمة جوهرية من الأعماق، لذا لم أكن سأعطي الأولوية لمسألة الموقف السياسي الذي يحتل موقعه في المرتبة الثانية والواجب اتخاذه، أو لم أكن سأصبح جواباً للآمال المنسجمة حسب اليمين واليسار الحضاري، ولم أكن سأجعل نفسي أداة لها. و كنت سأبحث هنا عن السمو، ولم أكن سأجعل نفسي تليق بلعنة الحضارة المعاصرة.

    كنت سأعطي قيمة لأي رأي سياسي يعطي مكانة للعيش الأخوي بشراكة والتي تمر عبر السلام المشرف والحرية، وكنت سأفضل الاتحادات التي تعتمد على التعبير الحر في جميع المستويات، لأنني لا أؤمن بالجزر السياسية الصغيرة والتي تنطوي على قيم الفقر والافتقار والطوباوية. وكما حدث دائماً، فإنني كنت سأواصل وقفتي ذات المعنى إلى درجة لن أقع في ـ بقدر موقف الوحدة الإجبارية ـ موقف الانفصالية الإجبارية.

    هذا هو جوهر مرافعاتي في إيمرالي، وكلي أمل أن تفهم قيمتها بشكل أفضل يوماً بعد يوم، إذا كنا قد استطعنا إيقاف الإرهاب الحقيقي قليلاً والذي كان ثمرة الحظ الأعمى الملعون لتركيا بعض الشيء، وأبطأنا استغلال السمسرة الظالمة، وأظهرنا سريان مفعول النهج الديمقراطي للنضال السياسي بقدر ما هو ذو معنى، وساهمنا في تحديد كيفية الدفاع المسلح المشروع ضد القوى التي ترفض السلام، كل ذلك يعني بأننا أصبحنا أصحاب موقف تاريخي يثمنه ذوي العواطف الواقعية والعادلة والجوهرية. وعلى هذا الأساس، فإنني أعرف بأن استخدام حق الدفاع أمام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية (AIHM)، من خلال الدفاع الذي أعددته على أساس الأيمان بأنه سيعبر عن قيم تاريخية، يعني في الدرجة الأولى دفاع الشرق الأوسط تجاه الغرب، ودفاع ثقافة الشرق الأوسط تجاه الحضارة الأوروبية، وتقييم المحفل القانوني الديمقراطي الذي يتطلب التحدث فيه عن المواضيع التي أصبحت كونية وباسم الشعوب بهذا الشكل، وارتباطاً بكل ذلك قمت بتسليط الضوء وبشكل صحيح على التاريخ، كمهمة لي، وإنني أرى بأن استخدام هذه الحق الذي بلغ مستوى ليكون لغة حل كافة المشاكل الاجتماعية والتي أضحت حالة شاملة، وعلى الرغم من انه ينبع من مصالح القوى الحاكمة، وحتى لون كان متأخراً، ومن أجل تجاوز الحالة التي ارتبط كل شيء بالاوليغارشية والتي تتناقض مع حدث تأسيس تركيا ومنطقها، وهذا المحفل الذي يرتبط بحل الاتحاد الديمقراطي والسلمي ولو بشكل محدود، والذي سيجد مساندة للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوربي، وهذا ليس بخطأ، ولا يصيبني عقدة من جراء ذلك.

    إن أوربا في موقع متقدم، ودون فهم الجوانب التي أغنتها، من غير المكن تحقيق تطور مرحلي لثقافات الشرق والشرق الاوسط والتي آمنت بجوهرها دائماً. وان معرفة الاستفادة من قيم الاتحاد الأوربي حسب المصالح العادلة للقوى الاجتماعية، لا تعني العمالة الرخيصة أو مفهومها المعروف، والوقوف ضد ذلك لا يعني التقدمية أيضاً، بل ليس له معنى سوى التخلف المتفسخ، ونظراً للظروف التي مهدت السبيل أمام اعتقالي، والقوى التي نفذت ذلك هي قوى حاكمة الحضارة المعاصرة، فمن الجليّ بأنه يتوجب عليّ أن أضع مرافعاتي بهذه النوعية، ومن الضروري أن نضع في الأولويات كشف النقاب عن مغامرتي الأوربية والتي يجب أن نستخلص منها الدروس. في هذه النقطة، لا يمكننا رؤية الحقيقة بكاملها فيما إذا انغمسنا في واقع تركيا وحده وحتى في واقع الشرق الأوسط. فإن البحث عن الحل في الواقع الحضاري الأوربي بمقدار منبع المشكلة يكتسب أهمية بارزة.

    أصبحت أغلب الحركات التي يطلق عليها حركات التحرر أسيرة سبل حل أضحت عائقاً، نتيجة لمساعيها في البحث عن الحل في إطار ضيق، وقد تجاوزتها الحضارة الأوربية منذ أمد بعيد وعلى أعلى المستويات، أو أن هذه الحركات تعيش اختناقاً تحت ضغط سياسات "فرق ـ تسد". إن التعصب القومي والتطرف الديني والبقاء بعيداً عن الديمقراطية هي مفاهيم تجاوزتها أوربا منذ زمن طويل، وأثمر التمأسس فوق القوميات والعيش في التعددية الثقافية والنظام الديمقراطي الذي وصل حتى إلى حقوق الفرد، عن قيماً كونية معاصرة أثبتت نفسها.

    هذا الموقف الأساسي يتطلب حلاً يعتمد على التحليل الحضاري. والسبب الهام الآخر، أن التراجيديا التي عشتها شخصياً هي أبعد من أن تكون مسألة فردية، بل هي تعبير صادق لواقع يعيشه الشعب الكردي كما رأينا ذلك على أرض الواقع. إن تعريف الواقع الكردي بشكل صحيح، سيمهد السبيل أمام تشخيص سليم لقضية تحتل تأثيرها جدول أعمال أوربا منذ الآن، ويكتسب هذا التشخيص أهمية تحدد مصير الديمقراطية في تركيا، وسيساهم الحل الديمقراطي في تركيا بهذا المعنى، في تطوير حلول حياتية لقضايا الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى وحتى البلقان. وتنبع الأهمية العالمية الكبرى للمشكلة من هذه الحقيقة، وستؤدي الآراء التي تنكر المشكلة، أو التي تضخمها، أو التي تدافع عن ضرورة عدم إيجاد الحلول، إلى تأزم المشكلة وإدامتها، وستسد الطريق على الآراء التي قد تساهم إيجابياً في حلها.

    لي دور كبير في إيصال القضية الكردية الى هذا المستوى، وفي الوقت الذي تدور فيه نقاشات هامة حول الموضوع الكردي، فإن تقديم مرافعتي على أساس حل علمي وشامل يتمتع بأهمية كبيرة. ولذلك سأقوم بتحليل تاريخي ـ وان لم يكن بشكل معمق ـ للحضارة بخطوطها العامة، والى جانب سبرنا أغوار المشكلة القائمة، فإننا سنربط حل المشكلة بهذا التحليل بحيث يصبح دليلاً للحل.

    لم تستطع الآراء التي تتنكر للمشكلة أو التي تفتقر إلى القيمة العلمية والمتضمنة لعواطف شوفينية، أن تخطو أية خطوة في سبيل حل المشكلة، وهي من الأسباب الأساسية للسلبيات التي خسرنا بسببها الكثير. وأعتقد أن أسوأ أسلوب متبع هو ترك القضايا حتى التعفن. قد يكون لمنطق نفي شيء قيمة ما، لكن لا توجد أية قيمة منطقية للتعفن.

    إن تعريف واقع الشعب الكردي وتشخيص أمراضه، وإيجاد طرق المعالجة الصحيحة، كما كان الأمر في قضايا سائر الشعوب التي عانت من مشاكل اجتماعية أساسية، مرتبطة بشكل وثيق بهذا الرأي. إن القيام بالنضال اللازم والذي لم يتم أثناء انطلاقة حزب العمال الكردستاني بسبب المواقف المرسومة للاشتراكية المشيدة، إلى جانب التأثيرات العاطفية للمفهوم القومي الكردي البدائي، والمآزق والخسائر والآلام الكبيرة التي لا معنى لها، بات مهمة ملقاة على عاتق الجميع وكل وفق قوته مهما كان ذلك مؤلماً ومتأخراً، وطبعاً لم تأخذ هذه المهمة حقها إلا إذا قام بها من يمتلكون القوة والشعور بالمسؤولية.

    هذا هو معنى محاولة تحليل الحضارة بالخطوط العريضة. ويمكن أن يكون ذلك قد أصبح واضحاً للكثير من الشعوب أو المجتمعات، التي جعلت نشاطاتها التاريخية والاجتماعية الشاملة تلك ممكناً، وذلك ضروري من أجل الموضوع الكردي وينتظر اكتساب المعنى، وعند القيام بذلك، يجب أخذ التاريخ أساساً أيضاً، إذ يوجد تاريخ كردي حتى وإن لم يكن بخط ساطع وعريض، ولم يعد مرئي اليوم، ولا يمكن تشخيص ومعالجة الواقع الذي وصل إلى مرحلة لا يمكن تجاوزها دون تسليط الضوء على التاريخ، وعند النجاح في النمط التاريخي، تظهر على الساحة قوة حل لا مثيل لها، وتؤدي إلى انفراج دقيق بنفس النسبة.

    إن إتمام المنظور التاريخي الأساسي بالمراحل الأساسية، سيظهر إمكانية تحقيق منظور حل غني وفهم يومنا هذا، وتحويل الظلمة إلى نور، وسيتم استيعاب كم أعمت المواقف الدينية والقومية المتطرفة العيون وضخمت المواقف الخيالية والتي ذات بعد واحد، سيجعل ذاك الرأي ذو معنى اكثر، ولذلك لا نعتبر أن الوقت متأخر. ومع مقارنة هذه القضية بالقضية الفلسطينية والقضايا المشابهة لها، حينها يجب التخلي عن النمط القومي الذي يستمر لعصور مع جذوره الدينية ويتعقد مع مرور الزمن الى جانب وقوعه في مأزق، وذلك كضرورة للموقف الديمقراطي الحضاري والعلمي.

    إن رؤية ذلك النمط الجديد من قبل القطاعات والمؤسسات المعنية، وإصلاح مواقفها يكتسب أهمية حياتية. إن بنية الأزمة الشاملة القائمة في تركيا تجعل من هذا الأمر مهمة لا يمكن تأجيلها.
    لا شك أن أبعاد العلاقات التركية ـ الكردية هي من أبرز العلاقات في الواقع الكردي تاريخياً وعلى صعيد العلاقة اليومية، وإن تناول هذا البعد بعمق وشمولية يكتسب أهمية حياتية أيضاً. إذا كان الحل المنتظر سيكون في إطار بنية وحدة الدولة على أساس الوحدة الديمقراطية، سيجعل ذلك التحليل العلمي للعلاقات التاريخية أكثر أهمية. وهنا يجب علينا تذكير الذين لا يريدون الاعتراف بالقضية الكردية ـ لندع جانباً الاتحاد تحت سقف دولة مشتركة مع عدة دول تركية ومجموعة دول تركيةـ فحتى تضامن محدود يشترط استيعاب حقيقته التاريخية واليومية بشكل صحيح. إن الآراء العاطفية أدت بالنتيجة إلى ردود فعل، وهذا حقيقة نراها بشكل جليّ في يومنا هذا، وهو نمط خاطئ وغير كاف، ولذلك يجب ان تشهد العلاقات الكردية ـ التركية إصلاحات ديمقراطية شاملة كمهمة عاجلة، وسنقيّم ماهية هذه العلاقات وجوانبها المنحرفة واتجاهاتها الإيجابية مجدداً، وستشهد إصلاحات متينة وجديدة. ولا شك أن الإصلاحات تنبع من الديناميكيات الذاتية، لكنها تدخل في إطار التكامل مع واقع الاتحاد الأوروبي، الذي تحاول تركيا الانضمام إليه، والتي تعتبر نفسها جزءاً منه، وإن مواصلة هذه الجهود يضاعف أهميتها، ويجعل تلاحم الوضع الداخلي مع الوضع الخارجي بالإصلاحات ليست عبئاً بل فرصة للخروج من بنية الأزمة الكبيرة.
    يكتسب بعد حزب العمال الكردستاني في مرافعتي أهمية كبيرة، إذ إن تقييم حزب العمال الكردستاني بشكل علمي عمل ضروري ليس من جانب أعضائه وقاعدته الجماهيرية فحسب، بل من جانب الموجودين في الموقع المضاد له أيضاً. والاكتفاء بوصفه إرهابياً ليس حلاً، وبالمقابل فإن قولنا أن كل ما قمنا به كان مقدساً، يجرنا إلى أخطاء كبيرة. وتعرض حزب العمال الكردستاني والكرد إلى ماهية متداخلة، ليس في الواقع الملموس لتركيا وحسب، بل في الجغرافيا المتعلقة بالشرق الأوسط أيضاً. ولذلك فإن تحليل حزب العمال الكردستاني بدقة، بقدر ما يمهد السبيل أمام نقد ذاتي بناء، إنه يمهد السبيل أمام الحلول المحتملة أيضاً.

    يكتسب شرح مصطلحي "الإرهاب" و"الانفصال" واللذان يعتبران من اكثر المواضيع أساسية ويدخلان جدول الأعمال عند ذكر PKK أهمية كبيرة. ومما لا شك فيه، أنه يجب رؤية أبعاد المخطط التاريخي والاجتماعي المتعلق بهذين المصطلحين بشكل جيد وما يقصد من وراء ذلك، وإعادة النظر في الإيديولوجيات الثورات الحديثة وتطبيقاتها. والشيء الأهم من ذلك، هو ضرورة القيام بتحليل علمي للضغط الإرهابي الذي يمارس كل يوم، والذي طّوّر عبر التاريخ ووضع الواقع الكردي تحت المكبس. وان تقييم موقف إرهابي لم يكتف بمنع التطور الحر في المجال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي، بل تجاوزته إلى حد منع اللغة دستورياً، سواء من الناحية السياسية والعسكرية أو من الناحية القانونية والديمقراطية، يتمتع بأهمية حيوية. لذلك فإنه من المهم توضيح بعض التقييمات النظرية والمفهوماتية التي تنطلق من الموقع المضاد والتي جسدت أرضية لحزب العمال الكردستاني.وعلى هذا الأساس، فإنه من المهم جداً توضيح نظريات ومفاهيم الاشتراكية والاستقلال والحرية والديمقراطية والقومية والعنف والإرهاب والوطنية والاتحاد والانفصال من الناحيتين السياسية والقانونية، ووضعها على طاولة البحث بجوانبها الصحيحة والخاطئة. وسيساهم وضع الجوانب العملية والنظرية لحزب العمال الكردستاني والذي أخذ نصيبه من الشكل السطحي لهذه المفاهيم والنظريات، على طاولة البحث والوصول الى الحلول الإيجابية للمرحلة.

    يبدو واضحاً أن المواقف الاتهامية المتطرفة، أو الدفاعية المتطرفة لا تخدم الحل، وعند تقييم PKK من الداخل أو الخارج، حتى وإن كان هذا التقييم مضاداً أو مؤيداً، فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار الوضع الخاص للقضية الكردية والمشحون بالعنف والآلام، وعدم منحها حقها من العلم والتطور الاجتماعي، وخصائصها التي تمتاز بالمنع والضغوطات، وسيبقى أي تقييم ذاتياً إذا لم ير علاقة الضغط برد الفعل وهذا سيؤدي إلى نتائج سياسية خطيرة ولن يساعد على الحل، بل هو جوهر المواقف الذي يؤدي إلى المأزق. وإني أرى تجاوز ذلك أمر مهم جداً، وأعرف بأن القيام بما يقع على عاتقي في هذه النقطة، بقدر ما هو مسؤولية كبيرة فهو مهمة تاريخية أيضاً، لأن المهمة صعبة جداً، ويصعب على الآخرين القيام بها. إن تقييمات كهذه بصدد PKK ذات معنى وستساهم في الحل، وستتيح فرصة تقديم النقد الذاتي اللازم. أما المواقف والاتهامات التي تنطوي على الشجب فقط، فإنها ستضعف فرص أي تحول قد يحدث، وستقوي المواقف والمفاهيم الصلبة والمحافظة. عندما نأخذ بعين الاعتبار الممارسة العملية للمواقف التي تغلق أبواب السياسة الديمقراطية في تركيا أمام الاتجاهات الدينية واليمين أو اليسار، فإنها لا تؤدي إلا إلى حلقة مفرغة وفقدان القيم لدى الأطراف، فإن أهمية هذا الموقف المذكور تزداد اكثر.

    إن التفوق الأوروبي في هذه النقطة نابع من بلوغها سياسة ديمقراطية بعد تجاربها الطويلة، وفتح أبوابها أمام جميع أشكال التعبير الحر. إن الإيمان بصحة هذا الأسلوب وإعطاء الفرصة لذلك، هو الطريق الواقعي والمعاصر لحل المشكلة.

    إن استبعاد العنف من كونه سبيلاً لحل القضية الكردية أمر مرتبط بشكل وثيق بتجاوز سياسات الإنكار والقمع ولو بشكل محدود، وفتح الطريق أمام الخيار الديمقراطي بما يتناسب مع جوهره. فمثلما يشكل الحظر المفروض على اللغة والثقافة والنشر والتعليم شكلاً متطرفاً من الإرهاب، فهو في الوقت نفسه توجيه دعوة إلى العنف المضاد باستمرار. فإننا نجد أن PKK قد لجأ الى العنف دون التحكم به، وبشكل تجاوز مفهوم الدفاع المشروع، ونجد ان الكثير من الحركات في يومنا هذا قد لجأت إلى طرق أكثر تطرفاً. وبالمقابل فإن وقف إطلاق النار من طرف واحد، والبقاء في موقع الدفاع المشروع خارج الوطن على الأغلب، يجعل الاتهام "بالإرهاب" باطل المفعول. ما يجب القيام به هو إدخال الآراء التي تترك الأبواب مفتوحة أمام مرحلة الحوار والوحدة الديمقراطية على الخط، ومن ثم تحقيق عملية ترك السلاح.
    إن تقييم موقع PKK في هذا الإطار يقدم فرصة هامة من منظور سد الطريق أمام التطورات التي قد يصعب تجاوزها في المستقبل. ويعتبر ترك الأبواب مفتوحة أمامPKK على الساحة التركية لتحول ديمقراطي قانوني، الطريق الصحيح لحل سياسي يمكن تطبيقه، وواقعي أكثر من طريقة المنع كلياً والدخول في مرحلة التصفية، وهو فرصة للتوجه نحو الحل السياسي.

    لقد رأيت ضرورة إتباع هذا الموقف المرن في دفاعي كأسلوب أساسي يجب أخذه بعين الاعتبار دائماً، وإنني قيمت الاتحاد الديمقراطي الذي يمر طريقه من الاعتراف بالحريات ضمن حدود كل دولة شرق أوسطية تشهد فيها المشكلة الكردية، كموقف سياسي واقعي جداً تجاه الفقر، ولتحقيق السلام وأخوة الشعوب,
    لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الصراع والاشتباكات التي نتجت عن "القوميات الصغيرة" أدت إلى فقدان الحلول وظهور مشاكل أكثر مما كان في الماضي، بل وأدت إلى مزيد من التعقيد في القضايا التي يمكن حلها، ويمكننا أن نشهد ذلك بكل سهولة. إن عدم تحول الجغرافيا الكردية التي تمتلك قوة كامنة كبيرة للصراع إلى وضع يشابه وضع فلسطين وإسرائيل يتطلب جهوداً ومسؤولية كبيرة. ويجب أخذ خيار الشرق الأوسط الديمقراطي بعين الاعتبار دائماً كهدف إستراتيجي.

    تتيح لنا محكمة حقوق الإنسان الأوروبية فرصة من أجل اختبار إمكانيات الحل القانوني. ان معاهدة حقوق الإنسان الأوروبية والتي ترتبط تركيا بها قانونياً هي عمومية ولا تخصني شخصياً. وتعترف معاهدة حقوق الإنسان الأوروبية بشمولية الحقوق الشخصية "الفردية" والمدنية والاقتصادية والاجتماعية وحقوق تحديد كيان الشعوب والثقافات بشكل حر والتي وافقت عليها الأمم المتحدة، وتفرض على جميع أعضائها الالتزام بالواجبات المذكورة. وترى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية خلال الدعاوى التي نظرت فيها في إطار هذا المضمون ضرورة تناول المشكلة جذرياً، وتحقيق مقاييس قانونية تتجاوز الأشخاص، ولم تكن القرارات المختلفة لآلاف الدعاوى واقعية، أو أصبح من الضروري موافقة أو مصادقة البرلمانات الوطنية على قانونية هذه القرارات. إن تركيا هي العضو الوحيد في المجلس الأوروبي الذي لا ينفذ ما يقع على عاتقه بهذا الصدد وفي مقدمتها مادة حق الحياة ولم تلب متطلبات معايير "كوبنهاغن" التي تعتبر انفتاحا آخر لمعاهدة حقوق الإنسان الأوروبية حتى في مرحلة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

    أتمنى لقضيتي الشخصية أن تخلق عاملاً مسرعاً، فإذا ما أرادت تركيا ذلك، فأنا أؤكد بأني منفتح على الحل الودي، ويقيم هذا الجانب من دفاعي إمكانية مساهمة القانون لإيجاد الحل السياسي بشكل صحيح. باختصار أرى من الأهمية بمكان إتاحة الفرصة للحل ضمن دولة القانون الديمقراطي بدلاً من اتباع الطرق العسكرية والسياسية الشديدة التي استخدمت بكثرة في الماضي؛ ويتطلب من تركيا تقييم حاجاتها هذه بمسؤولية، وتوسيع الحل الودي وأتمنى أن يكون ذلك سبباً لفتح الباب أمام الحوار السياسي. من منطلق المسؤولية التاريخية أتناول مسألتي بكل تفاصيلها. وان تناول بعض الأوضاع التي شهدناها إلى أبعد من الضرورات التقنية للمحكمة حتى لو كان لها جوانب أدبية هامة جداً، وتسليط الأضواء على الحقائق الكامنة في الدعوى، تعتبر مهمة لابد منها. وأني اضطررت لأن أتتعمق في هذا الجانب في مرافعتي، ليس لأجل مصداقية الحقوق الدولية فقط، بل لأنه تم خرق الكثير من القيم المعنوية، ومن خلال وضعي الشخصي يمكن إلقاء الضوء ليس فقط على المأساة اليومية التي يحياها الشعب الكردي، بل وعلى الانعزال الكبير الذي أدى إليه التاريخ الملعون وجعل الشعب الكردي آلة للمؤامرات باستمرار وحدوث الخيانات غير المعقولة أيضاً، واظهار كل ذلك إلى النور. والهدف من ذلك، هو وضع حد لهذه المأساة على الأقل والدخول إلى طريق الحضارة المعاصرة. ويمكن تقييم هذا الجزء على أنه خلاصة للمرافعة ونهاية لها.

    هذه المقدمة التي أبني عليها مرافعتي قد تتضمن الكثير من النواقص. فبالإضافة إلى الأسباب الأخرى هناك السنوات الثلاث التي قضيتها في إيمرالي بمفردي. مما كان لها تأثير بالغ على تعرض ذاكرتي ولغتي للتآكل. ولكنني انطلاقاً من إيماني الكبير بأن الدروس المستنبطة من تلك الممارسة الظالمة التي تعرضت لها، وكثافة الخبرة، تشكل خدمة كبيرة للأوساط المعنية بهذا الأمر، إذ قمت بالكتابة لأول مرة منذ زمن طويل لأؤدي هذه المهمة الملقاة على عاتقي.



    ....

    التعديل الأخير تم بواسطة bahzani3 ; 07-23-2013 الساعة 20:53

  2. #2
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية ف1 المجتمع العبودي 1ـ 1عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول المجتمع العبودي والتطور الحضاري 1-1







    عن الحوار المتمدن



    الفصل الأول


    المجتمع العبودي والتطور الحضاري


    القضية الكردية التي تعتبر جوهر دعوتي، والتي هي واقع مجتمعي عاش ـ منذ نشوئه وحتى تطوره ـ ضمن خاصيته مرحلة متشتة ومن جوانب عديدة، ترتبط عن قرب بالتطورات والعلاقات والتناقضات التي عايشتها حدثت على خط الحضارة. إن التقييمات الطبقية والقومية حسب المقاييس المعاصرة للبنية الاجتماعية لا تتيح الإمكانية لفهم الواقع الكردي بشكل كامل. وحتى إن أجريت هذه التقييمات، فلا مفر من خلق نتائج سياسية تتضمن أخطاءً وأفكاراً مجردة.

    إن خروج القضية خارج حدود الشرق الأوسط وإدراجها على جدول أعمال القوى المعاصرة وفي مقدمتها أوروبا، تجعل تناول القضية في إطار التاريخ الحضاري أمراً ضرورياً. إذا لم نعرّف الأسس التي تستند إليها المشكلة تعريفاً صحيحاً، حينها نكون قد وضعنا حاجزاً أمام الوصول إلى نتائج قانونية صحيحة.

    إن معاهدة حقوق الإنسان الأوروبية ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، هما مؤسستان قانونيتان وهما آخر ما طورته ديمقراطية الحضارة الأوروبية. ولا جدال في أن مقاييس القيم الأوروبية هي التي تحدد التمثيل الكامل والحاكم لحضارة أيامنا هذه. إن الكرد الذين يبحثون عن مكان وحل لمشاكلهم في أبواب أوروبا هذه الأيام بطريقة تهكمية، هم في الأصل منبع ولادة هذه الحضارة. وباتت الأم المسنة تنتظر من أولادها الذين عاشوا في مهدها آلاف السنين والذين باتوا الآن لا يتعرفون إليها، العدالة، هل سيتم الاعتراف بحق أم الحضارة..؟ هكذا أصبحت القضية شائكة بعض الشيء. وتتواجه القوى المجتمعية مع القوى التفردية، وتشكل جغرافيا الشرق والغرب، وآسيا وأوروبا، الأناضول واليونان، الجبهة الخلفية لمسرحية إيمرالي التي عرضت بمظهر المسرحية تماماً. يمكن لشخص عادي يمتلك دقة النظر أن يسأل عن كاتب سيناريو المسرحية ـ أي المحاكمة ـ وكيف قسمت الأدوار الرئيسية، ومن هم الممثلون والكومبارسات، وما هي البرقيات التي أرادوا توجيهها إلى المشاهدين، ولا يمكنه إنكار بأنه سيظل في وضع يبحث عن الأجوبة. وفي حال قيام محكمة حقوق الإنسان الأوروبية التي تناولت دعوتي بأبعادٍ ضيقة وفردية، وبتقييمات من هذا النوع، فإن ذلك يحمل خطورة الوصول إلى آخر مشهد من المسرحية، نتيجة تجاهل عدة وقائع.

    كي لا نصل إلى هذا الوضع، أرى أنه من الضروري تسليط الضوء على التاريخ الماضي المليء بالعذابات والآلام، وعلى الذي يقف وراء دعوتي كمهمة أساسية لي، إيماناً مني بأن تلعب هذه الدعوى دورها في إمكانية التقييم الحر، حتى لو لم يتم اتخاذ قرار عادل في المؤسسات القانونية الديمقراطية التي تعتبر ثماراً لردود الفعل على التطور التاريخي الدموي والمأساوي والمليء بالتعذيب. يجب أن أؤكد مرة أخرى على أن التقييمات التي سأقوم بها تحمل في طياتها نقصاً، لان هدفها الأساسي هو الدفاع من جهة، ولضعف ذاكرتي بسبب بقائي في زنزانة منفردة لعدة سنوات من جهة أخرى. إن الدعاوى التاريخية تجعل التقييمات التاريخية ضرورية بهذه الحجج. ويجب على المسؤولين القيام بمهمة التوضيح بشكل ناجح لهذه الدعوى ذات الجوانب المأساوية وما سببته من خسائر فادحة. وذلك لكي يستطيع كل واحد أن يستخلص منها الدروس اللازمة والتي بها يحقق النصر. وهذا هو ما يلزم ويليق بالدعاوى التاريخية. و بقدر تأدية هذه المهمة بشكل صحيح، تصبح هذه الدعوى لائقة بصفتها التاريخية.




    أـ السومريون:

    الحضارة التي ولدت على ضفاف دجلة والفرات

    لقد أظهرت العلوم الاجتماعية وفي مقدمتها علم الآثار القديمة وعلم الأجناس واللاهوت، ولاسيما النتائج التي وصلت إليها في القرن الماضي بعد الدراسات الشاملة، أن السومريين هم أول مجتمع بشري قد أقاموا دولة، وهم أصحاب الحضارة والتاريخ المكتوب. ولا نكون قد بالغنا فيما إذا قلنا بأن هذا التطور هو أكبر تطور تاريخي، وذلك بعد أخذنا بعين الاعتبار أن التاريخ يوازي المؤسسات التي تحققت في البنية التحتية والفوقية في مجتمع الدولة، إلى فترة طويلة. وإن تكوين الدولة يعني قفزة كبيرة في تاريخ الإنسانية بجوانبه الإيجابية والسلبية، وتواصل الدولة كمؤسسة شاملة وأداة اجتماعية وجودها في يومنا هذا بخطوطها الأساسية منذ نشأتها. إن الدول هي شكل من أشكال الهيمنة التي قامت فوق ثمار الكدح الإنساني المتغير. لذلك فإن معرفة السومريين تعني معرفة ذاتنا ويومنا. وفي الأساس كنا سننسى أنفسنا إذ لم يكتشف السومريون، وما كنا قادرين على البدء بالتاريخ بشكل صحيح فيما لو نسي منبع أم الحضارة وأقدمها. ولذلك فإن السومريون هم ماضينا، وقريبين منا كالأمس. في هذه الحالة، كيف تأسس السومريون وما هي المؤسسات الحضارية الأساسية التي حملوها في داخل دولتهم..؟ ومع مضي كل يوم تقدم الأبحاث التاريخية إجابات أقرب إلى الصحة لهذه الأسئلة التاريخية.

    لا شك أن تطور الكيان الاجتماعي قبل تشكيل الدولة هو شرط أولي لمجتمع يمتلك دولة. أثبتت نظرية التطور الطبيعي بتطبيقاتها للعلوم الإنسانية أن القردة أجداد الإنسان قد تكونوا قبل 60 مليون سنة، وأن تطور النوع الذي يمشي على رجلين وبأدوات بدائية في أفريقيا الشرقية نتيجة ظروف إقليمية قد تطور قبل 20 مليون سنة. وقد أثبت حدوث انتشار جدي قبل 3 ملايين سنة تقريباً عقب الانهيارات التي حدثت في أفريقيا الشرقية والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. ونرى كثافة السكان تزداد في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وجبال طوروس ـ زاغروس ـ الهلال الذهبي كما يطلق عليه المؤرخون قبل مليون سنة تقريباً. وتلعب الإمكانيات التي تتيحها الثقافة التي تستفيد من المناخ والنباتات والحيوانات دوراً أساسياً في ذلك. وانتشر البشر من هذه البقعة الجغرافية التي أزداد فيها تعداد السكان إلى أطراف العالم الأربعة. وقد أثبت ذلك في أصل الإنسان الآسيوي والأوروبي وراثياً. لعب الهلال الذهبي وعلى الأرجح منطقة ما بين نهري دجلة والفرات والتي يطلق عليها أسم ميزوبوتاميا، دوراً أساسياً في تكوين المجتمع المشاعي البدائي

    مع انتهاء العصر الجليدي الأخير قبل 20 ألف سنة تقريباً، وتراجع المناخ البارد والجاف ليحل محله المناخ المعتدل والممطر، مهد السبيل أمام تطور المجتمع الميزولتيكي " mezolitik " بين عامي 12000 ق.م و 15000 ق.م. إذ تتواجد الكثير من الآثار للمجتمع الميزوليتي في المنطقة.

    لقد كان التطور من الناحية المجتمعية مرتبطاً عن قرب بالمناخ، لذا فالجفاف المفاجئ الذي حدث قبل 10 آلاف سنة تقريباً، مهد السبيل أمام نشوء المرحلة التي يقال عنها بالثورة النيوليثية (عصر الحجر المصقول) ليحل محل نمط التطور الذي كان عبارة عن الصيد وجمع الحاجات فقط. ونرى بأنه يوجد في الجزء الأعلى لنهري دجلة والفرات آثار للمجتمع النيوليثي والتي تعتبر أقدم آثار التاريخ. ويمكننا تعريف جوهر الثورة النيوليثية كثورة قروية تستند إلى ترويض الحيوانات والبدء بالزراعة. لقد أثبتت عمليات التنقيب في ديار بكر، وتشاي أوني آرغاني ـ جمه كوتي بار، وجمه خالان ـ باطمان، ونوالا تشوره ـ سيفرك أورفا بأن السكن بشكل جماعي يرجع تاريخه إلى 10000 سنة قبل الميلاد. وتحت التلال الترابية الموجودة بين نهري دجلة والفرات، تقبع آثار أولى قرى "غوند" ثورة العصر الحجري الأول. وتعني كلمة "غوند" Gond القرية باللغة الكردية، وبلغة اللويين ـ والذين يعتبرون أقدم شعوب الأناضول ـ وهم يدخلون في مجموعة اللغة الآرية ـ تعني كلمة غوند "بلاد الأماكن المرتفعة"، وقد تحولت كلمة غوندوانا "Gondwana" إلى كورديان "kurdian"، وفي العصور الوسطى أطلق عليها اسم كردستان بلهجة السلاجقة الإيرانيين. ويمكن القيام ببحث شامل في قسم التاريخ الكردي عن هذا الموضوع. في الحقيقة إن التلال الترابية التي نراها في يومنا هذا، تظهر بأن الثورة النيوليثية قد عاشت في هذه المناطق بشكل عميق وشامل. ولا يوجد في العالم أية منطقة توجد فيها مجموعات سكانية قديمة إلى هذا الحد.

    هناك إجماع علمي عام على أن المجتمع النيوليثي هو الآخر قد انتشر مثل المجتمع الميزوليتي في العالم انطلاقا من هذه الأراضي. ومثلما يعتبر هذا الانتشار الأساسي أهم عصر قبل التاريخ، فإنه يتميز باحتوائه جميع الظروف الملائمة للحضارة من ناحية الشمولية الاجتماعية وأعاشتها. لقد تطور المجتمع النيوليثي على طول ضفاف الفرات وأواسط دجلة بين عامي 4000 ـ 6000 ق.م؛ ففي الوقت الذي مرّ فيه بمرحلة سميت بثقافة تل حلف، فإنه وصل في أعوام 6000 ق.م إلى إفريقيا الشمالية ـ مصرـ وخليج البصرة ومناطق الفرات الأدنى والأناضول الأوسط وتشاتال هويوك، وفي أعوام ما يقارب 5000 ق.م وصل إلى القوقاز وشمال البحر الأسود والبلقان وشمال شرق إيران والهند والبينجاب وسواحل الهندوس، وفي أعوام 4000 ق.م وصل إلى الصين وكل أوروبا، وفي 3000 سنة ق.م إلى القارة الأمريكية. وتؤكد نظرية التاريخ العلمي أن هذا النمط من الانتشار هو الأقرب إلى الصحة على أساس المعطيات. إن ثقافة تل حلف قد أوجدت جميع الوسائل اللازمة من أجل التحضر، كالصحون الفخارية والبلطة وحياكة الصوف وطحن الحبوب والعمارة القروية الجماعية والدولاب والآلات المعدنية النحاسية والمحراث، والإيديولوجية المستندة إلى مفهوم الربة الواحدة وقبول النجوم كإشارات... الخ، هذه الأدوات هي النتاج الإنساني الكبير وهي التي تعبر عن فجر الحضارة في التاريخ البشري. وعند مقارنة دورها عبر التطور التاريخي لا يمكن مقارنتها إلا بأدوات القرن "16ـ20". وتمتلك هذه الثقافة هذا المعنى تاريخياً.

    أدى امتداد دجلة والفرات في واحة خصبة جداً وقريبة من خليج البصرة إلى محصول وفير هائل بفضل جهود المجموعات التي تمثل ثقافة تل حلف. وقد لعب دوراً بارزاً في ذلك، دخول الزراعة المروية عن طريق أقنية الري لمواجهة الجفاف الذي شهده الألف الرابع والثالث قبل الميلاد. وعند إضافة أشجار النخيل الكثيرة والأسماك إلى ذلك المحصول، تتوفر الإمكانية للبدء بالاستقرار في مرحلة تاريخية تقترن بمفهوم الجنة المتجذر في وعيهم الإنساني. وكانت هي المرحلة التي قيل فيها أن "التاريخ يبدأ بـ سومر". واعتباراً من بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد دخلت الإنسانية في المرحلة التاريخية المدونة وذلك باختراع الكتابة المسمارية. وبالرغم من وجود العديد من الخصائص التي يمكن تعريف الحضارة بها، فإن الخاصية المميزة لهذه الحضارة هي ان جهد الإنسان مهد السبيل أمام فائض الإنتاج والذي أبرز موضوع القيمة الفائضة والعلاقات العبودية أي أنها أصبحت موضوعاً للملكية. وان النمط الذي حققه السومريين هو النمط الذي يقول عنه الكهنة (الزيكورات) والتي أنشأت الوحدات التي ستلعب دور مركز إدارة المجتمع والعمل الجماعي والمعبد. وقد أطلق عليه الكهنة اسم الدولة. إن هذه المراكز التي أخذت شكلاً قدسياً كممثلة للنظام السماوي في الأرض هي النمط الأولي للمعابد ومراكز العمل والوحدات العسكرية والتعليمية والمراكز الثقافية التي تطورت على طول الحضارة، وتعتبر الرحم لتمأسس الدولة. ان الاكتشاف الذي يطلق عليه الدولة أي زيكورات قد مهّد للكهنة الذين كانوا يعتبرون منظري تلك المرحلة، السبيل أمام إنتاج لا مثيل له، لذا فمنذ البداية كانت ستعلن بقدسية وكنظام مقدس وممثل للسماء على الأرض، وكانت ستهيمن على ذهن الإنسان وسترتقي في ذاك الوضع لتصبح مصدرا للسطلة الأكثر تطوراً.

    لقد مهدت الزيكورات السبيل أمام تمتع بعض الناس الذين ظلوا خارج نطاق العمل المنتج، واعتماداً على الإنتاج المادي الكبير لكدح العبيد الذين كانوا أداة للإنتاج، بالرفاهية ووجود وقت فارغ من أجل الدين والمهن وأعمال السلطة من جهة، ويعتبر تحقيق اللاهوت السومري بخلقه نظام الآلهة كمركز إدارة معنوي، مرحلة الهيمنة على البنية العقلية والفكرية والروحية من جهة أخرى. لقد تمم كل من التطور المادي والمعنوي بعضهما البعض، وأخذت الملكية المقدسة والعائلة والتمأسس الديني نمطاً جديداً كسند أساسي للعائلة، وأكتسب المجتمع المعتمد على وحدة الدم والسلالة بنية طبقية متمثلة بمؤسسات جديدة.

    في الحقيقة إن السومريين هم من أوجدوا الدولة. ان رواد هذه المرحلة بقدر ما كانوا منظّرين كبار في البداية، فإن الطبقة التي تشكلت من الذين يقومون بمهمة وظيفية كإداريين لهم دور في التنظيم العملي للإنتاج كانت في مرحلتها الجنينية. وكان الانتقال من مرحلة الكهنة إلى مرحلة الملوك الكهنة امراً لا يثير النقاش، لأن الأرضية المادية والمعنوية كانت قد تطورت بشكل كاف. وعندما ندرس الميثولوجيا السومرية من خلال النصوص الموجودة نستطيع فهم سبب وصف السومريين لكل شيء قاموا به بأنه نظام إلهي. فقد آمن الناس في تلك المرحلة بأن النظام الذي شكله الكهنة هو نظام سماوي على الأرض وليس هو النظام الذي خلقه البشر. وكان النمط الأساسي للفكر يعتمد على الإيمان وليس على المعرفة. وإن نظام الآلهة كان يعتبر كل شيء. وكانوا يؤمنون بذلك من صميمهم بلا أدنى شك.

    لم تحظ أية إيديولوجية بالتأثير على الإنسان إلى درجة التأثير الذي أحدثتها الميثولوجيا السومرية، ولا يمكننا إلا أن نقف مذهولين أمام خلق السومريين الميثولوجيا وتحويلها إلى لاهوت ومن ثم تنظيمها كدولة وإيديولوجية وتحويلها بعد ذلك إلى تيارات دينية وفلسفية، وجعلها منبع أولي ومسند للعلوم، وتحويلها إلى أشكال بدائية للصناعة والأدب أيضاً. ويجب ألا نستغرب من الأهمية التي أظهرها علم سومر "سومرلوجيا" يوماً بيوم كأهم فرع علمي في التاريخ، وهو مصدر هام جداً. وستبقى جميع التواريخ محكومة بالنقص والخطأ إذا لم يتم تحليل هذا المصدر. لذلك فإن حضارة سومر هامة جداً ولكن مع الأسف لم تفهم أهميتها إلا مؤخراً لتظهر إلى الميدان نتائج مذهلة.

    يمكننا سرد المساهمات الأساسية التي قام بها السومريون في التطور التاريخي على الشكل التالي:

    أـ اختراع الكتابة.

    ب ـ الرياضيات والتقويم.

    ج ـ أول ميثولوجيا ولاهوت شامل.

    د ـ مؤسسة الدولة والسياسة، والتحول الطبقي.

    هـ ـ القوانين والحقوق المدونة.

    ف ـ التمدن والمعابد والمهن والتمركز التجاري.

    ق ـ الملكية الخاصة والعامة.

    ك ـ الأسرة المقدسة والسلالة.

    ل ـ الآداب المدونة والملاحم والموسيقى.

    م ـ أول استيطان والإمبريالية.

    يمكننا إضافة مصطلحات ومؤسسات وأنظمة عديدة للعناصر التي ذكرناها. لكن حتى هذه اللوحة القصيرة تثبت أن الجسم والمصدر الأساسي لنظام الحضارة قد تشكل بالأساس، وإن الأشياء التي أضيفت إليها فيما بعد، لها بعد كمي ومحدود وهي الأجزاء التفصيلية وفعاليات التطور. وكان للسومريون مصطلح كانوا يحبونه ويستخدمونه كثيراً، وكان ينطق بـ ( me ) أي القانون أو خصائص الحضارة، وهذا يدل على أنهم كانوا يشعرون بكل شيء اخترعوه كمصطلحات مقدسة، وقد تم تعداد "104" مصطلحاً من هذه المصطلحات حتى الآن. وعلى ما يبدو فإن هذا العدد سيزداد، وإن الصفات الـ 99 التي أطلقت على الرب هي ناتجة عن المفاهيم السومرية.

    إن المسألة الأساسية الأخرى التي يجب أن نتناولها في بحثنا المتعلق بالسومريين، هي التعبير الميثولوجي للصراع القائم بين النظام المستند إلى الأمومة والنظام المستند إلى الأبوة. لقد أصبحت نينهورساغ "ninhursag" آلهة النظام الجبلي في الشرق والشمال ويستدل عليها بالنجمة التي تعني ستيرك باللغة الكردية في الموقع الثاني في نظام الدولة الذكوري للسومريين، ويعتبر فقدان جنس النساء للقوة في المجتمع العبودي، ساحة صراع واسعة. كان للمرأة احترام كبير عند السومريين ولم تفقد ما تملكه، وكان لها مكانة متساوية في النظام الإلهي، وكان هناك صراع دائم، وفق قانون السن بالسن كما يقال، بين آلهة نظام الجبل "نينهورساغ" والإله "أنكي" ENK I "إله الرجل الماكر و الذكي" إلاّ انه كان ينتهي بالوفاق غالباً. وعندما ظهرت إلهة باسم "إنانة" والتي خلقت العصر النيوليثي، أخذت اختراعاتها من "أنكي"، وعادت من مدينة الإله "أنكي" وهي "اريدو" Eridu إلى مدينة "أوروك"، وبذلك حققت نجاحاً كبيراً جراء ذلك. ولأن ذلك أصبح موضوع أيمان مطلق في ميثولوجية السومريين، لذا أصبح دينياً أيضاً. وجميع الصراعات الموجودة لتحول السومريين إلى دولة كانت عبارة عن انعكاسات مفهومة ومذهلة للصراع الطبقي وحروب المدن بين السلالات، والناس لا يدخولون في صراع مع بعضهم البعض البتة. ولا يمكن التفكير بذلك في النظام الإلهي، لأن العبد لا يمكن أن يكون إلا ظلاً، والآلهة هم وحدهم أصحاب الإرادة. وهم فقط الذين يستطيعون ان يتحاربوا أو يتفقوا باسم البشر، وهذا يعتبر سيادة إيديولوجية مذهلة، وبأن الدولة التي مثلت النظام الديني والقانوني والسياسي في تحولها المركزي شكلت جوهر النظريات والمصطلحات. وتواصل هذه السيادة الحفاظ على كيانها حتى مع حدوث التحولات إلى يومنا هذا
    وبشكل ملفت للانتباه.


    ....
    التعديل الأخير تم بواسطة bahzani3 ; 07-24-2013 الساعة 21:25

  3. #3
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية ف1 المجتمع العبودي 1ـ 2عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول المجتمع العبودي والتطور الحضاري ب- الدور التاريخي للحضارة السومرية وتماسسها 1-2






    عبدالله اوجلان



    عن الحوار المتمدن


    ب ـ الدور التاريخي للحضارة السومرية وتمأسسها


    إن أهم سبب لعدم أخذ الحضارة السومرية مكانتها التي يليق بها في التاريخ العلمي رغم بدئها في مرحلة الحضارة بطريقة مذهلة، هو اكتشافها في زمن متأخر وهيمنة البنية الفكرية الأنانية الأوروبية، وتلعب أنانية حضارة الأغر يق الرومانية دوراً هاماً في ذلك. وكل خطوة حضارية تملك طبيعة أنانية تحدد بدء التطور في ذاتها، وقد اتبع السومريون نفس الأسلوب الأناني، تجاه العصر النيوليثي، وحاولوا امتلاك جميع القيم والأشياء، حتى انهم ربطوا خلق كل شيء بالنظام الإلهي الذي خلقهم، ويقبع تحت هذا التمأسس والفهم الكامل حتى يومنا هذا، النظام اللاهوتي ـ الميثولوجي السومري، ويمكننا تعداد هذه التأثيرات على الشكل التالي:


    أ ـ تشكيل المجتمع الطبقي: من المعروف علمياً إن مرحلة التحول المجتمعي هي الظاهرة الأساسية التي حققها الإنسان في كرتنا الأرضية. وتواصل المجتمعات البشرية بمعرفة وفهم وإرادة مرحلة التطور الطبيعي المستمر عند الكيانات الحية غير الإنسانية. إن القفزة التي حققها نوع الإنسان في مرحلة الفهم والإدراك التي مهدت السبيل أمام البنية اللغوية الحالية في نوع Homo Sapiens، أتاحت الإمكانية لقفزة في التكوينات الاجتماعية الإرادية. كانت المجموعات البشرية تعيش في مستوى المجموعات الحيوانية المتطورة في مرحلة المجموعات البدائية. ومع تطور العقل واستخدام أدوات وتقنيات العيش حدثت قفزة نوعية في نوع الإنسان العاقل هوموسابيينس " Homo sapiens"، إذ تحققت المرحلة الأولية والأساسية للثورة المجتمعية. وأهم خاصية لهذه الثورة المجتمعية هي فهم رقي العيش بشكل جماعي، وكما تتشكل العناصر الأولية الأساسية في المادة، ففي المجتمعية أيضاً هناك تطور للوحدات المتينة والثابتة في خط تصاعدي مع مرور الزمن. وبالتالي لدينا تاريخ مجتمعي استمر على هذا المنوال لآلاف السنين قبل ظهور التاريخ الحضاري.

    إن الثورة القروية للعصر النيوليثي هي المرحلة الثانية الكبيرة في هذه الحقبة التاريخية. وتعتبر هذه الثورة التي حدثت قبل 12000 سنة أكبر خطوة للتحول المجتمعي. ويتواصل تأثير هذه الخطوة على تطور البنية العقلية البشرية من خلال مؤسساتها المادية والمعنوية. إن الثورة القروية للعصر النيوليثي وبنية المجتمع الريفي التي استقرت وتطورت بالاعتماد على هذه الثورة، هي التي خلقت العناصر الأساسية التي لازالت تغذي الحضارة، وفي مقدمة هذه العناصر، العقلية الطبيعية للعيش الحر والتي لازالت مرغوباً بها حتى يومنا هذا، والصداقة الحية مع الطبيعة، والبنية الروحية التي لا يحكمها أو تؤثر عليها القوى الإلهية المخيفة، والمشاعر القوية للأم، ورغبة المساواة بين الرجل والمرأة، وتأهيل الحيوانات والزراعة، والتي لازالت تغذي الحضارة الأوروبية بوسائلها وإنتاجها، والإيديولوجية المعتمدة على هذه الوسائل والإنتاج، واكتشاف المعادن وقابليتها للاستخدام.

    كان من غير الممكن ظهور المجتمع الطبقي السومري ودولته ومؤسسات البنية الفوقية له، وتطور الخط الحضاري الذي جاء بعده، لولا وجود النظام المجتمعي الكبير والوسائل التي غذت دجلة والفرات وخلقت هذه الحضارة، والتي اعتمدت على سهولها وطبيعتها. وقد يقال: "من غير الممكن إيقاف التاريخ، وكان لابد له أن يتطور في أي مكان آخر" إن هذا الرأي يعد فرضية. وسيتم بجدية تناول التاريخ الذي تحقق، وهذا هو الموقف الوحيد الساري المفعول للتاريخ العلمي. ويكتسب أهمية حيوية من حيث كتابة ومعرفة التاريخ بشكل صحيح.

    إن فهم المجتمعات الموجودة خارج أوروبا عموماً، والشرقية بشكل خاص، لدورها التاريخي بشكل صحيح، يوفر لها الثقة بالذات وفرصة متابعة طريقها بشكل صحيح. وأن أخطر جانب لإمبريالية الحضارة الغربية هو جانب السيادة الإيديولوجية؛ إذ لا يمكن الدخول في طريق التطور السياسي والاقتصادي بشكل حر وسليم وامتلاك حصة في النظام العالمي دون كسر هذه السيادة. وأرى أنه من المناسب والهام تناول هذه المسألة بعمق في الأجزاء المتعلقة بها من دفاعي.

    أرى إنني سأقع في نقص هام فيما إذا لم أتعرض لمسألة هامة أخرى والتي يمكن اعتبارها ملحقاً لمرافعاتي. فقد تم بذل جهود كبيرة من أجل تحول مجتمعي للإنسان القريب للمجموعات المشابهة للقرود التي ظهرت في المراحل الأولى للتاريخ والتي استمرت لمئات آلاف السنين قبل تكوين الشخصية الفردية والتي تعتبر فردية أعطت طابعاً رسمياً لمفهوم حقوق الإنسان الشخصية، وهي المستند الأساسي للحضارة الأوروبية. وسنتطرق لهذا الموضوع في الفصول القادمة. لقد بذلت الوثنية والطموطمية وعبادة الكائنات الحية والأديان التوحيدية والمتعددة الآلهة، جهوداً من أجل ربط الإنسان بالنظام والمجتمع.

    ان كافة مؤسسات المجتمع الأمومي والأبوي والسحرية والشمانية والكهنوتية والنبوية، تهدف إلى تخليص الإنسان من غرائزه الحيوانية، والتزامه بالقواعد الاجتماعية والنظام. لذلك قد نرى إن الطرق المستخدمة مأساوية وغير مفهومة؛ كان يتم تلقي المراسيم والهدايا وفي مقدمتها حول جعل الإنسان قرباناً كقسم من مرحلة التدريب البدائي، وكل ذلك من أجل إظهار القوة المجتمعية لنوع الإنسان. يجب ألا نقول بأنه مجتمع وحشي ونغض النظر عنه. بل رؤية الجهود الأصيلة الكبيرة التي بذلها اصل الإنسان من أجل الخروج من الحيوانية، والذي خلق الحضارة، وترويض الطبيعة بحيث تخدم الإنسان، ولولا تلك الجهود لما كنا موجودين.

    إن الانتقال من ظروف طبيعية قد يحولها عدم المعرفة إلى جهنم في كل لحظة، والسير نحو عالم الجنة يمر من خلال طريق التحول المجتمعي المأساوي والصعب. إن مفهوم جهنم يوضح الصعوبات الدافعة هو أول ما ترسخ في عقل الإنسان، أما مفهوم الجنة ينادي دائماً الإنسان إلى الأمل والمستقبل والعيش الذي نطلق عليه اسم العيش الإنساني.

    يجب علينا ألا ننسى قصة كيف أصبح الإنسان إنساناً عند خلق الميثولوجيا والأديان التي نراها فكاهية. إذا قارنا ذلك بقانون فيزيائي نقول: توجد حاجة لظاهرة التحول المجتمعي من أجل إظهار الطاقة والانفجار المجتمعي، كتحول اندماج ذرات الهيدروجين إلى ذرات الهليوم وتكوين الطاقة الشمسية. إذا فهمنا إن شخصيات الأبوة والأمومة والطوطم والآلهة والكهنة والسحرة والأنبياء هي مؤسسات خلقت هذه المرحلة، حينها يمكننا فهم المجتمعية بشكل أصح. وكخاصية أساسية لحضارة الغرب أو أوروبا أنها طورت بعض جوانب تلك المرحلة المعكوسة بشكل تدريجي وبطئ، أي تجربتها التي تنطوي على إزالة البنى الاجتماعية التي رأتها تتناقض مع مصالحها وتحريض الفرد باسم الحرية. وان جميع المؤسسات والأفراد الرأسماليين الأغنياء المتسلطون أكثر من جميع الملوك والأغنياء في التاريخ، هم نتاج لهذه الفلسفة المعكوسة. لقد أزال هؤلاء الأشخاص والمؤسسات، المعادن والجغرافيا والبنية التحتية والفوقية والجوانب المادية والمعنوية التي اعتمد عليها العمل الاجتماعي للإنسان منذ ملايين السنوات، ومزقوا جميع الجوانب التي تتناقض مع مصالحهم وتبنوا الجوانب الرابحة منها. كم يشكل ذلك تحضراً، وكم هو خارج عن الحضارة وحتى خارج عن نطاق المجتمع أي التوجه نحو التحول الحيواني، فهذا يعتبر من المواضيع الأساسية التي يقف عليها فلاسفة اليوم. ويتطلب تناول مدى تناسب رد فعل النمط الاشتراكي على ذلك بشكل واسع في الجزء المتعلق به.

    إن تقييم الطبقية ومجتمع الدولة الطبقي الذي اخترعه السومريون دون شرح التطور التاريخي الأول للمجتمع سيحمل في طياته نقصاً كبيراً. ولم توضح النظريات المجردة للمجتمع العبودي المسألة تماماً. ولم تشرح الواقع السومري كما هو مطلوب، لأنه لم يتم تحليله تماماً حتى الآن. لقد تم الوصول إلى بعض النتائج العامة من خلال تحليل نظام العبودية في أثينا وروما. و قد يكون من المفيد التطرق إلى هذه الأمثلة في مرحلة نضوج وانهيار العبودية. ولا يمكننا الوصول إلى معرفة تاريخية صحيحة إذا لم نتناول تشكيل تاريخ الحضارة والمجتمع الطبقي من مصادرها الأساسية، وبالتالي إذا لم نعد النظر بشكل واقعي وصحيح في الكثير من الخصائص والفرو قات الكبيرة التي تستند عليها هذه المصادر كما كانت بخطوطها الأساسية. وحتى لو وصلنا إلى المعرفة التاريخية فإنها ستتضمن نقصاً كبيراً. ويرجع سبب الاهتمام بالمجتمع السومري إلى ضرورة فهم خط التطور الذي بدأ به التاريخ كما كان في الواقع آنذاك. ولأن العلوم الاجتماعية والتاريخية القائمة لم تتوصل بعد إلى ذلك، لذا فإنها برأيي تحمل في طياتها مبالغات وإنكار ونواقص وأخطاء كبيرة. إن إحدى أسباب دفاعي تنبع من الحاجة التي أشعر بها لتوجيه نداء من أجل التعرف على التاريخ والمجتمع بشكل صحيح والتعامل معهما ضمن مقاييس العدالة.

    يرتبط الانتقال من المجتمع المستند إلى اتحاد السلالات إلى المجتمع السياسي بتطور مؤسسة العبودية. ويجسد ذلك أرضية مادية للتحولات في العمق. لقد أتاح الجهد العبودي إمكانية إنتاج يفيض عن الاستهلاك بكثير، وأعطى الفرصة لتشكيل طبقة النخبة الحاكمة من التجار والمهنيين، دون الاعتماد على السلالات والتي تجاوزت كونفدراليات القبائل. وبذلك فقد بدأت بنية المجتمع الثلاثية الأساسية بشكلها الأصلي. لكنها لم تتخلص من رابطة السلالة تماماً، ولأنه لم يتم الفرز بخطوطه الرئيسية. فان هذه التطورات حدثت بشكل متداخل. ولا يوجد تعبير فكري واضح لهذا التكوين المجتمعي. لكن تم اعتبار شرح ذلك بتعابير ميثولوجية مذهلة من إحدى المهام الأساسية للكتاب والشعراء السومريين. وبقدر ما قدمت حضارة السومريين التحول العبودي بتعبير مثيولوجي مثير للانتباه وعلى شكل نظام الآلهة المقدس إلى المجتمع دون أن يشكوا أحد منه، وكأنه لا توجد حضارة أخرى غيرها. وفي الحقيقة فقد تغذى جميع المنظرين والإداريين في المجتمعات الطبقية التي جاءت بعدها من الميثولوجيا السومرية، أوصلوها إلى ترمينولوجيا تتلائم مع ظروفهم. يعني إن اللاهوت التي تكونت وتم اعتبارها جديدة، هي في الأصل من استمرار سومر وتطبيق تكتيكاته بشكل مناسب. لقد حققت الميثولوجيا السومرية سيادة الإيديولوجية إلى درجة أصبح فيها الملوك الكهنة ممثلين رفيعي المستوى، نفذوا واجباتهم كقوانين إلهية. إن الشيء الذي تم خلقه هو سيادة إيديولوجية خلدت مصالحهم. لكن طرحهم لها كإيمان وهدية للآخرين جاء بطريقة رائعة كانعكاس لنظام إلهي في السماء على الأرض ويعتبر فنا رائعا ومذهلا في خلق المجتمعية.

    كان العبيد عبارة عن ظل وعبد منذ الألفية الرابعة حتى الثانية قبل الميلاد. وكان يتوجب على الجميع إبتداءاً من الملك الكاهن وحتى كادحي الأرض، التحرك كل حسب موقعه المحدد، مثل القانون في النظام الذي كان يسري في المعابد. ومثلما تكون حركة النجوم ذات نظام ثابت في السماء، هكذا من الضروري ان يكون الحال على الأرض أيضاً. حتى انه لا يمكن التفكير في ذلك بطريقة أخرى. ويوجد معنى لجميع العواطف، فهي كما يشاء الإله في إطار مفهوم هذا النظام. ولا يمكن أن يكون للشخص عاطفة كما يريد، ولا تفكير مختلف عن عالم تفكير الإلهة. فهناك نظام أزلي سرمدي، هو نظام المشيئة الإلهية.

    إن هذا الأثر الإيديولوجي الأول للطبقة الاستغلالية الحاكمة المعتمدة على جهد الرق هو أثر كبير. عندما كان يموت الملك الإله، كانت تدفن كل حاشيته معه ليعيشوا معاً في العالم الآخر، إذ كان يعتقد إنه مساو للآلهة الخالدين. لقد عثر على سبعمائة جثة أغلبها من النساء الخادمات والزوجات في قبر احد الملوك. لقد دفن هؤلاء العبيد مع الملك وهم أحياء، وكانوا يعتبرون ذلك وظيفة هامة لهم، ولا يمكنهم التفكير حتى في التعبير عن آلامهم ومخاوفهم. وقد عثر على نفس الممارسات في قبور الفراعنة المصريين. إن الطقوس الدينية التي تقدم الإنسان ضحية عبادة بدرجات مختلفة والإيمان بها عند السومريين لها ارتباط قوي بالقوة الإيديولوجية للعبودية.

    وقد وصلت الطبقة الاستغلالية هيمنة سيادتها الإيديولوجية عن طريق التجديد والصيانة اللازمة دائماً أمام يقظة العقل البشري وإرادته عبر تاريخ الحضارة. ولم تتحطم السلاسل حتى ولو للحظة واحدة، بل تم تدعيمها وتجديدها باستمرار. وعندما كان جهاز الدولة السومرية أداة بريئة تؤمن بهذا الأمر، قام الذين جاءوا فيما بعد بتدعيم كفاءة النظام باستمرار عن طريق أنماط متعددة للسيادة الإيديولوجية التي كانوا لا يؤمنون بها وتم إقناع الطبقة السفلى بها. لم يتم كسر هذا النمط من السيادة على العبيد رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الإنسانية حتى يومنا هذا، من أجل التعبير الحر عن الرأي والإرادة، بل على العكس من ذلك، لقد تم تدعيم هذه السيادة من أجل ديمومتها وتوسيع نطاقها عن طريق مؤسسات تعليمية لضمان هيمنتها. ويمكن أن تملك قوة تهيمن حتى على المورثات عن طريق التكنولوجيا الحديثة. لقد تطورت في واقع السومريين على نمط رق المعابد المشتركة، أما في أثينا وروما فقد ساد الرق الخاص.


    ...
    التعديل الأخير تم بواسطة bahzani3 ; 07-24-2013 الساعة 21:36

  4. #4
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية ف1 المجتمع العبودي 1ـ 3عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول المجتمع العبودي والتطور الحضاري ب- الدور التاريخي للحضارة السومرية وتماسسها 1-3








    عبدالله اوجلان





    ب ـ إن التطور الهام الآخر الذي يعتبر من أولى التطورات في المجتمع السومري، هو المستوى الذي وصل إليه فرق الجنس. وكانت المرأة هي القوة الإنتاجية الحاكمة في العصر النيوليثي الذي كان السومريون يقفون إلى جانبه. إن الزراعة واستئناس الحيوانات هي من نتاج المرأة. وتحمل الثورة القروية أي نظام العيش المستقر بصمات المرأة كونها تتناسب مع طبيعتها. وتعتبر صناعة الفخار والنسيج وطحن الحبوب من الأعمال النسوية، وتتجمع الأسرة حول المرأة، وكان النسب يحدد حسب المرأة. وكان النظام الأمومي هو الحاكم ويجد تعبيره الإيديولوجي في المعتقدات الدينية المعتمدة على الآلهة التي تتمثل بالنجوم والقمر. ان الفروقات بين الجنسين والتي تتطور بشكل متوازن مع الفروقات الطبقية الموجودة في المجتمع السومري، تجد تعبيرها في المثيولوجيا بشكل مكثف. وهذه الانعكاسات بين الفروقات الموقعية تصبح مذهلة هنا.


    لقد بدأ موقع الآلهة المسيطرة يضعف؛ إذ تلقت ضربة مميتة في مرحلة بابل بشخصية "تيامات"tiamat . وكـان الابـن الأصـغر "مردوخ" marduk يمثل ثقافة الذكور التي كانت تتجه بسرعة إلى الإله الواحد. وسيعتبرها النبي إبراهيم أساسا فيما بعد وسيلعب دور جد الأنبياء لتوحيد الإله. والمرأة التي تمتعت في المعابد بتأثير الكهنة بشكل يوازي تأثير الرجال. انتقلت الى الدرجة الثانية في البيت. ويعتبر أول بيت دعارة تحت اسم "مثقديم" musakatdim من اختراع السومريين. لم يتراجع موقع المرأة إلى الدرجة التي انحدر إليها في الموجة الثانية للحضارة. ونرى في الميثولوجيا السومرية موقعاً يقارب الوفاق.

    ج ـ إن الثورة ودولة المدينة تعتبران إحدى الاختراعات الأساسية التي حققها السومريون. وفي الوقت الذي يعتمد فيه العصر النيوليثي على ثورة القرية والزراعة، فإن مجتمع الحضر يعرف بالأساس بالتمدن وكدولة. لقد أدى تمأسس البنية التحتية الاقتصادية وتمأسسات البنية الفوقية المعتمدة على مركزية الدولة إلى تنظيم المجتمعات الإنسانية مجدداً وبشكل مذهل لم يشاهد في تاريخ المجتمعات حتى تلك المرحلة. لقد تمخضت بنية المجتمع الكبيرة والمتداخلة عن عقلية وتمأسس جديدين. فقد تمأسست الكتابة والأدب والعمليات الحسابية والتقويم والصحة والتعليم وتحولت إلى مهن جديدة. وكافة هذه المهن وما شابهها تظهر تمهيد السومريين السبيل أمام هذه الأوليات. وتشكلت في التمأسسات الجديدة بنية اجتماعية جديدة استندت إلى خصائص المهن بالإضافة إلى روابط السلالة. والتمأسسات الاجتماعية وأنماط العلاقات التي مهد السومريين السبيل أمامها تواصل استمرارها حتى يومنا هذا، وتزداد غنى في الشمولية والتفصيل. ولا معنى لآخر حلقة من السلسلة إذا لم تكن الحلقة الأولى موجودة.

    د ـ تحظى التمأسسات الاقتصادية السومرية بالأهمية باعتبارها من المكونات الأساسية للحضارة. إذ تمأسست وتطورت علاقات الملكية الجماعية والخاصة، وتم الاعتراف أيضاً بنمط الملكيتين على الأراضي، وتحولت الحرف بانقطاعها عن الأرض الى مهن مستقلة، وأصبحت المهن التي لا يمكن للاقتصاد التخلي عنها وفي مقدمتها التجارة والنجارة وصناعة المعادن والفخار والنسيج من الأساسيات التي يعتمد عليها المجتمع السومري، وان تفوق وحداثة السومريين يعتمد بنسبة كبيرة على قوة تلك المهن، وللنبوة والحكمة علاقة وثيقة بهذه المهن .

    هـ ـ تمثل المؤسسات الفوقية للمجتمع السومري موقعاً خلاقاً غنياً لا مثيل له في حينه، وقد شكلت الأقسام الملكية والمجلس والعسكرية والوزارية لتمأسس الدولة المثال الأول للبيروقراطية، وأصبحت مصدراً للتطورات التي حدثت بهذا الاتجاه فيما بعد. فالقيم التي تشكلت كمفاهيم ومؤسسات ازدادت تأثيرها وامتلكت قوة الوصول إلى يومنا هذا. وسيتضمن أي تحليل للتاريخ ولواقع اليوم أخطاء ونواقص هامة، فيما إذا لم نر ونقيم تكوين المصدر بهذا الصدد.

    و ـ يمتلك الخلق الأيديولوجي والتمأسسات مكانة هامة في تغيير وتطوير البنية الذهنية للإنسان، ويلعب الخلق الميثولوجي للسومريين ونمط عبادتهم دور الوقود والتشحيم في تسيير مؤسسات البنى التحتية والفوقية للمجتمع. لقد كانت النخبة الحاكمة السومرية ولا سيما طبقة الكهنة على علم بأنه لا يمكن استمرار وديمومة إدارة الدولة والمجتمع الطبقي دون خلق طرق إقناع المجتمع بالمشاريع الإيديولوجية التي تدير مسننات المرحلة. لا يظهر تنظيم السلالة للمجتمع القروي البسيط المعتمد على الزراعة البسيطة وتربية الحيوانات في المجتمع النيوليثي احتياجا لقواعد ومؤسسات إدارية أو فكرية متداخلة. ولا يظهر احتياجاً لمصدر ميثولوجي غني أيضاً، تحقق المؤسسة الكهنوتية تطوراً هاماً وتصل إلى مستوى المؤسسة الأساسية بطريقة موازية لتصاعد الأصوات في المجتمع السومري التي تطالب بتجاوز العصر المستند إلى ثقافة الأمهات والأجداد والذي تتم فيه المحاولة لربط مفهومياته بالطوطم وبالكيانات السماوية بشكل محدود.

    مازالت المشاريع الإيديولوجية السومرية تذهل عقول البشر حتى الآن، وندرك ذلك بشكل أفضل من خلال تطور الدراسات، أن البنى الميثولوجية التي تشكل أساس اللاهوت والآداب، هي المشاريع الأكثر تأثيراً على البنية الإيديولوجية لتاريخ الحضارة، وتحتل البنية الفكرية السومرية مكانة هامة في بنيان سائر الدوغمائيات، ولذلك تعتبر السومرلوجيا أحد فروع التاريخ الذي تزداد أهميته يوماً بعد يوم، إذ إن بنية النمط الفكري الدوغمائي يعتبر مصدراً منفتحاً وغنياً للتحول الديالكتيكي.

    يمكننا تعداد العناصر الأساسية لمعايير الفكر السومري الأساسية:

    1ـ ظهور بنية ديالكتيكية بدائية. إن تضاد السماء هو الأرض، وتمثلاًن المبدأ الأنثوي والذكوري في نفس الوقت. ويطلق على السماء أسم "أن EN "، وعلى الأرض "كي" ki. إن "أنكي" Enki هو نمط الاتحاد الأنثوي والذكوري، ويدرك بأنه في اتفاق مع الإلهة، وهو بموقع الجد لمفهوم الأب، ويتزوج من جميع الآلهات، ويمهد السبيل لولادات ذات خصائص مميزة، وتلقت الآلهة الأم "تيامات" ضربة قاصمة ـ ملحمة خلق بابل (( أنوما أليش )) في هذا الموضوع والتي تملك خاصية تعليمية ـ من قبل المولود الأخير إله بابل (( مردوخ ))، ويتم إبعادها عن مجلس الآلهة، وهكذا تراجعت كثيراً عبادة الإلهة والمقولة الميثولوجية التي تعبر عنها منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. ويرتبط هذا التطور عن قرب بانحدار مكانة المرأة من موقعها الاجتماعي، ويتوطد مبدأ السيادة الذكورية هيمنته في بنية المجتمع والدولة. لقد شهد المجتمع تحولاً إيديولوجياً وأخلاقياً كبيراً بعد اكتساب الميثولوجيا نمط الدين الإلهي الذكوري الموحد ابتداء من مؤسسة الدولة العليا حتى الوحدات الدنيا من السلطة الملكية، وكان الملك هو الإله نفسه أو ممثلاً مباشراً للإله، وتحولت علاقة العبيد بالسيد إلى علاقة العبيد بالإله. وأسفر تحول الفكر الميثولوجي إلى حالة الإيمان أي "الدين" والقانون أي "الحقوق" الأساسية، عن تطور تاريخي واجتماعي والذي سيخلق نتائج هامة، إن المعابد السومرية وأدوبا Edduba أي الأكاديميات الثقافية هي من أكثر المؤسسات التي حازت على التفكير من أجل مواصلة وتطوير سلطة الملوك ـ الكهنة.

    كان الدين بوضعه اللاهوتي من جهة والمشاريع التي كانت على شكل ملاحم أدبية من جهة أخرى، هي المهمات الأساسية لمفكري وأدباء الكهنة في تكوين الميثولوجيا، وكانت مدينة نيبور المقدسة " Nippur" التي أطلق عليها اسم بابل، مركزاً للثقافة والدين والآداب لتلك الأعمال، واستمر لآلاف السنين .

    2 ـ إن النظام الفكري يعتمد على النظام السماوي. وكما يكون للنجوم والقمر والشمس مسار حركي لا يتغير، فإنه يجب على قوانين الأرض أن تمتثل لذلك، وإن الدولة والملك الكاهن يمثلان هذا النظام باسم الإله، وإن إرادتهم مقدسة وكلامهم قانون. وٍلكل قوة موجودة على الأرض إلهاً، ويسري نفس الشيء على القوى الاجتماعية. ولا يمكن التفكير بأي خاصية أو شيء أو كيان دون إله، ويجب أن نطلق على ذلك تسمية نمط التفكير اللاهوتي"الإلهي". وسيشهد هذا النمط الفكري فيما بعد تطوراً طبيعياً كبيراً ليصبح بداية نمط التفكير الفلسفي في اليونان والعلمي في أوربا المعاصرة. لقد خلقت أنماط التفكير هذه بعضها البعض بروابط وثيقة كونها خلقت من بعضها حتى ولو وجد تناقض على شكل إنكار بعضها البعض في قوالبها الأساسية. ولا يمكن شرح تاريخ الدين والفلسفة وتاريخ الفكر العلمي دون توضيح الروابط الموجودة فيما بينها. لقد كان النمط الفكري السومري متقدماً جداً في مرحلته، وظهرت القوانين الإلهية كقوانين علمية فيما بعد.

    3ـ تحتل المفاهيم الميثولوجية الأولية الأساسية، كالإنسان الأول والجنة والجحيم والطرد من الجنة والطوفان، مكانة هامة في الفكر السومري، وأن سرد الصعوبات والتناقضات التي تظهر في الطبيعة والمجتمع بلغة الشعر على نمط ملحمي هو من تقاليد السومريين، وقد عبروا عن الظواهر الطبيعية والمجتمعية التي حولوها إلى نظريات ومفاهيم خاصة بهم في إطار نظام كامل. وطبقوا لاهوتيتهم على كل حادثة وعلاقة واستخلصوا نتيجة منها، إن هذا الموقف يمهد السبيل لانفجار فكري، ولا يتخلص أي شيء من موقف ومحاكمة النظام الذي أقيم، وليس هناك شيء مستقل، فكل شيء يرتبط ببعضه البعض، وكأننا أصبحنا أمام المبدأ الأول للديالكتيك بطريقة بدائية، إن مصدر اليوتوبيا والملاحم الأولى هو عند السومريون، لقد وصلت يوتوبيا الجنة، وحياة آدم وحواء وطردهما من الجنة، وقتال الاخوة الأول بين قابيل وهابيل، وملحمة كَلكَامش الذي يعتبر نصف إله، إلينا مدونة، إن هذه اليوتوبيا والملاحم تعبر عن النضال الذي نتج عن الصعوبات التي خلقت التناقضات الاجتماعية مقارنة مع الحنين إلى أيام المساواة الكاملة في المجتمع النيوليثي، هكذا يكون الشرح والمعنى، وكان الوقت لا يزال مبكراً من أجل الشروحات العلمية، لأن عقل الإنسان بعيد عن العصر العلمي، ويجب ألا ننسى بأن العلمية مثلما كانت محدودة جداً حتى في الحضارة الإغريقية والرومانية، فإن فلسفة هذه الحضارة لم تتخلص من الميثولوجيا واللاهوت أيضاً.

    ز ـ إن أول من وضع الممارسات الأولى للاستيطان والآلهة هو الحضارة السومرية، إن "سارغون" الذي فتح ووحد دويلات المدينة السومرية، وأسس السلالة الأكادية قد أصبح أول شخص في العالم لقب بالإمبراطور، إذ بدأ سارغون بمرحلة الدولة الاستغلالية، وأن دويلات المدينة السومرية لم تتجه قبل ذلك نحو الفتوحات أو الاستيطان عدا إنشاء بعض المخافر من أجل الدفاع عن النفس ومن أجل التجارة، إلا ان سارغون أنشأ عاصمة ضمن المدن والمستوطنات بدلاً من مخافر، وخلق النظام التوسعي على أساس ممارسة القوة، ولم يقم جميع الإمبرياليين والاستيطانيين في العالم فيما بعد سوى بإتمام ممارسة ذلك. يعتبر قتل الإنسان بالعنف المخطط له وأخذ ممتلكاته وجعله عبداً، وإنشاء مستوطنات في الأماكن التي تحقق مصالح المعتدي وقوة إدارية تابعة فيها، من أهم مراحل التطور التاريخي، ويجب أن معرفة أنهم أنشؤوا إمبراطورية عالمية رائعة لتلك المرحلة. إن السومريين ناهيك عن أنهم مجتمع دولة طبقية، فهم أصحاب حضارة إمبريالية ذات بنى عرقية عديدة.

    ح ـ يعود شرف وضع النصوص القانونية المكتوبة الأولى للسومريين أيضا، فقد أبدوا اهتماما بتنفيذ قوانين الإدارة الأساسية للمجتمع وفهمها والالتزام بها من قبل الجميع وكذلك حفر القوانين على الصخور ونصبها. لقد وصلت شهرة قوانين حمورابي وأورنامو إلى يومنا هذا. وتشكل موضوعات الموسيقى والشعر التي كانت من القيم الحضارية الأساسية، أساساً للنشاطات الموسيقية في يومنا هذا أيضاً، وليس من الصعب إثبات ذلك، فقد حصلوا على اللحن والأغنية الشعبية والمقام ووسائله وأثروا على المراحل التي جاءت بعدهم بآلاف السنين .

    ط ـ هناك مسألة يجب توضيحها لأهميتها، ما هو مصدر ومنشأ السومريون..؟ ما هي خصائصهم العرقية..؟ وإنكار مواقفهم حيال الكيانات العرقية..؟ ماذا بقي من الأساس العرقي لحضارة تركت بصماتها على التاريخ إلى هذه الدرجة الكبيرة..؟ لاشك أنها أسئلة هامة، ويجب التعمق في الأبحاث. أن منطقة السومريين هي منطقة تقاطع لمنطقتين أساسيتين تلعبان دوراً كبيراً في التاريخ، ومن الواضح أن مملكة السومريين التي كانت تقع في أخصب منطقة بين الصحراء العربية وسلسلة جبال طوروس ـ زاغروس ستتعرض للاعتداءات والغزوات الدائمة كلما تطورت حضارتها، إذ كانت الحضارة السومرية تفتح الشهية وتبهر العيون بغناها كالإمبراطورية الإغريقية والرومانية، والأكثر من ذلك كانت تتبع سياسة توسعية دائماً.

    انطلاقا من مبدأ الفعل ورد الفعل الموجود في هذه الحياة بكل ثقله، لابد أن يتم تنفيذ الحكم الديالكتيكي على شكل التطور التاريخي، إذ لم تتوقف اعتداءات الساميين من الجنوب والغرب، والآريين من الشمال والشرق، أي وعلى حد قول السومريين اعتداءات المجموعات والقوميات ذات الجذور الهورية "Horrit" وستتكاثف عند فهمها للحضارة.

    إن هذا الرأي يمكنه أن يفسر نهاية السومريين. لكن المصادر لا تتيح إلا إمكانية محدودة لذلك وتظهر الوثائق والصحون الفخارية التي عثر عليها خلال عمليات التنقيب بأن الانتشار كان من الشمال والغرب، ولم يترك العموريون "Amorit " الذين بأنه من الجنوب والشرق أي وثيقة كونهم كانوا يمثلون الرعاة، ومن المحتمل أن تكون المجموعات المشاعية الصغيرة التي جاءت من تلك الساحتين قد أنشئتا وحداتها السكنية في الألفية السادسة قبل الميلاد، حيث أدت الإمكانيات الإنتاجية المختلفة والمثمرة إلى التحول المطلوب في المرحلة الزمنية الطويلة وخلق تميّز منشأ السومريين إن وجود الكثير من الكلمات من أصل الهوريين"Horrit" والعموريين "Amor" في بنية اللغة السومرية يثبت صحة هذا الرأي. لكن ذلك لا يثبت أن السومريين لم يكونوا قوماً أصلياً، بل على العكس، فكما يحدث دائماً يظهر وجود ثقافي جديد من وحدتين ثقافيتين مختلفتين عن طريق التداخل فيما بينهما والاتحاد عن طريق تركيب رفيع المستوى.


    ...

  5. #5
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية ف1 نتائج للحضارة..1ـ 4 عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول المجتمع العبودي والتطور الحضاري ج- النتائج الدائمة للحضارة الديمقراطية 1-4








    عن الحوار المتمدن




    ج ـ النتائج الدائمة للحضارة السومرية



    في النتيجة لقد تعرضت الحضارة السومرية إلى تحولات مذهلة أدت إلى مواصلة نفسها في الكيانات الثقافية التي ساهمت في تكوينها بالذات والكيانات الثقافية الأخرى، واحتلت مكانة مرموقة في التاريخ، بات الجميع يفهم قيمتها جيداً مع مرور الزمن، وقد اثبت في التاريخ بأن السلالة الأكادية لسارغون التي كانت يثقل فيها الجانب السامي الطاغي هو أول مثال للتغيير، وإن اللغة الرسمية والهيمنة الثقافية تمتاز بشخصية سومرية تماماً. ونرى كثافة في بنية اللغة السامية تحت حكم هذه السلالة التي حكمت بين عامي 2350و2250 ق.م. وربما عقد حملة الكوتيي " Guti" ذات الجذور الآرية والهورية اتفاقية مع الأعيان السومريين كرد فعل على ذلك. وهكذا تتكون حالة توازن جديدة وفرصة للتحول، ونرى هنا طغيان الثقافة الإيرانية الإيلامية. لقد تعرضت المنطقة من الشرق والجنوب إلى غزو المجموعات السامية ـ العمورية في الألفية الثانية قبل الميلاد، وبدأت مرحلة دول المدينة والدويلات العمورية بعد انهيار أعيان أور “ur” الثالثة. لقد فقد أعيان حمورابي العموري الشهير والسومريون قوتهم السياسية تماماً في عام 1800 ق.م. وباتت لا تستخدم اللغة السومرية رسمياً، وأصبحت اللغة الأكادية البابلية والتي هي جذر اللغة الآشورية واللغة الكلدانية اللتان مازالتا حتى يومنا هذا، لغة رسمية. وأصبحت لغة الثقافة في الشرق الأوسط عامة اللغة البابلية واللغة الآرامية. لقد تحقق التوازن بين الثقافتين في عام 1600 ق.م بعد الاعتداءات التي قام بها القصيين والميتانيين والحثيين من الشمال والذين ينحدرون من أصول آرية هورية. لكن بقيت ذهنية النظام ولغته بابل والبابلية أيضاً، وبذلك فقد مرت الثقافة الآشورية من المصفاة البابلية، واحتلت مرحلة الآداب واللاهوت البابلي مكانتها الكبيرة في التاريخ، وحدثت نقلة متميزة في الرياضيات وعلوم الفلك، وقام أعيان الآشوريين ـ العموريين في نينوى التي تقع في شمال بابل بتحفيز هذه المرحلة المتقدمة، واجتاحت القيادة الإيديولوجية والثقافية البابلية والقيادة السياسية والعسكرية الآشورية كل مناطق الشرق الأوسط.

    لقد تم إكمال التحول الأكادي في العهد البابلي والآشوري في الحضارة السومرية، وانتشر نحو سائر مناطق الشرق الأوسط مباشرة، وإلى المناطق الأخرى من العالم بشكل غير مباشر، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا بسبل العنف الإمبريالي، وأن مساهماتها الإيديولوجية والثقافية محدودة، وتم تعليم اللغة السومرية كلغة قديمة مقدسة، ومع ترجمتها باستمرار يزداد تأثيرها في العالم، وتعرضت للاغتراب بعد تجسيد الثقافات المحلية لبعضها البعض، وزال كيان اللغة السومرية من الوجود مع بداية الميلاد.

    عندما ننظر إلى مكانة الحضارة السومرية في التاريخ، سنوافق على أنه لا توجد حضارة أثرت بعمق على الإنسانية وعلى مدى طويل كالحضارة السومرية، لأنها امتصت وغذت الإنسانية بين عامي 4000 ـ 2000 ق. م بشكل مباشر، وبين عامي 2000 ـ 500 قبل الميلاد بشكل غير مباشر. ولا يمكن لأية إيديولوجية أخرى أن تعد نظام العبيد من خلال مؤسسات البنية التحتية والفوقية للمجتمع وتجعلها دائمة ومقدسة من خلال الدوغمائية الأدبية، والتوقف على معاني ذلك يتمتع بأهمية بالغة، ومن خلال تحليل الحضارة يجب إظهار ذاك المعنى. وعندما نقوم بتقييم ملموس وبالخطوط العامة، يمكننا التوصل إلى النتائج التالية:

    1ـ لقد قامت الحضارة العبودية السومرية على أكتاف القيم الاجتماعية للعصر النيوليثي والتي طورتها الشعوب في منطقة الهلال الخصيب خلال عشرة آلاف عام، وامتلكت التكنولوجيا والعلم الخاص بالعصر النيوليثي عن طريق إقناع نظامها المنتج على الأغلب وعن طريق التجارة أحياناً والعنف في أحيان أخرى، وقامت بتمأسسها على أساس فروع مهنية ومسلكية وحولتها إلى غنى غير عادي ضمن كيانها، لقد جمدت الشعوب والاقليات العرقية للعصر النيوليثي مقابل تصاعد حضارة الرق السومرية، كما هو موقف الإمبريالية الأمريكية حيال الشعوب في عصرنا هذا. لقد قلبت الإمبريالية السومرية الشعوب رأساً على عقب ولا سيما في المرحلة الآشورية، إلى درجة أنه مازال يعاش تأثيرها في الشرق الأوسط وكل العالم، وتحول ذلك إلى إرهاب وإبادة جماعية من جهة، وتثبت بالأرض والخازوق من جهة أخرى، لتترك أثراً لا يمحى من الذاكرة الإنسانية. ولقد تواصلت ممارسات الاستغلال والهيمنة في المجتمع الطبقي على الإنسان حتى يومنا هذا. وإن كان تمارس إبادة الإنسان في حاضرنا بشكل منظم ويتصاعد ذلك بشكل يوازي التطور التقني، فإن هذا الوضع ناتج عن التزام المجتمع الحاضر بالواقع العملي للحضارة الأولى، التي ترسخت في ذاكرة المجتمع وراثياً. قد يوجد للذاكرة الاجتماعية مورثات تتكون باستمرار مثل مورثات الإنسان التي تمهد السبيل أمام نفس الصفة، وتسكن هذه المورثات في ذاكرة المجتمعات اللاحقة وتحدث نفس التأثير. تعيش الطبقة المستغلة حالة ضعف وتراجع في الوقت الذي تتضخم فيه الطبقة الحاكمة. لقد خلق ديالكتيك الظلم والاستغلال بحيث لازال تشتيت هذه العجلة غير ممكناً. إن الإنسانية جزأت الذرة، ولكنها لا زالت بعيدة عن تشتيت عجلة هذا النظام، لا داعي لوجود النقص والزيادة في المجتمع، إذ يمكنه أن يكون متزناً وسعيداً إذا لم يجدا.

    لقد أدى هذا الوضع إلى خلق مأساة الإنسان التي تعتمد على الوعي البدائي المختلف عن الحيوان، والحيثيات وخط تاريخي آخر واتجاهات المقاومة والحرية، وتعبر المؤسسة النبوية في جغرافية الشرق الأوسط عن هذا المعنى.

    نرى في المثال الأول المثير أن الحضارة تبدأ بسرقة مساواة العصر النيوليثي التي كانت خيال الجنة في ذاكرة الإنسان، والمجتمع الخالي من الحروب وتنحية الآخرين إلى خارج التاريخ وجعلهم دون تاريخ. وتتحول الحضارة تماماً إلى تنين وذلك من خلال تحويل القيم الى ملكيتها وإقامتها تمأسس الدولة، وعن طريق هضمها المجموعات العرقية والأفراد الذين لا يمتلكون المعدات.

    2ـ إن خلق الدولة عند السومريين كهوية وخلاصة للمجتمع الطبقي، لهو شيء غير عادي ومثير. وتعتبر الدولة أداة بحيث لا يوجد أي حلم إلا وتحققه تقريباً، ولا يزال ذلك هو الجانب الطاغي للدولة. هناك مقولة للعثمانيين تقول: (( إما ستخضع للدولة تماماً أو احسب انك غير موجود ))؛ يرى الرجل الذي يمتلك الدولة ـ أو القومية التي تمتلك دولة ـ نفسه بأن له الحق الطبيعي في كل شيء وذلك من الله. وهذا يدل على أن معنى الدولة عميقة إلى هذه الدرجة. والمثال السومري الذي أظهر مصدر قوة الدولة هو الأداة المناسبة لتحليل الحضارة، كونه كان المثال الأول والطازج، هناك قوة غير عادية ولا يمكن مقارنتها بالقطاعات الاجتماعية المتبقية خارج الدولة والمجموعات العرقية والفرد، وإن هذه القوة تتجه نحو الكمال دائماً. إن إيجاد الكهنة السومريين لإيديولوجية تكوين الدولة بمهارة، وتكوينهم للذهنية الاجتماعية، والنظر إلى الدولة كنظام إلهي على الأرض من خلال تلك الذهنية هو شيء مثير ورهيب للغاية. تهدف الميثولوجيا والعلوم الإلهية أصلاً إلى خلق مجتمع طبيعي أبدي مقدس، وتكريس السيادة على إنها نظام الطبيعة. وفي الحقيقة فإن السلطة الإلهية هي أعيان الملكية المتصاعدة. لكن قول ذلك بشكل مباشر وتقديمه إلى المجتمع، يزيل مصداقية المقولة من جهة ولا يمكن من أقامتها والاستمرار عليها من جهة أخرى. فالدولة هي في وضع يتطلب تأسيسها وكسبها في الإيديولوجية أولاً. لقد خلقت الدولة عند اكتساب الطابع الإيديولوجي والاتحاد مع تكنولوجيا العصر النيوليثي في حدود الإنتاج الفائض، وعند تحقيق الأول فأنه بالإمكان الحصول على الثاني، ويؤدي اتحاد الاثنين إلى إنتاج ليس له مثيل قبل تلك المرحلة.

    من الواضح إن المعبد السومري يشكل الرحم الأساسي للدولة. وهذا يعني إن الدولة ليست التعبير العلمي لعقل الإنسان بل هي التعبير اللاهوتي والدوغمائي له، إنني أقدم تعريفاً جديداً ومنفرداً؛ إن الدولة كحضارة وجوهر هذه الحضارة هي التعبير اللاهوتي للمفهوم الدوغمائي الذي لم يتكون فيه الفكر العلمي في المرحلة البدائية للفرز الطبقي. وتقبع في اساسها دوغمائية الإيمان وليس العلم، وفي إطار هذا المفهوم فإن الدولة ربما هي اكثر أداة خارج عن العصر ولا سيما في أشكالها الكلاسيكية غير الشعبية، وسنرى في الأقسام القادمة بأن أهم الخطوات الهامة والتقدمية التي خطتها أوروبا بهذا الصدد ـ حتى ولو كانت محدودة ـ هي أنها منحت للديمقراطية مكانة في طبيعة الدولة، لكن ذلك لم يتحقق إلا بالنضال والمقاومة المريرة اللذين خاضتهما الشعوب والطبقات والقوميات والأفراد من أجل الحرية. توجد روابط وثيقة بين فكرة واعتقاد الدولة التي تطورت فيها المركزية والإله الواحد وبين فكرة واعتقاد الدولة والإله. وبقدر ما تجعلون الإله قوياً وغير مفهوماً وصاحب جميع الصفات ـ هذه الصفات هي خصائص الحضارة الأساسية ـ ولا يمكن الوصول إليها، فإنكم تجعلون الدولة والأقنعة الحضارية المختبئة فيها قوية وغير مفهومة ومخيفة ولا يمكن الوصول إليها. إن هذه الخصائص هي في الوقت ذاته خصائص الملوك أيضاً. إن جوهر تعليم الملك يكسب هذه الصفات أيضاً، لأن هذا هو ما يليق بممثل الإله. لقد كان الطوطم هوية ملخصة للمجموعات الاجتماعية مثلت قبل المجتمع الطبقي؛ أي بشكل آخر كان نسبها. ولم يكن مخيفاً لعدم وجود طبيعة استغلالية للمجتمع، وهو ليس إلهاً، لقد غيّر الطوطم مكانه من الأرض إلى السماء بعد أن بدأ الصعود إلى منزلة الإله مع تطوير الطبيعة الاستغلالية من قبل زعماء القبائل وتجرد الطوطم من صفة القريب والممكن لمسه وغير المخيف وأكتسب صفة البعيد والمخيف والمحال الوصول إليه، وهكذا بدأت خيانة الفرز الطبقي ضد جوهره.

    لا شك أن تحليل الدولة كأداة معتمدة على السرقة والكذب يتضمن نقصاً كبيراً. ولا يمكن شرح ظهورها بهذه الخصائص فقط. إذ تظهر النوعية المتشابكة للمجتمع الطبقي والحاجة إلى تقسيم العمل الآخذ بالازدياد، والمسائل الأمنية، إلى تنسيق مطلق، وإن جعل الطبقة المستغلة الحاكمة نفسها ضرورية بحيث لا يمكن التخلي عنها بقدر ما جعلت الدولة إيجابية، لها علاقة قوية بظهور تلك الحاجات إلى الساحة. إن عدم تحليل الدولة بشكل صحيح ناتج عن خصائص هاتين الطبيعيتين. وهذا ما يمهد السبيل لظهور تحليلات دوغمائية مزدوجة. لقد أصبحت جميع طبقات الدولة بتحليلاتها الإلهية والبيك المقدس وجهاً لوجه مع التحليلات الشيطانية والملعونة المناهضة لها، ان الدولة وفي وضع كهذا تصبح تعبيراً عن الهوية الاجتماعية التي لا يمكن تحليلها للمجتمع الذي مصالحها متناقضة وظهرت جوانبها الناقصة والزائدة. إن انشغال الدولة بالفكر والتطبيق منذ نشأتها وحتى الآن، لم يكن ناتجاً عن فراغ، لأن مصدرها إلهي. لقد تم رفض الإله حالياً في علاقات العلم والطبيعة، لكنها بعيدة عن تحقيق ذلك في المجتمع، بما أن الدولة موجودة فإن الإله أيضاً يتواجد في مكان تواجد الدولة.

    3ـ هناك مسألة تتطلب الحل عندما نبحث في الحضارة السومرية. فإن المثيولوجيا وعلم الإله ـ تيولوجية بالإغريقية والإلهيات بالعربية ـ الذي نتج عنهما تحليلات "كارل ماركس" للدولة والنقد على الأقل، لقد قدمت النظرية الماركسية مساهمات قيمة للعلمية، لكن تقييمها للقوة الإيديولوجية الموجودة في جذور الدولة عبارة عن انعكاس بسيط ويعتبر نقصاً جدياً وخطيراً في نظريته، إن مقولته عن الدين بأنه "أفيون الشعوب" وكأنه أمر بسيط وعادي هو أحد الأسباب التي أدت إلى عدم نجاحه، وبرأيي فإن اللاهوت يتطلب تحليلاً بمقدار ما يتطلبه تحليل "النقد" و"الدولة"، ويظهر الواقع السومري ذلك بشكل مذهل، ومن أجل تحليل الحضارة السومرية، عليكم تحليل لاهوتيتها بكل تأكيد.إن علم الإله هو علم النضال الطبقي للسومريين، ولا يمكن تحليل الإيديولوجية السومرية والعالم القديم المستند إليها، دون تحليل الأثر الاجتماعي لعلم الإله بما فيه مصطلحاته ونظرياته، ولا يمكننا حل البنى الذهنية والأدبية للمجتمعات الكلاسيكية والعصور الوسطى وحتى مجتمعات يومنا هذا بدون تحليل الأديان التوحيدية، وهناك في ذهنية سائر المجتمعات اثر دافع للدين.

    ولا يمكننا إقامة مجتمع إيجابي يعتمد على أسس علمية دون التنقيب والكشف عن هذا الأثر. وأن النقص والخطأ الكبير في "الاشتراكية المشيدة" والتي فكرت بتحليلها فيما بعد، هو عدم تناولها الميدان التاريخي والإيديولوجي للمجتمع، ونظرتها الأحادية الجانب في تحليلات الدولة. كما لا يمكن شرح الواقع الاجتماعي بشكل كامل بالاعتماد على تحليل "النقد" ورأس المال، بل أن ذلك يؤدي إلى الوقوع في حضن النمط الآخر من المثالية والذي انتقدها كثيراً، تماماً مثل تسليم "الاشتراكية المشيدة" نفسها إلى حضن رأس المال، وكأنه لا مفر من أن يأخذنا الفكر الماركسي الناقص إلى ذلك بسبب النقص الذي حاولنا شرحه.

    مثلما ان قوة النمط اللاهوتي للإيديولوجية لا تقل أهمية عن النقد، فأنها ليست أقل من قوة الدولة أيضاً، والأكثر من ذلك، أن جميعها "الثلاثية" متداخلة، وقد لا يوجد في التاريخ كله أي ثلاثي متداخل إلى هذه الدرجة وامتلك إمكانيات تشكيل أكبر قوة موجودة. ولا يشبه ذلك علاقة "الأب والابن والروح القدس" بعض الشيء فحسب، بل هو نفس التكوين؛ فإحداها تسير نحو المادية والأخرى نحو المعنوية، وقد كان هذا الثلاثي ملتحماً عند السومريين، إذ تخلق قوة الدنيا من إحدى هاتين الثلاثيتين، وقوة الآخرة من الثلاثية الأخرى. وكان السومريون، الذين نعتبرهم بدائيين، لا يعتقدون بهذه السفسطة، لكنهم كانوا يعرفون الإفادة منها، لأنهم أوجدوها. وإنه لمن الغريب أن يصبح المفرطون في التعصب الديني والمتعصبون الدينيون، رجال وأصحاب العلم في يومنا هذا. إن إنسان العلم في حضرنا بعيد عن اللاهوت السومري إلى درجة بعد الإنسان السومري عن العلم في يومنا هذا. إن السفسطائية هنا هي إضافية، ولكن الواقعية موجودة في الطرفين. وما من سبيل آخر سوى البحث لإيجاد ووضع كل شيء في مكانه المناسب، ومثلما لا نستطيع تعريف الابن دون الأم، فإننا لا يمكننا تعريف العلم دون اللاهوت أيضاً.

    هنا لا يوجد دعوة للاهوت، فالعلم كان مسؤولاً عن عدم منع سقوط ملايين ضحايا الأنظمة الدوغمائية، وأصبح في موقع الساحرة التي ذهبت ضحية سحرها، لأنه لم يستطيع تحليل الدولة والحضارة، إلى جانب عدم تحليله اللاهوت أيضاً. فإذا ما حلل منظروا المجتمع العصري الذين يدعون بأنهم يستندون إلى العلم، جوهر الجوانب المؤثرة والمتداخلة في بعضها البعض لمثلث اللاهوت ـ الدولة ـ النقد، وصاغوا مشاريع اجتماعية انطلاقاً من تحليلاتهم بشكل متوازن، حينذاك قد يصلون إلى أهدافهم ويخلصون أنفسهم من تأثير سحرهم المدمر. إن المواضيع التي سأتحدث عنها في الأجزاء القادمة، تبدو لي هامة جداً.

    4 ـ عند تقييم المجتمع الطبقي السومري ضمن مصدر تاريخ الحضارة التي أدى إليها، نرى أن هناك موضوعاً هاماً، وهو تأثيره على العلاقات الموجودة بين العلم والفلسفة والمثيولوجيا والدين. هناك إدعاء يقول: إن العلم والفلسفة قد تطور مع الحضارة وهناك رأي مضاد لهذا الإدعاء، وهناك إجماع عام على إن الاخترعات التي حدثت بين الألفية السادسة والرابعة قبل الميلاد ـ ثقافة تل حلف للمجتمع النيوليثي ـ لا يمكن مقارنتها إلا بالاختراعات والتكنولوجيا التي أوجدت اعتباراً منذ القرن السادس عشر بعد الميلاد. إنه ليس صحيحاً تقييم المجتمع الطبقي كمصدر للاختراعات العلمية والتقنية، بل أن الحضارة السومرية قد أثبتت أن اغلب التراكم العلمي والتقني قد تحقق قبل المجتمع الطبقي وأن الهيمنة الإيديولوجية للدولة قد لعبت دوراً متزمتاً، وإن الاختراعات العلمية والتقنية التي أضافها السومريين إلى هذا التراكم محدودة، وأكثر ما حققوه هو احتكار الزراعة والغنى العلمي والتقني للمجتمع وتكوين الهيمنة الإيديولوجية عليه، لقد جعلوا العلم مثالياً كخصائص الآلهة وكـ لطف "خير" منهم لخادمهم الإنسان وليس كثمرة من ثمار التقنية وعمل الإنسان وتطبيقاته العملية، وأن ذلك لهو أكبر تحريف للتاريخ. إن قوة المغالطة الإيديولوجية التي حققها الكهنة السومريون في تاريخ المجتمع الطبقي ربما لها دور كبير في قيام الدولة وهيمنة الطبيعة الطبقية للحضارة، وربما كان بإمكان العلم والتقنية والفلسفة تحقيق التطور الأسرع والأكبر مع التطبيقات العملية للإنسان في الإنتاج الحر لولا تحويل هذا التحريف بواسطة الميثولوجيا والدين السومري إلى هيمنة إيديولوجية ومغالطة إلى هذه الدرجة. إن المثال السومري التاريخي الأول يكسب الأهمية من هذه الزاوية، وذلك لعدة أسباب: فعندما يكون مستوى الحرية في العلاقات الاجتماعية أكثر ملائمة للإبداع في العلم والتقنية والفلسفة، حينها ينخفض مستوى العلم والفلسفة، أي تلقي المعلومات الصحيحة حول الطبيعة والتحليل العام بشكل جدي كلما تطورت المغالطة الإيديولوجية والضغوطات. يشكل انقطاع أحد القطاعات عن الإنتاج كلياً واستعباد القطاعات الواسعة كقطعة من آلة في المجتمع الطبقي، مصدراً لكل الدوغمائيات الإيديولوجية.

    هذا هو الدور الطاغي لطبقة الكهنة عبر تاريخ الحضارة. ففي الوقت الذي يقدمون فيه وسيلة الجنة والجحيم المزيفة والإله الشديد العقاب إلى الإنسان والذي أقحم في المأساة، ويجعلون ذلك اكثر تأثيراً ويضيفون عليه صفة الديمومة، فإنهم يؤمنون لأنفسهم ولقوى المصالح المادية للإدارة والمرتبطة بهم، كل شيء حسب المرحلة وبدون عمل، إن الوسيلة التي يلجؤون إليها من أجل تحقيق ذلك، هو تطوير التصورات الذهنية للهيمنة، أي الميثولوجيا والدين بشكل دائم لصالح النظام الحاكم. ولقد أصبح فئة الكتاب والمثقفين والأكاديميات المتطورة مركزاً للإنتاج بعد أن كانت المعابد تقوم بهذا الدور، وظهور نظام الأكاديميات للفلاسفة في الحضارة الإغريقية الرومانية. ونرى بزوغ النمط الأول للأكاديميات الأدبية "Edduba" في نيبور " Nippur" التي كانت مركزاً ثقافياً عند السومريين. وقد أدى هذا التطور إلى إقامة أول جامعة في التاريخ.

    يجب ألا نذهب بأفكارنا من خلال هذا التقييم الى أن الدين يساوي الطبقة الحاكمة أو الدولة، فلا شك أن عدة مفاهيم دينية بدائية كانت مهيمنة على مفاهيم الطبيعة المسيطرة على المجتمع في تلك المرحلة، وخاصة إن المفاهيم الطوطمية القبلية كانت تأخذ المفاهيم الدينية لعهد الأمومة وعهد الأبوة أساساً لها، ويمهد المعتقد الروحاني العام الأرضية الاجتماعية اللازمة لكل أنواع السحر، والتي تحيا بعيدة جداً عن المفهوم العلمي للطبيعة. ومع ازدياد صراع المصالح بعد تطور المجتمع، يزداد انقسام الدين والميثولوجيا لصالح النظام الاستغلالي والحاكم، وتصب طبقة الكهنة الجديدة اللعنة على مفاهيم الدين القديم ولا سيما السحر وتحرمها، وتبشر بعمليتها على أنها ثواب وقدسية، وبالأساس فإن الانقسام الاجتماعي بهذا الشكل يلعب دوراً رئيساً في أساس الصراع القائم بين الشيطان والأشياء، وتظهر الميثولوجيات السومرية ذلك بشكل واضح، إن المغالطة أكيدة بالنسبة لتلك المرحلة، لكن عندما ننظر إلى حاضرنا، ندرك بأنها ذات طبيعة طبقية، وخاصة إن طرد آدم وحواء من الجنة، هو التعبير الميثولوجي لبداية الفرز الطبقي، وتعبيرها الميثولوجي مذهل وشاعري، ولا أرى حاجة لأقتبس القصة، أن صراع قابيل وهابيل يعبر عن المنازعة بين الزراعيون والرعويون.

    يتم طرح ضعف موقع المرأة بتعبير ميثولوجي شاعري، وعلى شكل فقدان الآلهة لمكانتها وأهميتها مع مرور الزمن ضمن المجموعة الإلهية "Pantheon" إن المرأة في الأديان التوحيدية والتي تعتبر خطوة إلى الأمام، تحتل موقع جنس مستثمر عثر على وتعبير للأيديولوجية ولاستعبادها في المجتمع، فمن أي زاوية نظرنا إليها نجدها قد انزوت على نفسها وعقدت لسانها وأوصدت فمها، حتى أنه لم يبق أثر من عهد الالهات، وأعلنت المرأة مذنبة لأنها أغوت آدم بالخطيئة الأولى في ماضيها وأصبحت المسؤولة عن ذلك، وتم جعل التفوق المذهل لصالح الجنس الذكري مشروعاً وذا سيادة بواسطة الميثولوجيا والدين النابع منها، لقد سما عهد الرجل على جميع المستويات حتى أضحى الممثل المقدس للدين، ويجري تطوير تاريخ عبودية الجنس بخبث، وعندما ننظر إلى الميثولوجيا السومرية، نرى أن الأب "أنكي" يـطور هـذه المسألـة بطريـقة وفـاق ذكـيـة، لكـن إلـه بابـل مردوخ قـد وجـه ضـربات قـاضـية للآلهة الأم "تياماتTiamet"" وتتمتع ملحمة خلق بابل "Enuma Elis" أهمية كبيرة وهي ذات اتجاهين، فقد توضحت الطبيعة المطلقة للملكية من خلال تشريع حمورابي للقوانين تدويناً، ولها أهمية تاريخية هذا من جهة، ومن جهة أخرى أظهرت القوانين الدينية قواعدها التي لا يمكن معارضتها في الميثولوجية السومرية، وهذا يمثل مرحلة متقدمة في العبودية الطبقية والجنسية وأدت إلى تمأسسها، وفتح الطريق أمام السلطة المطلقة بطريقة منظمة مع الإله، إن سجن المرأة بشكل دائم في بيوت خاصة وبيوت الدعارة وفرض العبودية عليها بعمق قد تحول إلى عملية تمأسس وتشريع.

    ففي الوقت الذي تراجعت فيه مرحلة الأديان ذات الآلهة المتعددة، فإن الأبواب في جغرافية وثقافة الشرق الأوسط فتحت على آخرها أمام تاريخ الأديان التوحيدية التي تمثلت بجد الأنبياء إبراهيم الخليل، في الوقت الذي تراجعت فيه مرحلة الأديان ذات الآلهة المتعددة.

    عند تطوير هذا التقييم لا يمكن القول أن دور السومريين كان سلبياً، بل يعكس الطبيعة القانونية لتطور أحداث الطبيعة بشكل رمزي حتى لو لم تكن علمية، ولا أريد أن أقّيم فكرة الإله بطريقة طوطمية وصنمية بسيطة ولا أراها هكذا، فإنني على قناعة بأن تحليل النظام الكوني لفكرة الإله الذي يسمو ويرفع إلى السماء ويتفرد مع مرور الزمن، كمرحلة أولية بدائية للنظام العالمي وللنظرية النسبية العامة والخاصة في الوقت الحاضر، سيصبح اكثر صواباً. لكن يجب التأكيد على أن ذلك يعبر بالأساس عن الدور البارز للعلاقات الطبقية. وان التعبير العلمي لعالم القوى الطبيعية والمجتمع الذي هو قسم منه معاً، في تطور دائم. ففي الوقت الذي تسير فيه الحضارة السومرية ذلك لمصلحة الطبقة الحاكمة ضمن خط الدولة الرسمي بالميثولوجيا التي طورتها بقواعد الدين القطعية والمتزمتة اكثر منها، فإن مكانة الفئات التي مصالحها متناقضة وتتنكر لذلك تمتلك دوراً كبيراً في تطوير الفلسفة والمعلومات العلمية، حتى لو وجه لها اتهام من قبل السلطات الرسمية تحت أسماء مختلفة كـ "الشيطان" و "السحرة". إن تقييم التطور الميثولوجي اللاهوتي والفلسفي والعلمي لكلا الطبقتين الاجتماعيتين وبجوانبه التقدمية والمتعصبة وبطبيعته المتناقضة، له أهمية لا يمكن التخلي عنها خلال القيام بتحليل حضاري صحيح.



    ...
    التعديل الأخير تم بواسطة bahzani3 ; 11-12-2013 الساعة 20:02

  6. #6
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة..ف1 التطور التاريخي وقضية الاسلوب في التوسع 1-5 عبدالله اوجلان








    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول التطور الحضاري والمجتمع العبودي د- التطور التاريخي وقضية الاسلوب في التوسع والانتشار 1-5






    عن الحوار المتمدن



    أجد من المهم تقييم أساليب تناول التاريخ على مستوى التعريف بسبب علاقته القريبة من موضوعنا. إن الأساليب التي نقيمها ليست مضادة للمادية الديالكتيكية والمثالية التاريخية، وصراع الأسلوب هذا بعيد عن ان يعكس جوهر التطور كما هو. وعدا ذلك، فإن الشروحات التاريخية على أساس الصراع الطبقي الممثل ببطل فردي لم تكن تلبي الحاجة، والمشكلة الأخرى المرتبطة عن كثب بهذه المشكلة هي التطور الاجتماعي والعلاقات التاريخية، وبالأحرى إلى أية درجة سيكون صحيحاً تحليل حضارة ومجتمع دون تاريخ وبتنحية مفهوم الزمن..؟ ويمكننا القول أن أغلب العلوم الاجتماعية هي دون تاريخ، ومثلما يقبل على أن التطور قد حدث بشكل مفاجئ، فإن كافة التحليلات الاقتصادية والقانونية والسياسية والعسكرية تجري على أساس هذا الافتراض وباسم العلمية المجردة، ومن جهة أخرى يستمر تناول المسألة بعلاقة جامدة ومجردة عند تعرض التطور الاجتماعي للمراحل التاريخية والانقسامات؛ وكأنها مستقلة عن المرحلة وأنه لا علاقة بينهما؛ تقوم المرحلة إما بإنكار المرحلة التي تأتي قبلها، أو تحرفها وتستخدمها كأداة من أجل آرائها الذاتية.


    بالنتيجة يتم خفض مستوى التاريخ إلى معاني ضيقة الى درجة يخدم تحديداته الذاتية. ومازالت مشكلة تقييم الواقع على أساس عدم تقزيم أو تضخيم ما أخذته كل مرحلة من مرحلة أخرى وما منحتهما لبعضهما وتشكيل أو عدم تشكيل إحداها دون الأخرى سارية المفعول في يومنا هذا، بهذا المعنى، وربما يكون صحيحاً القول الذي مفاده بأن مفهوم التاريخ العلمي مازال في مرحلة الحبو، وأرى تقييم رأيي من هذه الزاوية النقدية يكتسب صفة توضيحية. إن الآراء الكتابية ـ البيانية في مرحلة تلقي المعلومات الضيقة، خلقت نتائج خطيرة تبعد الأشياء عن جوهرها، وإن وضع الوصفات الجاهزة على الطاولة كتحليلات تاريخية واجتماعية قد جعل علماء الاجتماع الذين يعتبرون أنفسهم علميين أمام مسؤوليات كبيرة. ويجب أن نستخلص درساً من وصول آراء" الاشتراكية المشيدة" التي ظهرت على الساحة بادعائها العلمية، إلى نتائج مشابهة للمثالية الدوغمائية، ويكمن في أساس ذلك المفهوم، الذي يقول: أنا المركز، منذ السومريين، وتكون المفاهيم التي تصادق عليها المؤسسة السياسية القائمة بشكل قطعي، حتى تلك التي تعتبر بأنها علمية، أداة لإضفاء الشرعية على النظام، وإن الذي حدث لا يختلف عما قام به الكهنة السومريون، وربما قد يكون أخطر من غيره لأنه استخدم فيه معلومات علمية عديدة جداً. إن القيام بالتنميق والتضخيم والتكريم باسم العلم في عصر العلم، يخرب المجتمع أكثر من الآراء الميثولوجية واللاهوتية، فإذا كان الدين والميثولوجيا أفيون الشعوب فإن العلم المزيف هو طعنة خنجر في جوهر المجتمع، وبمقدار سهولة تجاوز التأثير المخدر للأفيون كذلك تكون صعوبة ترميم الطعنة المميتة للخنجر.

    بلا ريب، ان السبب الأساسي لوصول الأنظمة القمعية والاستغلالية المستندة للعلم والتقنية في يومنا هذا، وإلى أبعاد كبيرة جداً، مرتبط بنمط خلق واستخدام العلم في الأساس أكثر من الأساليب التعذيبية، العلم وممثليه هم المسؤولون عن ذلك بكل تأكيد، ويكتسب جعل هؤلاء مسؤولين عن ذلك بكل تأكيد أكثر من مسؤولية الكهنة السومريين عن الدولة والحضارة السومرية، أهمية كبرى. ويتحمل نمط تكوين العلم وممثليه في عصرنا مسؤولية المشاكل الصعبة التي نجمت عن جميع الحروب ولا سيما الحرب العالمية الأولى والثانية وفي مقدمتها الفقر وتلوث البيئة وعدم المساواة بين الجنسين والتوازن النووي المدهش، والتكاثر السكاني والهستريا التكنولوجية، أكثر من المسؤولية التي يتحملها السياسيون وقادة الحروب.

    لقد فتح كهنة العلم الطريق أمام ذلك، ووقعت الجامعات في حاضرنا في اللامسؤولية على شكل تطرف وأنانية لا تقل عن المعابد السومرية والقرون الوسطى، إن توجيه الاتهامات القذرة للقرون الأولى والوسطى، وتعميد النفس بماء "الطرق العلمية" ليس له أي قيمة تنظيفية أو تعقيمية، وهذه ليست مبالغة، لأن جميع المقارنات تثبت أن الإبادة والتعذيب والجوع والمرض الذي تعرض له الإنسان في القرن العشرين يفوق جميع ما سببته القرون الماضية، وإن ذلك يثبت ما يلي: في الحقيقة إذا كان الشعور بالمسؤولية أمام التاريخ والمجتمع موجوداً، حينها فمن الضروري تمرير السلسلة الأساسية لعصرنا والطرق المستندة عليها والاختراعات التي حققتها ونمط العلم ولا سيما تطبيقاته، عبر النقد الذاتي الجذري، وإذا لم تتحقق تلك المهمة بنجاح، فإنهم لن يتخلصوا من المحاكمة بتهمة تسببهم بإساءة أكثر مما تسببت به طبقة الكهنة والسحرة، لذلك إن أول ما يجب القيام به، هو وضع الرؤية التاريخية والاجتماعية في مسارها الصحيح والالتزام بدروسها ونتائجها الأخلاقية الأساسية، لأن الطريقة المنحرفة والسحر الذي خرج عن السيطرة لا يؤذيان ولا يخلقان مأساة تتجاوز هيروشيما أو تشيرنوبل، إضافة إلى ذلك فإن رجل الدين أو الساحر ليسا أخطر من رجل العلم.

    أريد أن أقول: إن وراء كل تطور أدى إلى تخريب ومأساة، برنامج مشروع أعدّ خلف طاولة رجل علم لم يتساءل ماذا يخدم ومن يخدم، والذي أصبح بعيداً عن القيم المعنوية. ويوجد وراء ذلك مفهوم تاريخي واجتماعي معوّق ويحمل في طياته أخطاء كبيرة وبعيداً عن العدالة والمعايير. ولا يمكن للعلم أن يتخلص من النقد والاتهامات دون إيجاد حلاً لهذه المشاكل، لأن الحقيقة الموجودة هي النقد المحق بالذات.

    ان الأهمية التاريخية تكمن في استناد التطور التاريخي على السومريين، واستناد السومريين على المجتمع النيوليثي والذي هو مصدرهم، تتضح بشكل أكثر على ضوء هذا النقد، لأن تاريخ الحضارة يبدأ بسومر، ويستند السومريون إلى أكبر وأول موجة اجتماعية خلقها الإنسان، أي الثورة الزراعية القروية في وسط خصب يعتمد على عطاء الطبيعة لجبال تمخضت عن الفرات ودجلة والسهول التي تمر منها. لقد اعتمدت كافة الحضارات وعلى رأسها الحضارة السومرية منذ الألفية العاشرة قبل الميلاد على الروافد التي كانت تقدمها هذه المنطقة حتى لو كان على حساب جفافها. إنها الأم المنجبة للحضارة، والتي بدأ فيها التاريخ المدون والأرض والبشر، وتم فيها نقش المبادئ الديالكتيكية الأولى. إنني لا أؤكد ذلك بطريقة عاطفية أو بسبب وطنيتي. ومن الخطأ فهم ذلك بهذا الشكل. فأنا أظهر ذلك لأنه هام من أجل إنشاء الرابط الديالكتيكي للتاريخ بشكل صحيح من حيث الزمان والمكان، ولتأمين متطلبات النقد الذي تطرقت أليه بشكل مختصر والمتطور في يومنا هذا، والذي يظهر قبولاً بشكل عام، وأتوقف على ذلك مراراً بسبب الضرورة الحيوية للبدء الصحيح في تحليل الحضارة، ومن المعروف أنه لا يمكن تعريف أي تاريخ أو كيان اجتماعي إذا لم نضع بداية سليمة له، ولن يتخلص أي تاريخ أو مجتمع إذا لم يتم تعريفه بطريقة صحيحة من المخاطر ومن أن يكون مصدراً للأزمات.

    إذا كان مصدر التاريخ قد وضع صحيحاً، فهناك مسألة أخرى لها علاقة بالموضوع ويجب توضيحها بطرح أسئلة في غايةً الأهمية وهي: ألا توجد مصادر أخرى..؟ وإذا كانت موجودة، فإن السؤال كيف تكون العلاقة الموجودة فيما بينها يكتسب أهمية في هذا الموضوع، إن الخطأ الكبير الذي يقترف هنا هو طرح الأشكال الاجتماعية على أنها تطور بياني ولابد منه، وكأنها قدر يجب أن يتم. وبهذا المعنى، فما من فارق كبير بين المادية الديالكتيكية لماركس، والمثالية الديالكتيكية " لهيغل"، ولا شك أن مفاهيم الأصول لماركس وهيغل تكتسبان أهمية كبيرة في تحليل التاريخ بشكل صحيح، وهي بعيدة عن أن تصبح لاغية المفعول ، ولذلك فإن هذين الأصولين يجب أن يكونا المسؤول الأول عن استخراج الحقائق المتعلقة بتشخيص التاريخ والمجتمع.

    لقد ظل التشخيص في الدرجة الثانية بالنسبة للأسلوب، أو يكتسب قيمته التشخيصية بمقدار ما يخدم الأسلوب. إن غض النظر عن الاتجاه الأساسي ومحاولتهم جعل أدق التفاصيل الخاصة بتشخيص "فرعاً علمياً" لاسيما عند الوصول إلى القرن العشرين، أو قولهم بأنه ليس "موضوعاً للعلم" وجعله في الدرجة الثانية قد حوّل رجال العلم إلى " سفسطائيي العلم"، ولاشك أن ذلك يعود إلى عدم خروج الجامعة ورجل العلم عن دور المعبد والكاهن. إنني أؤكد على شيء يجب ألا نغض النظر عنه وهو أنه حتى لو تم تجاوز الأنانية المركزية على المستوى الفردي في عصرنا، إلا أنها على المستوى المؤسساتية لا زالت رجعية وغير متقدمة من جوانب كثيرة على العصور الوسطى والقديمة وتشكل خطراً أكبر على أخلاق المجتمع.

    إن "الاشتراكية العلمية" التي تدافع عن كدحها والتي تمثل المساواة، والتي تظهر وكأنها المالكة الأساسية للعدالة والرأي العلمي، لا تزال بعيدة عن امتلاك صفتها هذه. والإثباتات على ذلك، هي الأزمة الأخلاقية واللاعدل اللذين وقعت بهما، واللذين أدت إليهما "الاشتراكية المشيدة"، ولا شك أن ذلك هو الانتقام الناتج عن عدم تناول التاريخ والمجتمع بشكل عادل وصحيح. وإنني أوافق على الرأي الذي مفاده: إن التاريخ والمجتمع هما كائنين عضويين حي، وإنهما سيردان حتماً، عاجلاً أم آجلاً، بالمثل على الذين يحللونهما بشكل خاطئ، وينكرونهما، وسيوجهان لهم الصفعة التي يستحقونها. لقد أظهر إسناد المشاريع والبرامج الاجتماعية إلى مخططات بيانية مجردة وآراء تاريخية خاطئة، نتائج أكثر مأساوية في عدة حركات اجتماعية كـ "الاشتراكية المشيدة" و" الفاشية الواقعية" وتمأسس الدولة. إن ما يبنى على أساس خاطئ سيشهد انهيارا حسب مضمونه إذا لم يتم الترميم اللازم في المكان والزمان المناسبين، ولن يشهد أي عصر صحة هذه القاعدة أكثر من عصرنا.

    إن المصادر الأخرى التي تغذي التاريخ متنوعة، وهناك ثقل قوى مختلفة. وإن المشكلة الأساسية هنا هي المصدر الأساسي للمجرى، وقوته الإنجرافية والتغذوية، إن الأنهار والبحيرات الصغيرة ليست مفيدة كثيرةً بمفردها، لكنها عندما تتجمع بنفس القناة ويتم تحويلها إلى شكل سد، تكون بذلك قد تحولت إلى طاقة يمكن استخدامها، وللتاريخ مشكلة كهذه أي أن يكون نهراً أساسياً. إن التطور التاريخي ليس عبارة عن أنهار وبحيرات، لكن هناك تواريخ تكون هكذا. وهناك حقيقة ألا وهي: إن المصدر الأساسي يمكن أن يتكون من خلال إجبار المصادر الأخرى لتكون رافداً ومغذياً له، أو يتم تجفيفها عن طريق تركها لوحدها. لقد جاء النهر الأساسي للمجرى التاريخي إلى حاضرنا من خلال التغذية من عدة روافد، وهو مثل مجرى النهر الذي يكبر ويتسرع مع مرور الزمن، حتى لو هدأ وأحيط بدوامات مائية في الماضي. إن تحديد الوحدات الاجتماعية وكيفية مساهمتها الزمانية والمكانية في هذا المجرى هو المهمة الأساسية للمؤرخين، ويصبح من السهل تحديد البقاء خارج التاريخ بهذه الطريقة. ومع أن النقاشات المتعلقة بالتطور سواء أكان خطاً مستقيماً أم حلزونياً، هامة جداً إلا أنها تبقى في الدرجة الثانية بالنسبة للأسلوب.

    من الواضح أن لرأينا هذا علاقة عميقة بالإنسانية. وعلينا أن نعلم أن المجتمع الذي يدعو نفسه بأنه أكثر قومية، هو المجتمع الذي يجب أن يتغذى من التاريخ أكثر من غيره، والمثال النموذجي على ذلك هو المجتمع اليهودي، إن هذا المجتمع الذي يعتبر أكثر قومية من جميع المجتمعات عبر التاريخ والذي يرى نفسه بموقع مميز وفوقي، هو في موقع مجتمع تغذى من المصادر الأساسية للتاريخ أكثر من غيره. إن اليهود مجتمع تغذى من السومريين والمصريين والإغريقيين والرومانيين والأوروبيين وأمريكا التي يمثلها أكثر من باقي المجتمعات من جهة، وهم المجتمع الذي يقوم بواجبات تلك التغذية عن طريق المشاركة بمعرفة معها من درجة ثانية. بهذا المعنى فإن التاريخ اليهودي يمتلك حظاً بحيث أضحى عاكساً للخاصية المتداخلة للعام والخاص بطريقة مذهلة في هذا الإطار، وهناك ارتباط وثيق أيضاً بين امتلاك المثقفين من أصل يهودي دوراً في العالم وبين المشاركة التاريخية ومعرفتها، ويستمد المجتمع اليهودي قوته من هذه الوقائع.

    إن النتيجة الأخرى لموقفي هي ضرورة إعطاء قيمة بحسب الواقعية التي تستحقها ومثلما يكون التاريخ كلياً، هناك قيمة لكل جزء موجود في الكل، ولا يمكن إنكار قيمة أصغر مجموعة أو فرد عادي. وكما ينعكس التاريخ على المجتمع والمجتمع على التاريخ، فإن المجتمع ينعكس على الفرد والفردي على المجتمع أيضاً. وأرى أن كون النتيجة الأكثر أساسية التي ستصل إليها المادية التاريخية كتعبير للممارسة العملية للأصول الديالكتيكية على التاريخ في هذه المعادلة، له قيمة عقائدية علمية.

    أنني على قناعة بأنه من المهم والضروري تناول قضايا الأساليب بشكل أوسع في الأقسام المعنية حسب المواضيع التي سنتناولها.


    ...

  7. #7
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة ف1عصر دويلات المدن - العبودية في الشرق الاوسط 1-7 عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول التطور الحضاري والمجتمع العبودي و- عصر دويلات المدن - العبودية في الشرق الاوسط 1-7





    عن الحوار المتمدن

    إن دخول الأنظمة العبودية السومرية والمصرية مرحلة التوسع مثل بقية الأنظمة الاجتماعية المتفوقة بعد تمأسسها وإثبات ديمومتها هو ضرورة لطبيعتها. لقد واجهت المجتمعات القبلية التي لها علاقة مع هذه الأنظمة، وأصبحت تحت تأثيرها، والتي كانت تؤمن لقمة عيشها من الزراعة والماشية، تقلصاً في حياتها الحرة القديمة والذي ازداد مع مرور الزمن. فالقبائل الزراعية والرعوية والتي تكونت منذ الألفية العاشرة قبل الميلاد، تطور رد الفعل عندما أجبرت على اختيار أحد الخيارين تجاه التأثير: لقد سكنت الفئة التي تزداد فقراً في ضواحي المدن السومرية والمصرية كمصدر لقوة عاملة بدائية لكلا الحضارتين، وفي الحقيقة، إن الوثائق أيضاً تثبت بأنه عاشت مرحلة كهذا، ويفهم بكل سهولة من التوراة وعدة كتابات بابلية بأن المجموعات العبرية من أصل سامي في مصر، والقسيتية الآرية في سومر قد عاشت كقوة عاملة فقيرة بظروف شبه حرة تماماً مثل اليد العاملة ذات الجذور القروية والفقيرة وشبه الحرة التي تتوجه إلى المدن الكبرى في حاضرنا. أما المجموعات المتبقية التي كانت على الأغلب من القطاعات العليا والمتمايزة للقبائل، كانت تتكاثف في ساحات السيادة المحلية والتمدن كحلقات أساسية للقوتين المركزيتين وتعمل من أجل الرد على ذاك التأثير. وعندما تلعب هذه المجموعات في البداية دوراً مثل التجار الكومبرادوريين التابعين للمراكز الإمبريالية العبودية، فإنها تتابع الموديل المركزي مع مرور الزمن وتدخل إلى وضع دويلات المدن الصغيرة.
    من المؤكد أن هذه المرحلة عاشت في جغرافية الشرق الاوسط بوتيرة عالية مع مرور الزمن، وذلك ابتداءً من الألفية الثانية قبل الميلاد. لقد كانت بيبلوس واوغاريت في السواحل الشرقية للبحر الأبيض وقارقاميش وسامسات وإبيلا وأورفا وحران وماري في شمال سوريا في ميزوبوتاميا الوسطى، وهتوشا وقانس في الأناضول الداخلية وعيلام في زاغروس الشرقية هي الساحات السكنية التي ظهرت في موجة التوسع الأولى للنظام.


    لم تستطع المناطق السكنية في العصر النيوليثي تجاوز مرحلة القرية، لأنها كانت تستهدف الزراعة على الأغلب. بينما المناطق السكنية ذات الموديل الجديد تتحول بسرعة إلى بلدات ومن ثم إلى مراكز تدار بالحكم، كونها تعمل في الساحات التجارية على الأغلب وفي الصناعة بشكل جزئي في مناطق مرور استراتيجية. ومن أهم المواد التي بحثت عنها التجارة كثيراً، هي خشب الأرز الموجودة في جبال لبنان وطوروس، والخامات المعدنية. إلى جانب ذلك، فقد كان يتم إنتاج الصحون الفخارية والنسيج والكثير من المنتجات المهنية، بهدف التجارة الخارجية، وقد دخل النقد على الخط كوسيلة للتسوق والتبادل. وتأسس النظام الكتابي الذي وصل إلى درجة الرسائل التجارية وخاصة في المدن الفينيقية واكتسب طبيعة بسيطة ومستعملة، وإن قوة الكتابة والنقد والسوق للحضارة تزداد. وتطور عصر طبقة التجار البارزين، بمعنى أن الطبقة الوسطى كانت في حالة تكوينية في التاريخ كبنية للمجتمع الطبقي.


    عندما نقيّم الملك والكاهن والبيروقراطية الموجودة في المراكز الإدارية والإدارة، والطبقة الرفيعة المستوى في القبائل التابعة لهم معاً بالطبقة الأساسية العليا، فإنه يمكننا القول أن طبقة التجار والحرفيين " الطبقة الوسطى" التي تحقق استقلاليتها مع مرور الزمن حتى ولو كان بشكل ضعيف، وطبقة العبيد الواسعة التي بدأت تفقد روابطها القبلية، تميزان بنية المجتمع الطبقي في تلك المرحلة. ومما لاشك فيه أن هذا الفرز الطبقي الجديد ليس نقياً بشكل واضح. لكن ظهور أرضية اجتماعية مادية تعكس المصالح الطبقية في تكوين العمليات التاريخية، هو أمر مؤكد.


    هناك قضية تاريخية أساسية أخرى في هذه المرحلة تتطلب التحليل بعناية، وهي ظاهرة الكونفدرالية القبلية للبربرية العليا والتي يمكننا بمعنى آخر تقييمها كمرحلة أولية لدولة المدينة. وقبل التحضر، نرى بأن هذه المرحلة ظهرت عند المجموعات القبلية ذات صلة قرابة متطورة. ونرى أنه هناك سببان لعبا الدور في ذلك: أولهما لإزالة النزاعات الداخلية كما في الدويلات، حيث يتم فض الخلافات والصراعات بين القبائل، وثانيهما وهو الأهم لأجل التصدي للقوات الحضارية المعتدية والدفاع عن النفس وتحقيق مكاسب أكثر توازناً، شعرت هذه القبائل بحاجتها إلى الاتحاد. نستطيع تسمية ذلك بالمرحلة البدائية للتحول إلى دولة، وهي حالة عابرة حيث مازال يوجد عدم تمركز الجيش في مركز المدينة ولم تتأسس معابدها وبيروقراطيتها ولم تستطع خلق الطبقة الوسطى. ويمكن أن تتعرض للتشتت والانهيار في مواجهة أي تهديد خارجي أو داخلي في أي لحظة. وثمة تسمية أخرى لهذه المرحلة التاريخية وهي عصر البطولات، حيث عاش هذا العصر قبيل تكون الدولة المركزية العبودية، لدى السومريون والمصريون خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، وفي مرحلة بلوغ نضوج النظام العبودي لدى كل من الهوريون والحثيون الذين ينحدرون من أصل آري فيما بين 2500ـ 2000ق.م، والعموريون والكنعانيون ذوي الأصل السامي فيما بين 2000ـ1000 ق.م. وكذلك عاشوه كل من الإغريق ـ الرومان والهند والصين كمرحلة أولية للنظام العبودي فيما بين 1500ـ 100ق.م تحت الأشكال القوية والمؤثر لتلك المرحلة.


    تتطلب مرحلة الفيدرالية القبلية فهماً عميقاً. فالعشائرية والقبلية التي مازالت قوية في هذه الجغرافيا "الشرق الأوسط" تستمد قوتها من هذا التاريخ. لقد مرت لمئات بل لآلاف السنين عبر هذه التشكيلات، وأظهرت بطولات كبيرة. إن هذه المرحلة هي في الأصل تاريخ العشائر وبمعنى آخر تاريخ "البنى الأثنية".
    إن تاريخ الأقوام يأتي قبل تاريخ الدين والطبقة والسلالة بكثير. وتحتاج مشكلة تاريخ البنى الأثنية إلى الحل من أجل الوصول إلى مفهوم تاريخي صحيح، لقد منحت العصور الأولى والوسطى والقريبة لنفسها مشروعية كعصور السلالة والدين والقبيلة. إن المفاهيم التاريخية التي أصبحت رسمية في العصور الأولى، المستندة إلى السلالة والعصور الوسطى، المستندة إلى الدين والعصور القريبة المستندة إلى القومية، بعيدة عن عكس تاريخ المجتمعات المضطربة بشكل ملموس. بهذه المعنى، فإنه تم تحريف التاريخ إلى درجة أصبح فيها من الصعب وضع ثقل السلالة والدين والقبائل في مكانها. وبات إعادة تدوين تاريخ التاريخ من جديد أمر لابد منه. وإن كان لفرز التحريفات التي جرت على كافة الآراء إبتداءً من التضخيم وإلغاء الآخر والأنبياء وكتابة التاريخ بشكل خاطئ عن قصد……. الخ، من معنى (حكمة) فإنه دون إظهار تاريخ كهذا إلى الوجود، بات من غير الممكن إعطاء الحقائق حقها.

    يظهر "التاريخ الأثني" وكأنه يمتلك دوراً ذو أمدٍ أطول وأكثر واقعية من تاريخ الأديان والسلالات والقبائل حتى وإن لم نشاهد إلا القليل من الأسس المكتوبة بصدده. لقد شهد البناء الذاتي والموضوعي للبنى الأثنية "الأنظمة العشائرية والقبلية" أكبر تطوراته في العصر النيوليثي بالاعتماد على الزراعة والماشية غالباً. ونرى أن عدد المجموعات البدائية " Klan" والتي تعتبر المركز الأم والوحدة الأساسية لمرحلة المجتمع المتوحش، لم يتجاوز عددها المئات في أي وقت من الأوقات. وكانت حياة الترحال والإقامة في الكهوف سائدة، وعندما يكون المناخ والفصول قاسية، فكان عيشهم يعتمد على صيد الحيوانات وجمع النباتات، وكانت هذه المجموعات البشرية والتي بنيتها "الكلان" عاشت حتى نهاية العصر الجليدي الأخير عشرين ألف سنة قبل الميلاد تشبه بعضها، وكانت في مرحلة نظام صوتي محدود ولغة بدائية التي يغلب عليها جانب الإشارة.

    وكانت هذه المجموعات تمتلك مفاهيم دينية وذهنية طوطمية "هوية الكلان" وروحية، لقد مرت مرحلة التاريخ الإنساني بنسبة 98% عبر هذا النمط من المجتمع. وحينها لم تتكون خاصية أي دين أو سلالة أو قبيلة، وبالتالي تاريخ أي منها بعد. وقد انتقلت بعد مرحلة العبور المرحلة الميزوليتيكية والتي كانت ما بين 20 ألف و 10 آلاف سنة قبل الميلاد تقريباً، إلى العصر النيوليثي "القبائل البربرية". وأصبحت الزراعة وتربية المواشي المصدر الأساسي للمعيشة، والنظام القروي المستقر أساساً لها، حيث أضحى الترحال منكمشاً، وكان العيش على شكل مجموعة قبلية تربطها صلة القربى وأساسها المجتمع الأمومي، ويصل العدد إلى الآلاف أحياناً ولم يلاحظ أن العدد قد تجاوز الخمسة آلاف.

    إن شعور القبلية بالحرية كان قوي جداً، وكانت العبادات الدينية تتطور على أساس الإلهة الأم غالباً، وتوجد هياكل الآلهات الأم الصغيرة بأعداد كثيرة في جميع الساحات التي كانت مسكونة في هذه المرحلة وكانت المرأة تمثل غالباً بالقمر والكواكب وتمتلك قيمة كبيرة كالأم الطبيعية للقوى الطبيعية المحلية، وأن فهم ذلك ليس صعباً. إن المرأة بجهدها أبدعت الزراعة وروضت الحيوانات؛ وهي أيضاً أم للأطفال التي تلد، نالت قدسية كبيرة في التاريخ. وبمعنى آخر فهي القوة الخالقة للحياة. الطبيعة هي الأرض الأم، إن تمثيل الآلهة الأم للمرأة كقوة تكتشف منتوج الأشجار والنباتات والطبيعة، يمهد السبيل إلى عمق المعنى كطبيعة طبيعية. إن أهمية المرأة ـ الأم المتزايدة بشكل طارئ قد أدت إلى تفوق بارز على الرجل، وان كان دور الرجل قوياً عندما كان الصيد هو وسيلة العيش السائدة، لكنه بسبب تراجع الصيد إلى المرتبة الثانية، يلاحظ في هذه المرة ان الرجل قد ضعف كثيراً. إن تاريخ المرأة يعني تاريخ البقول والأبقار وأشجار الفواكه وأدخنة القرى والنسيج والطواحين الصغيرة، والنظام السائد كان أساسه الاحترام والمعتمد على الجهد والآلهة، وتاريخ أنظمة البيت التي تؤسس، والأطفال الذين يكبرون والمنتوجات التي تخلق بالجهد المنزلي، وهذا يعني تاريخ الانتقال من الإشارات البدائية إلى لغة غنية، وإلى المصطلحات التي تعتمد على وسائل الإنتاج والتي تعبر عن مغزى، وبالتالي إلى تكوين ذهنية الإنسان. إن واقع تحويل ظهور ونضج التاريخ الأثني إلى مصطلحات، يتمتع بأهمية بالغة. وعندما بدأت مرحلة حرث الأراضي واكتساب الرعي أهمية في الألفية الرابعة قبل الميلاد، أنكمش مكانة المرأة في الإنتاج، وبدأ دور المرأة ينحصر في البيت مع مرور الزمن، وأستمر ذلك إلى وقتنا هذا.

    بهذا المعنى، أهملت مكانة المرأة خلال تدوين التاريخ وتحويلها إلى المصطلح لتظل بعيدة عن الموقع الذي تستحقه، وهذا أمر مؤكد وغير قابل للنقاش. إن تكامل سيادة الرجل مع مرحلة الحضارة وإبعاد المرأة عن المؤسسات التحتية والفوقية للمجتمع الطبقي، يعتبر أساساً لكتابة "التاريخ دون المرأة". ونقدم هذا التحريف الكبير باسم التاريخ كنتيجة لللامساواة بين الجنسين.

    نحاول مع تقييمنا القصير والعام للبنية الأثنية، أن نبحث عن جواب لهذا السؤال: متى وأين قامت كونفدراليات العشائر ضد التطورات الحضارية وأين شهدت تطورها الطبيعي..؟ إن تاريخ الشرق الأوسط مرتبط بالإجابة الواقعية الصحيحة لهذا السؤال إلى حد كبير. لكن هذا الجانب أي الجواب منغمس في العتمة. رغم ذلك يمكننا تقسيم المراحل الأساسية للأنظمة القبلية في الشرق الأوسط إلى ثلاث مراحل:

    1 ـ مرحلة تطور الزراعة والرعي: هناك إجماع عام على أن مجموعة اللغة والثقافة السامية قد وجدت وتطورت في شمال أفريقيا والجزيرة العربية فيما بين 9000 ـ6000 ق.م، وذلك مع انتشار تأثير مجتمع العصر النيوليثي. ومن المعروف أن الشعوب ذات الجذور الآرية اكتسبت معنى كمجموعات أبدعت تأهيل الحيوانات والزراعة النيوليثية فيما بين أعوام 1000ـ6000ق.م في المساحة الجغرافية التي تسمى بالهلال الخصيب المركزي في السهول والأودية المحاذية لسلسلة جبال زاغروس وطوروس. وعند توحيد الدراسات الأثرية مع علم الأعراف فإن مجموعة الشعب هذه هي التي ابتدعت الترويض والزراعة وهذا أمر مؤكد. ونحن مدينون للسومريين بتسمية هاتين المجموعتين.

    2ـ التمأسس والعبور إلى النظام العشائري: إن المرحلة التي أدت إلى تمأسس دائم تحت اسم ثقافة "تل حلف" في الهلال الخصيب لعصر المجتمع النيوليثي، تعني المرحلة التي تشكلت فيها المجموعات العشائرية أيضاً. لقد لعبت هذه المرحلة التي استمرت 2000عاماً تقريباً بين عامي 6000 ـ 4000 ق.م، دوراً هاماً مثل مرحلة "الاختراعات الأساسية" التي أعدت الحضارة.
    إن هذه المرحلة بالأساس هي التي أعدت السومريين. لقد تميزت الآرية والسامية في المجالات التي شكلت تكاملاً اقتصادياً بينها عن بعضها، ودعت الحاجة الى إقامة وحدات عشائرية تختلف عن القبائل التي تشبه بعضها البعض. واستطاعت الوصول إلى حالة المجتمعات ذات الطبيعة العرقية من خلال كيانها الموضوعي حتى ولو لم تتكون المعرفة والعقلية العشائرية القوية. مثلما لعبت الظروف المادية والاقتصادية دوراً تحديدياً في الفرز الطبقي والمرحلة القومية، فإن الظروف المادية والاقتصادية والاجتماعية لهذه المرحلة قد حددت وأظهرت المجتمع العرقي والبنى العشائرية.


    3 ـ مرحلة التشكل الحضاري واستمرار عدة أشكال طبقية إلى يومنا الراهن: يمكننا تقييم هذه المرحلة التي يمكن أن نقول عنها أنها مرحلة مقاومة العشائر والتحضر؛ أي أنه يمكننا تقييم هذه المرحلة بالعصر الملحمي الشعري والتي تطور فيها الوعي العشائري بقوة، وعلى الجميع أن يعتبر نفسه فيها كفرد من العشيرة كشرط لابد منه. إن هذه المرحلة كانت مليئة بالحروب والتي يمكن وصفها بأشكال التصدي والاعتداء المعاند لاعتداءات قوى الحضارية المتطورة، والصراعات التي كانت تدور حول الأراضي والمصايف التي أصبحت هامة. "فمن أجل العيش، يجب أن تكون عشيرتكم قوية. ويجب أن تكون قبيلتكم وأسرتكم قوية في العشيرة أيضاً". إن هذا هو الواقع المادي الذي خلق الذهنية الجديدة. وبالأساس فإن اللغة الشعرية التي تشرح "الملحمة والقصة" والتي مازالت قوية في عدة مجتمعات، تعبر عن هذه المرحلة. وان المقاومة والاعتداءات المضادة والبطولة ضد الاعتداء الخارجية وصراعات العشائر الدائمة، تحتل مكانة هامة في تاريخ كل شعب. وقد ترك هذا التاريخ أثراً كبيراً على جميع المراحل الاجتماعية حتى القرون الوسطى والقريبة ـ عصر القوميات والشعوب ـ حسب ظروف المجموعات الاجتماعية ذات الجذور العرقية، ودون أن تفقد أي شيء من أهميتها. إن الاعتداءات الدائمة بين العشائر ذات القربى والجوار بمعرفة عشائرية تطورت منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد واعتداءات قوى الدول المختلفة، أظهرت قوة البنية العرقية للشرق الأوسط. وإن هذه الخصوصيات هي الحقيقة التاريخية الأساسية التي تقف وراء بقاء هذه البنى قوية إلى هذه الدرجة وديمومتها في جغرافية الشرق الأوسط. وكأن كل مجموعة عشائرية هي ذات قومية وسلالة، حتى أنها ذات دين من الناحية الذهنية، ولغة من ناحية لهجتها. فإلى جانب الشوفينية القومية، تستمد الشوفينية العشائرية مصدر قوة عاطفتها وعقليتها من هذا الواقع.
    عندما ننظر إلى منطقة الشرق الاوسط من حيث التقربات الصائبة والتثقف الأولي الضروري، نجد أنها تحيا وتحي مكانة بارزة في إنضاج المجتمع العبودي وتوجيهه نحو النظام العالمي منذ الألفية الثانية قبل الميلاد حتى القرن الخامس قبل الميلاد. إن الدور ليس ريادة في تأسيس وتمأسس الحضارة السومرية والمصرية فقط. ففي مرحلة النضج أيضاً، ان القيادة هي في جغرافية الشرق الأوسط بكل تأكيد. وقبل تقيمينا لهذه المسألة، لننظر إلى التطورات الحضارية الأساسية والتي ظهرت في مرحلة موجة التوسع الأولى:

    أولاًـ الحثيون: هم أصحاب حضارة عاشت بين عامي 1900 ـ 1200 ق.م كنتيجة للحركة الاستيطانية السومرية، والتي تطورت في آسيا الصغرى والمناطق الداخلية من الأناضول، وأخذت النمط السومري أساساً لها، وبقدر ما كانت مركزاً تجارياً هاماً، فإنها اعتمدت على الفوائد التي حققتها مصادرة المعادن الموجودة في المنطقة بمقدار ما كانت مركزاً تجارياً هاماً. وقد تحدت البابليين والآشوريين والمصريين، واحتلت بابل في عام 1595ق.م، وأبرمت اتفاقية "قادش" مع المصريين في عام 1243ق.م. ووصلت إلى بنية مركزية للرق بعد أن كانت في البداية على شكل كونفدرالية عشائرية، وأن تحضر الأناضول هو أثر للنظام الحثي إلى حد كبير. أما المجموعات العرقية التي جمعتها، فهم الخالديون "أجداد الأرمن" في الشمال الشرقي، والـهوريون "أجداد الكرد" في الجنوب الشرقي واللويين في جنوب وغرب الأناضول، وتمتلك المجموعات العرقية الثلاث بنية الثقافة واللغة الآرية، وإن احتكار المصادر المعدنية يشكل جوهر قوتها.


    وإن مفهومها الدفاعي يضع حماية المصادر المعدنية في المرتبة الأولى، وقد كانت على صراع دائم مع بابل ومصر اللتان تحتاجان إلى المعدن الخام بشدة حتى مع الكونفدرالية الهلينية والايونية والميتانية التي تطورت حديثاً. وتعتبر التطورات التي شهدتها صناعة النحاس والحديد تحت إشراف المجموعات العرقية التي كانت من أصل أرمني من أهم المساهمات في الحضارة. وكانت البنية الإلهية الثلاثية التي كانت تمثل السماء والأرض والتراب والتي كانت تستند إلى الميثولوجيا السومرية والمجموعات العرقية الآرية، أساساً لها. ومع تطور الملكية المركزية، فإن البنية الميثولوجية المعتمدة من قبل على تعدد الإله، تضاءلت ووصلت إلى بنية ثلاثية تعبر عن مصالحة كما كان في مثال سومر، ولم تستطع الوصول بعد إلى مفهوم الإله الواحد، تستمر الحرب بين الآلهة لفترة طويلة، ومازال موقع الآلهة قوياً بالوفاق. لكنها فقدت أولويتها منذ أمدٍ بعيد وتضاءلت أهميتها مع الزمن، ويطلق على ذلك اسم ثقافة الإلهة كيبلا"Kupapa" .



    مثلما شعرت روما عند تأسيسها بحاجتها إليها، فإن مفهوم اتجاه الصلاة والذي لازال يسمى بـ "القبلة " في الجزيرة العربية، يشكل أثراً للالتزام بهذه الآلهة. ومثلما حددت الحضارة السومرية والحضارة الحثية في الأناضول، فإن هذه الأخيرة وبخطوة ابعد منها أثرت على الحضارة الإغريقية والايونية في إيجة عن طريق مدن طراودة التي كانت مسيطرة على مضيق الدردنيل. بهذا المعنى فإنه في البداية سيلعب "العصر البطولي" والمستند إلى طروادة دوراً كبيراً، ويكمن أهمية طروادة التي كانت من أهم المراكز والأبواب لانتشار حضارة الشرق الأوسط بشكل عام، ومخفراً متقدماً للحثيين حتى الألفية الأولى قبل الميلاد، في دورها التاريخي الذي ذكرناه. كما كانت" كانيش" باباً لنقل حضارة ميزوبوتاميا إلى الأناضول، فإن "طروادة" كانت مركزاً لنقل هذه الحضارة إلى البلقان وشبه الجزيرة اليونانية، وأوروبا مع مرور الزمن. وكانت شهرة ملحمة "الإلياذة" لهوميروس ناتجة عن تناول قسم من حروب طروادة في مضمونها وموقعها الناقل للحضارة والتاريخ إلى أوروبا. وكان سقوط طروادة سيشكل بداية تاريخية جديدة.

    ثانياًـ الهوريون والكوتيون والميتانيون والاورارتو والميديون: إن ميزوبوتاميا الوسطى والعليا "لويجا كوندوانا" أو بالسومرية "هوريت" وتعني "البلاد المرتفعة" التي كانت واقعة بين الامبراطورية الحثية الأناضولية والإمبراطورية البابلية ـ الآشورية بعد السومرية، كونها في منطقة العبور من الشرق الى الغرب وتمتلك مناجم غنية بالمعادن، ومناخ يساعد على الري الطبيعي، وتمتلك أفضل الساحات الزراعية والمساعدة على تربية المواشي. وبهذا تلعب دور "الأم الخالقة" للتاريخ والمهد الذي احتضن نشأة التاريخ ولم يعد من الممكن التخلي عن دورها هذا. لقد مهدت هذه الخصوصية في الوقت ذاته السبيل أمام تحولها إلى منطقة احتلال ونهب من كل الاتجاهات وباستمرار. وعدم امتلاكها لبنية مركزية ومؤسسات دائمة رغم أنها الساحة الأساسية التي خلقت الحضارة، مرتبط عن كثب بخصائصها التي ذكرناها سابقاً. ولم تتخلص من أن تكون منطقة عبور معزولة. علماً أنه ليست ما من حضارة إلا وتغذت من هذه المنطقة. إن هذه الخصوصية تبين لنا أسباب عدم استخدام لغتها بقدر ما تصدر الحيوانات أصواتاً خاصة بها في يومنا.
    لقد عرفت البنى الأثنية الموجودة على هذه الساحة منذ الألفية السادسة قبل الميلاد. وظهرت مراكز الثورة الزراعية في نقاط التقاء الجبال التي تلتقي بروافد دجلة والفرات مع السهول. وقد أثبتت عمليات التنقيب التي أجريت بالمئات في التلال، على أن تشكل أسس مجموعة اللغة الهندية ـ الأوروبية كان في مراكز هذه الثورة الزراعية من خلال التنقيبات العرقية والأثرية. وقد أدى اتحاد مراكز التطور مع الخصائص الأساسية للمنطقة إلى قيام الأنظمة القبلية والعشائرية كبنى قوية وصلبة. إن اندماج خصائص البنى الأثنية المذكورة مع حركات الاحتلال والاستيلاء للقوى الحضارية المركزية الموجودة في الأطراف، لا يتيح الفرصة للتمركز كساحة حضارية بسهولة.


    وعلى ضوء هذا الموقف العام، نرى أن العشائر الهورية والعشائر المشابهة لها والتي تجمعها صلة القربى، قد استطاعت تشكيل كونفدرالية بين عامي 2000 ـ 1500 ق.م ولكنها لم تستطع التمركز أو إحراز التقدم كالحثيين. وكان الهوريون على علاقة دائمة مع الحثيين والمجموعتين اللوية والخالدية اللتين كانتا تشكلان أساسهما الاجتماعي. ولعبوا عن طريق التجارة دور أول حلقة في نقل تأثيرات السومريين والبابليين والآشوريين إلى الشرق والشمال ولان أصحاب العصر النيوليثي كان لهم علاقات قربى بسبب الجوار مع السومريين نجد في بنى لغاتهم وكلماتهم ما هو مشترك، وهناك إجماع عام على أن هذا قد تطور في مرحلة مبكرة في حين لا يزال السومريون في مرحلة التكوين. وكانت ساحات المدن السومرية والساحات الزراعية الهورية تعيش بحالة تحالف طبيعي. ونرى وجود أثار هذه الحقيقة بقوة في ميثولوجيا الآلهة "إنانا" وملحمة "كَلكَامش". ويعني ذلك أن الحضارة المركزية للهوريين وكأنها سومرية. ولم يشعر الهوريون بشكل قوي لإنشاء مركز آخر. لأن المفهوم الذي يقول أنه لا داعٍ لبناء مركز جديد في الوقت الذي يوجد فيه مركز قريب يلبي هذه الحاجة وقوي جداً، ونعيش أثر هذا المفهوم بشكل قوي إلى يومنا هذا. وأن الدور الذي يلعب، هو على شكل مقاطعة وحكم ذاتي وفيدرالية للقوى السياسية ذات المركزية الموجودة في الجوار. ويفهم أن هذا الواقع الذي يعاش اليوم في هذه الساحة، يعتمد على أساس كان موجوداً في بدايات التاريخ.


    إن الكوتيين مجموعة عرقية أخرى ذات جذور آرية تعيش شرق السومريين في سفوح جبال زاغروس، وكانوا يتحركون كحليف لأحد الأطراف عندما كانت دول المدن السومرية ذات رأسين. لقد لعبت الاتفاقية التي أبرمت على أساس التعاون الذي جرى مع عدد من إداريي دول المدن السومرية دوراً في انهيار السلالة الأكادية السامية. وهنا سيصبح التاريخ دائماً حتى يومنا هذا شاهداً على اتفاقيات مشابهة. تعني كلمة كوتي"العجل أو الثور" وتعني باللغة الكردية الحالية "الشعب الذي يمتلك الثيران" وتمتاز البنية اللغوية للسومريين بمصطلحات على هذا الشكل.
    لقد أسست السلالة الكوتية فيما بين عامي 2250 و 2150ق.م، سلالة لمدة 100 عام. ولأدارت هذه السلالة حكمها على الأرضي السومرية، وبعدها قام قسم من إداريو دول المدن السومرية في هذه المرة بالاتفاق مع العموريين ذوو الجذور السامية "العموريين Amorit وتعني باللغة السومرية الغربيون" بدحر هذه السلالة.


    أما القيسيتيين فقد كانوا مجموعة ريفية كادحة وفقيرة جاءت من الريف الجبلي للمناطق الشمالية والشرقية، وتعيش في بلاد سومر. ولعبوا دوراً هاماً في تغيير السلالة في بعض الأحيان من خلال توحيد قواتهم. ويمكننا التحدث عن الدور القيسيتي في احتلال بابل من قبل الحثيين والميتانيين في عام 1595 قبل الميلاد، وخلقوا لأنفسهم نمطاً خاصاً بهم في الميادين الثقافية البيروقراطية. ونجد أثر لذلك لدى الوزراء البرمكيين ذوو الجذور الإيرانية في الإمبراطورية العباسية وفي وزارة نظام الملك في الإمبراطورية السلجوقية، ويعود تاريخ هذا النوع من البيروقراطية إلى القيسيتيين.
    أما الميتانيين فهم في موقع فيدرالي أقوى بعد التجربة الهورية الكونفدرالية. ويفهم من اللوحات الأثرية المكتشفة بأن فيدراليتهم كانت تمتلك مركز مدينياً اسمه "واشوكاني "Wajukani" في المكان الذي ينبع منه نهر خابور. وكانت اللغة الهورية متداولة في ميزوبوتاميا الوسطى غالباً أي انهم حكموا في مدينة أورفا وماردين وشرناخ في الحاضر. وعاشت بين عامي 1500ـ 1250 قبل الميلاد. حيث احتكروا مصادر الحديد واشتهروا بتربية الخيول. وعاشوا جو قتال دائم مع الآشوريين والحثيين، وفي النهاية قضى على وجودهم بشكل مؤقت الإمبراطور الآشوري "سلمانا أسار" .Salmanassar .


    أما اورارتو "تعني الأماكن المرتفعة باللغة السومرية" فهي جزء حضاري هام تمركزت على ضفاف بحيرة وان. وتستند إلى المجموعات الأثنية الهورية والخالدية. وقد أكتسب الخالديون ثقلاً مع مرور الزمن. والاحتمال الأقوى أن يكون الخالديون هم أجداد الأرمن. وكانوا يعيشون في المناطق الشمالية للدولة. ومن الملاحظ أنهم كانوا يعتمدون على مئات العشائر ذات الجذور الهورية، وقد حولوا فيدراليتهم التي كنت مترامية في البداية إلى دولة مركزية. وعاشوا بين عامي 1000 ـ 700 ق.م. وتعرضوا لاعتداءات مخيفة من قبل الآشوريين، بسبب امتلاكهم المصادر المعدنية ومراكز تربية الخيول وأخشاب الغابات. ولم يسمح الملوك الآشوريون الذين كانوا يمتلكون تكنولوجية حربية قوية في هذه المرحلة ببروز أي شعب آخر من الشعوب. ولذلك يمكننا أن نفهم من تحول الخالديين إلى هدف كبير لأنهم القوة الوحيدة التي وقفت في وجه الآشوريين. لقد أظهروا مهارة في إنشاء أطول قناة للري يبلغ طولها "56 كيلو متر" لأول مرة في التاريخ وإنشاء السدود. وكانت لغة طبقة النخبة خليط متعدد. وكانوا يدرسون النصوص السومرية المقدسة في نظامهم التدريسي. وكانت اللغة الآشورية تحتل موقعها ضمن لغة الدولة. ومثلما حدث في جميع الأماكن الأخرى، فإن بنية اللغة والثقافة السومرية تواصل تأثيرها القوي. أما لغة العشائر فهي مختلفة وغير مدونة. وتعد هذه المسألة واقع المنطقة الذي يستمر وجوده حتى الآن. كانت العشائر بموقع ناقل اللغة والثقافة الشعبية المحلية في الوقت الذي كان فيه الإداريون الحاكمون والمتعاملون ينقلون اللغة والثقافة الحاكمة.


    وفيما بعد الأورراتيون بقليل، تقوم فيدرالية العشائر الميدية ذات الأصل الآري في الشرق والتي هي استمرار للكوتيين بإقامة تحالف مع البابليين وتدحر الإمبراطورية الآشورية في عام 625 ق.م. لقد تفوقت بابل مرة أخرى ولآخر مرة. لقد لعبت الفيدرالية الميدية المترامية دوراً انتقالياً من أجل أعيان "أقها مينيت"Akhamenit المتصاعدة التي كانت ذات جذور بارثية ـ آرية. ودخلت السلطة السياسية إلى يد الأرستقراطية البرسية التي كانت متكاثرة وكثيفة العدد في جنوب شرق إيران لأول مرة في التاريخ بعد انقلاب القصر الذي قام به "كيروس"Kiros ابن شقيق الملك الميدي "أستياك"Astiyag ونتج عن ذلك بعد فترة قصيرة تأسيس الامبراطورية البرسية المركزية والقوية في عام 550 ق.م وإنهاء الفيدرالية.

    ثالثاً ـ التحضر في شرق الأبيض الأوسط: ان منطقة شرق الأبيض الأوسط هي المنطقة التي تعرضت للتأثير المبكر والمشترك للحضارتين السومرية والمصرية:


    الأساس الميزولتيكي والنيوليثي هنا قوي. وتقع في أقصى غرب منطقة الهلال الخصيب. ونرى التكاثر المتزايد للقبائل السامية منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، وكانت غابات الأرز اللبناني مصدر ثروة غنية يحتاج إليها المصريون والسومريون أيضاً. وكان النقل البحري يجري في مثلث كريت والأناضول ومصر. وكانت غنية بالأراضي الخصبة. وإن موقع هذه المنطقة في مثلث الأناضول وميزوبوتاميا ومصر هو موقع مناسب من أجل التجارة البرية والبحرية. وإن فينيقيا مرشحة للتطور كحضارة لطبقة التجار. وكانت هذه هي الظروف الأساسية التي خلقت الحضارة الفينيقية التاريخية، واسمها العام هو بلاد كنعان.


    وكانت الحضارة الفينيقية تستند مثل مستوطنة قادش في الأناضول، للإستيطانات التي جرت في المدن وعلى رأسها "بيبلوس" و"تير"tyr واوغاريت شمالاً. ونرى هنا تشكيل مستوطنات من المجموعات العرقية المختلفة. ومثلما حدث في لبنان في يومنا هذا، فإنها كانت تسيطر عليها منذ البداية ثقافة كوزموبوليتية. وكان الواقع الفينيقي يشهد حالة أصيلة. وكانوا كقوم بحارة، شجعان ومتحمسين للتجارة بشكل عام، والتجارة في البحر الأبيض بشكل خاص. وكانوا في بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد يمتلكون مدن ودويلات مدنهم. وكانت تلك الدول المحاطة بالأسوار تعمل في التجارة عموماً والمهن الحرفية ولا سيما النجارة، وكانت صناعة السفن الفينيقية مشهورة. ولقد أنشؤوا مستوطنات تابعة لهم منذ بداية تكوينهم في عدة مناطق ساحلية في البحر الأبيض المتوسط. وكانت الأبجدية الفينيقية هي أهم مساهمة لهم في التاريخ، وتشكل هذه الأبجدية مثالاً في أساس الكثير من الأبجديات التي تستخدم في حاضرنا، ومع أنه كانت الميثولوجية السومرية هي المؤثرة بالأساس، إلا أنه كان لهم أصالة تلفت الانتباه. وكان إيل "El" من أسمى الآلهة عندهم ( يأتي اسم الله من اسم إيل). ويأتي فيما بعده إله القوة "بعل" Baal ومن ثم إله الموت "مود" Mod. وتعيش عشتا هنا بلقب "آستارته" Astarte ويلاحظ التضحية بالأطفال كقرابين بكثرة. وتعود ملحمة قيام النبي إبراهيم بالتضحية بإسماعيل الى هذا التقليد.


    لقد واصلت الثقافة الفينيقية بعد ثقافة مصر والسومريين تأثيرها من خلال تأصل معتمد على تجسيد دائم من قبل ثقافة اليونان وروما والبيزنطة والإسلام إلى يومنا هذا، وإن أساس الثقافة العلمانية اللبنانية ينطوي على خصائص الحضارة الفينيقية. وإن الفينيقيين مثلما كان لهم الحصة الكبيرة في حضارة قرطاجة وكريت في التاريخ، فهم أكثر الذين غذوا الثقافة الإغريقية أيضاً. وقد لعب الفينيقيون أيضاً دوراً بارزاً في نقل ميثولوجيا وأبجدية الشرق الأوسط إلى الإغريق.


    وفي الدور الثاني، فقد تكون جيل تمدن في المناطق الداخلية لشرق البحر الأبيض المتوسط وفي مقدمتها مدينة القدس ودمشق وحلب. وإن هذه التمدنات المستند إلى التجارة تصاعدت كمراكز تجارية بين ميزوبوتاميا والبحر الأبيض، والأناضول وشبه الجزيرة العربية، وإن الأماكن القريبة منها كانت ملائمة جداً للزراعة، وقد أصبح هذا الجيل الحضاري شاهداً على عدة أسفار تاريخية. وكان ذا موقع بارز كمراكز لنقل الحضارات وتجسيدها. وكانت بنية لغة القبائل السامية الشرقية هي المسيطرة على الأرجح، وتعرفه على بنية ثقافية متعددة كان بفضل هذه الظروف الملائمة. فمثلما جرى في عموم الشرق الأوسط في عام 1500ق.م، فأن حركات التحضر لهذا الجيل على شكل دويلات المدن هي في الذورة أيضاً. ولم يعترفوا تماماً لا بسيادة البابليين والآشوريين ولا بسيادة الحثيين أو المصريين، وذلك بسبب ظروفهم الجغرافية. وقد استطاعوا اللعب بين المراكز الثلاثة بفضل دبلوماسيتهم والحفاظ على استقلاليتهم أيضاً، وبسبب هذه الخصوصية، فان كل قبيلة تعرضت للضغوطات، انتقلت إلى هذه الأماكن. وحسب المعايير المحددة، فانهم استطاعوا المحافظة على أصالتهم وحريتهم إلى حد ما.


    إن إحدى القبائل التي ستلعب دوراً هاماً في التاريخ وبما تملكه من قوة وبهذه النوعية، هي القبيلة العبرية التي تم نقلها إلى هنا من قبل النبي إبراهيم. وتـظهر الأبحـاث إن جـذور الـعبريـين قـد جـاءت من المستوطنـات السومرية أي مدينة أورفا "أور وتعني تلة"، وحران "بالسومرية تعني تقاطع الطرق" في يومنا هذا. ونرى تأثير الهوريين والعموريين معاً في تلك المستوطنات وفي الثقافة العبرية أثر لهذه الخصائص. أن هذه المغامرة التي تم معايشتها في عصر الملك البابلي حمورابي في عام 1800 ق .م تقريباً تشبه حركة القبيلة التي تناقضت مصالحها مع ملك المدينة نمرود والذي كان لقبه الملكي مشهوراً.


    عندما تصبح إمكانية السكن في مراكز المدن التي تتعرض للقمع الشديد محدودة وتصبح هذه المراكز على خط تجاري تاريخي، فإنه يمكن رؤية حركات قبلية عديدة من هذا النوع. ووردت في وثائق واوغاريت المتعلقة بالمرحلة على أنه كانت هناك عدة حركات للقبائل التجارية مشابهة لهجرة النبي إبراهيم من الشمال إلى الجنوب، كانت هذه القبائل تتكون من تجارـ نصف رعاة وتعيش حركة مكثفة على شكل شبه ترحال .
    من المحتمل جداً أن يكون النبي إبراهيم قد تأثر من ثقافة مدينة أور السومرية وأعترف ببنية دينهم المتعددة الآلهة، لكنه وصل إلى مفهوم إله قبيلة واحد عن طريق توحيد ما أخذه من ثقافات الأديان والآلهة الحاكمة في تلك المرحلة مع اعتباره طوطمه أساساً له باعتباره رئيس قبيلة أبوية.


    إن رفع طوطم القبيلة إلى منزلة الإله، واستخدام حرية القبيلة كأساس اجتماعي لتحويله إلى إله واحد، يعتبر أكبر عملية ثورية للنبي إبراهيم في مجال الدين من جهة، ويعكس جوهر التحول من جهة أخرى، وقد ابتعد عن النظام السومري نتيجة لرد فعل. وكانت عدة قبائل عمورية تعيش هذا النوع من رد الفعل بشكل دائم، إلى أن جانب طوطم القبيلة البدائية القديمة لم يعد يستطع ان يستجيب للاحتياجات الدينية للمرحلة وهذا موديل يجب تجاوزه. ويشكل هذين شرطين التاريخيين أساساً لدين النبي إبراهيم. وبالرغم من أن هذه الخطوة تظهر وكأنها صغيرة وقليلة الأهمية، إلا إنها لعبت دور "الثورة الإيديولوجية" الكبرى من الناحية التاريخية. ولم يكن عبثاُ إعطاء لقب النبي والجد المؤسس للديانات التوحيدية المقدسة، التي وردت في الكتب المقدسة الثلاثة (( التوراة والإنجيل والقرآن)) والأديان متعددة الآلهة باتت عبارة عن هويات ومشاريع متخلفة بالنسبة لمرحلة الحضارة الناضجة. أتت هذه الثورة الإيديولوجية التي لا يمكن تحويلها إلى الصنم ولا ترى بالعين، وتخاطب منطق الإنسان وبنية عقليته المتطورة، وتخدم الوحدة السياسية بشكل أفضل، في المرحلة التاريخية المناسبة، وقدمت حينها أجوبة أكثر تقدمية.


    إن تراجع النبي إبراهيم عن التضحية بولده إسماعيل، هو موقف ثوري. حيث كان تقديم الأبناء كقرابين للإله بعل "Baal" منتشرة على نطاق واسع ضمن المعتقدات الفينيقية، ولهذا لم يكن بإلامكان تجاوز هذه السلبيات والسيئات إلا بهذه الطريقة. كما أن رفض هذه العادة المتوحشة من جهة، والمنتشرة والضرورية من جهة أخرى، ضمن شروط تلك المرحلة، فان سد الطريق أمام التضحية بالأطفال كقرابين يحمل صيغة الثورية، وهي ليست بظاهرة فردية وبسيطة وإنما عملية استيقاظ الوجدان الإنساني ضد أهم نموذج لهذا التعصب الديني البدائي المتجذر والمنتشر تكتسب قيمة عظيمة. وهي عملية تكتسب معنى كبيراً ضد هذه البدائية. ويفهم جيداً بان النبي إبراهيم لم يكتف بتطوير هاتين الثورتين الهامتين، أي بوقوفه ضد المراسيم التضحية بالأطفال وعبادة الأصنام البدائية والمحافظة للمرحلة وحسب، بل يقبل أيضاً أن إيل الكنعانية، حتى لو كان مصدر الإله إيل أو إل، هو رب السماء. ولكن يفعل ذلك بعد أن يضعه في منظومة تنسجم مع واقع قيادة قبيلته.


    إن تحول إيل إلى "الله" في كافة أرجاء شبه الجزيرة العربية مع مرور الزمن وتحطيم التقاليد الطوطمية "عبادة الأصنام" للقبائل الرعاة والصحراء والانتقال بهذه القبائل إلى مرحلة الإله الواحد تعد المرحلة الأهم في ثورة دين الإله الواحد، ولم يكن هذا ليتحقق بسهولة، بل تحقق على مراحل طويلة جداً. وكذلك موسى يأخذ الإله إيل كإله واحد أساساً، ولكنه قبل كل شيء هو إله للقبائل العبرية، ويرد هذا الأمر في الكتاب المقدس كما يلي: "لقد زوجتكم نفسي، وجعلتكم فوق كل البشر". إن هذا القرار مهم جداً، و يلعب دوراً هاماً ورئيسياً في تشكيل التقليد الذي عكس جوهر المجتمع اليهودي الذي أمتد حتى يومنا هذا. ويقوم النبي موسى بتغيير اسمه، فالإله الذي كان اسمه في البداية "إلوهيم" يتحول فيما بعد إلى إله القبيلة الخاصة ويأخذ اسم "ياهوفا" ومنه يأتي اسم اليهود، ومعنى كلمة إسرائيل هو "الذي يصارع الإله "إيل"؛ أي ان قبيلة العبرانيين تملك قوة مشابهة لقوة الإله إيل، حتى تتمكن من مصارعة إلهها.
    تدون التحولات التي شهدها النبي إبراهيم في المدن الكنعانية بأسلوب خاص في الكتاب المقدس، وكأنه كلام الله. وكذلك يظهر أمامنا أن قبيلة العبرانيين بدأت تكبر شيئاً فشيئاً. وإذا نظرنا إلى عددها الذي وصل في مرحلة الخروج من مصر إلى "72" قبيلة، حينها نجد أنها اكتسبت أهمية بالغة. وعندما يزداد عددهم كثيراً يتحولون إلى إمارة، ويستفيدون من الصراعات الناشبة بين وحدة القبائل المحلية وبين دويلات المدن الصغيرة، وتظهر التناقضات فيما بينهم بعض الأحيان. ويشهدون منذ بدايتهم وضعاً شبيهاً بالصراع "الإسرائيلي ـ العربي" الذي نشهده في أيامنا هذه. ولا تزال تلك الخلافات والنزاعات مستمرة بنفس الخصوصية حتى الآن وفي نفس المنطقة في القدس وجوارها..!


    إن تقييم العلاقة بين وضع القبائل العبرية في مرحلة النبي إبراهيم ومرحلة الخروج من مصر ودراسة تشكيل هذه العلاقة يكتسب أهمية عظمى. إن تدوين الأخبار الواردة في الكتب الدينية، والتي تتحدث عن عدم توقف هجرة العبريين في زمن النبي إبراهيم، ووصولها إلى مصر على أنها كلام الله، لهو شيء مذهل ويمكن أن نتعلم منها الكثير.


    ومثلما استوطنت القبائل الآرية الفقيرة تحت اسم القيستيين "Kassit" (( وباللغة السومرية فإن Kassu تعني الفقير، وkasit يعني الشعب الفقير)) في مدن وساحات الحضارة الغنية، فإن مصر تشهد وفي نفس الفترة تطوراً كهذا أيضاً. حيث تدفقت العديد من قبائل الصحراء الفقيرة إلى مصر تماماً كما تتدفق الهجرات في أيامنا هذه إلى أمريكا وأوروبا. وقد سمى المصريون هذه الهجرات بالـ "عابيرو" Apiru، وهذه الكلمة تعني "إنسان الصحراء المغبر". وقد جاءت كلمة العبري من هذه الكلمة. ولم يكن هذا الاسم موجوداً عندما كانت القبيلة تخرج من أورفا وحران، ولم يكن له أية ميزة. وقد واصلوا حياتهم في مصر كقبائل فقيرة ولكنهم نصف أحرار. وكما هو الحال في مثال "يوسف" نجد بأنه يظهر من بينهم ولو بشكل محدود من يحتل موقعه ضمن البيروقراطية. إن قصة يوسف هي الشكل الذي ارتقى ضمن البيروقراطية المصرية ليأخذ شكل كلام الله المقدس. ونجد تطوراً مشابهاً لذلك في الشرح الميثولوجي الأكثر خصوصية في قصة سارغون الأكادي في القبائل العمورية. ويفهم من ذلك أن تطوير حكايات كهذه تتناول أشخاصاً هم رجال دولة أو خلقوا سلالة جديدة من قبيلة لا صيت ولا شهرة لها، ويعتمد على إرث تاريخي طويل.


    استمرت المرحلة المصرية بالنسبة للعبريين حوالي300 عام. ومن المحتمل جداً، إن انحياز هذه القبيلة إلى أحد الأطراف في تمرد داخل مصر واتخاذ شخص ما يدعى موسى "بالغة المصرية إنMos يعني أبن" موقعاً ما في هذا النزاع، كيوسف الذي احتل موقعه ضمن البيروقراطية تماماً، ودخوله في حالة خطر خاص، عدا ذلك وجود رابطة قرابة له مع العبريين، إن كل هذا يقدم علامات للوصول إلى أسباب هجرة جديدة. ويلعب اعتياد قبائل الصحراء على العيش بحرية والذي مازال قوياً، دوراً كبيراً في ذلك. وان فقدانهم لثقة فرعون بهم " ما كان يعني نمرود عند إبراهيم، هو ما يعنيه فرعون عند موسى، وفي كلا الحالتين هو الملك" وتتوقهم إلى الحياة القديمة للقبيلة، تشكل الشروط المادية لهذا الخروج، كان عددهم أثناء هذه الهجرة والتي من المحتمل إنكار بدأت في أعوام 1300 ق .م حوالي 25000، انقسموا إلى 72 قبيلة " وربما جاء مصطلح 72 قوم من هنا". ومن المحتمل جداً ألا تكون قبيلة إبراهيم أكثر من عدة مئات، وتشكل قوم أو عشيرة اكبر من القبيلة. ومن المعلوم إن الهجرة التي تشكل الموضوع الأساسي في التوراة (( يقال لهذا النوع من الأنطلاقات في الأدبيات الدينية الخروج، الهجرة )) قد تركت آثاراً كبيرة في التاريخ، كانت "مسيرة الحرية الطويلة "، الأولى هذه والتي يقال بأنها استمرت حوالي 40 عاماً صعبة جداً. فقد عبروا صحراء سيناء وكانوا يتصارعون مع كثير من القبائل المتنقلة والمستقرة التي تظهر أمامهم حيناً ويقيمون علاقات معها حيناً آخر.


    وعندما كان موسى في مصر، فإنه يتأثر بكاهن بقي من العهد الذي أصبحت فيه عقيدة "آتون" إله الشمس الواحد رسمية بالقوة، وفي الطريق يتأثر موسى بالكاهن " يتيرو" Yetro والذي كان ذو تأثير في المنطقة ميديان " وهي مكان التغيير إلى جانب التجارة، وأنواع وأشكال الأيمان" الواقعة في الطرف الشرقي من البحر الأحمر. إن التأثير المشترك لهذه العقائد مع المشاكل الكثيرة التي عانتها الإدارة، مهد السبيل لتطور على شكل المعجزة وللقفزة النوعية الكبيرة الثانية في المفهوم الديني للنبي إبراهيم، أصلاً فالمعجزات تجد معناها كسبل الانطلاقة للمراحل. وأن عدم إيجاد الحلول للمشاكل بالسبل والأساليب القديمة والمفاهيم التي تتبعها، يظهر الحاجة إلى مفاهيم وتطبيقات جديدة، وكلمة "المعجزة " هي الأسس الذي يمكن إعطاؤه للمفاهيم والتطبيقات الجديدة، حيث كانت تبذل جهوداً كبيرة لمواجهة التغيرات الذهنية الكبرى للمرحلة الجديدة الملفتة للانتباه والتي لا يمكن قبولها بسهولة وبكلمة واحدة هي المعجزة، ولقد شهد التاريخ مراحل كثيرة بهذه النوعية، إذ كان يعطي للانطلاقات النبوية معنى بهذه المصطلحات، وهذا تقليد معروف.


    كانت المشكلة الموجودة في مرحلة انطلاقة موسى كبيرة ومليئة بالمجاهل. وإن البنية الذهنية والمفاهيمية الضيقة والقديمة للإدارة التي تكونت من بعض القبائل، يصعب عليها قيادة حشد مؤلف من "72" قبيلة وهو في حالة عصيان تام وأوصل إلى حالة التمرد، حيث ستصادف في كل يوم ردود أفعال قد تصل لدرجة التمرد عند العائلات، وذلك بسبب المشاكل المادية فقط. ولن تقل الجهود التي ستبذلها كل قبيلة من أجل تفوقها، وتؤدي شروط الهجرة لأناس أثناء عبورهم الأراضي التي لا يمتلكونها، إلى مواجهات دموية مع السكان المحليين الذين سيصادفونهم وتشارك قبائله في مراسيم عبادة الأصنام التي كانت سائدة في تلك المنطقة، وقد أضطر موسى لإصدار عقوبة الموت بحقهم بسبب " عبادة العجل الذهبي" المشهورة ولم يكن من الممكن الخروج من هذه المرحلة بكونفيدرالية عشائرية بسيطة، فقد كانت هناك حاجة ماسة إلى تغيير جذري في لإيديولوجية والمعنويات والإدارة أو الحاجة إلى الثورة، وكل خطوة كانت تفرض هذه الحاجة يوماً إثر يوم.


    أمام هذه المشاكل، يلجأ موسى كغيره من الأنبياء أثناء انطلاقتهم إلى الطبيعة وانزوى في المغارة ويتعمق هناك، إن عادة الشمانية ( أي الشعوذة ) هي مرحلة اجتماعية عامة أثناء التحول إلى مجتمع. ولقد كانت ممارساتهم المندمجة مع السحر في مرحلة المجموعات والقبائل البدائية هي بغية دمج مجموعاتهم وخاصة شبابهم مع عاداتهم ومعتقداتهم وحملهم على تجسيدها، تمثل القادة المعنويين والعلماء قبل الشيوخ والكهنة. وتقليد الشيخ في شبه الجزيرة العربية هو تطبيق نوع من الشمانية، غير إن مؤسسة النبوة هي فوق مؤسسة الشيخ، إن الشيخ مسؤول عن حمل الناس على تجسيد الأعراف السائدة وبالتالي فهو مسؤول عن استمرارية نظام القبيلة، أنه القائم على تنفيذ العادات، ولذلك فإن دوره قريب جداً من دور الشاماني، فهو الذي يدير ويعلم بمهارة كافة الأعراف والتقاليد الدينية، والأساليب التي تتيح بالأخص العثور على الشروط المادية الحيوية. وأما النبوة فهي مختلفة عن ذلك تماماً، إذ تعني انطلاقة جديدة وطوباوية مستقبلية، وأيضاً تعني رفض الماضي وتجاوزه، ومكلفة بأمر وإلهام إعادة بناء المستقبل بمصطلحات وخطط جديدة. ولا يمكن للنبي أن يكون كاهناً. فالكهنة مسؤولون عن تمثيل التقاليد الدينية السائدة، وأما الأنبياء فهم مكلفون بتجاوز التقاليد الدينية وإنشاء تقاليد دينية جديدة بدلاً عنها.


    في الوقت الذي نسعى فيه لأجراء تقييم شامل لمصطلح الإله في الفصل القادم، لنوضح باختصار بأن هوية الإله أيضاً تمر بتحولات هامة. فمصطلح "الله" عند النبي إبراهيم مختلف تماماً وينطوي على الكثير من التجديد. فأمام الشروط المادية الملموسة للمرحلة، لم يكن بوسع موسى أن يبقى أميراً مصرياً أو شيخاً أو كاهناً، فكل شيء كان يجبره على الانطلاقة النبوية، وبلا ريب فإن تأثير تقاليد النبي إبراهيم على القبائل لو كان محدود، أجبر موسى على خلق الأسس للدين "الموسوي" من أجل أكبر انطلاقة في تاريخ الأديان التوحيدية.


    يصبح "الله" "يهوا" كاسم خاص، ويعني أنه هو، ويذكر يهوا الحاجة إلى إدارة قاسية بترديده عبارة "إني زوجتكم نفسي، ولن تصلوا إلى آله آخر"، وهذه العبارة تعبر عن الغيرة. ويمكن فهم الخصوصية هذه على أنها تحويل الدين إلى قومية في الواقع اليهودي. إذ أن عدم انصهارهم في القوميات وتعرضهم الدائم لأخطار كبيرة، يشكل الأساس لمفهوم الدين اليهودي القومي. ومع الوحي الشهير الذي جاء إليه في الجبل و" الوصايا العشرة"، يصل موسى إلى تشكيل آخر في المرحلة الأخيرة للهجرة الدينية. وفي هذه المرحلة يطور موسى الكثير من الإجراءات القانونية والمالية والتنظيمية. ويكلف أخيه هارون بتمثيل الدين الجديد وبالقيادة المالية والإيديولوجية، ويؤسس مجلس للشؤون القانونية، ويعيّن "يوشعا" كقائد عسكري عام، ويحافظ المجلس الاستشاري المؤلف من رؤساء القبائل على وجوده، ويعاقب بقوة بعض المناهضين له ويقتلهم، ويصل بعد عدة حروب إلى مقربة القدس. وحسبما يعتقد، فإن هذه الانطلاقة استمرت قرابة 40 عاماً، وتكون الأراضي المقدسة التي توجد فيها الفاكهة والحبوب التي وعدهم بها يهوا، مأهولة بالسكان؛ كانوا بعيدين عن فكر استقبال الضيوف الجدد برحابة صدر، ولم ينفعهم في ذلك بعض أقرباءهم ذوي الأصول العبرية الذين بقوا هنا منذ زمن، والنتيجة ستظهر بشكل جلي، استخدام القوة، تماماً كما حدث في يومنا هذا..! كم تم الخلط بين المقدس والملعون..!


    بعد ذلك يصطحب موسى الذي أمضى عمره من أجل الاستقرار في الأراضي المقدسة التي وعده الإله بها، شخصاً واحداً إلى جبل "نيبور" Nebo ليموت هناك وبجانبه هذا الشخص فقط. وفي الوقت الذي تسرد فيها التوراة بأسلوبها هذه القصة بشكل مشوق، فإنها تضع أساس طراز وترمينولوجية الديانات التوحيدية أيضاً، وربما تكون الحقائق قد تطورت بشكل مختلف، إلا أن النتائج والأهمية التاريخية لهذه الانطلاقة مذهلة؛ فهي تحتوي في مكنوناتها العديد من التطورات.


    بعد هذا التاريخ تفسر المسيرة العبرية المراحل التالية بالأسطورة. والمرحلة التي يقال عنها مرحلة الحكماء " القادة"، عاشت حتى أعوام 1000ق.م. ومع "ساول" SAUL يتم الانتقال من مرحلة الكهنة إلى مرحلة الملكية. أي أنه يتم الانتقال إلى المؤسسات السياسية بعد مرحلة الاحتضان الديني الطويل، ويتم معايشة مرحلة البطولة مع ظهور "داو ود ـ سليمان"، فلا يكتب للعهد الملكي في القدس أن يعيش طويلاً أمام هجمات الآشوريين، ومع حرق وتدمير القدس من قبل الآشوريين في القرن السابع ق .م ومن قبل البابليين عام 585ق.م ينتهي الوجود السياسي فيها، ويتم تهجير قسم كبير من سكانها إلى بابل. لقد تم تجسيد الميثولوجيا السومرية على نطاق واسع في العهد البابلي، وتظهر في هذه المرحلة شريحة جديدة من المثقفين والكتاب، ومع ظهور الأنبياء، يكتسب تعليم وإدارة الكتاب أهمية بالغة، وينال المهاجرون حريتهم مع قيام كيروس إمبراطور الفرس بامتلاك بابل عام "538ق.م"، ويعودن إلى القدس مرة أخرى. وأعمارها من جديد. وتبدأ الفترة الهلينية مع الاسكندر. وفي الإسكندرية يصبح الوجود اليهودي في تماس مع اللغة الإغريقية، ونشأ جيل تربى على هذه اللغة وبعدما، ينهل اليهود من المصدرين أي "البابلي والإغريقية" جيداً ـ وبالإضافة إلى ذلك التأثير الزردشتي والبارثي ـ يتبلور على شكل "العهد القديم" الذي نراه اليوم.


    ينقسم اليهود أثناء فترة الاحتلال الهليني إلى عدة مذاهب وهي الصديقيون "Saduki" والمتأثرون بالفرس "Ferisi"، والراديكاليون المكابيون "المتمردون"، ومع الاحتلال الروماني في عام "63" ق .م لم تنته تمردات ونزاعات هذه المذاهب، ولم يتمكن عملاء روما من أن يصبحوا عائقاً لكي لا تمضي المرحلة دون أن تكون تحت السيطرة. وان الواعظ يحيى المعمدان وحركة الآسنيين الفقراء يعتبرون ممثلين للمرحلة الجديدة، وبذلك تتبلور بسرعة الشروط المادية لقيام دين إنساني عام ضد عبودية روما التي تتعمم. ولا تفي اللغة الرسمية اليهودية القومية للكهنة بمتطلبات المرحلة. ويدفع يحيى حياته ثمناً للدعوة التي بدأها ليفتح الطريق أمام ظهور عيسى "المسيح يعني المنقذ المنتظر". وان صلب عيسى وقيام روما باحتلال وتدمير القدس من جديد في عام 70 بعد ميلاد وتشريد اليهود في أرجاء المعمورة، كل ذلك يمهد السبيل للبدء بمرحلة تاريخية جديدة.


    سبب الوقوف مطولاً عند القصة العبرية هو من أجل إجراء الاستعداد لتعريفها وإعطاءها المعنى في الموضوع والدور الذي ستعلبه في نظام حضارة الرق وحقيقة ولادة الأديان التوحيدية، وسنرى في الفصل القادم، كيف أن الكلاسيكيات الكبيرة والإصلاحات التي بدأت بالفلسفة من جهة، والحركات الإصلاحية والانتفاضات الدينية التي تطورت بقيادة الأنبياء من جهة أخرى، ستجبر العبودية في البداية على تحول ايديولوجي، وتغير في التمأسس السياسي مع مرور الزمن.

    رابعاًـ حضارة الكريت :

    لقد شهدت جزيرة كريت قيام شكل حضارة تتأصل بسرعة في أعوام "2000" ق.م، حيث كان لها علاقات وثيقة مع الحضارتين المصرية والفينيقية، وكانت تشكل الطرف الغربي للحضارة والتي هي المصدر الثالث الذي يغذي شبه الجزيرة اليونانية، وقد كانت حضارة متقدمة في صناعة الأدوات الفخارية وتصديرها إلى الخارج على نطاق واسع، وأسست نظام قصر فخم، أما في الميثولوجيا كانت في بداياتها، وكانت ميثولوجيا زيوس ودميتر على وشك الميلاد، وكانت ذات كتابة بدائية أشبه ما تكون بالكتابة الفينيقية، وكانت مرتبطة بشكل وثيق بالحضارة المصرية. وبعدما تعرضت لهجوم حضارة ميكان "miken"اليونانية في أعوام 1500ق.م، فإنها تفقد استقلالها خلال عدة قرون، أما من زاوية حضارة الشرق الأوسط، فقد كانت كريت تقع في أقصى الدنيا في تلك المرحلة، حيث كانت تمثل أقصى الغرب، فالدور هو دور خلق الحضارة الإغريقية. أن الحضارات الفينيقية والمصرية والأناضولية ( ترويا، هتيت، فريفيا، ليديا ) والكرتيية والتي بدأت بهذا العمل من أربع جهات، فإنها بأحد المعاني ستحقق هذا الميلاد والذي يشكل نواة الحضارة الأوروبية. ان ميلاد الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية وخاصة ميلاد زيوس بشكل مختلف ومركب، مرتبط أشد الارتباط بالواقع المركب آنذاك، إننا هنا أمام ولادة هرمز ذات الأزواج السبعة، وبالرغم من كل الجهود التي بذلت للحفاظ على الخصوصية، وخلق الآلهة من جبين وساق وكل أماكن زيوس، بحيث يشكل كل واحد منهم ميزة خاصة، فمن الجليّ جداً بأن حضارة الشرق الأوسط الكبيرة قد انتقلت إلى هنا، وفي الوقت الذي يتم فيه إلقاء الضوء على مسألة "كيف ولدت أوروبا ولمن هي مدينة في ذلك..؟" يجب الوقوف مطولاً وبشكل أشمل على الحضارة الإغريقية في القسم المخصص لها.

    خامساً ـ الحضارتان السومرية والمصرية:

    لقد شهدتا تغيراً هاماً عام 2000 ق.م، حيث انتهى عهد المؤسسات والولادات الفخمة. إن السومريون سيستبعدون بعد مرحلة الإصلاحات القصيرة على يد سلالة "أور" فيما بين أعوام 2050 ـ1950ق.م من مسرح التاريخ مع مرور الزمن. وتشهد تلك المرحلة قيام الكتاب السومريين بكتابة العديد من المراثي والألحان والملاحم الشعرية حول هذه الحقيقة التي أدركوها بعمق، إن هذا الأسلوب من الشرح للحضارة التي أنتجت التاريخ ملفت للنظر، فلقد أثبت على ما يبدو أن هذه الكتابات السومرية تعد مصدراً أساسياً لكافة الكتب المقدسة والدراما والتراجيديا والكوميديا. كذلك أثبت بأن تلك الحضارة تعد المصدر الأساسي للميثولوجيا التي تنبعث من جديد والأديان التوحيدية، وكذلك ظهرت النماذج الأولى لكافة المؤسسات السياسية بكل أصالتها في سومر، وانتقلت على شكل موجات إلى كافة أرجاء المعمورة، وتعد أيضاً المصدر الرئيسي لوسائل البنية التحتية وللمعلومات المتعلقة بذلك؛ لقد بذلت جهود كثيرة عبر قرون لنقلها من مصدرها إلى كل مكان.
    إن الدور التاريخي لبابل وآشور محدود بنقل ذلك على الأغلب. ولقد انشغلت هاتان السلالتان ذات الأصول العمورية السامية من عام 1900 ق.م وحتى بداية الميلاد، بترتيب الميراث السومري من جديد والتغذي منه ونقله إلى الجهات ومساهمتهما الخاصة محدودة.


    لقد بذل البابليون جهوداً حثيثة لتدوين الإرث السومري، وكان السومريون بالنسبة لهم يحملون صفة التقديس، لقد تصاعدت الفترة البابلية الفخمة بهذا الإرث السومري، فلقد كانت بابل عاصمة للعالم لفترة طويلة، وذلك اعتباراً من "1800" ق.م، وحتى سقوطها بيد الفرس عام 550 ق.م، ولبرج بابل نصيب كبير في تمثيل كوزموبوليتية تلك المرحلة وبعبارة أدق في تشكل الذهنية الدينية والدنيوية للإنسان، وانه في وضع بارز من حيث تدوين أسس ونضوج النظام العبودي البابلي كتابة ونقله إلى العالم، وبذلك نرى إن مرحلة الترجمة والكتابة والتنقل والتغيرات لبابل لـ 2000 عام. تنبع من العراقة السومرية وفي الوقت الذي نرى فيه أن هاتين الحضارتين اللتين استمرتا "4000" عام كانتا وراء نضج وتمأسس تكوين الحضارة الإنسانية، فإننا ما زلنا بعيدين عن تقييم الأبعاد الإيجابية والسلبية لتلك الإسهامات، بهذا المعنى هناك مسافة طويلة يتوجب على التاريخ تناولها.


    أما الآشوريون فقد أعتمد انتشارهم على الحملات العسكرية العنيفة وعلى التجارة. وفي الحقيقة استمر العهد الآشوري من عام 1300 ـ 650 ق.م. حيث لعب الآشوريون الدور التاريخي الأكبر في قلب التواجد الأثني "القومي" رأساً على عقب، وذلك كهدف أساسي لهم من أجل إنهاء الحركات الأثنية. ولهذا السبب تحولت الحركات الاجتماعية في التاريخ خلال الفترة الآشورية إلى معتقدات دينية ومذهبية. وأصبح تاريخ الشرق الأوسط بدلاً من تاريخ المسيرات الأثنية، تاريخ مسير وظهور الأديان والمذاهب. لقد شكل الآشوريون إمبريالية عسكرية بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث تم خلال الفترة الآشورية فرض التفوق العسكري عنوة في كل مكان، فقد فرضت ذلك في مصر والأناضول وشرق البحر الأبيض وميزوبوتاميا العليا وإيران. إن مكانتهم في التاريخ هي اكثر تخلفاً من البابليين، فلقد اعتمدوا على الميراث السومري، حيث واصلوا أعمال النشر والكتابة، وتطوروا في مجال العمارة، إنهم أخر قوة نقلت ونشرت الميراث السومري.


    لا يمكن أن نقلل الدور الذي لعبه الملوك الآشوريين في سيطرة العبودية على ذهن وسلوك الإنسان، وكذلك دورهم المميز في تطور التجارة وتمأسسها، وكذلك يمكن الحديث عن قيادتهم مع البابليين لمسيرة الحضارة العبودية على مدى ألف عام. وهناك وجه آخر للتاريخ، وهو أن الانتفاضات التي قامت باتفاق فيما بين القوى التي مركزها في ميزوبوتاميا العليا، والحثيين في الأناضول، والميديين في شمال غرب إيران، وبعض القوى الموجودة شرق البحر الأبيض شكلت جبهة المقاومة ضد هذه القيادة. وأكثر من بذل جهوداً في ذلك هم "الميتانيون Mitani والأورارتيون" ذوي الأصول الآرية، ولكنهم لم ينجوا في النهاية من التشتت. لقد انبعثت ملحمة كاوا الحداد من فترة المقاومة الطويلة هذه. وفي النهاية تتفق القوتان الميدية والبابلية وتقضيان على الإمبراطورية الآشورية بتدميرهما لعاصمتها نينوى ولم يقم لها قائمة بعد ذلك، ولكن الكتاب والكهنة الآشوريين واصلوا نشاطاتهم، واستطاعت مكتبة نينوى الضخمة أن تصل إلينا في يومنا هذا، هذا كما لعبت لغة الآشوريين الآرامية كلغة حضارية مثل الإغريقية واللاتينية دوراً بارزاً وأساسياً في التواصل في الشرق الأوسط لمدة 2500 عام، لا يمكن التقليل من الدور الذي لعبه الشعب الآشوري كأحد الشعوب المسيحية الأولى بعد المسيح في نشر هذا الدين خاصة من الشرق وبالتالي لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه هذا الشعب في النضال ضد الحضارة العبودية.


    واصلت الحضارة المصرية تطورها في مرحلة السلالات الوسطى حوالي "2000" ق.م. وقد تعرضت لاحتلال "الهكسوس" ( العبرانيون الأوائل، والشعوب الآرية بعض الأحيان ) القادمين من الشمال اعتباراً من أعوام 1800 ق.م. وقد جسدوها بعد عدة سلالات وطردوا الباقين. ومع بدء مرحلة السلالات الجديدة أضاعوا أصالتهم بوقوعهم تحت الهيمنة الآشورية والبارثية والإغريقية، وفي النهاية تحت الهيمنة الرومانية في عام 30ق.م. وعكس فترة حكم كليوباترا الوجه التاريخي الأخير والأكثر حزناً لهذه القصة، وفي الوقت الذي كانت فيه كيلوباترا تمثل التعبير للمقاومة والاستسلام وبالتالي الانتحار النسوي، فإنها تمثل أيضاً التعبير الأخير لفخامة وديمومة الحضارة التي لا يمكن أن تنسى بسهولة.





    ....

  8. #8
    Senior Member
    الحالة: bahzani3 غير متواجد حالياً
    رقم العضوية: 4
    تاريخ التسجيل: May 2010
    علم الدولة: Users Country Flag
    المشاركات: 793
    التقييم: 10

    من دولة الكهنة ف1 انتشار الحضارة العبودية ومرحلة النضوج 1-6 عبدالله اوجلان





    من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية الفصل الاول التطور الحضاري والمجتمع العبودي ه-انتشار الحضارة العبودية ومرحلة النضوج 1-6





    عن الحوار المتمدن


    هـ ـ انتشار الحضارة العبودية ومرحلة النضوج

    عندما أثبت المجتمع السومري تفوقه الخارق على صعيد الإنتاج الاقتصادي الوفير، استطاع تحقيق الدليل الأساسي للدخول في وضع المجتمع المتفوق. وسيواصل التفوق في الإنتاج، في أن يكون مقياس ومؤشر قوة جميع الحضارات التي جاءت فيما بعد. إن المجتمعات المعطاءة هي مجتمعات قوية، ولذلك تشكل الموقع المركزي في حركة المد والجزر للانتشار والجذب، وقد تم تقدير التفوق عند السومريين بوصول الموقعة القمح والشعير إلى نسبة" 80 " ضعفاً، وإن هذه الظاهرة تكشف بشكل ملفت للنظر مدى القوة التأثيرية والانتشارية التي كان يمتلكها السومريون في تلك المرحلة. إن استخدام الوحدات المهنية والتجارية نتيجة فائض الإنتاج يعني فتح الطريق أمام التمدن والثورة المدينية السريعة حول المعبد الذي كان بمثابة المركز الإنتاجي. لقد أدت هذه المرحلة التي بدأت في سهل ميزوبوتاميا الدنيا إلى سرعة الوتيرة في التطور الاجتماعي وخلق تنظيم على نمط الدولة كهوية طبقية ومدينية من جهة، وكهوية سياسية وجماعية أساسية من جهة أخرى، وهذا يعني ثورة سياسية. وعندما أدت القيم المتراكمة قبل كل شيء إلى مشاكل أمنية، فإن الأهمية الكبرى لأدوات الدفاع والهجوم فرضت نفسها، وأوجبت بروز تقنية الحرب حسب هذه المرحلة، وتحولت تقنية البرونز والمحراث والفأس والبلطة التي لعبت دوراً هاما في الإنتاج الزراعي، إلى تكنولوجيا الحرب. لقد خلق السلاح البرونزي تفوقاً يماثل قوة السلاح النووي في الحاضر. وانطلاقاً من مقولة (( ان السلاح يعني التفوق ))، فإنه لم تبق أي قوة باستطاعتها مواجهة المجتمع السومري في تلك المرحلة.

    عندما نضيف إلى نمط التفوق الثاني، التنظيم الأكثر تطوراً كتنظيم الدولة مع قوة المعبد الهائلة التي هي بمثابة طاقة ووقود النظام، حينها نكون بذلك قد عرفنا القوة التي ستبدأ التاريخ بخطوطها العامة مرة أخرى، نحن أمام نظام لا يكتفي بالإنتاج وحماية نفسه فقط، بل أنه يثبت نفسه عن طريق قوة التوسع الهائلة. إننا نفهم ذلك بشكل أفضل عندما نرى كيف تحول ذلك ولأول مرة في التاريخ إلى إمبريالية منظمة ومخططة مجسدة بشخص "سارغون" الذي أسس السلالة الأكادية، لقد بدأ بذلك عصر الإمبريالية المعتمدة على نظام الرق، ويمكننا القول عن ذلك بأنه أول مد وجزر للحضارة والتاريخ، أي مرحلة التوسع والمقاومة. ويمكن تقييم دور "سارغون" في التاريخ على أنه قام بتوحيد دول المدن الصغيرة والمتنازعة ونشر قوتها في الخارج، وقد قلدت جميع القوى التوسعية التي جاءت فيما بعد هذا المثال وطورته. ومعنى ذلك إننا مدينون للسومريين ليس بخلق الحضارة وتمأسسها وحسب، بل بالنظام الذي أخذ التوسع المذهل أيضاً. وإذا وقفنا عند أعوام 4000 ـ 2500 ق.م، وارتضينا على أنها مرحلة خلق وتمأسس، فإننا نلتقي بعد أعوام 2500ق.م مع المرحلة الإمبريالية والاستيطانية السومرية التي تثبت صحتها مع مرور الزمن ولازالت قيد البحث باهتمام. ويمكننا تعداد نقاط المنطق في هذه المرحلة بالخطوط العامة على الشكل التالي:

    أ ـ إن التوسع يستند إلى الفائض الإنتاجي. والفائض يظهر الحاجة إلى سوق والذي يكبر مع مرور الزمن سواء من حيث مواد الخام أو التصنيع، وأن البيع والشراء في السوق يتمأسس لأول مرة ويدخل في مرحلة التطور. وكانت طبقة التجار المستندة إلى ذلك قد لعبت دور المحرك في التاريخ وفي التوسع.

    ب ـ لقد أدى تطور تقنية الأسلحة المعتمدة على البرونز والإنتاج الكبير إلى خلق قوة عسكرية محترفة وتمأسسها ودخولها إلى مرحلة التوسع مع النظام. لقد تم فتح مرحلة الغنائم بشكل كامل ومخطط. وجعل الجنس البشري يبيد جنسه ممكناً لأول مرة في التاريخ، وبشكل مخطط له، بهدف كسب الغنائم والاستعباد، وأن هذه المسألة هامة استناداً إلى ما سيأتي: لم نشهد في عالم الحيوان قيام أي حيوان بعملية إبادة لجنسه، ناهيك عن أن تكون إبادة منظمة ومخططة، وأن أول من قام بذلك هو الإنسان، ولا شك أن ذلك تطور مع المجتمع الطبقي بكل تأكيد، إذ لم نشهد ممارسة كهذه في العصر النيوليثي الذي لم يكن قد تطور فيه التحول الطبقي ولا في العصور التي سبقتها، وقد أثبتت الأمثلة المتعلقة بأكلة لحوم البشر، أن القيام بذلك كان محدوداً ونمطاً من العبادة كضرورة هدف مقدس. إن النمط المذهل لهذه الممارسة هو قاعدة "قتل الملك"، لقد استمر هذا النمط من الممارسة التي تعبر عن التمثيل الإلهي الولادة والموت الموسمي على شكل التضحية بقرابين من الأقارب الشبيهين بأولادهم. لقد تطور الاعتداء المنظم والهادف إلى التدمير والإبادة اعتمادا على ممارسة الطبقة الاستغلالية ـ الحاكمة التي جعلته منظماً وأضفت عليه الشرعية وكأنه عملية تاريخية عادية، وأصبح عملاً بطولياً وحقاً مكتسباً وملحمياً، بعد أن تركزت عملية تقديس الدين المهيمن والعادات والتقاليد، وجعلت إحدى طبقات المجتمع أو مجتمع الفرز الطبقي ذلك هدفها الأساسي ورفعته إلى مرتبةالمهنة. وبذلك فقد بدأت مرحلة "الإنسان ذئب الإنسان". ويجب أن نرى إن مصدر اللعنة يكمن في هذا التطور، لأن ملحمة "اللعنة على أغاد"، تعتبر من أهم الملاحم السومرية ولها علاقة بقيام الأكاديين بتدمير المدينة المقدسة "نيبورNippur ". إن "أكاد" تلقت "اللعنة" لأول مرة في التاريخ لهذا السبب.

    ج ـ جعلت الاحتياجات المتعاظمة التحول إلى الإمبريالية أمراً حتمياً في الوقت الذي أدت فيه النزاعات الداخلية لدول المدن الصغرى إلى هذه المرحلة. لقد كانت للمجموعات المشاعية السابقة توسعاً في عدة اتجاهات، الا ان توسعها لم يكن بهدف التدمير ولم يكن يستند إلى الهيمنة، وهذا وضع يعاش بشكل مكثف ويتطور بشكل مرتبط مع القاعدة العيش جنباً إلى جنب مستندة إلى الحاجات الطبيعية؛ يختلف تماماً عن ممارسات الإمبريالية الاستيطانية والتخريبية. باختصار بدأت الطبقة الاستغلالية الحاكمة المحصورة في الداخل مرحلة توجيه الضغوطات الداخلية نحو الخارج والتي تعتبر سياسة رئيسة من أجل التخلص من الضغوطات وتحقيق الربح بنفس الوقت.

    د ـ إن الأسباب الثلاثة المذكورة تتحول إلى حقيقة (( تطوير وإعاشة )) الذات عن طريق الانتشار والتعاظم التي تعتبر القاعدة الأساسية للحضارة الطبقية، إن هذا الطراز هو سمة في طبيعة الحضارة، وتوجد أشكال عديدة للتوسع وكل حسب أهدافه، فهناك ما يهدف منها إلى النهب لفترة زمنية قصيرة، ومنها ما يستند إلى السيطرة الدائمة على موارد المواد الأولية الاستراتيجية كالحديد والنحاس حسب المرحلة، ومنها ما يهدف إلى إنشاء مستوطنات تجارية جديدة وتكوين المدن على اساسها، كذلك إلى جانب التوسع التجاري الذي يعتمد على تأمين المواد الخام وبيع المنتجات المصنعة، فهناك أمثلة عديدة مثل التوسع الديني والأيديولوجي الذي يعطي الأولوية لبناء معابد مشابهة لمعابدهم، وإن أشكال التوسع التي نراها كثيراً هي الاستيطان المؤقت أو الدائم حسب خصائص منطقة الانتشار. وتتحول الأشكال الدائمة إلى ساحات حضارية جديدة مع التجسيد والاندماج المتبادل بعد فترة مناسبة، إن منطق تكوين كهذا التكوين يلعب دوراً كبيراً في أساس التاريخ.

    إن جميع الأبحاث والطروحات العلمية التي استندت إلى البحوث المتعلقة بمصادر الحضارة، تشير إلى أن السومريون هم مركز الانتشار من حيث الزمان والمكان. وأثبتت الدراسات العلمية أن نيوليثية الهلال الخصيب وميزوبوتاميا السومريين قد لعبتا دوراً مصيرياً في تكوين المراكز البارزة، وهذا ما تؤكده الإثباتات العلمية.

    1 ـ الحضارة المصرية:

    إن حضارة مصر ـ نيل، هي إحدى أولى المجتمعات العبودية التي ظهرت بعد السومريين مباشرة. وعند تقييمنا للحضارة المصرية، فإنه لم يثبت بعد استنادها إلى عصر نيوليثية شمال أفريقيا ولم يشاهد آثار انتشار لها. ومن أكبر الاحتمالات هو أنه مثلما انتشرت الثورة الزراعية التي نضجت في الهلال الخصيب في جميع الجهات، فإنها وصلت إلى هذه المنطقة أيضاً في الألفية السادسة قبل الميلاد، إن هذا التقييم يتناسب مع منطق التوسع من زاوية علم الزمان "الكرونولوجيا". ويتيح الطمي الخصيب لنهر النيل الإمكانية لثورة مدينة شبيهة، ورغم ذلك نرى آثار الثورة المدينة السومرية في منشأ الحضارة المصرية، لكن نسبة الخصوبة المرتفعة أدت مع مرحلة الهضم المبكر في مصر إلى ظهور البنية الجوهرية لها، إن اعتمادها على ثقافة العصر النيوليثي بشكل مبكر من جهة، وقابليتها للتجسيد والاندماج السريع من جهة أخرى، أدى إلى تأمين إمكانيات لاتخاذ مصر طابع الحضارة الأولي والجوهري وصورة مجتمع طبقي وليس طابع مستعمرة، ورغم جوهرية الحضارة المصرية، فإن عدم ظهورها لوحدها دون وجود الثورة الزراعية في الهلال الخصيب والثورة المدينية السومرية، هو حقيقة تاريخية. ومثلما لا يمكن التفكير بالحضارة المصرية دون النيل، فإنه لا يمكن التفكير بخصوبة النيل و بالحضارة المصرية بدون التفكير بالثورة الزراعية في الهلال الخصيب والثورة المدينية عند السومريين أيضاً. وأكبر دليل على ذلك، هو أن الظروف المناخية والجغرافية التي تحيط بالنيل، والأهم من ذلك أن الثقافة النباتية والحيوانية لا تتيح إمكانية ثورة زراعية في العصر النيوليثي، وليس في مصر ظروف تهيئ للثورة الزراعية، ولو كانت موجودة، لأصبح وادي النيل مهد الثورة الزراعية والمدينية بشكل مبكر، بسبب ظروفه التي لم تتغير حينذاك ولأحدث تطورات قبل التطورات التي أحدثتها الثورة الزراعية والمدينية في ميزوبوتاميا وليس بعدها. إن الدور الأساسي للنيل ينبع من خاصية الري للأراضي الخصبة والمناسبة. وقد شوهدت مرحلة الحضارة المصرية الخاصة والسريعة عند وصول التكنولوجيا الزراعية اللازمة.

    لقد بدأت الحضارة المصرية في الألفية الثالثة قبل الميلاد تقريباً، واستمرت حتى بداية الميلاد دون تغيير يذكر. وأظهرت تطوراً مختلفاً عن السومريين في ميادين فن العمارة والمساحة وأنواع الكتابة المختلفة، وتمتلك تفوقاً في فن العمارة، لا يمكن مقارنته إلا بالفن المعماري لروما. وكانت عملية الشحن عن طريق السفن الشراعية متطورة أيضاً، وكانت حساباتهم السنوية والموسمية المعتمدة على الكواكب أكثر دقة. ومع أن تمأسس الدولة كان مركزياً، إلا أنه لم يتح الفرصة لقيام دولة المدن. وكان يوجد تقسيم إداري على شكل نمط المقاطعات على الأغلب، وقد تم إدارتها من قبل أكثر من ثلاثين سلالة على شكل مراحل باكرة ومتوسطة ومتقدمة كما كان عند السومريين واستطاع الملك تحقيق التفوق على الكاهن، بعد أن كان الكاهن أعلى مرتبة. كان مفهوم الإله ـ الملك هو المسيطر، وظهرت البنية الميثولوجية على شكل انعكاس واهن ومحدود، وذلك مقارنة مع البنية الميثولوجية السومرية. ويوجد هنا مركز إلهي قريب من الثالوث الأب ـ الأم ـ الابن، ويجعل نفسه ديار بكر للنظام السماوي على الأرض، ويبني بنية إيديولوجية إنسانية قوية ومهيمنة على هذا الأساس. لذلك ظلت تقليد الكهنة المصريين بشكل قوي حتى يومنا هذا، وتبقى محاولة الاستيطان الإمبريالي محدودة جداً، كما تؤثر العلاقة الكريتية ـ الفينيقية التجارية على تطور الحضارة التحتية هنا. لا يمكن للحضارة أن تقوم إلا بدور الرافد القوي في تغذية النهر الأساسي، وهناك مبالغة كبيرة في تقييم مصر على أنها تقوم بدور أبعد من رافد مغذي مقارنة مع المصدر الأساسي العائد للسومريين، لكن رغم ذلك، فإن حضارة مصر هي من إحدى الحضارات التي لها حصة أساسية في تطور الحضارة العبودية بخطوطها العامة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد وحتى الميلاد، ولا يمكن غض النظر عن تغذيتها للحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية حتى لو كان بشكل أقل وغير مباشر. ورغم عدم تمكنها من فتح أفريقيا على الحضارة، إلا أنها استطاعت تطوير التجارة إلى أعماقها، إن البدء بالتجارة الشراعية وتطورها في النيل والبحر الأحمر والبحر المتوسط مدين للحضارة المصرية بشكل كبير.

    تمتلك مصر مكانة هامة في تطوير الأديان التوحيدية رغم افتقارها الى التصورات الميثولوجية مقارنة مع السومريين. ورغم تدخلها في تجربة الأديان التوحيدية، إلا أنها بقيت محدودة. وتعتبر طبقة الكهنة المصريين هي المركز التعليمي لكوادر الميثولوجيا والدين الإغريقي، بسبب دورهم التعليمي القوي. لقد تلقى رواد الكهنة والفلاسفة الإغريق غذاءهم من تعليماتهم وتدريباتهم في مصر وبابل إلى حد كبير حتى القرن الخامس قبل الميلاد.

    تعتبر الحضارة المصرية في الموقع الثاني في تطور الحضارة العبودية بعد السومريين وان كان ذلك على صعيد التطور المبكر والأساسي أو على صعيد عظمة حجمها. كما تعتبر الحضارة المصرية مولداً منتجاً ومغذياً لنظام العبودية باستمرار، إنها استغلت العبودية لحدٍ كبير جداً، لاسيما الجهود التي بذلها العبيد من أجل بناء الأهرامات كانت مخيفة ومذهلة إلى درجة قد تركت إرثاً لعدة إمبراطوريات وفي مقدمتها روما، وبكل تأكيد فإنه لا يمكن غض النظر عن دور المورثات الاجتماعية التي زرعها النظام المصري، في مواصلة الاستبداد في الشرق الأوسط. ومثلما أعطت للرق فعالية عميقة فإنها جعلت السلطة السياسية والدينية متكاملة عن طريق التفعيل المقتدر. ومثلما كان دور السومريين هاماً في خلق وتطوير النظام العبودي في التاريخ، فإن دور المصريين هام أيضاً في نضوجه وتحقيق الاستمرارية له.

    2 ـ حضارة هارابا"Harapa" وموهاندجادور"Mohenjadora" في الهند والبنجاب ووادي أنداس

    نحن أمام فرع حضاري مدهش. نبت كما ينبت الفطر من الأرض في عام 2500 ق.م. هذه الحضارة تشبه شكلاً مصيرياً متجرداً أكثر، وقد ثبت أن تطورها في العمارة والكتابة كان محدوداً. ومن المتوقع أنه كان لها علاقة بالسومريين عن طريق المحيط الهندي، ومن المحتمل أيضاً أن تكون المنطقة قد بدأت بالتعرف على أشكال العصر الحجري في الألفية الخامسة قبل الميلاد عبر إيران، وأنها اكثر من أن تكون منتوجاً لثورة زراعية، والتي أخذت منبعها من هنا، فأنها قد تطورت على شكل مستوطنة تجارية مرتبطة بالسومريين، ويقبل على أنه مع الجفاف الذي شهدته المنطقة في الألفية الثانية قبل الميلاد، عاش هذا الفرع من الحضارة انقطاعاً لم يعرف سببه حتى الآن وبقي خارج التاريخ وانطفأ بسبب عدم مقاومته الأزمة التي شهدتها مناطق الحضارة، ونرى أنه لم يكتسب ميزة خاصة أو ديمومة مثل فرع مصر.

    تبدأ الحضارة الهندية بالعيش وتأصلها وديمومتها منذ الألفية الأولى قبل الميلاد كنتيجة لارتباط المجموعات الآرية القوية باستيطانها.

    3ـ الحضارة الصينية

    لقد تعرفت الصين الموجودة في الحدود الشرقية لأسيا، على العصر الحجري الحديث المستند على الهلال الخصيب في الألفية الرابعة قبل الميلاد. ولا نرى أثراً للتطور الداخلي في الثورة الزراعية، ويلعب النهر الأصفر دور مماثل للدور الذي لعبه نهر النيل المصري وذلك بفضل خصوبة تربته المناسبة للري، وتناسب الجغرافيا والمناخ الثقافات النباتية عدا الري المصطنع. لقد تكونت في الصين إمبراطورية عبودية قوية مستندة إلى تطور المجتمع الطبقي في عام 1500 ق.م تقريباً، وتطورت بمركزية قاسية مثل السلالات المصرية، وإنها لم تتعرض للانقطاع كالذي رأيناه في مثال الهند، وقد استمرت إلى يومنا هذا بعد إن شهدت عدة مراحل انقسام وتمركز، وتمكنت من ان تجعل مصدر منشأها الداخلي يغذي نفسه بنفسه دائماً، رغم إننا لم نجد لها مساهمة خاصة بالحضارة. واستطاعت المشاركة بالقناة الأساسية للحضارة بازدياد الجريان مع مرور الزمن في بداية الميلاد والمرحلة الرومانية، حيث أكتسب روافد الحضارة الاجتماعية العديدة الكبيرة والصغيرة، سرعة في المشاركة بالنهر الأساسي بعد اتحاد آسيا وأوروبا في مسار الحضارة. ان النهر الأساسي يكبر ويزداد سرعة، وإن القوى الاجتماعية التي تتجه من الشمال والجنوب بشكل دائم نحو المسار الذي يمر عبر ساحات الحضارة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، تقدم مساهمة للغنى الذي نسميه بالتاريخ، وذلك عن طريق نقلها الخصائص الأساسية للمسار إلى تمأسساتها التحتية والفوقية بشكل دائم، وإضافة بعض الألوان من جوهرها إلى هذه الخصائص. وإن المعنى الملحمي لواقع طريق الحرير التاريخي، ينبع من الدور الذي يلعبه في هذا الغنى الحضاري.

    وفي التقسيم القاري للحضارة جاءت حصة أمريكا للتعرف على العصر النيوليثي في الألفية الثالثة قبل الميلاد تقريباً والدخول في الثورة المدينية في القرن الخامس قبل الميلاد. إن هذه القارة التي شهدت تطوراً محدوداً في داخلها، لن تستطيع البدء بدورها في العالم إلا بشكل متأخر، وتحديداً في القرن العشرين بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية استناداً إلى الرأسمالية الأوروبية الاستيطانية.

    4 ـ لقد شهدت الساحات المجاورة التطورات الأساسية التي نجمت عن انتشار الحضارة السومرية، ومحاولة التصدي له. لقد دخلت كل من المجموعة التي سميت بـ الهوريون"horrıt" من أصل آري في الشمال والشرق والمجموعة التي سميت بالعمورية " amorıt" ذات الجذور السامية في الغرب والجنوب في حركة كبيرة ضد غنى وقوة السومريين المتصاعدة في وسطهم، إذ تعرضت حياتهم القديمة الهادئة المعتمدة على النظام الزراعي القروي المستقر ونظام الرعي المتنقل، إلى زلزال كبير، وكانت المجموعات الآرية في وضع لا يمكنها من تجاوز النظام الزراعي والرعوي الذي تعيشه بعمق، وكان السومريون قد حققوا هذا التفوق منذ أمد طويل، وكانت القبائل الرعوية العمورية بعيدة جداً عن حياة الزراعة والمدينة تخوض حرب البقاء عند ازدياد الجفاف في بعض الأحيان، وذلك في ظروف الصحراء القاسية، وكانت تتصاعد جنة بجانبهم، وكانوا في مواجهة مع اللعب بقدرهم إما أن يكونوا عبيداً خدماً أو فاتحين غزاة، وفي الغرب كانت الحضارة المصرية تواجه تطورات مشابهة، وكان امتحان الحضارة إما سيتفوق على هذه البربرية وينتشر أو أن يختنق وينطفئ.

    وكان التاريخ يواجه لحظات حرجة لمرحلة ديالكتيكية بارزة. وفي الحقيقة، فإن المرحلة التي بدأها السومريون، كانت مرتبطة بحركة هذه القبائل. لكنهم ومع تفوقهم مهدوا السبيل أمام التباين والذي بدوره يؤدي الى التناقض.

    عندما وصل التمدن إلى حدوده الطبيعية في أعوام 2500 ق.م، واحتدمت المنافسة والحرب على الملكية، تملص أعيان سارغون ذوو الجذور السامية وقمعوا التناقضات، وجعلوا تصدير التناقضات سياسة رئيسة لهم، إن ما تميز به سارغون هو أنه أخرج الانفتاحات على الخارج التي كانت تشاهد من قبل كعملية بطولية في بعض الأحيان ـ إن ملحمة كَلكَامش ثمرة من ثمار هذه التطورات ـ من أن تكون حوادث فردية، وأدخلها إلى مرحلة توسعية واستيطانية منظمة ومخططة. لقد بدأت في الاتجاهات الأربع مرحلة سيادة متداخلة مع التجارة عن طريق البر والبحر والأنهار، وتم شرح هذه المرحلة في الكتابات الحجرية بغرور، وانتشرت المستوطنات التجارية بين أعوام 2500 ـ 2000 ق.م من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأسود، ومن داخل إيران إلى جزر وسواحل خليج البصرة مثل كرة الثلج المتدحرجة. لقد أخذ كل من الفينيقين في شرق البحر الأبيض المتوسط، والحثيون في الأناضول الداخلية، والميتانيون في ميزوبوتاميا العليا والوسطى، والعيلاميون في إيران وزاغروس الشرقية بعد ممارساتهم الاستيطانية الأولى وضعهم الخاص بهم ووصلوا إلى القوة السياسية وتحولوا إلى دول، وذلك بعد مقاومة طويلة لم نعرف حقيقتها ألا أننا نجدها دامية من خلال الكتابات الحجرية. وذلك، مثل تكوين الفيدراليات والدول المحلية المشابهة للدولة والتي تشكلت بعد حروب المقاومة والتي تظهر كرد فعل في مرحلة الاستغلال الرأسمالي. وتؤدي المرحلة التاريخية الجديدة التي تتشكل مع تعاظم قوة الاستيطان الإمبريالي السومري والبنى المحلية التي تأثرت بذلك الاستيطان، إلى تطورات هامة. وإن الوصول إلى المجتمع الطبقي من خلال التجسيد والاندماج، والصعود إلى ساحة التاريخ كدول صغيرة، والصراع الناتج عن المنافسة المتزايدة،هي السمة النموذجية لهذه المرحلة.

    عندما كان الاستيطان المستند إلى السومريين نزعة سائدة بين أعوام 2500 ـ 2000 ق.م تقريباً، نرى بأن المرحلة الجديدة التي تكونت من التشكيلات السياسية التي تطورت حول الاستيطان على الأغلب بعد الألفية الثانية قبل الميلاد، قد اكتسبت قوة اندفاعية مع مرور الزمن. وإن المرحلة التي عاشت ما بين أعوام 200ق.م وحتى القرن الخامس قبل الميلاد، فهي ذات معنى كبير في تاريخ الشرق الأوسط. وقد قدمت هذه التشكيلات مساهمة في تاريخ الإنسانية بمقدار المساهمة السومرية والمصرية الكلاسيكية على الأقل، وذلك من خلال تمهيدها السبيل لتطورات عديدة وضم غناها المحلي إلى هذا التاريخ. وهذا يعني أيضاً بقاء نظام الرق مسلطاً على رأس الإنسانية وكأنه قدر ومعايشته مرحلته الناضجة. لذلك يحمل تحليل الجوانب المتعددة للمرحلة الجديدة لحضارة الرق، أهمية كبيرة.


    ...

  9. #9
    خالد الشيخ
    Guest
    الحالة:
    المشاركات: n/a




    يعتبر القائد الكردي في كردستان تركيا من خيرة رجال الجريئين في الساحة السياسية، لذلك يجب على المطلع على القراءة إهتمام خاص بالمؤلفات هذا الرجل الثوري القابع في زنزانة غير عادلة لدولة غير ديمقراطية

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 02-11-2015, 02:12
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-11-2012, 19:37

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك