الإيزيديون أزمة القومية



فرماز غريبو
20-9-2010م
*اعتقد بأننا لم نعد نحتاج إلى شرح تاريخ الإيزيدياتي ,بسبب كثرة الكتابات التي كتبت , ولم نعد نحتاج إلى بيان مراحل تاريخ هذه الديانة ,لأنه حتى غير الإيزيديين صاروا يعرفون عن الدّين الإيزيدي أكثر من كثير من الإيزيديين أنفسهم وقد توقف الكثيرون من غير الإيزيديين على تلك الديانة وقيّموها ,وكتبوا عنها ,وفي آخر خبر من جهات أجنبية كان البيان المشهور والمؤثر الذي صدر عن البرلمان الروسي والذي إعتبر الإيزيدية دينا وإعترف ذلك البرلمان به هكذا وكدين , فكلمة الإيزيدي أو ايزيدي هكذا عرفت منذ 3000سنة قبل الميلاد ,ولكن كدليل على وجود دين ,ففي تلك المرحلة كانت هناك السومرية والهورية ومن ثم الحثية والميتانية والكاشية واخيرا شعب أورارتو (الخالتيون ) بمنطقة وان وحواليها ,ثم تبدلت الأسماء والتسميات من بهديني وداسني والآن يعرف الناس الذين ينتمون إلى ذلك التعبير بالإيزيديين ,هناأريد أن أتطرق إلى أمر هام وخطير جدا ,له تأثيره الكبير على مستقبلنا كإيزيديين ,وكذلك على وجودنا المستقبلي ,وربما ستصبح القضية قضية بقاء أو زوال ,لذلك يجب أن نتناول تلك القضية بحذر شديد ,وتفهم وتعقل ولا نسرع في إصدار الحكم من دافع الهيجان أو الغضب إعتمادا على الماضي وما عانيناه على يد الغير ,سواء أكان هذا الغير من أعدائنا أو من اخواننا ,كما يجب أن نزن الأمور جيدا وننظر إلى طرفي الميزان لنرى أية كفة ستكون لصالحنا ,وأية كفة وأي طرف سيكون عونا لنا,للنظر إلى الأمر بشكل استرتيجي البعيد المدى وليس بشكل وقتي ولأجل فترة قصيرة ,يجب أن نكّون ربيعا دائما وليس ربيع شقائق النعمان أو النرجس ,حتى إذا توقف المطر مات كل الذي كان موجودا ولاننسى بأن لنا حلفاء استرتيجيون ,وأعداء استراتيجيون ,وأن العدو لن يصبح صديقا أبدا ,والصديق سيعرف خطأه وسيتراجع وسيعترف بما ارتكبه من خطأ.
أما عن الموضوع الذي أريد أن أتطرق إليه فإنه أمر شديد الحساسية وخطير جدا وأرجو أن نستفيد من الذي نكتبه ونسمعه ,ومن ثم نحكم بعقل ووعي ودراية ,ففي الوقت الحاضر نرى ونسمع بين الإيزيديين أنفسهم القيل والقال وخاصة عن القومية وعن الإيزيدية وعن العلاقة بين الطرفين ,وإنني إذ أكتب , واقول فإنني أفعل ذلك إنطلاقا من فكر علمي استراتيجي تاريخي وواقعي وواضح للبعض وغامض للآخرين ,ولست بجاهل بكل تلك الأمور التي يتم تناولها وتداولها ,وقد سخرت كل تاريخ حياتي لأجل هذا الدين المقدس لا من منطلق راديكالي ولا من انطلاق مبهم او جاهلي ,بل من منطلق قدسية هذا الدين وما فيه من الخير لجميع بني البشر دون تمييز ,فأي دين يطلب الخير ل 72 شعب قبل نفسه ؟وأي دين حافظ على قوميته لأكثر من 7000 سنة وأي دين عانى من الويلات والمذابح الجماعية أكثر من هذا الدين ,واي دين وحّد الرب قبل آلاف السنين ولم يقبل قط بجعل شركاء له .
منذ فترة ليست بالبعيدة ظهر بين الإيزيديين أناس وجماعات ينادون ويصرخون ولا أحد يقول للآخر أنت على صواب وإذا نظرنا إلى هؤلاء سنجدهم على 3 إتجاهات وهي كالتالي :
1-اتجاه نحو التعريب.(جعل الإيزيديين عربا )
2-اتجاه نحو الكوردايتي (جعل الإيزيديين أكرادا)
3-اتجاه نحو جعل الإيزيديين قومية بذاتها لا عربا ولا أكرادا
لنرى سبب ظهور تلك الإتجاهات ,ومتى كان ذلك ؟وما الدافع إلى هذا وذاك ,وأي اتجاه من تلك الإتجاهات أصح وعلى صواب أو على الأقل أقرب للصواب ؟
1-الإتجاه الأول :أي جعل الإيزيديين عربا .
هذا الإتجاه ينطلق من جعل أصل بعض الناس عربا وليس كلهم ,والذين يقولون بهذا الكلام قلائل وهم ينتمون إلى قسم من عائلة ,لأن كل أفراد تلك العائلة, لايوافقون هؤلاء على تلك الفكرة وذلك الرأي ,بل يرفض معظم أفراد تلك العائلة ذلك الرأي وقد عبّر زعيمهم عن رفضه الصريح لذلك واصّر وفي أكثر من زمن زمكان ,على أنه من القومية الكوردية دون أن ينكر ما تعرض له الإيزيديون من ظلم على يد الأهل والأقارب من هؤلاء الظالمين ,فمثلا لو أتينا إلى أصل المجتمع الإيزيدي نراه هكذا :
الشيخ والبير والمريد ,فكل من البير والمريد يقولون بشكل قطعي بأنهم ليسوا عربا ولا تركا ولا فرسا ,وتبقى الشريحة الباقية وهي الشيخ ,فهنا نجد الأدانيين والشمسانيين والقاتانيين
,فالشمسانيون ينتمون إلى إيزدين مير والذي كان من منطقة تبريز بايران أو على الأقل كان يسكن هناك وقت قدوم شيخادي عليه السلام ووقف مع شيخادي في كل شئ ولم يخالفه ,ولم يقل أي فرد من تلك العائلة يوما بانه من اصل عربي .
والأدانيون ينتمون إلى أسرة شيخادي الكوردي الهكاري والذي جاء من منطقة بعلبك بلبنان ,والذي كانت أسرته قد هاجرت من منطقة هكار من تركيا ,هربا من الظلم وسكنت في لبنان ومن ثم توجه نحو لالش النوراني وسكن هناك مدافعا عن الدين الإيزيدي ولم يقل يوما من الأيام بأنه عربي ,كما لم يرد عنه وعلى لسان أي شخص بأنه قال بيوم من الأيام على أنه عربي .
أما القاتانيون فهم من سلالة درويش قاتان والذي ينتهي الأمر بهم إلى شيخوبكر عليه السلام وهم بالأصل من منطقة خراسان وعلى لسان الكثيرين من الإيزيديين المهتمين بالشأن الإيزيدي,حيث كان الكثير من الإيزيديين يسكنون هناك في ذلك الوقت كما كان هناك مركز مقدس للإيزيديين كما سمعت من كبار السن ومن هناك جاءت تلك السلالة ,ولم يكن هناك من العرب أي في منطقة خراسان ,في الوقت الذي كان للإيزيديين هناك سلطة ,على الأقل دينية .
فكيف يمكن أن نقول عن قسم من هؤلاء بأنهم من اصل عربي ؟
لكن لماذا يقول أناس ذلك ؟
حسب رأيي الخاص فإن الأمر يعود إلى سببين هما :
1-الجهل بالتاريخ:
2-المصلحة الشخصية:
فلو عرف أصحاب هذا الإتجاه حقيقة التاريخ واستوعبوه على حقيقته ,وعرفوا عن أصلهم بشكل صحيح لما قالوا هكذا ,وقد توجهت بسؤال مقصود إلى أحد ابرز شخصيات تلك العائلة والتي يدعي بعض الناس بذلك فرفض رفضا قاطعا ذلك الإتجاه وأقوال هؤلاء ,وطلب منا ترك هؤلاء وعدم الإهتمام بما يقولون أصلا ,فكيف يكون أصلهم من منطقة خراسان حيث الوجود الكوردي ومصدر أسرتهم ويكونون عربا؟
هذا من جهة ومن جهة أخرى عندما يقول شخص شيئا ,فإنه يجب عليه تقديم الإثباتات ,فإن كان أصل هؤلاء عربيا فمن أية عشيرة أتوا ؟وكما نعرف العرب عشائر وأفخاذ وذلك معروف جيدا عند كل الناس في وطن العرب ,أما أن يقول شخص بأنه عربي ولايعرف أصله فهذا أمر صعب جدا ومرفوض تماما عند العرب وغير العرب ,لذلك نتمنى أن يبيّن هؤلاء أصلهم وعشيرتهم وأهلا وسهلا بهم أخوة لنا في الدين ومن دون حرج ,وإلا فمن الأحسن عدم ترك المجال للآخرين لكي يسخروا منهم
ومن جهة أخرى ,فإن أصحاب هذا الإتجاه لم يستقروا على إتجاه واحد ,فمرة يقولون بأنهم من الأشوريين ومرة من العرب وليس من الغريب أن يأتوا يوما ويقولوا بأنهم من الترك أو الفرس.
هؤلاء الناس وكما يبدو يركضون وراء تحقيق غايات ومصالح شخصية ,وإلا فلماذا القول هكذا وإطلاق التصريحات والجلوس على طاولات الغير ,الذين لايكّنون أي إحترام للإيزيديين كدين أصلا,لذا فإنه ليس أمامنا ,إلا القول بأن هدف هؤلاء من مثل تلك الأقوال إنما هو تحقيق أهداف ومصالح وغايات شخصية لاغير ,ولو كان هدفهم مصلحة شعبهم الإيزيدي لما قالوا مثل هذا الكلام ,وهم يعرفون سلفا بأن العرب أنفسهم يسخرون منهم بسبب تلك الإدعاءآت ويقولون عنهم بأنه غير صادقين .
2-الإتجاه الثاني :جعل الإيزيديين أكرادا :
أصحاب هذا الإتجاه يقولون بأن أصل الإيزيديين كورد أي أنهم من القومية الكوردية,وهم يعتمدون على حجج ومنها التاريخ المشترك مع ألاخرين من الكورد ,الثقافة المشتركة,الوطن المشترك ,العادات والتقاليد المشتركة ,بمعنى عدم وجود أي إختلاف بينهم وبين بقية الكورد من غير الإيزيديين سوى في الإيمان والإعتقاد والدين ,كما أن هؤلاء يقولون بأن الحجة الكبرى التي توجد بأيديهم هي أن نصوص الدين الإيزيدي مكتوبة أو تقال باللغة الكوردية ,بخلاف كل الأكراد الآخرين ,فمثلا النصوص الدينية للكورد من المسيحيين غير كوردية اللغة والنصوص الدينية للكورد من اليهود غير كوردية والنصوص الدينية للكورد المسلمين غير كوردية ,لذلك نجد بأن الإيزيديين هم أصحاب القومية الكوردية قبل كل هؤلاء لأن دينهم دين كوردي .وعدد هؤلاء كثير وليس من المنطق أن يكون هدف هؤلاء المصلحة الشخصية ,او تحقيق غايات ذاتية ,وإنما قصد هؤلاء هو أن يقولوا للناس كل الناس بأنهم هم قبل غيرهم أصحاب هذه القومية ,وقد حافظوا عليها خلال مسيرة التاريخ الدامي التي رافقتهم وكان سبب تلك المسيرة الدامية تلك القومية وخاصة أن الدين الإيزيدي دين قومي ويكمن فيه كل مقومات القومية الكوردية ,لذلك كان الأعداء يركزون أولا وقبل كل شئ على تصفية الإيزيديين والقضاء عليهم ,بهدف القضاء على مقومات القومية الكوردية, ومن ثم امحاء تلك القومية من التاريخ والوجود تماما ,وما المذابح الجماعية التي ارتكبت بحق الإيزيديين ,إلا لأجل إنهاء الوجود الكوردي.
3-اصحاب الإتجاه الثالث :جعل الإيزيديين قومية بذاتها :
هذا التوجه ,توجه قديم جديد ,فقد تواجد ذلك الإتجاه عند الإيزيديين في دول السوفييت السابق ,وطبعا ليس لدى الجميع وإنما لدى شريحة من هؤلاء ,لأن معظم الإيزيديين هناك وخاصة المثقفين منهم لايقولون ذلك وإنما بالعكس يتمسكون بأصلهم القومي الكوردي ,وربما كان هناك تدخل من قبل بعض الناس هناك حتى تم إيصال الأمر إلى البرلمان الروسي قبل سنة من الآن ,واقرّ البرلمان إعتبار الإيزيدية دين وليس قومية ,لكن في الوقت الحاضر ظهر اتجاه عند بعض الإيزيديين ,من غير الإيزيديين في دول السوفييت السابق ,في سوريا – العراق الذين يطالبون بجعل الإيزيدية قومية ,ودمج القومية مع الدين ,وجعلهما واحدا ,أي الدين إيزيدي والقومية إيزيدية ,ولكن ما الذي يعتمدون عليه لأجل ذلك ؟فلو سألناهم ماهي لغتكم وماهو وطنكم وما هو تاريخكم ووووو؟كيف ستكون الأجوبة على كل تلك الأسئلة ؟
حسب ما أرى فإن سبب ظهور هذا الإتجاه يعود إلى عدة أمور منها :
1-الظلم الذي تعرض له الإيزيديون ,على يد الكورد عبر التاريخ ,فيذكرون المذابح التاريخية مثل المير محمد الراوندوزي وبدرخان بك وغيرهما ,وتعاونهم مع أعداء الكورد في إرتكاب الجرائم ضد الإيزيديين وهم أخوانهم في الوطن والقومية ,لذلك فهم ينظرون إلى الكورد بعين معاتبة ليس إلا ومن جهة أخرى يقولون بأن الكورد قد غيروا دينهم ,ومن ثم حدث تأثير على إتجاههم القومي, بحيث وضعوا كل شئ في خدمة أصحاب الدين الجديد وضد القومية الكوردية والشعب الكوردي وويرون ذلك جريمة ولذلك يقولون بأنهم لايريدون أن يكونوا مثل هؤلاء,معادين لدينهم وشعبهم ووطنهم ,فإيزيدوا دول السوفييت يقولون بأن السبب الأساسي لوجودهم هناك ,كان بسبب وقوف الكورد من غير الإيزيديين ضدهم, وتعاونهم مع أعداء الشعب الكوردي,ورفضوا وضعهم تحت تلك التسمية غضبا وإنزعاجا .
2-إهمال القيادة السياسية الكوردية الإيزيديين وخاصة بعد 1991م ,فبعد تحرير قسم من كوردستان العراق,لم تول القيادة الكوردية ذلك الإهتمام المطلوب بالإيزيديين وخاصة من الناحية السياسية ,وتراجع الإهتمام الذي كان موجودا قبل 1991 ,فعندما كان الإهتمام موجودا لم يكن الإبتعاد عن القومية الكوردية موجودا ,وكلنا نتذكر ما قدمه الإيزيديون للثورة في كل مراحلها ,وقد تم إرتكاب خطأ تاريخي فظيع عندما تم الإعتماد على المادة 140 من الدستور العراقي الجديد,والتعامل مع الإيزيديين على هذا الأساس ,ولكن تم تدارك الأمر مؤخرا وبعد الإنتباه إلى ذلك ,لكن كان الأمر قد تطور سلبيا وصار من الصعوبة إعادة عجلات التاريخ إلى الوراء بسهولة ,وأحتاج ذلك إلى جهد مضاعف لإقناع الناس وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل ذلك ,وسيلعب ذلك دورا سلبيا في تاريخ كوردستان المستقبلي ,هذا في كوردستان العراق ونجد نفس الإشمئزاز في بقية أجزاء كوردستان مثل سوريا وتركيا وضعف مكانة الإيزيديين السياسي وعدم افساح المجال لهم بشغل الأماكن الحساسة والمهمة في الوسط السياسي ,وكان من الواجب أن يتم تخصيص مكان لهم بذاتهم في كل مكان مثل المكتب السياسي واللجنة المركزية لكل تنظيم كوردي ,فقد لاحظ الإيزيديون بأنه وعن طريق الإنتخاب الحر كما يدّعى سوف لن يحصل الإيزيدي على مركز مرموق , بسبب الدافع الديني المتزمت في الوسط الكوردي .
3-الدافع الشخصي والركض خلف المصلحة الشخصية وتحقيقها:
هنا نجد بعض الناس يتصرفون هكذا لا من دافع الإيزيدياتي ,والحرص على مصلحة الإيزيديين ,فقد كان بعض هؤلاء في الماضي القريب يعمل مع أعداء الإيزيديين ضد الإيزيديين لأجل تحقيق غايات شخصية ,والآن يأتي هذا ويتباكى على الإيزيديين دون أن يكون في يوم من الايام قد خدم الدين والمجتمع الإيزيدي,ولكن مقابل ذلك نجد بعض الناس من هؤلاء ممن لهم هدف نبيل ولا يفعلون ذلك لغايات شخصية .
4-دافع الخوف :هنا نجد بعض الناس الذين لايزالون يتذكرون الماضي بصورة سوداء ,ويفرشون الأرض بالموت الذي ينتظرهم ,ويريدون تكوين كيان إيزيدي مستقل عن الآخرين من الأديان الأخرى ,ويتذكرون امثلة مثل اليهودية التي دمجت بين الدين والتكوين الإجتماعي ,ونادت بوجود القومية اليهودية أو الإسرائيلية ,ويخاف هؤلاء من عودة الماضي بلونه الأسود ,ويجب أن نعرف بأن هناك الكثير من الخيرين وهناك الكثير من الأشرار وراء هذا الأمر ,لذا يجب نكون يقظين إزاء ذلك وننتبه إلى كل خطوة نخطوها ,ونتوقع الربح والخسارة ونختار الربح وليس الخسارة ,والامر الأربح على الإطلاق بالنسبة لنا هو الإتفاق ووحدة الصف.