حوار مع الباحث والكاتب هوشنك بروكا (2)
زهرة نيسان - فائز الحراقي

/ يسلط الباحث والكاتب هوشنك بروكا في الجزء الثاني والأخير من اللقاء الذي أجرته زهرة نيسان الضوء على (الايزيدي في الخارج) ويناقش خيارته في (الاندماج) أو (الانصهار)، ويؤكد بروكا ان الايزيدي في الخارج ما يزال ظلا للايزيدي في الداخل..
ويؤكد ان كردستان هي وطن الإيزيديين النهائي، ولا وطن بديل لهم سواه. هذا ليس خياراً للإيزيديين،وإنما هو أمر واقع، لأنهم أكراد من الأرض إلى السماء
.
وينتقد بروكا بشدة أصحابمشروع (القومية الايزيدية) ويعتبرهم يلعبون على حبال السياسة، ويسأل بروكا " أين هيهذه القومية؛ هي من أين إلى أين؛ وما هي جهتها وزمانها ومكانها ولسانها؟ والأهم منكل ذلك ما هو عنوان هذا الوطن الممكن، إيزيدياً، خارج كردستان ؟
"
وأدناه الجزءالثاني والأخير من اللقاء:

تعني الديمقراطية الصحيحة هي التي تأخذ مصداقيتها من الشعب؟
نعم ديمقراطية تكون من الشعب وإلى الشعب. هناك الكثير من "الديمقراطيات المفترضة" في الشرق التي يفوز فيها "ملوكها" لا بل شيوخها بمعدل (99.99%). هذه هي ديمقراطية "الفوق" بعرف الشرق. يفوز الرئيس كما يريد، ويسقط منافسيه كما يريد.
في كردستان الأمر مختلف جزئياً. ولكن من عانى من الديكتاتورية وويلاتها، عليه ألاّ يكررها على شعبه بمسميات براقة، لا يذهب الفعل فيها أبعد من لفظها.
الديمقراطية الراهنة، في كردستان، فيها من "التعيينات الديكتاتورية" أكثر من "الإنتخابات الديمقراطية".

تخمينكم لمستقبل الديانة الأيزيدية في زحمة الثقافات الغربية؟ بمعنىً أخر هل تتمكن الإيزيدية من أن تحافظ على صيرورتها أو ديمومتها أم إنها ستنصهر في بودقة الحضارة الغربية؟
تقصد في الراهن؟

نعم في الراهن؟
الراهن الإيزيدي يقول الأتي:
الإيزيدي في الخارج يعيش، يقوم ويقعد، لكأنه ظل الإيزيدي في الداخل. والظل في المعنى الذي أقصده هو ما يتبع الأصل ويحذو حذوه في كل كبيرة وصغيرة، أينما حل الأصل ورحل. بمعنى أن الخارج الإيزيدي يتحرك بوحيٍّ من "أمية" الداخل الإيزيدي؛ الداخل "اللاعاقل" الذي استقرّ في قاع العالم.
الإيزيدي الذي تقصده، والذي يعيش الآن بالفعل في "زحمة" الثقافات الغربية وانفتاحها على كل ممكنٍ عاقل، هو بعيد كل البعد عن أيّة مشاركةٍ فاعلةٍ عاقلة. هو ترك ثقافته ولم يندمج في ثقافة الآخر هناك أيضاً. هو غادر إيزيديته(كخصوصية طالما صارع لأجل بقائها) برضاه، دون أن يرضى بأية ثقافةٍ تمهده لدخولٍ ممكنٍ عاقلٍ في غربها. هو "انحل" في اللامجتمع، دون أن يندمج في أيّ مجتمعٍ. فهل يمكن لهكذا إيزيدي أن يكون مستقبلاً للإيزيدية التي تتحدث عنها؟
لا يمكن لهكذا إيزيدي، اختار لنفسه موقع "الظل" لداخلٍ ميت، إلا أن يكون خارجاً صاهراً ومنصهراً في آن. الإيزيدي في الخارج، لا يزال يعيش على قشرة الغرب وحضارته، دون أن يجرب الولوج أو الدخول فيها. هذا الإيزيدي الذي ربما تعوّل أو يعّول عليه، لا يزال يعتاش على الحضارة ولا يعيشها.
في الغرب، وكمواطن فيه، أنا لست مع مصطلح "الإنصهار"، لأنه مصطلح عنصري لايقبل الآخر. أنا أفضل استخدام مصطلح "الإندماج"، هو الأكثر مناسباً لمجتمعٍ يعيش فيه كثير ثقافي متعدد.
ثقافة ال"مولتي كولتي"، هي ثقافة كثيرة بعكس الثقافة الواحدة التي يريد لها دعاة "الإنصهار" أن تكون.
أنا مثلاً مواطن ألماني، وأحب ألمانيا جداً، لأنها وطني، ولكن هذا لا يمنعني من أن أنسى كرديتي أو أسقط كل ما هو كرديٍّ عن تاريخي. أنا لا أرمي تاريخي بالمسدس، كي لا يرميني المستقبل بالمدفع، على حد قول الكبير الداغستاني رسول حمزاتوف. ألمانيا لا تمنعني من أن أكون كردياً يعيش ويترك الآخرين يعيشون. لدي طفلان يتحدثان بكوردية طلقة، هذا كان خيارنا أنا وزجتي، في "ألماينا" نا، التي اخترناها لنا وطناً أكيداً، نحترمه جداً ويحترمنا، نأخذ منه ويعطينا؛ نأكل من سلته، ونعمل فيها ولها؛ نتركه لحريته ويعطينا حريتنا، نمشي تحت قوانينه، ويأخذ بأيدينا إلى حقوقنا. هناك من التقيتهم في ألمانيا، شرقيون كثيرون(خصوصاً من تركيا) ممن ينتمون إلى الجيل الثالث المولود في ألمانيا والمتلقي لتربيتها وتعليمها، هذا البعض لا يزال "يرفس" ألمانيا، كأجداده الأولين، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الإحتكاك بثقافتها، والعيش من سلتها. فماذا تسمي هكذا "أخلاق وطنية" مفصلة على الطريقة الشرقية؟
لكل ثقافة مساوئها ومحاسنها. نظرية الإندماج تقول، بدمج المحاسن من كل ثقافة، للوصول إلى ثقافة "محسّنة" إن صح التعبير. أنا مع ثقافة الإندماج، التي تسعى لخلق "إنسان محسّن"؛ "علاقات محسّنة"، و"مجتمع محسّن". وثقافة كهذه، هي ثقافة عابرة للقبليات والقوميات والإلهيات، وسواها من العصبيات الأخرى. لاحظ الثقافة الأميركية، هي ليست ثقافة واحدة، وإنما ثقافة كثيرة، أشرف العقلاء على تحسينها و"تخصيبها". كذا الثقافة السويسرية فهي ليست ب"طليانية" (إيطالية)، ولا فرنسية ولا ألمانية ولا رومانشية، علماً أن الأمة السويسرية، مؤلفة من شعوب هذه الثقافات مجتمعةً.

تعني بذلك الأصالة ستبقى؟
الأصالة بمعناها المدني الواسع، لا الديني الضيق. فهي لا تعني بالنسبة لي، الصوم والصلاة والحج إلى بيت الله، كما يفهمه العقل الديني. الأصالة هي الثقافة الأصل. الأصالة التي التي أقصدها، هي الثقافة الطبيعية، أو تلك الميزات الثقافية على سجيتها الطبيعية، والتي أرى فيها الله والكون والإنسان طبيعياً جميلاً. أن تكون أصيلاً، لا يعني أن تكون "ضداً" للآخر، وإنما مكملاً له. أن تكون أصيلاً، لايمنعك من تحترم أصالة الآخرين، ليحترموك. الأصالة كما أفهمها، هي أن تكون أنت، وتتكرك الآخرين أن يكونوا أنفسهم. ولكن ما نراه راهناً في هذا المقام، هو العكس أي "ضد الأصالة" وعدوها. الأصالة، في المفهوم الشرقي، كائن خرافي إسمه رجل. فالإله ههنا، والحديث عن الإيزيدية، منحرف أو "أنتي أصيل"، والدين منحرف، والمجلس الروحاني الإيزيدي منحرف.. الكلُ أصبح منحرفاً أو ضداً للأصالة التي نتحدث عنها أو نريد لها أن تكون. هكذا "أنتي أصالة"، مستنسخة، أو "ممسوخة" إلى حد القرف والإشمئزاز، لم ولن تخدم العقل، في دين أصبح غريباً على العقل ووبالاً عليه. هكذا "لا أصالة" إيزيدية ستؤدي في المنتهى، إلى "مؤمن لا أصيل" أو منافق في أحسن الأحوال، ومجتمع خارج عن كل أصالة.
الله، ليس جلباباً أو كوفيةً كي تلبسه في المناسبات الدينية وقت تشاء وكيفما تشاء.
الطريق إلى يدي الله ورحمته، لا يمرّ فقط ب"دفع الضريبة"، أو "القانجور"(ضريبة الجندرمة في القاموس العثماني) لمجيوري لالش وصاحب مفاتيحها ورئيس مجلسها الروحاني.
الله، في المصطلح الدينني الذي من المفترض له أن يكون، هو رحمة، أو هكذا يجب أن يكون. ولكن الراهن الإيزيدي من لالش إلى لالش يقول، إن الله وما حوله من أسماء إيزيدية مقدسة، صار إلى نقمة، ما بعدها نقمة.

كثيراً ما تردد في كتاباتك عبارات (ألمانيا الوطن البديل)؟ ماذا تقصد من وراء ذلك؟ وهل حقاً هي الوطن البديل؟
أنا لم أتحدث عن ألمانيا ك"وطن بديل"، وإنما كتبت عن "كوردستان كوطن نهائي للإيزيديين"، باعتبارهم أكراداً وأكراداً أصلاء فقط (كما يقول الفوق الكوردي السياسي على الدوام). قضية "الوطن البديل"، خاطئة من أساسها، لأنها قضية مستحيلة الفك والحل. كردستان هي وطن الإيزيديين النهائي، ولا وطن بديل لهم سواه. هذا ليس خياراً للإيزيديين، وإنم هو أمر واقع، لأنهم أكراد من الأرض إلى السماء. فهم لم يختاروا كرديتهم بإرادتهم. نعم هناك من البعض الإيزيدي ممن يحاول الهروب من "كردستان الوطن النهائي" والإنقلاب عليها. هذا يلعب على حبال السياسة هنا وهناك، بحجة أن "القومية الإيزيدية". ولكن أين هي هذه القومية؛ هي من أين إلى أين؛ وما هي جهتها وزمانها ومكانها ولسانها؟ والأهم من كل ذلك ما هو عنوان هذا الوطن الممكن، إيزيدياً، خارج كردستان ؟ هذه خرافة سياسية ما بعدها خرافة. ثم كيف سنجد وطن بديل لما يقارب نصف مليون إيزيدي. هذا مستحيل غير ممكن؛ غير وارد لا في فن السياسة بإعتباره فناً لتحقيق الممكنات، ولا في أية فنون أخرى، اللهم إلا في فن اللعب بالإيزيدية وعليها. كل محاولة للبحث عن وطن بديل للإيزيديين خارج كردستانهم، هي محاولة ميتة أو مكتوب عليها الموت سلفاً، فضلاً عن أنها "بحثٌ هراء" عن "وطن هراء". كوردستان هي وطن للإيزيديين، كما هي لكل مكوناتها الدينية والإثنية الأخرى، بأكرادها ولا أكرادها. على الإيزيديين، برأيي، أن يقولوا نعم لكوردستان وطناً نهائياً لهم، ولكن هذا لا يعني أن يقبلوا بكردستان لا تقبل بحقوقهم الكاملة بالتساوي مع مواطنيهم الآخرين. عليهم، وهم المنتمون إلى المنظومة الكردستانية الراهنة، أن يقولوا في كردستانهم، لا "كبيرة" ل"اللاحرية" و"اللاديمقراطية" و"اللامساواة" و"اللاعدالة"، على الطريقة الكردية، كما نراها اليوم، من كردستان إلى كردستان.
الإيزيديون أكراد أقحاح، وهذا ليس عيباً أو نقيصة، ولا هي بخيالٍ من صنع المرضى، وأنما هو واقع وحقيقة. هو واقع لم يكن لأحد خيار في صنعه، وإنما "واقع كان ولايزال"، لأن الطبيعة الإثنية أرادت لهم هكذا أن يكونوها. تماماً مثلما لم يكن للفرنسي أو الألماني أو العربي خيارٌ في أن يكون إثنيته.

كذلك كل طقوس الديانة الإيزيدية هي باللغة الكوردية ..
أنا لا أشك في ذلك أصلاً، ودعني أقول لك بكل صراحة، بأني شخصياً لا أستسيغ لا بل أكره استخدام مصطلح "الكورد الإيزيديون". هذا المصطلح يذكرني بمصطلح "الثقافة العربية الإسلامية". فهل هناك "ثقافة" عربية راهنة غير إسلامية أصلاً؟ أليس كل ما هو إسلامي في الراهن المعاش، هو عربي بالضرورة. ألا يقول القرآن بأن الله أنزلهم "قرآناً عربياً مبيناً"؟ ألم يقل النبي العربي نفسه: "إنّ العربية ليست بأبٍ ولا أم، ولكن العربية لسانٌ، فمن تكلّم العربية فهو عربيّ"؟
في مظنتي، أن تشدق البعض الكثير(القوموي بخاصة) بهذا المصطلح، فيه من الشك بكردية الإيزيديين أكثر من اليقين، وإلا لماذا كل هذا الإصرار على إيزيديين، ليس لهم إلأا أن يكونوا أكراداً، وأكراداً فقط، كما يشهد على ذلك أكثر من 90% من علمهم الشفوي؟
فمثلما أنزل الله، إسلامياً، على أمته "قرآناً عربياً مبيناً"، كذا يعتقد الإيزيديون بأن إلههم أنزلهم "قرآناً كردياً مبيناً"، فهل من شاهدٍ على كردية الإيزيديين، أكبر من الله؟
ثم أنّ النصوص الإيزيدية نفسها تقول ب"كردستان" وطناً لدينهم قبل دنياهم(قول شرفدين مثلاً، الذي يعتبره الإيزيديون نشيداً ما بعده نشيد لوجودهم الماضي والراهن على حدٍ سواء).
لهذا ولأشياء أخرى كثيرة يضيق المجال لذكرها، أدعوا من على هذا المنبر، كل المثقفين والمفكرين وأصحاب الشأن في هذا المجال، أن يكفوا عن هذا "الشك المستتر" بكردية الإيزيديين، عبر إلحاحهم، بقصدٍ أو بدونه، على التشدق السياسوي بهذا المصطلح الشكاك(الكورد الإيزيديون) .
الإيزيديون أكراد ولكنهم ليسوا أكراداً لأجل أن يكونوا "أكراداً" فحسب وفقط. هم أكراد من كردستان وإليها، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. الكوردورية ليست واجبات فقط. الكردياتي ليست "واجباً قومياً" أن تكون كردياً وتموت لأجلها فقط. وإنما هي أيضاً حقوقٌ واستحقاقات في الحياة. الكوردَورية ليست "شهادة حسن سلوك"، أو "شهادة قومية" للإستشهاد في سبيلها فقط، وإنما أيضاً هي "وطن" للعيش فيه، كمواطن بلا درجات أيضاً. فهل كردستان الموجودة هي هكذا كما يُراد لها أن تكون وطناً من الجميع، للجميع وإلى الجميع؟ بالطبع لا.
كردستان الموجودة راهناً، هي كردستان صناديق الإقتراع والإنتخابات التي فيها من التعيينات أكثر من الإنتخابات، وفيها من "الواجب القومي" أكثر من "الحقوق الوطنية". الإيزيدي في كل المناسبات الإنتخابية من بغداد إلى هولير، ما كان له إلا أن يصوّت للقائمة الكردستانية، وفعل. الإيزيدي قال مع هذه القائمة نعم للدستور ونعم لتحقيق المادة 140، ونعم لكردستان في شنكال، ولهذه الأخيرة جزءاً لا يتجزأ من كردستان، ولكن ماذا جنى الإيزيديون في المقابل، كأبناء لكردستانهم؟
الإيزيديون في كردستان لا يزالون، كسواهم من الأقليات الأخرى، كالفيليين والهوراميين والشبك إضافةً إلى بعضٍ غير قليل من الأكراد السنة أيضاً، مواطنين بلا وطن يحميهم. هم في كردستانهم "مواطنوا واجبات" لا "مواطني حقوق".

كونكم أحد المهتمين بالشأن الإيزيدي كانت هناك محاولات جادة لترتيب البيت الإيزيدي، فماذا تقترح على الإيزيديين لترتيب بيتهم؟
هذا سؤالٌ يحتاج إلى كتاب؛ سؤال لن ينتهي.

بإيجازٍ إن أمكن؟
أولاً المجلس الروحاني هو مجلس أكثر من معطّل، ومع هذا لا يزال هو الممثل الشرعي المفترض للإيزيديين ليس في العراق فحسب، وإنما في كل العالم، كما يقول إسمه. على عقلاء الإيزيدية أن يفكروا بميكانيزم ل"تفعيل" هذا المجلس، وإخراجه من "عطالته" و"تعطيله" المزمنَين. على هذا المجلس أن يغادر السياسة ويتركها للسياسيين. عليه أن يمارس الدين، ويستقيل عن السياسة. عليه أن يكفّ عن بيع الدين وكل الله فيه، مقابل صكوك سياسية مدفوعة سلفاً، من هذه الجهة أو تلك، وهذا الحزب أو ذاك. هذه الخطوة الأولى الممكنة التي تمكّن الإيزيديين من الخروج من عنق زجاجة مجلسهم الذي بات فيه من المصلحة والجيب والسياسة أكثر من الدين وتوابعه. أما الخطوة الثانية، فهي السعي الحثيث ل"تشكيل" ما يمكن تسميته ب"برلمان إيزيدي" يجتمع فيه كل إيزيديي العالم، في الداخل والخارج، ومن كافة شرائحه، على أن يكون هذا البرلمان دنيوياً، أكثر من أن يكون دينياً. هناك من سيقول بكل تأكيد، أن هذا "يشكل خطراً على الأمن القومي الكردي، فالإيزيديون ممثلون في البرلمان الكردستاني، مثلهم مثل غيرهم، ولا يحتاجون إلى برلمانات". وأنا أرد على هذا البعض، هل هناك ممثل واحد في برلمان كردستان، "غير معيّن"، و"غير موافق" أو "مصدّق" عليه، حزبياً، للعبور إلى تحت قبة البرلمان؟ أليس التعيين، لا الإنتخاب، هو سيد الموقف في ديمقراطية كردستان الراهنة؟
القصد من هذا الطرح(برلمان للإيزيديين) هو الإشتغال على حقوق المواطنة، في كل مناطق تواجد الإيزيديين في العالم، وليس في كردستان فقط. مأ أقصده، هو "برلمان مدني" يدافع عن حقوق الإيزيديين، ك"مواطنين مدنيين" فقط، لا ك"دينيين"، أو مواطنين مقيمين في الدين، وكأن الدين وطن لا بَعدَ بعده.
بهاتين الخطوتين المتلازمتين، يمكن للإيزيديين أن يبدؤوا ب"رحلة الألف ميل التي تبدأ بخطوة"، على حد قول الحكمة الصينية المشهورة.
على الإيزيدي الخروج من صومعته الدينية، و"عفونته المتدينة"، أو ما أسميه ب"التعفن الديني". عليه أن يخرج من بركة الدين المتعفنة.
تقصد البركة الأسنة وعليهِ أن يخرج من قوقعتهِ؟
نعم..عليه أن يغادر البركة المتدينة الأسنة، ديناً وثقافةً. على الإيزيدي المثقف أن يحاول أو يسعى إلى ربط الدين بالعالم لا بلالش، كما هو حاصل راهناً، على مستوى المجمل مما يسمى ب"الخطاب الثقافي الإيزيدي". إنّ أية محاولة، أو إصرار(دينيا أكان أو ثقافياً)، لربط الدين بلالش وحواليها فقط، وكأن لالش هي كل الكون، أو درته وسرته، مثلما يقول "العلم" الإيزيدي الشفوي، هي محاولة يائسة، محكومة بالموت: موت الإيزيدية وإنسانها على حدٍّ سواء؛ هي محاولة ميتة قبل ولادتها، تستحق قراءة أكثر من فاتحة على روحها، وروح ركابها. لالش هي ثابتة منذ أكثر من ثمانية قرونٍ ونيفٍ من الزمان، فيما العالم من حواليها، كله يتحرك ويتغيّر. أفعى لالش التي تستقبل روادها عند الأول من عتبتها، لا تزال هي هي. "الأفعى التي لا تغيّر جلدها تموت، وكذلك البشر الذين لا يغيِّرون أفكارهم يهلكون"، على حد قول الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريك نيتشه. على الإيزيدي، سياسياً، أن يشتغل على العقل السياسي بعقلانية لا بالعواطف، فالعاطفة والسياسة خطان متوازيان لن يلتقيا مهما امتدا. السياسة مطاط، السياسة عقل يتبدّل، السياسة كرّ وفرّ، السياسة مصالح.

السياسة فن تحقيق الممكن، ألا تتفق معي؟
نعم ولكن هذا "الفن السياسي" الذي تتحدث عنه، أي "فن تحقيق الممكن" هو فن غائب، لا وجود له أصلا، على مستوى "العقل السياسي"، إيزيدياً، إن صحت العبارة. الإيزيدي السياسي، لا يفكّر في السياسة، وأنما يدخل فيها. هو لا يشتغل عليها وإنما يعمل فيها. هو لا يعمل فيها لصالحه، وإنما يعمل لصالحها. السياسي الإيزيدي، هو سياسي يتبع، لا يقود. والدليل موجود في الراهن السياسي الكردي في كل "كردستانا آزاد". فهل هناك قيادي إيزيدي واحد في كل أحزابها الكردية يشارك في صنع القرار؟ هل هناك "محمود إيزيدي" واحد يصنع القرار في الفوق، كما كان أيام زمان، أيام كردستان الجبل؟ طبعاً لا.
بإختصار، الإيزيدي إذ يدخل السياسة، ههنا، فإنه لا يمارسها، وإنما يتمترس بها. هو لا يصنع السياسة، وإنما هي التي تصنعه، وتحركه كأحجار الشطرنج. هو لا يصنع ل"كش ملك" قط، ولا قرار له في كلّ "الكشات السياسية"، لا من بعيد ولا من قريب، وإنما يخدم في "الجندية الحزبية"، لتنفيذها كأي "جندي أمامي" تحت الطلب.

هل لكم أن تحددوا العوامل التي عصفت بالبنية الإيزيدية ومن كل النواحي، والتي أدت بالنتيجة إلى هضم حقوقهم؟
كفكر دعني أن أحيد عن مصطلح "الفكر" في الإيزيدية. أني أتجنب استخدام هكذا مصطلحات كبيرة، لا وجود لها في "عقل صغير". برأيي، لا يوجد في الإيزيدية فكر بمعنى الفكر المصطلح عليه. وإنما هناك ميثولوجيا، هناك دين، هناك "نقول شفوية"، أو ما أسميه ب"العلم الشفوي". أما الفكر بالمعنى الذي أفهمه، على أنه اشتغالٌ على العقل، ومساهمة عاقلة في صناعة العقل، فهو غائب. حتى مصطلح "المثقف الإيزيدي"، الذي أصبح دارجاً في "الأدبيات" والدوريات الإيزيدية، هو محل شكٍ كبير بالنسبة لي. مصطلح "المثقف، الذي أشتغل عليه والذي أريد له أن يكون، هو "المثقف الفاعل"، لا "المثقف المفعول به"؛ "المثقف الفعّل أو الفعّال"، لا "المثقف المعطِّل والمعطَّل"؛ "المثقف الجريء" لا "المثقف الذي يخاف ظله"؛ "المثقف العضوي" على حد تعبير أنطونيو غرامشي. المثقف، كظاهرة، أشك في وجوده إيزيدياً، أما على مستوى الأفراد، لا شك، فهو موجودٌ هنا وهناك، وإن بندرة. إنا أتحدث عن "المثقف القاعدة"، أو "المثقف الظاهرة"، هذا المثقف غائب، عن المشهد الإيزيدي. أما الإستثناء فلا يمكن إلغائه، فهو موجودٌ في كل زمانٍ ومكان، عملاً ب"القاعدة التي لها استثناءاتها".

هل نتيجةً لهشاشة مواقفهم إزاء ما يحدث تقول ذلك؟
المثقف هو الموقف، والموقف لا يمكن أن يكونه إلا المثقف. ثم أن "الحياة موقف" على حدّ تعبير أنطون سعادة الأب الروحي للحزب السوري القومي الإجتماعي ومؤسسه. المثقف المعوّل عليه، في هكذا حالات، هو المثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي، هو ذلك "المثقف الإنسان"؛ "المثقف الموقف"، الذي "يفعّل" ما حوله، لا يعطله، يصير فيه "عضواً فاعلاً"، لا "عضواً معطلاً.

بما أن المثقفون دائماً في كل زمانٍ ومكان يشكلون الطليعة الواعية لتجسيد طموحات الجماهير، فهل أستطاع المثقف الإيزيدي أن يكون صوت بني جلدتهِ؟
أبداً .. أبداً، وإلا ما كنا سنرى هذا الذي يحدث على قدمٍ وساق. على العموم، هذا هو حال الشرق بعامة. إنه الشرق المريض بدينه ضد دنياه. أنه الشرق الساقط في قاع السياسة. والثقافة بمعناه الواسع التي تساوي الحضارة، هي الضحية الأولى والأخيرة، لهذا السقوط المريع. كل الثقافة، شرقاً، تتبع السياسة. الحصان هو السياسة، والعربة هي الثقافة. السياسي هو الحصان، والمثقف هو العربة. الثقافة في الشرق "متهمة أبدية"، محكومة عليها سياسياً، بأكثر من مؤبد.
الثقافة، هي أكبر "سجين سياسي" في الشرق. كذا الحال بالنسبة لكردستاننا. الثقافة لا تغني ولا تسمن، ولا محل لها من الإعراب في قاموس الكبار؛ أمراء السياسة. من أراد الوصول إلى فوق الفوق، فليركب السياسة وأخواتها. الداخل الثقافي ههنا، لا يبشر بالخير، فهو داخل مقموع، ومحكوم بأكثر من عصبية(حزبية، دينية، عشائرية). أما الخارج، فهو الآخر صوت خجول، لا يمكن التعويل عليه راهناً، لأن مرض "مثقف الداخل"، قد طال "مثقف الخارج" أيضاً. والكثير من أصوات الخارج "المثقفة"، كردياً، هي أصوات مشحونة بالعاطفة، أكثر من أن تكون مركونة إلى العقل.

ألا تؤمن بأن المثقف قادر على إجراء تغيرات جذرية في حياة أي مجتمع كان؟
بلى المثقف قادر بالطبع. المثقف طاقة وكمون للتحوّل والتغيير في كل زمانٍ ومكان. تلك هي سنة العالم منذ الأزل. ولكن أي مثقف؟ هذا هو السؤال. هل هو المثقف السلطوي، الذي لا يرى فوقه إلا في حسناته؟ بالطبع لا. المثقف المعوّل عليه، والذي يُراد له أن يكون، هو "المثقف الفائق"، أو "المثقف العالي"، الذي لا يقبل فوقاً فوقَ فوقِ فوقه؛ المثقف الذي يشتغل على العقل ويرفض الخضزع للنقل، كل النقل.

هل تريد من المثقف أن لا يكون عربة؟
بالتأكيد، أن لا يكون عربة ولا أياً من أخواتها. المثقف عليهِ أن لا يخدم فوقاً فوقَ فوقِ فوقه، أي "فوق العقل". الفوق، على مستوى المثقف الذي أريد له أن يكون، هو العقل، السيد الأعلى قبل الله وبعده، من أول حكمٍ للسماء، إلى آخر حكمٍ على الأرض.

كلمة أخيرة تود أن تقولها؟
لا كلمة أخير لي، ولا أريد للكلام أن ينتهي إلى خواتمه، ولكن ما أريده هو أن تنشر كل كلامي الذي أشركتك إياه بودٍ كثير.

صدقني سأنشر كل ما قلته بأمان.
أشكركم وأشكر حريتكم الملوّنة و"زهرتكم نيسان اللون"، جزيل الشكر وكثيره