استراتيجية الحزب الديمقراطي الكردستاني والموقف من ثورة كردستان الغربية




طارق حمو
bavesilan@hotmail.de



اصدر الكاك مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس إقليم كردستان الجنوبية بيانا ناريا ضد حزب الاتحاد الديمقراطي وسياسته في كردستان الغربية. وشمل البيان مجموعة من الاتهامات التي كانت بمثابة القطيعة بين حزب الكاك مسعود والاتحاد الديمقراطي الذي برز مؤخرا بوصفه عاملا قويا في معظم المشهد السوري. الاتهامات تضمنت: ان الاتحاد الديمقراطي "منفرد بالقرارات ولا يقبل أي نوع من المشاركة مع بقية الأحزاب" (على الأرجح: صيغة المناصفة، أو "الفيفتي ـ فيفتي" في القاموس السياسي الكردي الجنوبي)، وانه "متعاون مع النظام السوري"(!!) وان "لا ثورة في كردستان الغربية" يقودها هو!!.

ولا سبيل للرد على هذه الاتهامات ودحضها، أو الإتيان بنماذج من تاريخ وتراث الديمقراطي الكردستاني، تنطبق عليها الاتهامات السابقة تماما، هذا ليس بالمقام لسرد كل ذلك. لكن من المهم الإشارة بان هذا البيان جاء لكي يتوّج سياسة محاوريّة معادية لحزب الاتحاد الديمقراطي ومقاومته في ساحة كردستان الغربية. هذه السياسة بدأت بإغلاق معبر سيملكا، وتشديد الحصار الاقتصادي على مواطني كردستان الغربية، ومن ثم منع دخول رئيس الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم إلى أربيل بعد ان زار عائلته وشعبه لتقبل العزاء بولده الشهيد شرفان، وشن حملة إعلامية كبيرة (تطوّرت بشكل نوعي بعيد تأسيس فضائية {روداو} المختصة بتشويه سمعة وحدات حماية الشعب) ضد هذا الحزب ومؤسساته. إضافة إلى دعم الأحزاب المناوئة للاتحاد الديمقراطي، وبعضها تورطت مع المجموعات المرتزقة ويدها مغموس في الدم الكردي (هجمات الأشرفية وعفرين)، ورعايتها وصولا إلى تأطيرها في "اتحاد سياسي" موحد يكون فعله مؤثرا في إلحاق الضرر بالاتحاد الديمقراطي وسياسته، في إطار خطة الابتزاز الرامية لإستحصال وضعية "المناصفة" تلك. وفي هذه الأثناء كانت ماكينة "الفسفسة" لدى المعارضة الاسطنبولية الطائفية العنصرية المرتشية شغالة، حيث كالت مجموعة من الكرد العديد من التهم والافتراءات ضد حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه مواليا للنظام الأسدي و"شبيحا" يعمل لحسابه، بينما قدم هؤلاء أنفسهم كثوار ومقاومين ضد النظام الأسدي!. وبعض هذه المجموعة مٌسيّرة من الديمقراطي الكردستاني، وبعضها الآخر ليس كذلك، لكنها تلتصق به التصاقا، منها بحثا عن المكاسب ومنها بحثا عن "الغطاء القومي"!.

التصريح الناري ضد حزب الاتحاد الديمقراطي، بكل الاتهامات التي تضمنته، ومنع صالح مسلم من دخول الإقليم، ودفع المجلس الوطني الكردي للانضمام إلى الائتلاف الاسطنبولي المتداعي، جاء قبل زيارة الكاك مسعود البرزاني مع وفد كبير يمثل حزبه إلى مدينة آمد في كردستان الشمالية: معقل حزب العمال الكردستاني. هذه الزيارة كانت تحمل أبعادا كثيرة، ترمي إلى تمتين العلاقات مع حزب العدالة والتنمية وتوسيع التحالف الاقتصادي والسياسي بين الجانبين. كانت "هدية" لرجب طيب أردوغان المنشغل في التحضير لمعركة الانتخابات البلدية في شهر آذار القادم. وقد استعان الكاك مسعود بالفنان شفان برور، أملا في التأثير على أبناء شمالي كردستان للتصويت لحزب أردوغان وترك حزب السلام والديمقراطي، الذي يوصف بأنه الجناح السياسي للعمال الكردستاني. هذه كانت رسالة الزيارة. ولن نتكلم هنا عن "الطقوس" المدروسة التي رافقتها من تحشيد الموالين لحزب اردوغان ورفعهم الأعلام التركية فقط، وعدم رفع العلم الكردي إلى جانب العلم التركي في اللقاءات البروتوكولية، أو إشغال اردوغان نفسه بحديث جانبي حين إلقاء الكاك مسعود لكلمته (وهي ثاني مناسبة يفعل فيها ذلك قاصدا متقصدا)، فهذه كلها أمور ثانوية أمام الهدف الأكبر من وراء الزيارة وهو: تعميق التعاون الاقتصادي و"البزنس"، ومحاولة الحد من سطوة وسيطرة حزب العمال الكردستاني المتفرد بزعامة الشعب الكردي في ثلاثة أجزاء من أجزاء كردستان.

قد لا يعرف الكثيرون بان إقليم كردستان الجنوبية بات ينتج يوميا 400 ألف برميل من النفط، وان هذا إنتاج ضخم للغاية ويٌمثل حوالي 5% من إنتاج السعودية (10 مليون برميل)، وان الدولة التركية تنقب وتنتج وتنقل وتصدر بترول إقليم كردستان( للدقة: بترول الحزب الديمقراطي الكردستاني) إلى الأسواق. وعائدات هذا البترول إلى جانب إيرادات معبر إبراهيم الخليل( هناك حديث عن فتح معبرين آخرين مع تركيا) والميزانية القادمة من بغداد، مبالغ طائلة تجعل من أي حزب يحكم محافظتين وحوالي مليوني ونصف المليون إنسان، غنيا ومقتدرا للغاية. الحزب الديمقراطي الكردستاني الآن ذراعه الاقتصادية طويلة وقوية، والفضل يعود بالدرجة الأولى للتعاون مع تركيا. وتركيا تمثل رئة الحزب الاقتصادية وتتحكم في كل وارداته، وهي بالمقابل لديها الأفضلية في المشاريع الاقتصادية في الإقليم.

من جهة الديمقراطي الكردستاني: هذه القوة الاقتصادية تتطلب دورا سياسيا محوريا وعلى مستوى الأمة الكردية، وكل ذلك لحماية المكاسب الاقتصادية وتثبيتها وتوسيعها.

من جهة حكومة حزب العدالة والتنمية: هذه الشراكة الاقتصادية تفرض على الديمقراطي الكردستاني دورا أكثر فعالية في الحد من مشروع العمال الكردستاني وإظهار المزيد من التحالف "العلني" مع تركيا.

يٌراهن الديمقراطي الكردستاني في تعامله مع تركيا على مجموعة من الأحزاب الصغيرة التي تنافس العمال الكردستاني وحلفائه في بلاد الكرد في سوريا وإيران وتركيا. هذه الأحزاب لا قاعدة جماهيرية قوية لها ولا تتمتع بالتنظيم والصرامة التي يمتلكها العمال الكردستاني، ولا إرث ثوري ونضالي منغمس بالدم لديها، وبالتالي لا أمل لها في انتزاع أي جزئية صغيرة من شعبية العمال الكردستاني. أما تركيا، ولكي تضغط على الديمقراطي الكردستاني وتضيّق عليه، فتراهن على الورقة الاقتصادية بشكل رئيسي، إضافة إلى مجموعة من أحزاب الإسلام السياسي التي تدعمها في الإقليم، واتباع سياسة مراوغة مع الحكومة العراقية والقوى السنيّة المعارضة، لكي تلوح للديمقراطي الكردستاني بعصا هؤلاء في وجهه إذا ما فكر يوما في انتهاج سياسة مغايرة للمصالح التركية. ولعل الاتصالات التركية الأخيرة مع الحكومة العراقية والوعود بوقف تصدير النفط المتنازع عليه بين بغداد وأربيل عبر الأراضي التركية، يمثل وجها من اوجه هذا الضغط.

من الصعوبة بمكان ان ينتزع الديمقراطي الكردستاني الزعامة من العمال الكردستاني في كردستان الشمالية. فأنصاره لا يسيطرون على بلدية قرية واحدة، في الحين الذي يمتلك العمال الكردستاني حوالي 100 بلدية، ويتنافس مع العدالة والتنمية في السيطرة على بلديات مهمة داخل وخارج إقليم كردستان الشمالية. وكانت حصيلة الأصوات التي حصل عليها في انتخابات 2009 حوالي 3 ملايين صوت، أي ما يقارب من عدد سكان إقليم كردستان الجنوبية!. وهناك نقطة أخرى وهي ان كتلة العمال الكردستاني مرتبطة معه بالدم وبسنوات شاقة من النضال والاضطهاد، ولن تفرط في هذا الإرث بسهولة. بينما الوضع في سوريا قد توطد هو الآخر لمصلحة حليف العمال الكردستاني، والذي بات الآن رقما صعبا في عموم المشهد السوري، وهو يمتلك عشرات الآلاف من المقاتلين، ويسيطر على معظم مساحة إقليم كردستان الغربية، بالإضافة طبعا إلى معبر تل كوجر الحدودي الاستراتيجي، والذي سٌيغير الكثير من المعادلات في حال موافقة السلطات العراقية على فتحه أمام حركة التجارة والبضائع. ولعل الديمقراطي الكردستاني سيحاول ان يعيق ذلك، فهو يعمل ضد كل أمر قد يصنع اقتصادا للعمال الكردستاني أو أي من حلفاءه. الديمقراطي الكردستاني لا يريد ان تقترن الشرعية الثورية بالقوة الاقتصادية لدى منافسه. يريد ان يبقى هو المصدر المالي القوي الوحيد في أمة الكرد. أما في كردستان الشرقية يتزعم حزب الحياة الحرة الكردستاني النضال والتنظيم هناك، ويٌعتبر من أقوى أحزاب المعارضة الإيرانية وأكثرها تنظيما وفتّوة.

حزب العمال الكردستاني يحارب على اكثر من جبهة. لا يستمد قوته من أي جهة لكي تؤثر فيه هذه الجهة. مرت عليه سنوات كان يحارب فيها اكثر من خصم. أما الديمقراطي الكردستاني فهو مكبل بالقيود والتفاهمات والتحالفات، ولم تحارب قواته عدوا منذ أكثر من ربع قرن. مرت 10 أعوام على المادة 140 وهو فشل في إرجاع كركوك وخانقين وشنكال إلى حض الإقليم، وفي الساحة الداخلية حصل في الانتخابات الأخيرة على اقل من 50% من أصوات شعب الإقليم. هنا تبدو مساحة المناورة أمام العمال الكردستاني أفضل.

فيما يخص إلحاق أحزاب المجلس الوطني الكردي بتشجيع من الديمقراطي الكردستاني بالائتلاف الوطني السوري، بغية إضعاف حزب الاتحاد الديمقراطي والتأثير في مقاومته وإفراغ مشروع الإدارة الذاتية من مضمونه، فإن هذا التحالف وفي ظل التغيير السريع للمعادلات على الأرض قابل للتشظي والفشل. فالائتلاف لن يهتم كثيرا بالأحزاب الكردية بداخله ولن يوليها أية أهمية وهو يكتشف يوما بعد آخر وزنها الحقيقي وعدم قدرتها على تغيير أي شيء على أرض الواقع في كردستان الغربية. فالمطلوب ان تقف هذه الأحزاب بوجه الاتحاد الديمقراطي وتقوم بأضعافه، وهذا لن يحصل لعدة أسباب، منها عدم رغبة بعض الأحزاب في ذلك، وعدم قدرة من ترغب على ذلك. وسنرى في المستقبل بأن الائتلاف سيهمل وجود هذه الأحزاب ولن يتشاور معها في المسائل المصيرية( حتى البيان المعادي الذي أصدره الائتلاف ضد حزب الاتحاد الديمقراطي لم تٌبلغ به أحزاب المجلس الوطني الكردي!)، وهذه السياسة ستؤثر في موقف الأحزاب الكردية كثيرا وسيقلل من حماسها، إضافة طبعا إنها سوف تؤلب عليها الشعب الكردي وغيره من مكونات كردستان الغربية، فهذا الائتلاف يدعم المجموعات الإرهابية المرتزقة ويغطي عليها سياسيا، وهذه المجموعات قتلت الكثير من المواطنين ونهبت قراهم وأرزاقهم، أي سمعته "زفت" بين الناس، وطالما المجلس الوطني الكردي جزء من هذا الائتلاف، فهو يتحمل المسؤولية عن جرائم هذه المجموعات، أو التواطؤ معها، أو السكوت عليها في أفضل الأحوال.

هذا عن حال الائتلاف، داخليا، مع المجلس الوطني الكردي، أما خارجيا، فالائتلاف متضعضع ومسؤوليه يشتبكون مع بعضهم البعض ويترافسون من قلة الحيلة، والنظام السوري وحلفاءه موقفهم السياسي والعسكري أقوى من ذي قبل، و السفير الأميركي روبرت فورد يضغط للمشاركة في جنيف 2 بدون ضمانات ويهدد بحل الائتلاف إذا ما رفض ذلك، وأميركا تقترب من إيران، وروسيا متفقة على الحل السياسي وقريبا سيكون الائتلاف، مرغما طبعا، في ضيافة قيادة الكرملين في موسكو.

لب الكلام بان أميركا و(الناتو) لن يسقطا نظام الأسد بالضربات العسكرية، ولن يقوما بتعيين الائتلاف في سدة الحكم في دمشق، وبالتالي لن ينال المجلس الوطني الكردي أي جزء من "الكعكة" مثلما كان يتصور بحماس بعيد وقوع الهجمات الكيماوية في دمشق وتهديدات باراك أوباما!. الآن الائتلاف يبحث له عن قرية "محررة" آمنة لكي يقيم عليها حكومته، بينما وحدات حماية الشعب تحمي مناطق كردستان الغربية التي تزيد مساحتها عن 30 ألف كيلومتر مربع!.

أليس من مصلحة أحزاب المجلس الوطني الكردي، والحال هذه، الاستقالة الفورية من صفوف هذا الائتلاف المرتهن للقوى الخارجية، (والذي لم يقبل بمشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وخوّنه وعده "انفصالا" فكيف يقبل بالفيدرالية، كما يطالب المجلس الوطني الكردي؟) والعودة إلى قامشلو من جديد، حيث الإدارة الكردية والقوة العسكرية الكردية والحماية الكردية، والمؤسسات الكردية المستقلة، فيحكمها مع بقية الأحزاب والمكونات؟.

أليس من الأفضل للمجلس الوطني الكردي أن يكون ذو قدر وقيمة في مناطقه على أن يكون "ذكر نحل" لدى الائتلاف الاسطنبولي، لديه مهمة واحد محددة وبعهدها يجب عليه أن يتلاشى: ان يرفض مشروع الإدارة الذاتية، ويشوش على مقاومة وحدات حماية الشعب، ويتهم شقيقه بالتشبيح، ويسكت على البيانات التي يصدرها وجوه الائتلاف من مرتزقة الاستخبارات الأجنبية، ضد قسم كبير من اخوته ونضالهم؟.

أعتقد ان القراءة الاستراتيجية الصحيحة للأوضاع الداخلية والإقليمية، والتمعن الجيد والحصيف في موازين القوى، سوف تدفع العديد من الأحزاب الوطنية الكردية بالاستقالة من صفوف الائتلاف الوطني السوري والعودة إلى قامشلو للمشاركة في ترتيب مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية وتقوية المكاسب على الأرض: من وحدات الحماية إلى قوات الاسايش ومنظومة الإدارات والتعليم والرعاية.

في مقارباته بشأن ساحة كردستان الغربية ينطلق الحزب الديمقراطي الكردستاني من مصالحه فقط. ومن هنا جاء الضغط باتجاه انضمام أحزاب المجلس الوطني الكردي للائتلاف الاسطنبولي والحيلولة دون مشاركتهم في مشروع الإدارة الذاتية، كنوع من "الخدمات" التي قدمها الديمقراطي الكردستاني للدولة التركية مقابل صفقات نفط وتجارة، منها ما هو معلوم ومنها ما هو مستتر. والاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير تعلمان هذا الشيء، لذلك رفضتا بيان الكاك مسعود البرزاني ضد حزب الاتحاد الديمقراطي وزيارته الانفرادية لآمد، وباركتا مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية لكردستان الغربية.

المعادلة تتغير والقوة الكردية في كردستان الغربية وسوريا تتثبت، وباتت فاعلا محوريا لا يمكن تجاهله، فمن مصلحة جميع الأحزاب المشاركة فيها ودعمها والتحول لجزء من القرار والإدارة. هذا هو القرار الصحيح والسياسة الثاقبة المفيدة. أما البقاء ضمن إطار الائتلاف المتداعي المحاصر بالتفاهمات والمقايضات الإقليمية و الاقتدار العسكري الميداني لجيش النظام السوري وحلفاءه، فهو الخسران المبين والإصرار على المضي في الخطأ والضياع.