مانديلا - السلام منتصب القامة!

صائب خليل
10 كانون أول 2013


في بلاد مثل بلداننا، حيث لا يذكر السلام إلا بقصد الإستسلام، فإن رجلاً مثل مانديلا يعيد للأسماء معانيها التي فقدتها، ويكشف زيف الذين يلوكون عباراتها. وكلما كان الضوء ساطعاً، كان الزيف الذي يكشفه أوسع انتشاراً، وبهذا فأن مانديلا لا يفضح متخاذلينا فقط، بل منافقي العالم عموماً.
اوباما قال عنه أنه "أمسك بناصية التاريخ ودفعه صوب العدالة". وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون "لقد انطفأ ضوء باهر في هذا العالم"، وحتى دي كليرك، الذي كان خصماً لمانديلا قال إن مانديلا سيبقى خالدا كقدوة. والحقيقة أن أي من هؤلاء لا يقول ما قاله إلا لضرورة التظاهر بالإنسانية، فهم ينتمون إلى ثقافة حاربت الرجل بكل ما استطاعت من قوة، وأفعال أي منهم تشي بوضوح بأنهم يقفون أخلاقياً في الخندق المقابل لمانديلا، رغم محاولتهم التمسح به والتظاهر بالقرب الأخلاقي منه. وليست هذه هي المرة الأولى التي يحرج فيها مانديلا الجوقة العالمية اللااخلاقية، ويضطرها إلى أن تقول ما لا تعنيه.

عندما زار مانديلا الولايات المتحدة عام 1990 اصابت وسائل اعلام البلاد "حمى مانديلا"، فكتبت (ABC ): " بطل الشعوب المضطهدة في كل مكان"، (CBS) : "رمز افتراضي للحرية"، (CNN): "انسان فوق الحجم الطبيعي"، دان راثر: " لإسمه نوعية سحرية"، كونكا دان: " بطل على نطاق عالمي" . وقارنت مقالات اخرى بينه وبين الأم تيريزا والبابا والمسيح وموسى وخصصت له نيويورك تايمز 23 صفحة ودعي الى حفلات ومقابلات عديدة، وكانت جميع الأسئلة الموجهة له تزخر بالتعاطف والمودة.
ومنح مانديلا "الميدالية الذهبية للكونغرس" وجائزة نوبل للسلام وسميت الساحات والشوارع والحدائق والضفاف باسمه في كل مكان من نيويورك الى نيودلهي وشهادات شرف من السوربون الى هارفارد ومواطن شرف من اليونان الى كندا. وقال عنه كلنتون انه "هدية للبشرية" وقدم له بوش عام 2002 "مدالية الرئاسة للحرية، وهي اعلى وسام من نوعه في اميركا يقدم لمن يقوم بخدمات مدنية جليلة، ووصفه وقتها بانه "اكثر السياسيين قدسية في زماننا".... لكن الحقيقة تقول شيئاً آخر تماماً!

في كتابه "قتل الأمل" والمخصص لتأريخ التدخل الأمريكي في دول العالم يشير وليام بلوم وضمن الفصل الخاص بأنغولا (ص 253) ، إلى التعاون الوثيق بين الـ (CIA) ووكالة الأمن القومي مع اجهزة الأمن في بريتوريا (جنوب افريقيا) أفضى عام 1962 عن القاء القبض على قائد الـ (ANC) نيلسون مانديلا، وقضى بسببها حوالي 28 عاماً في السجن.
وفي الثمانينات كان الرئيس الأمريكي ريكان يصف المؤتمر الوطني الأفريقي لمانديلا بـ "المنظمة الإرهابية سيئة السمعة" وقال ريكان لـ (CBS) بأنه مخلص لنظام جنوب افريقيا لأنه "بلد وقف معنا في كل حرب قاتلنا فيها، بلد هام استراتيجيا للعالم الحر في انتاجه للمعادن". واستعملت أميركا وبريطانيا الفيتو في ادارة ريكان وحكومة ثاتشر لحماية حكومة بريتوريا العنصرية من قرار للأمم المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية عليها، وتسليحها ودعم برامجها النووية رغم رفض بريتوريا توقيع اتفاقية تحديد انتشار الإسلحة النووية (*).واعلنت ثاتشر المؤتمر الوطني الأفريقي كمنظمة ارهابية.
لكن مثل ريكان لا يجد صعوبة في أن يعود بعد تغير الأوضاع ليقول في 1986: " لقد كان موقف اميركا من التمييز العنصري وسيبقى واضحاً. التمييز العنصري خطأ اخلاقي ومرفوض سياسياً. لا تستطيع الولايات المتحدة ان تحافظ على علاقة حميمة مع حكومة تستند في سلطتها على انكار حقوق الأغلبية من شعبها بسبب العرق". ومع ذلك فقد رفض ريكان مقاطعة الحكومة العنصرية على أساس: " ان الضحايا الأساسيين للمقاطعة الإقتصادية لجنوب افريقبا هم نفس الناس الذين نسعى الى مساعدتهم. ان اغلب العمال الذين سيخسرون عملهم بسبب المقاطعة سيكونون من العمال السود. لا نعتقد ان الطريقة الصحيحة لمساعدة شعب جنوب افريقيا هي تحطيم اقتصادهم الذي يعتمدون عليه وعوائلهم للبقاء على قيد الحياة."
لم تنطلي الكذبة على القس الكبير دزموند توتو الذي كان منح جائزة نوبل للسلام ، فقال أن "نظام الفصل العنصري شرير، لا اخلاقي ومناقض المسيحية في كل شيء.... ومن وجهة نظري فأن دعم ادارة ريككان وتعاونها مع هذا النظام هو ايضاً لا اخلاقي, شرير, ومناقض للمسيحية بشكل تام...اما ان تكون مع نظام الفصل العنصري او تقف ضده، وليس بالكلام فقط...اما ان تفضل الشر او انك تفضل الخير. اما ان تقف بجانب المظلومين او بجانب الظالمين. لايمكنك ان تكون حيادياً في هذا". قوبل خطاب توتو بالتصفيق الحاد, لكن الأمر وقف عند حدود التصفيق! (1)

ولا مفر هنا من أن نقارن بين هذا الموقف وموقف الولايات المتحدة من العراق وشعبه. فإن كان ضحايا المقاطعة في تقديرهم سيكونون "الناس الذين يسعى الأمريكان لمساعدتهم"، فيبدو أن الشعب العراقي لم يكن "الناس الذين يسعى الأمريكان لمساعدتهم"، وحتى بعد أن عرفوا بأن مقاطعتهم قد قتلت الملايين من بينهم نصف مليون طفل، وجدوا الأمر يستحق الدفع كثمن لسياستهم! ومن الواضح أن ذلك لم يكن "خطأً" كما يروج المبررون لأميركا.

من الجدير بالملاحظة ان نائب بوش، "ديك شيني" كان من المصوتين ضد القرار الداعي الى اطلاق سراح نيلسون مانديلا الذي كان قد مضى على سجنه 24 عاماً.
شيني لا يجد مشكلة في تبرير قراره بأنه لم يكن يعلم ما يعلمه الآن، (2) فما الجديد الذي يعلمه الآن؟ فقط أن مانديلا صار نجماً، وأن الوقوف ضده علناً ليس فقط غير مجدِ وإنما مدمر للسمعة، وأن ضرورة العلاقات العامة أن تتخذ موقفاً معاكساً!

لقد فعلوا كل ما يستطيعون أن يفعلوه لتدمير حياة الرجل ومبادئه وشعبه، وفقط حين أصابهم الفشل التام، ووقف العالم كله معه، رأوا أن لا مفر من التظاهر بأنهم أيضاً مع البشر! والحقيقة أن أميركا احتفظت بمانديلا في قوائم الإرهاب حتى بعد أن حصل على جائزة نوبل للسلام والجوائز الأمريكية الكبرى وبعد أن صار رئيساً منتخباً لشعبه وأنهى فترة رئاسته، ولم يتم حذف إسمه من القائمة حتى عام 2008،(3) فأية مهزلة هي تهمة "الإرهاب" الأمريكية هذه، التي تتقلب كل هذا التقلب حسب معطيات السياسة؟! وما أدرانا كم "مانديلا"، لم ينتصر (بعد) ومازال يقبع في سجون الإرهاب الأمريكي ؟

قبل بضعة سنوات صرخ بوش متأسفاً على الصلح الإجتماعي في العراق قائلاً: "اين مانديلاً؟ ...مات مانديلا ...لأن صدام قد قتل كل مانديلا..."، ليوحي لمن لا يعرف التاريخ، أنهم مع "المانديلات" في العراق والعالم، وأن أمثال صدام فقط هم من يقتلهم، وأنهم يحاربون أمثال صدام من أجل "مانديلات" الشعوب، والحقيقة هي مقلوب هذا بالضبط، فسياسة أميركا منذ ترعرت، هي البحث عن الحثالات الصدامية لإغتيال أي مانديلا يظهر في أي شعب، والوقائع التي حدثت لمانديلا نفسه تبرهن ذلك.

لم يكن مانديلا مخدوعاً بتملق هذه الوحوش، ولم يثنه تمسحها عن أن يقول رأيه بصراحة فيها. فبعد بضعة اشهر من تسليم الأخير له جائزة الرئاسة الأمريكية، قال مانديلا في مؤتمر النساء الدولي في جوهانزبرغ :
" ان كان هناك بلد في العالم ارتكب فضائع يعجز المرء عن وصفها فهو الولايات المتحدة الأمريكية! (تصفيق شديد) انهم لايهتمون بالبشر!"
" لماذا تتصرف الولايات المتحدة بهذا الغرور...صديقتها اسرائيل تمتلك اسلحة دمار شامل ولأنها حليفتها فلن يطلبوا من الأمم المتحدة ان تتخلص من تلك الأسلحة."

ومما يعبر بوضوح عن رأي مانديلا ببوش شخصياً، قوله: "بوش يتصرف خارج الأمم المتحدة وهو وتوني بلير يدمرانها"، وقال: "إني العن القوة (العالمية) الوحيدة ذات رئيس لايحسن التفكير، ويريد ان ينبت محرقة في العالم"

لماذا يتحمس بوش إذن لوجود مثل هذا الرجل الذي يحتقره، في العراق، وهو الذي سبق إن قال: "الغاية الشيوعية هي اعظم الغايات في تأريخ البشرية" (1961)؟ وهل يهتدي اوباما وكلنتون وكامرون فعلاً بشخص يقول: "يجب ان نحارب العولمة فهي للقوي العالي"؟ كل ذلك يجب أن ينسى ليتاح للكذبة أن تمر، وتتظاهر أعداء البشرية بأنها في نفس الخندق مع مانديلا، ويتم تحويل الموقف السياسي للرجل إلى إيقونة إنسانية وتبسيطه إلى القول بأن:"ما يقوده هو الحب وليس الكراهية"!

الحقيقة هي أن مانديلا، الفائز بجائزة نوبل للسلام، ورمزه العالمي، كان قد أدين بوثائق عن منظمته بتهم: "التحضير وتصنيع واستعمال المتفجرات, بضمنها 210,000 قنبلة يدوية، 48,000 لغم مشاة, 1500 جهاز تفجير، 144 طن من نترات الأمونيوم, 21.6 طن من مسحوق الألمنيوم وطن من البارود. وكذلك ارتكاب 193 جريمة ارهاب بين 1961 و 1963." كما شرحت منظمة العفو الدولية عام 1985 سبب رفضها اعتباره سجيناً سياسياً بان "نلسون مانديلا قد شارك في التخطيط اعمال تخريب واثارة العنف".
كان أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، (1994 – 1999) قامت حكومته بإجراءات من أجل أعادة توزيع الأراضي ومحاربة الفقر وتقديم الضمان الصحي للشعب. استلم أكثر من 250 وسام شرف وفي عام 93 جائزة نوبل للسلام، و ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية، ووسام لينين ويصفه مواطنوه بـ "أبو الأمة". تأثر بالماركسية وطورد وحوكم بقانون محاربة الشيوعية. وتوصل مانديلا إلى أنه "ليس من بديل سوى المقاومة المسلحة والعنيفة" ودعا إلى طلب السلاح من الصين.
ورغم اعتباره ماركسياً خطراً فقد عرض الرئيس بوتا عام 1985 على مانديلا أن يطلق سراحه من السجن بشرط واحد: أن يعلن تخليه عن استعمال العنف كسلاح سياسي. ورفض مانديلا العرض!

من الشديد الوضوح أن مانديلا لم يكن رجلاً "معتدلاً" في القياس الأمريكي، والذي يقاس بمقدار الإنحناء للإرادة الأمريكية في كل شأن. إنه لا يفخر بذلك، وهو لا يشتري مفاهيم المعتدلين - المنبطحين من العرب. كان مانديلا، تماماً مثل غاندي يبحث عن سلام عادل وليس عن أي سلام بأي ثمن، وما لم يحصل عليه فلن يقبل بغيره حتى لو أتهم بالإرهاب. وليكن العنف ولتكن الحرب عندها! قبل ايام انسحبت السلطة الفلسطينية من محادثاتها مع إسرائيل رغم كل التنازلات الهائلة التي قدمتها لها على مر العقود. هكذا حقق هذا الرجل الصلب السلام لبلاده، ما لم يحققه المنبطحون باسم السلام. وهكذا يفضح لنا مانديلا وهو يغادرنا - منافقي العالم، ومنبطحي العرب من القادة "المعتدلين"- بالمقياس الأمريكي الأعوج، وبرهن أن السلام المنتصب القامة، ليس فقط حلم ممكن التحقيق، بل هو السلام الوحيد الممكن التحقيق!

مانديلا:
"عندما نتحرر من الخوف، فأن مجرد وجودنا سيحرر الأخرين ذاتياً"
"علينا ان نستخدم الزمن بحكمة وان ندرك دائماً ان الوقت مناسب دائماً لعمل الشيء الصحيح"
" لاشيء مثل زيارة مكان لم يتغير، يكشف لك كم تغيرت انت"
" أن تحرم الناس من حقوق الإنسان ، أن تتحداهم في إنسانيتهم"
"لا يوجد تعبير أكثر صدقاً عن روح المجتمع، أكثر من طريقته في معاملته أطفاله"
"إنها تبدو دائماص مستحيلة، حتى يتم تحقيقها"
"لا تحكم علي من خلال نجاحاتي، بل من خلال عدد الرات التي أسقط فيها وأعود إلى النهوض."
"يحكم على الأمة من خلال الطريقة التي تعامل بها الأضعف من مواطنيها وليس الأقوى"
"التغلب على الفقر ليس من أعمال الصدقات، بل العدالة. مثل العبودية والتمييز العنصري، فأن الفقر ليس طبيعياً، بل من صنع الإنسان"


(3) US government considered Nelson Mandela a terrorist until 2008 - Investigations
http://investigations.nbcnews.com/_n...ist-until-2008
(*) Here Are 6 Moments From Mandela's Marxist Past That You Won't Hear On CNN
http://www.huffingtonpost.com/2013/1...n_4399998.html