قوالب للتناطح


قد تختلط علينا أمور كثيرة ونحن نتفاعل مع المشهد السياسي في الواقع السوري عموماً والكردي على وجه الخصوص، وذلك بحكم ما تنتهجه أحزابنا وحزيباتنا الكردية، والتي تعتبر نفسها الجهة الممثلة للقضية الكردية، من ارتجالية في الموقف والرأي و
السياسية، مبتعدة في ذلك، إلى حد ما، عن منطق التحليل في رسم برنامج سياسي، يتوافق ومحددات الضرورة التي أفرزت كل هذه التشكيلة من الأحزاب والحزيبات، فنكون ووفق هذه اللوحة، ضمن مزيج من الخلط والاختلاط والاختلاف، بين ما هو رأي وما هو موقف وسياسة، وبين التكتيك والإستراتيجية، وأيضاً بين الفك والتركيب، ونحن نحاول الإمساك بمفردات السياسة الكردية.
فالكل، وكل بحسب منظومته الحزبية، بات على مقربة من القناعة بأن الوضع القائم، بتراكماته وأزماته واحتقاناته، لا يمكن له أن يؤسس لمستقبل نرى شعاع الأمل من خلاله. وهذا الكل، بات أيضاً على تماس مباشر بما يتطلبه التغيير من وضوح في الرؤية وتبلور في الموقف، وعليه لا يمكن الركون إلى الضبابية أو أساليب المواربة والمغازلة في التعامل مع استحقاقات الوضع السوري عموماً، والكردي ضمن الحاضن الوطني. علاوة على أن التلاعب بالمصطلحات والقفز من فوق الحقائق، لم يعد يجد نفعاً أمام تضخم الأزمات في المعادلة السياسية. وبناءً على ما سبق، فإن المطلوب بالدرجة الأولى، وقبل أي شيء آخر، يكمن في احترام هذه الأطر لعقلية المتلقي، وهي تنسج خطوط وخيوط معادلتها التي تسميها، بالرغم عنها، معادلة سياسية.
ومن المعلوم أن منظومات سياسية قد فرخت وفي مراحل من عمر التطور، وبحكم معطياتها، مفاهيم معينة في ذهنية الإنسان المقموع والمقهور، والتي أفرزت فيما يمكن أن نسميها بالمحددات السياسية والثقافية التي تربى عليها إنساننا اللا منتمي، فكنا نردد معاً، ووفقاً لتلك المحددات والضوابط، على أن عدو العدو هو عدو، وأن صديق الصديق هو بالضرورة صديق، إلا أن كل هذا أضحى بحكم اللا وجود، كنتيجة لغياب الفكر القبلي عن المصلحة في التعامل، وخاصةً في الجانبين السياسي والاقتصادي، فلا صداقات دائمة ولا عداوات أزلية، ولكن وبما أننا ننحاز في التعامل فيما بيننا، وضمن الحاضن الكردي، وحتى في الجانب السياسي منه، إلى مرجعية القبيلة في أدائنا، فما زلنا منقادين إلى مثل تلك المحددات، وعليه نقول أن كل من يقر بحقوقنا القومية هو صديق وحليف بالضرورة، والعكس صحيح، ومن هذا المنطلق نقرأ بعض الأحيان ما يدفعنا إلى الوقوف حياله، حين نرى أن البعض يحاول أن يسوق لجهات معينة، تحاول أن تستفيد من الورقة الكردية وتلعب على مشاعر أبنائها، وذلك بغية تسويق حالتها في الشارع الكردي، دون أن نعيد القراءة لمفاهيمنا ونقف على حقيقة قضيتنا، من حيث أنها قضية ديمقراطية، لا يمكن لها أن تلتقي مع التيارات الأصولية والمؤدلجة بأفكار، هي من حيث المبدأ، لا ترى الآخر إلا بالقدر الذي يمكن لها أن تحتويه وتسيطر على إرادته، ولا مع ذهنيات تشبعت بثقافة السيطرة والاستلاب، بحيث أنها تقرأ الآخر عبر أجنداتها وليس من خلال الوقائع والحقائق..
لقد أثارت جملة من المعطيات، وجملة من المواقف الارتجالية، من لدن الأطر الحزبية الكردية، وجملة من السلوكيات التي تفعل فعلها في الوسط السياسي الكردي، ما يدفعنا لأن نطلق بعض الزفرات، وسط حالة الكبت التي تلفنا من جميع الجهات والجوانب، حيث الحديث والتناحر فيما بين من يعتبرون أنفسهم مشتغلين في الحقل السياسي، حول مقومات وأسس المرجعية الكردية، وارتباط ذلك بالأطر المعارضة، سواء في الداخل أو في الخارج، إضافة إلى ربط كل ذلك بما هو قائم من مشاريع وأجندات ضمن المطابخ السياسية، يحيلنا – بالرغم عنا – إلى القول، كفانا المزيد من الترهات والمزيد من النفخ في قرب مقطوعة، لأننا وببساطة، وقبل الدخول في معالجة ومناقشة مثل هكذا مسائل، حائرين وخائرين من الداخل، كوننا لم نمتلك بعد بوصلتنا السياسية، التي تؤهلنا لأن نطرح ذاتنا على الآخر وفق ما نطرحه على الساحة الكردية، وعليه نقع أسيري ثقافتنا التي لا تمتلك مقومات التحليل والاستنباط، ضمن مفردات الحالة السياسية القائمة، وارتباط ذلك بمجمل استحقاقات التي تفرضها خيارات التغيير على المنطقة ككل.
فالحيرة التي تعيشها الأطر الحزبية الكردية، وهي مطالبة من الشارع في رسم ملامح سياستها حيال المستقبل، بموازاة الضغوط التي تتعرض لها من هنا وهناك، وضمن حالة اللا ارتكاز واللا استقرار في البناء الداخلي الحزبي، تدفعها إلى الوقوع في شرك التناقض بين الموقف والادعاء والممارسة، وإلى المزيد من التخبط في رسم الآفاق وقراءة إحداثيات المستقبل، بحيث لن تجد سبيلاً لاجتياز أزماتها إلا من خلال إدارتها، وعلى حساب مشاعر أولئك المنضوين تحت سقف ما تسمى بالعملية النضالية، فنراها تارة تغازل فكرة المرجعية، بعد أن صممت لها خنجراً للطعن فيها قبل ولادتها، وتارةً تفتح الباب على نفسها حول خيارات، هي لفظتها منذ لحظتها الأولى، وبناء على قراءتها للواقع، وتارةً أخرى تحاول أن تدغدغ مشاعر الشارع، وتحت يافطات المقاربة بين الجبن والجرأة، لتظهر نفسها على أنها تؤيد البعض مما تذهب إليه المعارضة السورية، دون أن تحمل نفسها عناء البحث في أجندات تلك المعارضة، والمنهجية التي تتعامل من خلالها مع استحقاقات الوضع الداخلي، إضافةً إلى دوافعها والغرض الذي فرض نفسه من انطلاقتها. وبالـتأكيد فإن كل هذا يجري انطلاقاً من حالة التفرد في صنع الموقف واتخاذ القرار، هذه الحالة التي تقف عائقاً أمام أي مسعى نحو التفاعل مع الوقائع انطلاقاً من جماعية العمل، سواء من جهة رسم الموقف أو بناء الآليات، وهي التي تساهم دون شك، في تعزيز أسطورة الحزب / الفرد، القائمة على حاشيات معينة، تخلق بداخلها تناقضات، يستفيد البعض الآخر المتربص بأجندات شخصية، من دفعها إلى السطح كي تتبلور، وتأخذ طريقها إلى التأزيم، في خطوة قد تأتي بمكتسبات لهذا البعض من التفنن بها والتلاعب عليها، دون أن نركن إلى المنطق في عملية المواجهة مع أي فعل فيه تقزيم لأدائنا وحضورنا وتفاعلنا ..
وأمام اقترابنا من خطوط الحضيض في الممارسة السياسية، كوننا لم نتمكن بعد من تفهم الوضع الكردي، على أنه يشكل أحد ركائز البناء الديمقراطي ضمن المستقبل الذي ننشده، سوف ندخل في الكثير من السجالات مع الكثير من القوى والتيارات التي قد نتفق معها أم لم نتفق، لأن الهدف هو واحد ووحيد، ويتجسد في إدارة الأزمة بغية الحفاظ على ما هو مأزوم ومتأزم، وإلا فإن للسياسة وجه آخر لا يفهمها سوى الذين ينصبون من أنفسهم وصياً على القرار والتقرير، وما أكثرهم مقارنة مع حالة التفرط والإفراط في التفقيسات الحزبوية، التي تتحول مع عمليات التآكل في داخلها، إلى مجرد مشيخات لمن يتحكمون في إدارة وجهتها.