لقاء ثان بعد منتصف الليل

البارحة واليوم , شيء أقوى مني يشدني إليك . شيء يأخذني لأصغي إليك , البارحة تذكرت واليوم تدثرت الذكرى . . تلحفت برداء الليل وامتطيت أشعة القمر لأصل إليك حاملا نسمة ربيعية , أنا وفنجان قهوتي وشمعتي الباكية , وقفت على الرصيف المقابل للباب أتلفت . . لا أحد من المارة . . مصابيح الجيران مطفأ . . مصابيحكم مطفأ إلا غرفتك . . تقدمت وعلى رؤوس أصابع قدماي . . تقدمت . . تقدمت من الباب الخارجي . . دفعت الباب برؤوس أصابعي . . الباب مغلق . . حاولت دون جدوى . . حاولت عدة مرات القفز من فوق الجدار . . نجحت . . أتلفت لا أحد في ساحة الدار . . ساحة واسعة مهجورة إلا من بعض شجيرات الورد الجوري . . أدخل خلسة غرفتك المنسية في أحدى أركان البيت والمهجورة بدورها إلا من حب تهمسين له فيبتسم لكي , غرفة متواضعة متشققة من شدة الحرمان . . بساط قديم قاتم اللون ملقى على أرضها بحجة الدفء . . خزانة معدنية رمادية اللون تستعمل لخزن الألبسة ومخبأ لذكريات الطفولة . . جدران زينتها بعض بقايا دهان قديم وثياب معدة للاستعمال اليومي وصور من مجلات . . حذاء مركون بالزاوية قرب الباب . . كتب . . أوراق . . أقلام . . وبقايا ذكريات . . وشظايا حديث الأمس . . سيناريوهات . . ورائحة قهوتك . . شمعتك التي لا تعرف مصيرها وشعاع لا يعرف الحدود . . جسد فتي تكور داخل فراش بسيط . . وجه مبتسم من تزاحم التساؤلات المتناقضة , يظللانه قوسان من الشعر الأسود الداكن ليشكلان حاجبان لعيون يملأهما الأمل والتصميم . . كتاب بين يديك حاضر للقراءة وروح تحوم في اللا محدود كنسر محلق ينقر غيمة حب ليهوي منتحرا . . مستسلما لعادات وأعراف بالية . وقفت مختبئ بجانب الصندوق المعدني . . اتخذت من بعض الثياب المعلقة بجواره ستارة . . أسترق النظر للجمال الغجري . . أسترق السمع لحديثكما , أسمع كلمات لم أقرأها أو أسمعها من قبل . . كلمات تعزف الموسيقى , لم أغادر مكاني حتى استفاقت العصافير لتعيدني إلى حيث كنت .
البارحة واليوم . . خذلني صمتي . . خذلني كبريائي آلمني صمتي في الأعماق , البارحة لا . . لا الآن جاءني صوتك , جاءني غريبا . . بعيدا . . جاء الصدى من بعيد . . من مكان بعيد .
تساءلت ما الذي حدث . . ما الذي تغير ؟
هل بدأت استيقظ ؟
هل ما زلت . . ؟
هل بدأت . . . ؟
نعم . . كيف لست ادري ؟
كلانا يعلم ما هو هذا . . كلانا يدرك إحساسه , لنعترف الأحاسيس أقوى مني ومنك ومن الجميع .
البارحة قادك إحساسك إلي . . لا تسألي كيف , فأنا لا اطلب منك شيء .. لا ! لا .
أجمل شيء أن ندرك إننا نتجاهل كل شيء لكن أحاسيسنا أصعب من أن نتجاهلها .
صدقيني لم ولن أصدق أنك تحبي تغييري .. لا , لأن إحساسك بي يفوق الكلام . . لا . . إحساسي بك يفوق الصمت . . يفوق التحدي . . يفوق الثرثرات , يفوق كل الإغراءات . . يفوق كل الناس . . صدقيني سيتخطى كل النساء , عليك لا أغار . . لا . . لأنني أثق بمكانتي الغريبة الأوصاف التي أحتلها في جغرافيتك .
إنا وأنت لسنا اثنان . . أنا وأنت جسدان . . أنا وأنت روح واحدة , أشعر بك . . نعم أشعر .
البارحة واليوم . . شيء أقوى مني يشدني إليك يأخذني إليك . . إلى عالمك الخاص . . شيء بك . . نعم . . نعم . انه الحب .
الباب يقرع بشدة . . أفتح الباب وإذ بجمهرة من النساء , هل سمعت يا جارنا بالجريمة التي وقعت بالحي المجاور , لا . لا عن أي جريمة تتحدثون . . تردد النساء : صبية في ريعان الشباب قتلها والدها بعد أن شمت أمها رائحة عطر في غرفتها . . ووقفت الأم بجاني الجثة المضرجة بالدماء البريئة تزغرد .

الحسكة11/1/2010 يعقوب درويش