حلم دكتاتور
خيري إبراهيم كورو


قبل أكثر من عامين أو ربما أكثر بقليل وخلال مؤتمر صحفي في البرلمان العراقي، ألقى صباح الساعدي النائب المستقل وعضو هيئة النزاهة خطابا ناريا ضد رئيس الوزراء نوري المالكي وقال فيه: "إن دكتاتورا صغيرا بدأ ينمو ويترعرع مع سكوت الكتل السياسية على هذا الدكتاتور" ثم وجه الساعدي كلامه للكتل السياسية العراقية والذين يعملون ويتحالفون مع المالكي" إن لم يجعل منكم المقابر الجماعية فانا لست بصباح الساعدي، أن لم يعلقكم بالمشانق فأنا لست بصباح الساعدي، إن لم يقتلكم بكواتم الصوت فانا لست بصباح الساعدي".


وكلام الساعدي هذا لم يأتي من فراغ، فهو يعيش في خضم العملية السياسية ويعرف كل عوراتها، ويعلم إن المالكي بدا يستولي على الدولة أو انه قد استولى عليها فعلا، وان أحلام الدكتاتورية بدأت تراوده.
فخلال أكثر من ثمانية أعوام وهي الفترة التي قضاها السيد نوري المالكي رئيسا لأعلى سلطة تنفيذية في العراق وهي رئاسة الوزراء، ومازال مستمرا في منصبه، خلال كل هذه الفترة كل ما أنجزه وكل ما حققه المالكي للعراق هو تسخير كل فعالياتها وكل طاقاتها وكل ومواردها لتحقيق حلمه ليصبح دكتاتورا، ويبدو أنه قد نجح فيه إلى حدا ما حتى الآن، فهو الآن يسيطر على الجيش والقوى الأمنية، وعلى القضاء والمؤسسات القانونية، وعلى النفط والمؤسسات المالية.


ولكن مازال هناك ما يقض مضجع المالكي ويفسد عليه حلمه، وهو بقاء جزء من العراق، وهو جزء كبير ومهم خارج سلطة إمبراطوريته، وخارجة عن إرادته، بل ومتمردة على النهج الاستبدادي والدكتاتوري له، وهذا الجزء من العراق هو إقليم كوردستان الذي يأبى الانضواء تحت عباءته أو الرضوخ لتهديداته.


ومنذ تسلم المالكي لمقاليد السلطة في العراق، لم تشهد العلاقة ين بغداد وأربيل هدوءا، بل كانت دائما الأجواء ملبدة بالغيوم وأزمة تلاحق أخرى، والغريب في أمر هذه الأزمات أنها كانت دائمة مفتعلة وتتمحور على ثلاثة مواضيع وهي (النفط، البيشمركة، المناطق المستقطعة من الإقليم) والتي من المفروض أنالدستور قد اوجد لها حلولا، ورسم لها خرائط طريق لكي تحل على أساسها. ولكن بين الفينة والأخرى يثير رئيس الوزراء المالكي هذه المواضيع ليس من اجل حلها بل من اجل تحقيق أجندات ومن ضمنها بسط سلطة دكتاتوريته على الإقليم متجاوزا على الدستور و التي من أحد مبادئها الرئيسية هي (الشراكة).


الأزمة الحالية المفتعلة بين بغداد وأربيل تأتي في نفس هذا السياق وهو إجبار الإقليم على مبايعة المالكي وتحقيق حلمه كدكتاتور على العراق مدى الحياة، فهل سينجح في ذلك يا ترى؟ أم إن الموقف الحازم لرئيس الإقليم مسعود البارزاني وقوله " سنتخذ موقفا لا تتوقعه بغداد أذا ما استمرت في نهجها مع الإقليم " سيوقفه عند حده. هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة، وعلى الأرجح أن المالكي سيتراجع عن موقفه مؤقتا، لكن مخططه سيبقى قائما، لأنه مخطط وحلم دكتاتور...