ايام من العذابات في الانفال
10

علي حاول بكو



الصراع بين النجاة والخلاص من قبضة أبشع نظام فاشستي و الذي أزهق مئات الآلاف من أرواح العراقيين وكان حصة الاسد منها لشعبنا الكوردي من التضحيات التي كانت في الغالب من النساء والاطفال ، والمقابر الجماعية خير دليل على ذلك ، كنا نحاول الهروب من الموت لكي لا نكون ضمن تلك القوافل من العوائل التي جرى أخذهم في البداية الى قلعة نزاركي في دهوك حيث تم القاء القبض عليهم في ظل ظروف الحصار وفي جبال كوردستان التي استمرت لمدة خمسة عشرة يوما ، بعد صدور قرار العفو الخادع والمرقم 736 في 1988/9/6 تم نقلهم الى قلعة النزاركئ في دهوك لاحتجازهم لمدة اكثر من ثلاثين يوما كان في البداية تحت الحراسة احدى السراية ابو فراس الحمداني ثم استلم الحراسة الاستخبارات العسكرية وبعدها تم ارسالهم الى محرقة الموت الجماعي في جنوب العراق ، أما نحن الأخوين وعند تلك الظروف القاسية والعصيبة من كل الجوانب المحيطة بنا كنا في مجمع خانصور الحدودي، محاصرين في دار ذلك الرجل الكريم والمعوق المبتور الساقين عثمان حجي مجو ( الشركي ) على الشريط الحدودي مع سوريا ، وبعد مرور اكثر من اربعة ايام من مكوثنا في كوخ المواشي مع شقيقي خضر المعوق الذي يرتكز على العكازات ؟ كان الأمل يتضاءل بالاعتماد على الأخرين ولذلك كان لابد أن نعتمد على صاحب الدار، ذلك الرجل الكريم والذي يتمتع بكافة الصفات الانسانية والدينية والقومية والذي تحمل الكثير المخاطر من اجلنا ، ففي الليلة الرابعة على اليوم الخامس كان الوقت يشير الى ما قبل منتصف الليل دخلت احدى الفتيات الى الغرفة التي كنا نحن فيها فقالت لنا ان والدها عثمان يريد حضورنا إلى باحة "الحوش" المنزل من اجل موضوع يتعلق بنا ، خرجنا من تلك الغرفة توجهنا إلى مكان السهرات الليلية وجدت هناك أربعة أشخاص آخرين في المجلس كان ثلاث منهم شبان والرابع في العقد الثالث من عمره . في البداية استغربت من الامر كيف لهؤلاء أن يعلموا بتواجدنا هنا ، فانتابني خوف شديد ، ولكن بعدما جلسنا معهم قال لي الأخ عثمان لا تخاف فهؤلاء كل من شمو ابن شقيقتي يعمل سائق لدى آمر مفرزة أبو فراس الحمداني يدعي زيد احمد من مجمع تل عزير في قبلة سنجار (جنوب سنجار ) وهذا الرجل المسن يدعى حشور وهو خالي والشباب هم أولاد عمي ، عندها تنفست الصعداء وزال الخوف من جسدي ، وبدأ بشرح الموضوع وقال ان هذين الشابين سوف يرعيان قطيع من المواشي ويبدأون في عصر اليوم التالي بالتقرب إلى الحدود وسيبقون هناك من اجل مراقبته وقدوم مفارز المرتزقة التابعة لسرايا أبو فراس الحمداني أثناء الليل ثم يأخذان موقعا لكمين لهم في المسافة الواقعة بين النقطتين العسكرتين وفي تلك المسافة توجد منطقة على شكل وادي ، من هناك سوف يتم عبوركما منه، وسوف يكلف شمو باستغلال الفرصة لاستخدام السيارة التي تعود الى امر السرية بدون علمه ويدخل مع السيارة الى باحة المنزل من اجل نقل خضر المعوق الى احد الوديان خارج المجمع ثم بعدها خالي حشور يستعين بحمير ويتوجه اليكم من اجل نقل خضر المعوق الذي كان يرتكز على العكازات وبعدها التوجه الى رعاة الغنم حيث إنهم مكلفين بالمراقبة و سوف يتم تزويدكم بالمعلومات وقال إنكم سوف تستخدمون تلك المسافة من الوادي بعد استلامكم للمعلومات وبعد هذه المسافة لن تكون هناك كمائن لقوات النظام فحينها عليك ان تأخذ زمام المبادرة وتقود شقيقك خضر على ظهر حمير لتجاوز تلك المسافة بين النقطتين العسكريتين وبعدها هناك شارع عام تستخدمها السيارات في النهار فقط ، ثم يليه ساتر ترابي يفصل البلدين وبذلك ستكون داخل الاراضي السورية ، حقا كانت الخطة محكمة ومدروسة بشكل عقلاني وافقتُ على تلك الفكرة بعد شرحها التفصيلي بدأنا بتنفيذها ، فدخلت السيارة إلى باحة المنزل وصعدنا فيها ثم توجهت الى حيث لا نعلم بسبب عدم درايتنا بطبيعة المنطقة وجغرافيتها وبعد وصولنا الى الوادي قال لي سائق السيارة هذا هو الوادي الذي حدثك عنه خالي فنزلنا هناك ، بقينا في الوادي في تلك الليلة تحت ضوء القمر حيث لم نكن نعلم أين نحن وكان علينا الانتظار الى المرحلة التالية و ماذا سيحدث فيما بعد ..! وبعد أقل من ساعة واحدة سمعتُ صوتا من هناك و هو يحث حمارا على الاستعجال والمشي ، ثم رأيت حشور وصل الينا وهو يقود الحمار ، فتم نقل خضر على ظهره وتوجهنا نحو الرعاة حتى وصلنا اليهم رأيتهم يتناولون الشاي ، فسألتهم عن الطريق و الكمائن و المخاطر المحتملة ، طمأنني الأخوة على سلامة الطريق وخلوه من الكمائن عدا سيارة الدورية التي تمر بين كل فترة وفترة مع وجود نقاط المراباة الثابتة على طول الشريط الحدودي .
قال لي حشور عذرا ليس بوسعي أن اقدم لك اكثر من هذا وسوف أبقى مع الرعاة الى صباح يوم الغد ،أجبته حسنا ولكن أطلب منك البقاء في انتظاري لأنني سوف اعود مرة ثانية اليكم ..! فقال لي هل اصابك الجنون ..؟ ولماذا بعد الوصول الى الاراضي السورية ثم ترجع الينا مجددا ..! قلت له هناك في الجبال مجموعة من الرفاق في انتظاري داخل الكهوف والوديان في الجبال .
بعدها طمأنني الرعاة وقالوا من المؤكد ليس هناك كمائن حسب مراقبتنا من عصر هذا اليوم و الى الآن ، كان الوقت يشير الى منتصف الليل ، ولايزال خضر على ظهر الحمار حاملا عكازاته في يده ينتظر ان نتحرك ، فتركتُ صديقي حشور مع رعاة المواشي ثم توجهت ُ سيرا على الاقدام وخضر على ظهر الحمار نحو الحدود من خلال الواد الذي يقع المسافة بين النقطتين العسكريتين نحو الشارع و قبل الساتر الحدودي ، كانت المسافة تعد ما بين 4 الى 5 كم لكنها مسافة حساسة للغاية من حيث احتمال وجود مخاطر الجدية نعم المهمة كانت لا تخلو من الخطورة والمغامرة ، ولكن لم يكن أمامي الا تحمل المزيد من اجل نجاح المهمة ووصول خضر الى بر الأمان رغم الظروف القاسية المفروضة عليَ ، وبعد مسافة معينة تحدثُت مع خضر في بعض التوجيهات ، الا وهي عليك ان تحافظ على مسافة لا تقل عن مائة متر بيننا على مدى الرؤية وقلت له بأنني سأكون امامك وفيما إذا حصل اصطدام مع العدو، ساطلق بعض العيارات النارية او احدى القنابل اليدوية التي في حوزتي من اجل ان يعلم العدو بأنني احمل السلاح وعندها عليك التراجع الى الخلف ثم تتوجه نحو مجمع خانصور حينها كل منا ما كتب له حظه من المصير؟ قال لي حسنا ليس بوسعك العمل اكثر من ذلك ، تقدمتُ الى ان تجاوزتُ المسافة بين النقطتين العسكريتين بعدها وصلتُ الى الشارع ثم توجهتُ الى خضر وابلغتُ بأنه نحن اصبحنا على خلف النقطتين بعد وصولنا الى قريب الشارع وقلت له عليك البقاء في مكانك كي استطلع الشارع ؟ حسنا قال ، استطلعت الشارع رأيته ليس هناك من أي مصدر تهديد أو خطر ، ثم توجهتُ اليه ودعوته على حث الحمار من اجل الاسراع في المشي ، الى ان وصلتُ إلى الساتر الترابي الذي بناه النظام العراقي ،عندها فاجئني ذئب بقفزة عالية هربا مني كان مختفيا بين الاعشاب ، كانت هناك اعشاب مكثفة وعالية بسبب عدم وصول اي شخص الى تلك بقعة فكانت تعد من المناطق المحضورة والمحرمة ، وبسبب قفزة الذئب المفاجئة كاد ان تصيبني نوبة قلبية فاعتقدت بأن مفرزة من قوات النظام كمنت لنا و لكنني بعد ذلك علمت بان ما حصل هو هروب ذئب من أمامي وليس عدو ، حينها تراخت اعصابي وتنفستُ الصعداء ، اما خضر قال لي ماذا حدث من امامك ..؟ قلت له كان ذئبا مختفيا فهرب من أمامي لكنه سوف يبقى نباح الكلاب الذين يقاتلون بني جلدتهم ، ثم قال ماذا عن مصير الحمار هل يتم تركه هنا ..؟ قلت له خذ الحمار المسكين الى سوريا ليخلص من نظام صدام ولكي يبقى الجحوش هناك في العراق ، رغم الظروف القاسية، ضحك خضر وقال فليكن حاله من حالي ، واصبحنا خلف الستار داخل الاراضي السورية نحن فأطلقنا حسرة كانت محصورة في قلوبنا جراء الحصار الذي دام أكثر من شهر من بداية الانفال والى لحظة وصولنا الى سوريا ثم تنفسنا الصعداء وقبيل مغادرتي لدى شقيقي خضر خلف الساتر الحدودي ابلغته عليك ان تتوجه نحو عمق الأراضي السورية والأبتعاد عن حدود العراقية واياك ان تتوجه الى قرى قرب الحدود احتمال عملاء ومؤيد النظام في تلك القرى العربية السورية؟ وفيما بعد وصولي الى سورية علمتُ بمصيره في قبضة الكمين للسورين بعد حوالي 500 متر من الساتر التي تفصل البلدين.
وهنا لم تنتهي مسؤوليتي بعد لأنه توجب عليَ العودة مجددا الى جبال كردستان فهناك مجموعة من الرفاق المحاصرين والمختفين في الجبل خلف القوش وتفرض عليَ الاخلاق والمباديء الثورية التي تربيت عليها ، فرغم التضحية بالغالي والنفيس من أعزائنا أفراد عائلتي ، لم يكن بالإمكان نسيان رفاقي هناك وبشهادة عدد من الرفاق وهم أحياء يرزقون من المناضلين مثل ابو سربست وتوفيق وناظم والدكتور جمال عبدالله وكفاح جمعة كونجي ومنهم رفاق من العرب والمسيحين والكثيرين ممن يقرأون هذه المقالة سيتذكرون تلك الاحداث المؤلمة . والى الحلقة القادم من العذابات في ايام الانفال