الدكتور توفيق التونجي : كتاب كركوك نامة

لقراءة الكتاب
https://drive.google.com/file/d/0B54...85emlybHM/view


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

كركوك نامه.. عَوْدة للماضي الجميل، وتفاؤلٌ لأواصر الأخوة المتينة



دراسة وتقديم: حكيم نديم الداوودي
من مطبوعات دارفيشون ميديا السويد 2007 صدر للباحث د. توفيق آلتونجي كتاب جديد بعنوان"كركوك نامه". عدنا مع توفيق آلتونجي لماضي كركوك الجميل، والى عمق يوميات قرن غابر من الآن، معرضاً لنا خلال رسائله القديمة المحفوظة في أرشيف الذاكرة ومخيلة الطفولة جانباً من يقظة شبابه كأحلام وآلام وأماني لمدينة كركوك، تلك المدينة التاريخية المجللة دائماً بنار الكبرياء والمسكونة بالسحر البابلي والمحروسة أبداً بأدعية المردوخ مع مناداة الجميع لها تحبباً بالكرخيني، أرباخا وكرخينا، وانتهاء بتسمية كركوك الأصيلة بالرغم من بقاء الجدل البيزنطي بين المؤرخين وباحثي الآثار حولها وحول بدايات تسميتها المطلسمة وهي تتلوّن وتتجّمل ببهائها عبر تاريخها الموغل بالأسطورة بنيران بابا گرگر الأزلية.

رسم آلتونجي لنا وعلى صفحات كركوك نامة بفرشاة التسامح مزهرية كبيرة للتآخي مطرزاً حوافها بالآيات الكريمة وقبساً من وصايا الإنجيل والتوراة وبقايا من حِكم "زارد شت" التليد.



كركوك نامة كتاب يصلح أن يكون لسِانِ فصيحٍ وصريحٍ للذاكرة اليقِظة لمكونات التنّوع البشري وبكل أطيافه السَمْحة وتستقيم أن تكون بآلامها وآمالها لسان ناطق للتركماني المسالم للعيش، وللكردي الحالم بالحرية الأبدية ،وللعربي الأصيل المتيّم لروح التآخي وللآشوري الآمن كشريك أأزلي لموزائيك كركوك دون تمييز بين ناطقي تلك اللغات لا قلباً ولا روحاً.الكل هناك طّوافون حول محور حُب كركوك، ولنارها الدافئة التي حَرمّت على نفسها أكل لحم أبنائها مهما تشعبت سنين البعد وتنوعت قسوة الحياة وحسب قول د.آلتونجي توفيق بأن كركوك كانت في البدء مدينة، والمدينة كانت أرباخا.– حين أبدأ عن الحديث عن مدينتي وأهلي سأترك التاريخ والتساؤل عن عائدية المدينة لِمَنْ ومَنْ كانَ هؤلاء الذين أول مَن رَفعوا أسس المدينة وعَلوّا بُنيانها يوماً ما جانباً حيث أن تاريخَ المدينة حافلةٌ بالأقوام والشعوب. ويدّعي اليومَ كلٌّ عائدية المدينة إليهم ويقدّمون في سبيل إثبات ذلك الأدلة والوثائق التاريخية. وأنا هنا لا أقدم أي دليل على مصداقية تلك الادعاءات وهي بالتأكيد جميعها صحيحةٌ وتاريخيةٌ موثوقة. فقد كانت المدينة آشورية سومرية كوتية خورية عباسية سلجوقية صفوية عثمانية عراقية وكوردستانية، وتغيير لغات أبنائها مع تغيير الولاة والحُكام وهي مدينةٌ كورديةٌ وتوركمانية وآشوريةٌ وسكنتها بعض العرب حديثاً كذلك. ذكر آلتونجي في سرديته المعنونة بالملحمة القيصرية كتب إهداء تلك الغصّة الغير المنسية الى روح سفيل يونان، داش، كِراﭺ، داش. والكلمات الثلاث تعني بالعربية حجر، جص، حجر. سفيل المولود في مدينة كركوك ومن عائلة مسيحية والمقطوع رأسه عام 1799 بالسيف بسبب الفقر باعه والده الى أحد أثرياء من غير دينه وبعد تردد سفيل على الكنيسة باستمرار أثار حنق المسلمين عليه وحكم بقطع رأسه بتهمة الارتداد عن الدين الإسلامي وهزت الحادثة في وقتها المسيحيين في كركوك والموصل ودياربكر وكتب عن مأساته الشاعر الكلداني الكركوكي سركيس عيواز اوغلو ملحمة شعرية مؤثرة.

في ذلك الصباح
لم يصيح الديك كالمعتاد،
ولم تستيقظ العصافير مبّكرا،ً
المكان كانَ موحشاً
وبدا كبير البناءين سعيداً.

أخذت سفرة كركوك نامة تلك من مشاعر وذكريات ذلك الحالم الكركوكي توفيق آلتونجي فترة مابين عام 1958- الى 1968.ويعتبر ذلك المسكون بحلم كركوك تلك الفترة، بالفترة التاريخية المهمة والمتميزة ليس فقط في حياة المدينة وأهلها الكرام بل في مجمل تاريخ العراق الحديث والمنطقة والعالم بأسره.حيث جرت أهم التحولات السياسية والاجتماعية على صعيد العراق والعالم. يشير كاتب كركوك نامه بأن القارئ سيلاحظ الخصوصية الثقافية التوركمانية واضحة على المدينة في تلك الفترة لتراكمات تاريخية ونذكرها من خلال عرض أحوال الناس وبعض مفردات الحياة الاجتماعية اليومية لأبناء المدينة، في الواقع إن قَدَر المدينة أرتبط بما يسمى بمسألة الموصل أي لواء الموصل.بعد نزاع تركيا مع البريطانيين عليها وبعد استفتاء سكان اللواء واختيارهم في الانضمام الى دولة العراق الفتية بعد الحرب العالمية الثانية.ويقول لو كانت نتائج تلك الاستفتاء لصالح تركيا لكانت اليوم تلك الأراضي الواقعة اليوم بين الحدود العراقية التركية وسلسلة جبال حمرين أراضي تابعة لدولة تركيا وجزء من كوردستان الكبرى وسكانها كانوا يتكلمون الكوردية كلغة الأم والتوركية كلغة رسمية للبلاد. وما كانت اللغة العربية كما هي عليها في العراق بل أستترك الكثير منهم وكما حصل اليوم ومع الأسف مع أبناء الشعب الكوردي في كافة أجزاء وطنهم المجزأ اليوم وكما نرى ذلك جلياً بين أبناء كوردستان الشمالية الواقعة اليوم ضمن الأراضي الدولة التركية.

إن من أهم النتائج المباشرة للهجمة البربرية التي شنتها الحكومات المركزية المتعاقبة على أبناء الشعب الكوردي خلال تلك الفترة التي اندلعت الثورة الأيلولية المباركة وأبان فترة الانقلابات العسكرية التي تمت خلالها تنفيذ سياسة التطهير العرقي بحق أبناء المدينة. ويجب أن نكون صريحين أمام تاريخ المدينة خلال استبداد الطغاة وتنكيلهم بأبنائها، بأن أبناء المدينة ونتيجة لتلك الظروف الاستثنائية اضطروا بتغيير انتماءاتهم القومية مرغمين ومكرهين، وتحولت لغة البيت والشارع الى التوركمانية أحياناً والى العربية أحياناً أخرى. والمتمعن في حياة أبناء المدينة في تلك الفترة التاريخية العصيبة سيرى بأن العديد من العائلات التوركمانية تحولت الى الكوردية وما برحت تلك العائلات تغيّر إنتمائاتها الى التوركمانية وفي مطلع الثمانينات غيروها قسرا الى العربية. بقي أن نعلم ذلك بأن الانتماء الثقافي يمثل الهوية الوطنية للعديد من العائلات الكركوكية أن كانت توركمانية أو كوردية، لا العِرقية والقومية. حيث أن هناك أدباء وفنانين توركمان من أصول كوردية وبالعكس. هذا المنحى مهم جداً في دراسة سلوك أبناء المدينة وهي طريقة امثل للبقاء على الحياة واستمرار الوجود الإنساني على قيد الحياة حين تشتد الأزمات ويسود الظلم.

مشاهد ووقائع لصاحب كركوك نامة الى بغداد

يقول آلتونجي في كركوك نامته حول تلك السفرة الشاقة والممتعة – ان النظرة التقهقرية الى تلك الأزمنة ترجعنا الى زمن ومكان تل السفرة لأرويَ لكم البدايات والنهايات تلك السفرة ،حيث كانت سيارات النفرات منتشرة قرب سوق الهرج بكركوك نقليات يايجي الجبوري ومركباتها الزرقاء ماركة مرسيدس بنز بينما يتصايح أحدهم منادياً بغداد... بغداد نفر واحد ويتراكض آخر من شركة ثانية الى أحد المسافرين ليحمل عنه متاعه المتمثل بحقيبة خضراء مصنوعة من التنك ليشدّها بإحكام فوق سقف العربة وأما المتمكنين من المسافرين فكانوا يؤجرون سيارات الأجرة ........... حيث أسعار أجرتها تكون أغلى من الحافلات الباصات ويجلس المرء فيها أكثر راحة وتستغرق السفرة وقتاً أقل عما عليها بالباصات إذ إن سرعة الباص كانت تتراوح ما بين 50-90 كلم في الساعة ونادراً يتجاوز السائق سرعة السبعين كلم في الساعة وكانت السفرة بالباص تستغرق أكثر من خمس ساعات.اما الطريق فحدث ولا حرج فينما كنا على أطراف المدينة وبالقرب من إعدادية الصناعة قرب الحديقة الدائرية التي كانت تتوسطها تمثال الزعيم عبد الكريم قاسم حيث كانت المدينة تنتهي جنوبا ويمتد شارع طويل متعرج ذا مطبات عديدة "سقل طوتان" وكما سمته العامة من التوركمان وصولاً الى مدينة تازة خورماتو اول مدينة تقابلك وأنت تتوجه الى بغداد وتستمر السيارة في رحلتها من خلال مدينة دل تاوه لتتوقف المركبة في أحدى الجاي خانات المنتشرة على طريق بغداد في طوز هنا ولأول مرة يقابلك عدد من التوركمان يتحدثون بلكنة توركمانية جديدة وأنت قادمٌ من مدينة كركوك حيث اللهجة الكركوكية وترى بعض باعة الأواني الفخارية "القلل" او الشربة كما تسميها العامة، وقد وضعوا ورصّوا حاجياتهم للبيع على جانب أحدى الجدران. وكان المسافرين يتجمعون حول تلك الأواني الفخارية كي يشتروا منها كهدايا ليأخذوها معهم حيث أن الفنان الفطري الطوزلاوي خبير في تلك المهنة السيراميك ويجيد أيضاً في تزينه وعمل التماثيل الجميلة، ثم تأخذك تلك السفرة بعد أن تقطع جسرين على آق صو- ئاوي سبي ماراً من جانب مدينة سليمان بك البعيدة بعض الشيء عن الشارع الرئيسي، ومنها يبدأ الشارع أكثر استواء عما كان عليه نتيجة اقترابنا الى تخوم المنطقة الشبه الصحراوية المسماة - صحراء قرفة- والتي تمتد حتى تخوم مدينة بغداد وبعد فترة تجد نفسك والباص يلهث وبصعوبة صاعداً سلسلة جبال حمرين الحدود الطبيعية لكوردستان حيث تبدأ حدود لواء بعقوبة الرسمي آنذاك ويلوح عن بعد وسط صحراء العظيم كازينو مقهى عصري حيث كان يسمى بالكازينو السياحي ويتوقف فيه فقط سيارات الأجرة وأما الباصات فتتوقف أحياناً لصب الماء في الراديتر أيام الصيف حيث أن لهيب الحرارة الصحراوية كان شديدا جداً، وفي تلك الكازينو الصحراوي كانوا يبيعون عصير البرتقال البارد عصير "شربت نادر" والذي لازال أحس بطعمه في حلقي منذ أكثر من أربعينَ عاماً بالرغم من شربي شراب البرتقال في العديد من المناسبات والأحتفالات والأعياد حيث كانت تباع أيامها قناني عصير البرتقال مركزة مغلفة بورق السلوفان حيث كان الناس يقدمونه كهدية عند ذهابهم الى زيارة وعيادة مريض في المستشفى الكبير والقريب من جسر الشهداء تيمنا بشهداء توركمان الذين سقطوا يوم الرابع عشر من تموز من عام 1959 لم تكن هناك محلات لبيع الزهور في المدينة ولم يكن الناس معتادين على تقديم الزهور والورود للمرضى بل كانوا في العادة يقدمون علب البسكويت"الجميلي" وقناني الشربت وبعضهم كانوا يقدمون السكر القند الهرمي الشكل والمغلف بالورق الأزرق والذي اختفى من الأسواق العراقية لاحقاً ولم أجد له شبيهاً سوى في إيران.تصل رحلتنا الى أول مدينة بعد ان نقطع صحراء القرفة وهي ديلتاوة الخالص مدينة البرتقال والنخيل والرمان .............................................. ولأول مرة تلاحظ الأكثرية يتحدثون بالغة العربية وقد تشعر بالغربة بعض الشيء،وحال انتهاء الركاب من شرب الشاي تتوجه الحافلة صوب بغداد في طريق كان من أسوء ما رأته عين لحد الآن مليء بالحفر والمطبات حيث الشارع المسمى شارع البعقوبة وقد ماع أي أنصهر وساح أسفلته من شدة حرارة شمس النهار حيث يحاول السائق من أن يتجنب أن تهوى السيارة في إحدى تلك الحفر بينما ينزعج الركاب وهم على تلك المقاعد الغير المريحة ويرتفع صوت أحدهم من المقاعد الخلفية متذكراً من سرعة الباص البطيئة. تلوح من بعيد مداخن معامل الطابوق الآجر ونحن نقترب من خان بني سعد فيقول أحدهم من هنا أنطلق جحافل الجيش العراقي صبيحة الرابع عشر من تموز يوم الثورة وإعلان الجمهورية.ها قد حل المساء على العاصمة بعد سفرة مضنية طويلة فيها جميع الركاب منهكين ومتعبين من جراء الرحلة بينما كان سائق المركبة يحاول أن يجد إذاعة بغداد وهو يدير قرص الراديو الترانسستور سيلفر ذا الغلاف الجلدي الأحمر الصغير. السفرة بحد ذاتها وكما ذكرت في بداية حديثي بدأت عام 1958 عام ثورة تموز وأعلان الجمهورية وتنتهي صيف عام 1968 مع انقلاب تموز البعثي الأسود وهي انعكاس لتلك الفترة التاريخية المهمة في حياة المدينة وأبنائها. ويذكر الكاتب في نهاية الفصل بأن معظم مواد الكتاب قد تم نشرها في العديد من الصحف العربية والكوردية والتوركمانية والسريانية وتلك اللغات وهي بمجملها تكون الهوية الثقافية التعددية لأبناء كركوك في الوقت الحاضر ولا يمكن الحديث عن المدينة دون التطرق الى تلك التركيبة السكانية البديعة.

كركوك وتعددية الانتماءات

يقول آلتونجي في كركوك نامته بأن لا توجد مدينة على وجه المعمورة تمكنت ومن خلال سير قطار الزمن أن تحافظ على نقاء تركيبة سكان مجتمعاتها العرقية الأثنية والثقافية أو حتى الاجتماعية والبيئية، فمال بال مدينة تقع على مفترق الطرق وتربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب سكنها الإنسان الأول ومرت منها الجيوش الجرارة ووصفها جنود جيش أسكندر المقدوني كمدينة النار وحوريتها الخالدة التي تثير بشهبها الى عنان السماء قلوب أبنائها وتبعد الشر والأشرار عنها وعنهم. مدينةٌ على أطراف نهايات جبال زاكروز وبدايات تباشير الرمال القادمة من مجاهل صحراء الجزيرة العربية وأعني بها طبعاً مدينة العذابات تلك هي مدينة كركوك ، المدينة الكوردستانية الخالدة التي تكررت مآسيها عبر العصور والأزمان، وبقيت جراحها نازفة وهي تضيء قناديل العالم خيراً لتزيل الدجى واليأسَ من قلوب أبنائها مع أن تركيبتها السكانية كانت أغناء للثقافة الإنسانية ودليل على مدى إيجابية الحوار الحضاري الإنساني التي جرت تفاصيل علاقاتها الإنسانية السمحة بينَ أبناء التركيبة التعددية العرقية والثقافية والعقائدية على أرضها الطيبة. أن الحفاظ على تلك التركيبة تضيف ألواناً جميلة الى النسيج السكاني الكوردستاني الثقافي كتنوع زهور حديقة في الفردوس على الأرض. وتبعد بذلك شبح أحادية الفكر السلطوي والشمولي البغيض والنظرة الأحادية الى الأمور وبناء مستقبل كوردستان الديمقراطي بعيداً عن الأفكار القومية العنصرية التسلطية الداعية الى صفاء الانتماءات العرقية البشرية وإلغاء التعددية الثقافية التاريخية خاصة إن تلك التجارب أثبتت تاريخياً فشلها. أن التعددية الثقافية للمدينة إرثٌ ورثناه من أجدادنا العظام ويجب الحفاظ عليها وهي مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع وكما أسلفُ إن تلك التركيبة هي إغناءٌ للوجود البشري التي يتغنى بها ويقول عنها شاعرها المجدد حكيم نديم الداوودي:
كركوُك يا بوّابة فردوْس العِشق والآهاتِ، ويا سلالة الهُزبر ورِحْلة الدّم والعذاب .


وكما يعرج الشاعر الكركوكي فاروق مصطفى الى درب الدفلة ليتغنى بها قائلاً :
كركوك نهرٌ يدوُر، يسنبل الأشجار يملآ الأكوابَ ببقايا حُزنٍ يغلف الأسفار لشاعر يلقي أطمارً عشقه القديم وأفياضَ وجده المؤجج بالحنين.
هكذا يتغنى الكركوكي لمدينته ويرى فيها ملهمته وعشيقتة الأبدية . ان السنة التي أخترتها لسفري هذه مهمة في تاريخ المدينة ورمز يعرفها عن قرب جميع أبنائها للحوادث المتسارعة التي حل بالمدينة وأهلها وأصبحَ تأريخاً منقوشاً في وجدانها.

كركوك مدينة موزائيك ثقافات متداخلة وتاريخ ٌ حافلٌ بالأقوام

كركو مدينة دخلت قواميس الدنيا لكونها تمثل الشريان الرئيسي للاقتصاد الوطني العراقي بعد أن تفجر فيها أول بئر سنة 1927 للبترول على مشارف المدينة في منطقة تسمى بابا كركر حيث النار الأزلية التي يعتقد شعوب العراق القديم بأنها مقدسة... من هنا مرّ أسكندر المقدوني وجحافل جنوده في فتحه للشرق.

توطئة تاريخية

يكاد يجمع الباحثون في التاريخ العراقي على أن مدينة كركوك قد بنيت على أنقاض مدينة أرباخا القديمة. وقد وجد آثارٌ سومرية على شكل رقم فخارية قديمة أثر الحفريات التي أجريت في قلعة المدينة عام 1923 تعود الى الألف الثاني قبل ميلاد سيدنا المسيح (ع). كما وجدت الكثير من الأواني الفخارية لاحقاً في عام 1948 تعود الى عصر السلالات السومرية 2600 سنة قبل الميلاد وكانت من بين تلك الآثار المكتشفة أدوات نحاسية وأسلحة. تؤكد كل تلك الآثار المكتشفة وما أكتشف لاحقاً بعد أن تم هدم القلعة وتحويلها الى منطقة سياحية حسب الادعاءات الرسمية تؤكد كون المدينة قديمة ويعود إنشاؤها الى عهود الحضارات العراقية القديمة وقد كانت تتعرض لهجمات الشعوب الجبلية وكانت لفترة مائتي من أعوام موطناً للكوتيين تلك الأقوام الجبلية التي مابرحت أن عادت ورجعت قافلة أدراجها الى سفوح الجبال حيث موطنها الأصلي حسب المصادر التاريخية.وكأية مدينة عراقية كانت كركوك جزءا من الإمبراطورية الساسانية وبعد الفتح الإسلامي للعراق في معركة القادسية أصبح العراق جزءا من الأمة الإسلامية حيث توالت شعوب كثيرة على حكمها من عرب وترك وفرس وكورد وتوركمان حتى تأسيس الدولة العراقية في 23 آب من عام 1921 حيث تكوّن لواء كركوك رابع مدن العراق بعد البصرة والموصل والعاصمة بغداد من حيث الأهمية وتعداد السكان.
ذكر توفيق آلتونجي في كركوك نامته مجمل أحياء مدينة كركوك وأحيائها وشرح جميع ألعاب التسالي البريئة في ساحات وملاعب مدينة النيران الأولية،مع ذكرأماكن تلك اللعب ومواسمها، والفرق بين لعب الفقراء والأغنياء،وملاعب ولعب الصبايا،مع عرض وتفصيل مشوّق للأزياء والمأثورات في سهل كرميان وكيفية بدء الحوار الحضاري بين الأمم،وعرض لمجموعة من صور الشخصيات الكركوكية بملابسهم وأزيائهم الشعبية في تلك الرقعة الجغرافية وعلى حد قول المؤلف بأن تلك الأزياء والملابس الشعبية هي عامل توحيد لمجموع تلك الشعوب والأقوام والطوائف من قاطني تلك المنطقة الثرية ثقافيا واثنيا من كوردستان فهي تقودنا الى سِفرٍ في تاريخ الشعوب التي سكنت وادي الرافدين على مر العصور والأزمان مكوّنةً بوتقةً لإثنية عرقيةً تعددية.وفي صفحات كركوك نامة يمكن القارئ أن يطلع على التجربة السويدية من خلال توثيق الحركة ألمسرحيه في بلدان المنافي بين أعوام 1987- 1988 وكذلك انعكاس التراث الثقافي في الحياة الفنية في المهجر.وأن يستذكر الماضي ويعيش ذكرياته وذكريات شخصيات شاركوا في استمرارية نبض الحياة في الحاضرة كركوك، مقارنا بين أسواق المزاد في أوروبا وبين سوق الهرج في كركوك مع ذكر المع الشخصيات والمحلات المشهورة في سوق الهرج مع سلامه لكل من جال بين زوايا ذلك السوق مع أعتذاره لكل من لم يذكره من الأسماء الفاعلة في تاريخ السوق وأسهب د. توفيق في رائعته كركوك نامة الوصف الجمالي لمقاهي كركوك وللمكان الاجتماعي لرواد تلك المقاهي، ويقول بان مقاهي كركوك كانت مكاناً للقاء الصفوة من أبناء المجتمع من شعراء وفنانين ومغامرين وطلاب علم وسياسيين. وكذلك نجد وصفاً دقيقا للعربنجي كواسطة نقل والتي اختفت من شوارع الحاضرة كركوك، وكذلك نجد في نهاية كلامه حول موضوع العربنجي يبعث ايضا سلامه له كيف كان يملآ أزقة كركوك بصوت صهيل خيوله المتعبة وكيف كان يضفي على جو المدينة إيقاعا جميلا من خلال حوافر جياده وكيف كان ينير بالفانوس الذي كان يجمّل به جانبي عربته الطرقات، ويقول بتأسٍ سلام الى العربنجي الذي كان يضيف الى فرح الأطفال البهجة في الأعياد وهم يغنون ويطربون ويدقون على الطبول. ونقرأ عرضا موجزا لمشاهد عرس عند مقام الأمام زين العابدين في داقوق وقد حضر المؤلف جانبا من ذلك العرس صدفة عندما كان في جولة وسفرة ربيعية الى تلك المنطقة يقول بان النسوة تهلهلن طوال الطريق ويزمر سائق العربة للسيارات القادمة من الجهة المقابلة رداً على تزميرهم بينما حناجر النسوة تصدح بالغناء وحال دول العروس الى فناء الدار يفرغون على رأسها النقود والحلوى، بينما النسوة تهلهلن وتزغردن وترفعن أصواتهن بالغناء من قبيل:
هلهلوا لقامتها، اهدوها باقة من الورد، تمنطقت بحزام من ذهب،عروسٌ ذات خصر نحيل، يكرر الجميع، هلهلو لقامتها أهدوها باقة من الورد.
كما يذكر بان تلك العروس قد ودعت الحياة منذ أعوام بمرض السرطان مع سلامه لها ولجدائلها القرمزية وسلام لأرض تلك الأجداد.وينقلنا بعد تلك السطور المأساوية الى ليالي صيف كركوك حينما يدق الصيف أبواب الكركوكيين كل عام وكيف كان البعض منهم يخطط لسفرة العطلة الصيفية،ومن ضمنهم صاحب كركوك نامه نفسه نتركه ليحدثنا عن سفرات أيام شبابه - كنا نخطط سفرة العطلة الصيفية ونسافر الى سوريا ولبنان وتركيا وايران والبعض منا كان يشد الرحال الى أوروبا وامريكا واسترالياحتى قبا أربعين عاما خلت لم نكن أبداً في عزلة من العالم ،ففي هذه المدينة العامرة بأهلها تجمعٌ إثني فريد وطيفٌ جميل ولا ريب أن يحن التركماني الى اسطنبول بينما يحن الكردي الكركوكي اوالآذري الى طهران لأن العديد من تجار كركوك من الآذريين، وآخرون الى بيروت والمتمكن من أهالي كركوك كان يتوجه الى مصايف لبنان والموظف والمعلم علّه يجد عدداً من أصحابه فيتوجهون في سياراتهم الى تركيا حيث كانت الحياة والإقامة رخيصة جداً آنذاك، ويختم الكلام بحسرة مكبوتة لذكريات تلك الأيام بان تل الأيام تبقى منخورة في ذاكرة الكركوكيين الى أبد الآبدين ولا يزالون يحنون الى تلك الأيام تحت سماء بابا كركر القانية ينسجون في مخيلتهم أيام الحرية المفقودة ومستقبل متفائل ونداء لتآخي الشعوب.حول طقوس يوم عاشوراء في منطقة حمزلي كيف كانت مدينة كركوك وقبل عقود طويلة مركزا لتآخي القوميات والعقائد والطوائف الدينية وكان الاحتفاء يتكرر كل عام بمناسبة عاشوراء ، ويبقى رأس إنسان الرافدين ويداه مرفوعتين الى السماء في دعاء مقدس ليحل الأمن والسلام والطمأنينة في ربوع الوطن وكتب حول البيئة والإبداع الأدبي وأدباء كركوك أنموذجاً مستذكراً مقولة لجان دمو –ها أنذا في سبيلي الى ممارسة إنسانيتي - ، بان الموت رحلةٌ الى الطرف الآخر حيث ينقاد جسدنا المسيّر الى هناك آجلاً أم عاجلاً لتنطلق بعدها الأرواح من أجسادها فرحةً حرةً كالفكر، لتسبحَ في فضاء الثقافة والإبداع.يقول الكاتب آلتونجي بأن تلك المدينة-المكان- التي جمعت ملاعب صبانا معاً وجلسنا على المقاعد الخشبية الطويلة في سينماتها وفي مدارسها، وشربنا الحليب الحار في صباحات أيام شتائها الباردة، وتجولنا في أحيائها وأزقتها وباتت معبودتنا ووطننا الصغير في المنفى لا تبرح مخدعنا تنام معنا تحتضننا كل مساء وأعني طبعاً مدينة كركوك.ويسجل لكل تلك الأقلام النيّرة والعقول الكبيرة بأن كركوك مدينة ولد فيها الفنانون والعباقرة خلّدوا في أنتاجهم الأدبي وإبداعاتهم روح إنسانها وآماله، وعبير أحيائها وأزقتها، تحية لأرواح الراحلين منهم واللاحقين ، مدينة أراد الحكام وجلاوزتهم أن تتحولَ الى منفى للعراقيين أصحاب الفكر والمبدأ فهّلوا سهلاً بينَ أبناء مجتمعٍ تعددي يرجع تاريخه الاستيطاني الى أيام العراق القديم فانفجروا كالبركان ليقذفوا بحممهم الإبداعية في دجى الظلام، ذكر أسماء طائفة من الأسماء اللامعة التي انعكست في كتاباتهم سمات التعدد الثقافي. مع اعتذاره الشفيف للعديد من الأسماء اللامعة الأخرى الذين أنساهم من روّاد الحركة الأدبية في المدينة. وعن السيدة الكركوكية ولقاء الثقافات المتباينة منها التنوع في المأكولات أنموذجاً ، يقول بن تاريخ الشعوب بثقافاتها إذا محيت أختفوا. ثم ينتقل الى صناعة الأكل في مطاعم المدينة مع ذكر أشهر المطاعم ومحلات الحلوى وأشهر الباعة المتجولين في المدينة وبائعي المشوريات السريعة على أرصفة المدينة، مع نشر مجموعة من الصور الفوتوغرافية الجميلة التي تعكس الحياة الاجتماعية ودور السيدة الكركوكية في عرش المطبخ البيتي وباعتبارها ملكة متوّجة بلا منازع، والمطبخ البيتي تبقى المرأة فيه سيدة متوجة على ذلك العرش لا تتنازل عنها مدى الدهر.ويسرد لنا في فصل المطبخ البيتي كيفية عمل موائد المناسبات الدينية والحفلات، وبيان الثراء والبذخ في الموائد كانعكاس للثقافات المتعددة، وكيفية تحضير المعجنات والحلويات في البيت الكركوكي، للإضفاء البهجة في الأعياد والأفراح. وعن قلعة كركوك كموروث ثقافي تركة الأجداد والوعي الثقافي، يذكر المؤلف حقيقة مرة من منفاه بأن أستاذ اللغة السويدية كيف كان يشرح تاريخ المدينة للطلاب المهاجرين الملتفين حوله وفجأة بدأ الحزن يطغي على تقاطيع وجهه فتتبدل سحنته البيضاء الى لون غمامة رمادية كان يتحدث بألم شديد عن مام قام به أبناء جلدته قبل مئات السنين من هدم لقلعة المدينة وحصنها لصد هجوم الغزاة الدانماركيين في حين وضع يده فوق مدفع قديم وهو يقول بفخر لله الشكر، أنقذوا هذا المدفع! مدفع صغير لا يربو طوله المتر موضوع على منصة مرمرية في وسط جنينة من الزهور كذلك المدفع الذي يزين أحدى ميادين بغداد القريبة من وزارة الدفاع وسط المدينة والمسماة طوب أبو خزامة، من آثار ذلك الحداد العراقي الكوردي مامه يارة وقد تجد العديد من آثاره في اسطنبول وأنت تتجول في متاحفها وقد وقّعَ هذا الصنايعي البارع أسمه على أحد زوايا المدفع.، ويسدي توفيق آلتونجي سلامه الى أرواح البناءين الذين علة جدران قلاع الدنيا كي تكونَ مأمناً لأرواح البشر، حينَ تشتد بهم الأيام ويجور الظالم ... سلاماًَ. وينتقل بعد ذلك الى دور الهيئات التعليمية في ترسيخ مبادئ الحوار الحضاري ومعلمي مدينة كركوك أنموذجاً، مع اشارته الى تاريخ إنشاء أول مدرسة ابتدائية في المدينة والتي تعود الى عام 1868 أيام المتصرف هاشم باشا بمساعدة أبناء المدينة في منطقة آخر حسين.ويذكر جانباً من أيام تلمذته ولقائه الأول مع المسطبة الرحلة والسبورة اللوحة، وعصا مدير المدرسة وهو يهرول خلف المتقاعسين من التلاميذ، مع ذكر أسماء بعض الأساتذة الأكفاء الذين تركوا بصماتهم الإبداعية في ذاكرة كركوكالتعليمية، مع تقديم اعتذاره لأساتذته النجباء الذين لم يتذكر أسماءهم، بأنه سوف يردد دوماً بحقهم من علمني حرفاً ملّكني عبداً أحياء وأموات. ونكون مع فصل طريف حول دلالات تنوع أسماء العلم والألقاب الكركوكية. -بأن الأسماء كثيرة تنتشر بين أبناء شعوب المعمورة بعضها تبقى لبعض الوقت ثم تزول من ذاكرة الإنسان، والبعض الأخر تبقة خالداً واعل الأهم من هذا وذاك، السبب وراء خلود تلك الأسماء.الغريب ان العديد من الأسماء مستوحاة من أسماء الأنبياء والرسل والصالحين أو لقائد عظيم، رئيس دولة أو سيدة جليلة صالحة أو قديسة أو أسم مدينة، قرية أو مضارب القوم.مع بدء انتشار الوعي القومي أبان الحرب العالمية الأولى ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية الإسلامية وتأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921 وإعلان الجمهورية صبيحة ثورة تموز 1958 وما تلته من تغييرات في تركيبة المجتمع العراقي السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغير تسمية الناس لأبنائهم في تلك الأدوار المتتالية فأنتشر أسماء كـ فيصل غازي عالية قاسم.واما بعد بيان آذار 1970 ومن ثم أقرار الحقوق الثقافية للشعب التركماني والشعب الكلدو-آشوري أثرت تلك القرارات السياسية على تغيير تسميات مواليد أبناء الشعب الكردي والتركماني والكلدوآشوري الى مسميات بلغاتهم القومية.ويختم الفصل بذكر طائفة من الأحياء والأماكن ودلالاتها في الحاضرة كركوك كأحد أفرازات التعددية الثقافية والقومية في ضوء تلكم المسميات التاريخية الجميلة مع عرض لمجموعة من الصور التاريخية لقلعة كركوك الأثرية وصورة نادرة للثكنة العسكرية العثمانية في وسط كركوك. وقبل خاتمتنا لكركوك نامة نلقي نظرة سريعة لملحق فيها تحت عنوان تركمان العراق وآفاق المستقبل ، وبأعتبار توركمان العراق وعلى حد وصف آلتونجي أنهم عامل توازن واستقرار في دولة العراق الجديد، موضحاً بان- الشعب التوركماني سينتخب يوما ما نوابه في المجالس المحلية أو المركزية بعيداً عن هيمنة الأحزاب الشمولية أو تلك التي ترتبط بقوى خارجية تلعب بمقدرات الشعب وتدفع بأبنائه كوقود لأحلامهم المريضة، تلك المشاركة الديمقراطية ........... ستؤدي ولأول مرة أن يشارك التوركمان لأداء دورهم التاريخي في بناء عراق الغد بجانب العرب والكورد والكلدوآشوريين وأبناء العقائد الدينية المختلفة الأخرى. ونقرأ كذلك في ذلك الملحق أيضا عدة مواضيع أخرى مثل توركمان العراق والانتخابات النيابية في العراق،وعن مدى فعالية المشاركة والحوار الحضاري بين الشعوب وكذلك دور العامل الدولي ومدى تأثير سياسة الدولة التركية بناء على مصالحها الوطنية والإقليمية على الشعب العراقي بصورة عامة وعلى التوركمان بصورة خاصة، وعن بروز التيارات الفكرية والسياسية التركمانية ويذكر المؤلف بأن هناك تيارين أساسين مؤثرين ينعكسان على مجمل الحياة الفكرية والسياسية لتوركمان العراق. الأول تيار الفكر الديني المتمثل في مبادئ الدين الإسلامي الحنيف بجميع تفرعاته العقائدية، والثاني الفكر القومي التركي النابع عن هيمنة الفكر القومي بين الحين والآخر.وفي نهاية الملحق يرسم لنا اللوحة الفكرية السياسية التركمانية عشية الانتخابات النيابية العراقية، معتبرة تلك اللوحة الفكرية والسياسية للتوركمان لاتزال الحاضرة على الساحة العراقية مع وجود تغيرات في التحالفات والتوافق والائتلاف بين مجموعات وأخرى حين تتوحد المصالح ولكن بحرية تامة تحت سماء الديمقراطية وسواد الحياة السياسية التعددية والديمقراطية مع طرح لبعض أفكار مستقبلية للتوركمان في ضوء خارطة العراق السياسية الجديدة. وبعد قرائتنا لسِفر كركوك نامة، أدهشتنا وأبهرتنا الكم الهائل من الحقائق التاريخية والمعلومات الجديدة حول مدينة كركوك، تزين مجمل فصول الكتاب بالصور الفوتوغرافية لبعض المشاهير والرموز والأسماء التي جاءت ذكرهم في الكتاب بالاضافة الى بعض الصور الشخصية لعائلة المؤلف وأقربائه، وصور العديد من المواقع والأحياء التراثية القديمة، وصور بعض الباعة المتجولين وأصحاب الحرف التقليدية في كركوك.



في كركوك نامة توقفنا مليّاً كي نلتفت الى ماضيينا الجميل بعبقه المنعش للروحوالى صدى ذكريات من سكنوا من قبلناوعمّروا حاضرة كركوك بعرقهم وتعبهم،وزيّنوها بحنانهم ووفائهم وقالوا لمن بعدهم نحن زرعنا فَلمْ نأكل،وأنتم اليوم في ظل الحرية والديمقراطية تزرعون وتحصدون وتأكلون. في كركوك نامة جلسنا بصمت وخشوع بفناء قلعتها الأثرية وأستمعنا الى صوت عبد الواحد كوزجي وهو يخاطب شموخ القلعة، ليتني كنتُ حجراً في أعطاف القلعة، كي أكونَ رفيقاً للغادي والراحل.
وعلى مقربة من الشورجة يصدح صوت علي مردان الشجي باثاُ شكواه للحبيبة البعيدة كفى حبيبتي هذا الجفاء والضنى، وهذا هجري ده د ه الكاكائي يجلس كعادته في جوت قهوة القهوة المزدوجة ليسمع رواده رباعية من رباعياته باللهجة الكورانية، ملمحاً الى قسوة الاغتراب عن المحبوبة كركوك أيها النسيم الهاب أعرض حالي على أهلي الغربة حتى ولو كانت جنة لا تكون وطن. وفي عشية يوم الجمعة يستوقفك صوت شجي قادم من مآذن جوامع كركوك العالية تميز صوت المقرئ نورالدين بقال أوغلومن بين العديد من القراء، وهو يتلو القرآن الكريم على الطريقة الكركوكية المتميزة.

توفيق آلتونجي بسط في القول ليتوغل في عمق التاريخ، حضر مهرجان الفرح بكلمات كانت جلّها مطرزة ببهاء شعلة باباكركر، وفي بعض مواقفها اصطحب أصدقاء طفولته كي يلقوا دمعة حزن لكل الذين كتبوا أسمائهم الخالدة على مومياء مقابر المدينة، وفاءا لتلك القلوب النقية وإجلالا لتلك الروح الحيّة وهي لا تكف من محبة كركوك رغم ظلال قهر السنين.

الدكتور توفيق في كركوك نامة دشّن لعهد جديد بين كتاب المدينة ومثقفيها بأنه وثق بالكلمة والصورة والوثائق والذكريات جانبا مهما من تاريخ كركوك منطلقا من سيرته الذاتية وسيرة من زيّنوا ليالي كركوك بآثارهم ومآثرهم انه أحرز عدة خطوات نحو مقدم الإبداع، وجوانب مضيئة نحو الأصالة. أعتمدَ المؤلف على الكثير من المصادر التي تضمنت بين طياتها مواد أسهمت في أغناء كتاب كركوك نامة بالرغم من ملاحظتنا للكم الهائل من الأخطاء المطبعية التي وقعت في العديد من صفحات الكتاب، مع خلوّ محتواه من نظام التبويب وورود بعض التفاصيل الغير المنتجة في بعض صفحات الكتاب. آلتونجي سيرتقي في كركوك نامته سُلّم التقدير بجدارة من قبل أبناء كركوك لحياديته في الطرح، ولأمانته في إيصال صوت الجميع دون تمييز في اللغة والهوية والانتماء.