سنجار ما بعد آب/2014


قبل أن ندخل في تحليل واقع حال وبؤس الايزيديين ممن هم في المقاومة أو من هم في الاسر أو في مخيمات النزوح، علينا أن نعطي للقاريء الكريم صورة عن الأسباب التي أدت إلى بروز الخلافات الحالية على مستقبل الإيزيديين في سنجار… وعليه هل كانت الاسباب تلك بداعي الخوف على الايزيديين أم خوفا منهم، أم لتحقيق مآرب أخرى؟ وللبيان فقد كٌتبَت مئات المقالات ونصحت الحزب الديمقراطي الكردستاني بأنه يمشي في طريقِ خاطئ، لكنه لم يحترم أي رأي. بل اعتبر ان اي نقد له هو خروج عن الدين والاخلاق والقيم واعتبر كل ما هو مخالف لفكره خروجا عن قيم الله الى ان تفاقم الواقع وكان اهم عوامل ذلك التفاقم:


1 ـ الديمقراطي الكردستاني:
حقيقةً لا افهم ولا أعرف ولا استوعب تعاطي الحزب الديمقراطي الكردستاني بهكذا اسلوب مع الاحداث في المناطق التي اطلقت عليها "الكردستانية خارج الاقليم". فلايمكن لعاقل ان يصدق بان المال والسلطة الفردية ستدومان مع مرور الزمن. فعلى سبيل المثال لا الحصر في هذا المنحى فقد كان حزب البعث يراهن على الديمومة والاستمرار في تعامله مع الوطن والمواطن والاحداث تماما كما سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني الى ظهوره واعتماده في المناطق ذات التوزع الايزيدي منذ اليوم الاول بعد عام 2003. حيث اتكأ على كوادر حزبية فاشلة اخلاقيا واجتماعيا وسياسيا، عدا عن أن قيادات الحزب العليا لم تحترم أي رأي يصدر عن القواعد والقيادات الدنيا لها خاصة الايزيدية منها لدى ابدائها انتقادات تتعلق بتصرفات وخروقات مسئولي سنجار المعينين بأمر من هولير واحزابها المتنفذة حيث غضت الطرف في هولير عن سنجار كما وأهملت المناطق الأخرى المهمة من محافظة نينوى التي كان الامن القومي الكردستاني بحاجتها، مما اوصلتنا الى ما حلّ بنا من خراب ودمار وتدمير وابادات، نكبت على اثرها سنجار وزمار وتلكيف وقرقوش وبرطلة وبعشيقة وبحزاني وكرمليس وقرى الشبك في شرق محافظة نينوى باكملها وجميع القصبات والوحدات الادارية الاخرى بما فيها محافظة نينوى بمالم يسبق له في التاريخ البشريى من مثيل. وهنا تجدر الاشارة أنه كان باستطاعة قوات البيشمركة استعادة المناطق التي تم (تحريرها من سنجار) في 18/12/2014 قبل ذلك الوقت بتلك الامكانيات نفسها وكذلك بالسهولة عينها وحتى بدون تضحيات او اراقة نقطة دم واحدة. والسؤال هنا لماذا تأخرت البشمركة وتراخت الى وقت طويل، فتركت المجال واسعا لحزب العمال الكردستاني الذي دخل بكامل قوته من عتاد ومقاتلين لسد فراغها وسحب البساط من تحت اقدام القيادة الكردية في العراق. لذلك نقول؛ لماذا ظهرت القيادة الكردستانية باكية شاكية تندب حظها عندما اقدم حزب العمال الكردستاني على تشكيل المجلس الايزيدي الجديد من اجل ادارة سنجار؟ لماذا لم تقم بما يجب في الوقت المناسب وقد فاتها الاوان؟ الم يكن باستطاعة نفس هذا الحزب النادب حظه ان يشكل قوة من إيزيديي سنجار تكون مساندة لقوات البيشمركة قبل وقوع هذه الكارثة؟ لماذا لم توافق قيادة هذا الحزب على مقترح السيد حيدر ششو بتشكيل قوة من مقاتلي الايزيديين في سنجار؟ لماذا تركت قوات البيشمركة مواقعها بدون قتال؟ هل كان هناك اتفاق بين البككا والديمقراطي الكردستاني لتقسيم وتبادل الادوار في مناطق الايزيدية فيما بينهما؟ هل ستتخلى القيادة الكردية بهذه السهولة عن هذه المناطق الحساسة لأمنها القومي؟ هل هنالك خيانة في الصف الكردي مرتطبة بالوضع الاقليمي قامت بتوريط تلك القيادة بتصدير الصراع ليقع بينهما وبالتالي اضعاف قوتيهِما على غرار الحرب العراقية الايرانية 1980؟ هل أن القيادة الكردية نفسها خائنة ومتآمرة بحق، او على الايزيديين والكرد والعراق حتى تترك مناطقها الحساسة بيد ميليشيات داعش بهذه السهولة للحفاظ على أمنها ومصالحها العائلية؟ كل هذه الاسئلة مطروحة على الشارع الكردي والعراقي والاقليمي ومفتوحة كذلك على بعضها البعض. لكن وبدلاً من معالجة الواقع بشكل سليم وصحيح اخذت القيادة الكردستانية تحيك المؤامرة مرة أخرى مستخدمة عناصرها في توريط الايزيديين في صراع يضيع معه الحق الايزيدي ويتضاءل معه مقدار التعاطف الدولي الذي أدرك ان السبب في تلك الكارثة كان لهروب قوات البيشمركة من ساحة المعركة دون قتال.


2ـ حزب العمال الكردستاني:
لم يستفد من محنة ومأساة ودم الايزيديين، وكذلك من السلوك الخاطيء لمسئولي الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار سوى حزب العمال الكردستاني. فبالرغم من أنه الجهة الوحيدة التي ساهمت بفعالية كبيرة في انقاذ الايزيديين بعد نزوحهم التاريخي المأساوي بفتح ممر آمن لهم وتأمين طريق النزوح الى سوريا ومنها الى كردستان العراق، وكذلك تقديم المساعدة لمخيمات الايزيديين في كل من سوريا وتركيا، وهو موقف لايمكن العبور عليه. إلا أنه على الجانب الآخر استثمر جميع الفعاليات السياسية والمظاهرات الجماهيرية والنشاطات الاجتماعية التي قام بها الايزيديون في اوربا لصالحها وأرجعت قوتها وسمعتها التي كانت قد وصلت في بعض حالاتها الى مستوى دون الصفر إلى الوجود بشكل غير مسبوق. كما أنه قام بتعبئة الجماهير الايزيدية والكردية في أوربا والعراق (سنجار تحديدا)،بما لم يسبق له مثيل في تاريخه وبالتالي ترتب على ذلك جمع مبالغ كبيرة وكسب العطف الدولي والجماهيري وحرية الحركة على اعلى المستويات في اوربا مع قادة سياسيين وبرلمانيين وممثلي الاحزاب والمنظمات الدولية وبابا الفاتيكان، بحيث استثمرت غباء وسطحية بعض الشخصيات الايزيدية في استثمار جميع تلك النشاطات الايزيدية لصالحها بما في ذلك نشاطات المجلس الروحاني وشيوخ العشائر والمثقفين على جميع المستويات، بعد أن جلست ودرست الوضع السياسي والامني والاقليمي والدولي بعناية ودراية وعرفت كيف تتحرك ومن اين يبدأ بنشاطه وكيف أنهم وزّعوا الادوار فيما بينهم. لقد كانت الخطوة الحكيمة لصالح اجنداتها السياسية باقامة المجلس في سنجار لسد الطريق امام الجميع وسبقتهم في الخطوة السياسية التي ستضم الكثيرين ممن كانوا محسوبين على الجهات المختلفة.


3 ـ ا لايزيديين:
لم يَخِب ومن ثم لم يخسر من العملية السياسية في العراق على مدى عقود بقدر ما خسر الايزيديون على جميع المستويات؛ الحزبية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية حيث وصلت الخسارة حداً استباحت فيه قوى الظلام أعراضهم وممتلكاتهم وما لحق بهم من قتل ودمار وتخريب وتدمير وفتك لم يسجل التاريخ مثيلا له في التاريخ الانساني. كل ذلك حصل بسبب غياب القيادة ووحدة الكلمة. فكما لم تستمع القيادة الكردية لراي الشارع والمثقف الايزيدي، فإن الشعب الايزيدي لم يستمع هو الاخر لأنين معاناة شارعه، وظل يراقب كل الاخر لكي يقوم هو بما يحتاجه الشعب الايزيدي، فاصبحوا ضحية عدم مبالاة القيادة الكردية وغباء القيادات الايزيدية السياسية والعشائرية والثقافية والدينية. حيث ساهمت جميع تلك القيادات بشكل أو بآخر في تعميق ما حصل من هوة في الواقع الايزيدي، فلم يستفيد الايزيديون بكل اطيافهم مما لحق بهم من محن بداً بكارثة الشيخان 15/2/2007 مروراً بمجزرة 14/8/2007 وانتهاءاً بكارثة 3/8/2014. فقد كان من المفروض أن تستثمر مقاومة سنجار الظرف بقوة وتفعل نفس ما قام به حزب العمال بتنظيم مجلس يضم جميع الفصائل تحت قيادة موحدة وتستبعد الواقع العشائري الذي لا يمكنه ان يخدم في مثل هذه الظروف للم الشمل والتعبئة المطلوبة على مستوى المقاومة وذلك لاسباب تتعلق بالتناقضات العشائرية واستحالة التفاهم بين رؤسائها وسهولة استثمارهم بالتالي في اتجاهات مختلفة لصالح اجندات تصب في خدمة الاحزاب السياسية.


وفي هذا الصدد وللتاريخ اذكر وبتواضع شديد الحادثة التالية؛ لقد اتصلت بالمقاتل حيدر ششو في بداية المقاومة على جبل سنجار وطرحت عليه القيام بتشكيل مجلس مقاومة او تأسيس حزب سياسي يضم المقاتلين على الجبل على اساس عقائدي. لضمان أن يكونوا تحت قيادة سياسة موحدة لكون ان للحزب السياسي فاعلية أقوى من التجمعات العشائرية في مثل ظروف المقاتلين الحالي على الجبل. ولفتت انتباهه ان تشكيل الحزب سيكون له قابلية التمثيل في المفاوضات والاتصالات وكذلك مع الدول والجماعات والاحزاب وغيرها بعكس الجماعات المختلفة في توجهاتها العشائرية، واوضحت كذلك انه لا يمكن لأي جماعة غير سياسية ان تتفاوض مع اي جهة ثالثة. كما أن للحزب السياسي امكانية المطالبة بمختلف المساعدات المادية من اسلحة وذخائر ودعم سياسي، الا انه لم يتقبل الفكرة قائلا ان الوقت لم يحن بعد وان الظرف غير مناسب انذاك وبالتالي خسر الشعب الايزيدي هذه الفرصة مرة اخرى.

4 ـ افتعال المشكلة الاخيرة بالهجوم على قرى عربية في سنجار وآثارها على قضية الايزيديين :
إن ما حصل من هجوم على بعض القرى العربية المجاورة بدافع انهم كانوا حواضن للارهاب ليس له ما يبرره في رايي الشخصي وذلك لعدة اعتبارات:
  1. إن حجم الدمار الذي لحق بالايزيديين جراء فعلة داعش الاجرامية لا يمكن قياسه أو تقديره بثمن أو التكهن بمستقبل المنطقة بعد القتل والسبي والاغتصاب ومحو القبور وهدم الرموز الدينية ومصادرة الممتلكات وازالة المستمسكات القانونية وما الى غير ذلك.
  2. إن العمل على إستدراج الايزيديين الى القيام بهكذا عمل سيكون له أبعاداً سياسية واجتماعية نتائجها وخيمة على مستقبل القضية الايزيدية حيث أن الهدف منه هو اعطاء المبرر لعدم التعامل مع محنة الايزيديين على انها جينوسايد واعتبار الايزيديين ايضا مجرمين هجموا على قرى عربية بدافع الانتقام.
  3. المستفيد الاول والاخير من هذه العملية هو الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي شجب العمل واستنكره وبالتالي أرجع سمعته وبيّض صفحته والبس الايزيديين ثوب الجرم والانتقام من العرب بالمثل.
  4. الهدف كان اضاعة قضية الايزيديين مقابل موضوع تافه لا يستحق ظفر عفيفة ايزيدية في الاسر وهو الهدف من توريط الايزيديين فيما يجب عدم التعامل به في هذا الوقت وبهكذا تصرّف.
  5. تسويف المواقف العربية المؤيدة للقضية الايزيدية التي تحولت بدلا من التاييد لها الى التنديد بها وذهبت الى المطالبة باعتبار ما حصل في تلك القرى جينوسايد قامت به ميليشيات ايزيدية، وهو موقف مهم كان يجب على الايزيديين عدم التفريط به مهما كان لأن الذي حصل كان يجب استثماره للعمل المستقبلي للشعب الايزيدي.
  6. بعد كارثة سنجار كان يجب على الايزيديين التحلي بالصبر ورسم سياسات مستقبلية وقراءة الواقع والبعد الانساني والدولي والاقليمي الذي يمكنه ان يساعد على الخروج بما يمكن ارجاع كرامة الايزيديين واعتبار قضيتهم لمصلحة مستقبل الاجيال.
  7. أتمنى من القيادات الايزيدية في الجبل التحلي بالحكمة وعدم الانجرار وراء المصالح الحزبية التي تريد تصفية حساباتها على صخرة ومستقبل الارامل والايتام والسبايا ومعاناة الايزيديين.
  8. على القيادات الايزيدية ان تقوم باصلاح ما حصل من خلال مقابلات وتبيان حقيقة من دفعوهم الى ذلك سواء كان الحزب الديمقراطي الكردستاني او قيادات حزب العمال الكردستاني ليكون الراي العام العربي على بينة من امر ماحصل.
  9. على الذوات التي طالبت بمقاضاة الايزيديين ان يعوا بأن تلك الذوات لم يقوموا بواجبهم الاخلاقي والسياسي والعشائري عندما قامت القيامة على سنجار واهلها من جيرانهم على الايزيديين من دون البقية.

علي سيدو رشو
المانيا في 30/1/2015