في الرقة ودير الزور قوانين مشددة تحكم حركة المرأة.. نقاب وعباءة وقفازات وفي الموصل تنظيم الدولة يدير حكومة.. وخوف وسخط وتحضير للمعركة الفاصلة



لندن ـ «القدس العربي» صدرت من الولايات المتحدة وحلفائها في العراق سواء من الأكراد في الشمال والحكومة في بغداد تصريحات عن قرب العملية العسكرية الكبيرة لاستعادة مدينة الموصل التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام صيف عام 2014. ففي تصريحات لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قال «نحضر لعملية ضد الموصل ستتم في غضون أشهر».
ومع كل هذه التصريحات وتوقف زخم التنظيم والحملات الجوية التي بدأتها الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها في آب/ أغسطس الماضي لا يزال التنظيم يحكم سيطرته على مناطق واسعة في سوريا والعراق، ورغم تعرضه لنكسات في الأشهر الأخيرة إلا أن التنظيم لم يفقد زمام المبادرة في عدد من الجبهات ولا تزال سيطرته على المدن الكبرى قوية. ويحلو للبعض رد هذا إلى غياب الإستراتيجية الأمريكية للتعامل معه، من مثل التردد في تسليح العرب السنة والمعارضة السورية، مع أن صحيفة «وول ستريت جورنال» أوردت في تقرير لها عن تعاون أمريكي مع فصائل من المعارضة يسمح لها بدعوة الطائرات الأمريكية لضرب أهداف معادية، مثلما فعلت مع الأكراد في أثناء عملية عين العرب/ كوباني، وهناك عوامل أخرى لاستمرار سلطة تنظيم الدولة خاصة في الرقة التي يعتبرها عاصمته، والموصل تتعلق بطريقة إدرة التنظيم لمناطقه. فبسبب سياساته تجاه الإعلام الغربي وقدرته على إدارة المعركة الدعائية بنفسه لا يعرف الكثير عن الحياة في ظل التنظيم، وكل ما يقوم به الصحافيون هو التواصل مع ناشطين معارضين في داخل المدن السورية والعراقية عبر الهاتف و «سكايب» أو الحديث مع مهاجرين هاربين من مناطقه سواء في تركيا أو في مناطق أكراد شمال العراق. ورغم الصورة القاتمة التي يحملها الكثيرون معهم عن التنظيم وتعامله مع السكان إلا إن هناك صورة واحدة وهي إصراره على القتال وخوفه من كل شيء. وفي الشهادات التي جمعها باتريك كوكبيرن، مراسل صحيفة «إندبندنت» ومؤلف كتاب تعامل مع ظاهرة تنظيم الدولة ورصدها في مراحلها الأولى، تؤكد إصرار الجهاديين على القتال.

حفر خنادق
ويقول كوكبيرن إن التنظيم الجهادي يحاول تعزيز مواقعه العسكرية وتجنيد أعداد جديدة من المقاتلين، حيث أصدر تعميما يشمل الشباب في سن الثامنة عشرة وأقل في الخدمة الإجبارية. فتنظيم الدولة بحاجة للمجندين في المعارك التي يخوضها على أكثر من جبهة.
ويضيف إنه في حالة نفذت الحكومة العراقية تهديداتها وهاجمت الموصل فستواجه بمقاومة شرسة من قوات تنظيم الدولة التي يزيد عددها اليوم عن 100.000 مقاتل في كل من العراق وسوريا. كما وستواجه الحكومة مشاكل في التعامل مع سكان الموصل المنقسمين في مواقفهم من التنظيم. ويبني الكاتب تقييمه على مقابلات أجراها هذا الشهر مع بعض السكان الذين تركوا المدينة أو بالهاتف مع سكان لا يزالون فيها رغم منع تنظيم الدولة استخدام الهواتف النقالة.
وتظهر المقابلات أن سكان المدينة العرب السنة في غالبيتهم يخشون من القوات الشيعية التابعة للحكومة أكثر من الذين يقفون ويقاتلون مع تنظيم الدولة الإسلامية والذي يحملون تجاههم مشاعر السخط. وتشير شهادة علي حسين، الذي فر قبل أسبوع من الموصل، إلى أن مقاتلي التنظيم ليسوا سواء «فبعض المقاتلين يعاملون السكان بشراسة وقسوة وهناك المتعلمون ممن يعاملون السكان بطريقة جيدة»، وأشار لاستاذ رياضيات انضم لتنظيم الدولة « ولكنه كان طيبا مع الناس وقدم المال والطعام للفقراء، وكان يسألني دائما إن كنت أعرف عن أرامل أو أصحاب احتياجات خاصة، فقد كان يتبرع بجزء من راتبه لهم».
ورغم تحول علي وعائلته لمهاجرين بسبب التنظيم إلا أنه لا يزال يناقش ويقول إن بعض المقاتلين في تنظيم الدولة أحسن من قوات الجيش العراقي الذي سيطر على المدينة منذ عام 2003.
وفي الوقت نفسه يتذكر علي حسين ممارسات بشعة مارسها التنظيم، مثل قطع أيدي اللصوص في الساحات العامة وجلد من كان يلقى عليه القبض وبحوزته هاتف محمول 30 جلدة. فقد منعت الهواتف لأن تنظيم الدولة يخشى من الجواسيس الذين يقومون بنقل المعلومات للقوات الأمريكية التي تحلق طائراتها بشكل دائم في السماء. فقد قتل عدد من قادة التنظيم عندما تم استهداف عرباتهم.
ويتفق السكان على قسوة المقاتلين الأجانب خاصة مع النساء اللاتي لا يرتدين النقاب. فقد عبر صاحب محل اسمه أحمد لا يزال في الموصل عن صدمته عندما أخذت إمرأة يعرفها لمركز الشرطة فقط لأن عينيها مكشوفتان مع أنها كانت ترتدي نقابا، وعوقبت بطريقة جعلتها تنزف ونقلت على إثرها للمستشفى.
ويقول الكاتب إن الموصل معزولة بشكل كبير عن العالم الخارجي لأن التنظيم يمنع استخدام الهواتف المحمولة، وقام التنظيم بتدمير العديد من الأبراج التي تستقبل التغطية، مع أن البعض يمكنه استخدام الهواتف من مناطق عالية، مثل سطوح المنازل أو المناطق الجبلية المرتفعة. وهناك مكان يستخدم بشكل دائم في ساحة المجمع الثقافي، ولكن ثلاثة تعرضوا للجلد هناك بسبب استخدامهم للهاتف. ويتعرض الأشخاص للجلد عند نقاط التفتيش إن تم العثور على رقاقة تلفونية في جيوبهم. وهناك تزايد في عدد نقاط التفتيش داخل المدينة وتلك التي أقيمت على مخارج المدينة الرئيسية ويتم وقف كل شخص لا يحمل معه إذنا رسميا بالخروج. وتم حفر الخنادق من أجل وقف تقدم قوات البيشمركة من الشمال والشرق.
وفي الوقت الذي حققت فيه القوات الكردية تقدما في مناطقها وتلك التي سيطر عليها مقاتلو التنظيم في الشمال إلا أن الأكراد لا يريدون الدخول في معركة داخل الموصل.
ونقل عن معلق كردي قوله إن الرأي العام في كردستان هو ضد مشاركة كردية في الموصل، حيث يتساءل الناس عن الغاية من سقوط أكراد من أجل «مدينة عربية سنية».

جيش وميليشيا
ويعلق كوكبيرن على تصريحات العبادي الذي وعد باستعادة الموصل في هذا العام إن الهجوم يظل خارج قدرات حكومة بغداد إن أرادت الاعتماد على الجيش العراقي الذي انخفضت فرقه إلى 12 فرقة ولا يتجاوز عدد جنوده عن 48.000 جندي.
وهو عدد لا يكفي للدفاع عن مدينة بغداد والقتال في المحافظات القريبة منها. وأعاد الكاتب الحديث عن مظاهر الفساد في داخل الجيش العراقي وطرق الإثراء التي كان يتبعها الضباط، فقد كانوا يحولون أموالا خصصت لشراء الطعام للفرق إلى حساباتهم الخاصة. وأقام بعض الضباط نقاط تفتيش وفرضوا ضريبة على كل عربة أو شاحنة تمر منها.
وفي العام الماضي كشف العبادي عن وجود 50.000 من الجنود الوهميين المسجلين في سجلات الجيش.
وفي ظل هذا الضعف برزت الميليشيات المدعومة من إيران كقوى تقود الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية خاصة في ديالى والبلدات السنية جنوبي بغداد.
وتظل هذه الجماعات طائفية وارتكبت مذابح ضد السنة وتعاملت مع كل سني كمتعاطف مع تنظيم الدولة.
وفي المقابل قتل تنظيم الدولة شيعة في بغداد وغيرها من المناطق حيث قدم نفسه كمنافح عن العرب السنة وقضاياهم.
ويحذر الكثير من المراقبين من دخول الميليشيات الشيعية لمناطق السنة، فتصرفات حكومة نوري المالكي الطائفية كانت سببا من أسباب صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتعاطف بعض السنة معه.
وعليه فقد تكون الحياة في الموصل قاتمة وهناك نقص في الماء والوقود والكهرباء إلا ان المواد الغذائية متوفرة بقدر ما. لكن التنظيم يدير جهازا إداريا أفضل من بغداد التي لم تتحمل مسؤوليتها تجاه الضحايا. ويقول علي حسين مصطفى إن تنظيم الدولة اعتنى بمهجري مدينة تلعفر. فقد أدى القتال الذي جرى بين التنظيم وقوات البيشمركة إلى تهجير العرب السنة من البلدة.
ويعلق الكاتب أن التنظيم لديه القدرة على توفير السكن للمهجرين خاصة أنه سيطر على بيوت المسيحيين الذين هربوا من الموصل.
ولا يتوقع كوكبيرن السيطرة على الموصل هذا العام مهما كانت تصريحات ونيات العبادي. فرغم أن الكثير من الذين يعيشون في مناطق الدولة يرغبون بنهاية حكمها، ولكنهم يريدون بديلا عن الجهاديين يحفظ حياتهم وأموالهم وهذا لا يكون بدون جيش عراقي وطني منضبط وغير طائفي.
وفي الوقت الحالي ستظل الحياة كما هي برتابتها وقيودها الصارمة، وهي وإن كانت صعبة وخطيرة على الرجال فهي أخطر وأشد على النساء.

معاناة
ففي «الدولة الإسلامية» تعاني النساء الكثير من القيود على حركتهن ولباسهن والتي تقوم الشرطة الدينية بفرضها على النساء وهو ما يثير مظاهر من السخط واليأس بين المسلمين المعتدلين عامة.
وتقول منى محمد في تقرير لصحيفة «الغارديان» إن مواطنين في الموصل والرقة ودير الزور أخبروا الصحيفة في مقابلات أجريت معهم عبر الهاتف والسكايب أن النساء لا يسمح لهن بالخروج بلا محرم ويجبرن على لبس العباءة والنقاب والقفازات. وتتزامن الشهادات مع صدور مانفيستو لتنظيم الدولة الإسلامية يحدد «واقع الحياة ووجودها في ظل الدولة الإسلامية».
وبحسب البيان فيمكن للفتاة الزواج في سجن التاسعة. ويسمح للمرأة الخروج من بيتها في ظروف استثنائية ولكن عليها أن تظل بعيدا عن الأنظار ومنقبة. وفي شهادة لسما ماهر (20 عاما) من مدينة الرقة قالت إن شرطة الحسبة قامت باحتجازها عددا من المرات بسبب انتهاكها لقواعد التنظيم «من المحظور على النساء في الرقة ودير الزور التحرك في أي مكان بدون محرم، وهي مشكلة كبيرة لنا، فلا يوجد لدينا محرم ولدي أخوات فقط».
وتقول سما إن تنظيم الدولة أغلق الجامعات في المناطق الخاضعة لسيطرته «واضطررت لترك دراستي الجامعية في حلب لأنني لا أستطيع المرور عبر نقاط التفتيش بدون محرم». ويتعرض الذكور لعقوبات إن لم ترتد المرأة اللباس حسب الشروط التي وضعها التنظيم.
ففي الموصل أصدر بعد اسابيع من سيطرته عليها ميثاقا حيث حدد حركة النساء ووضع قيودا على اللباس. وطلب من المرأة إرتداء ما يشبه زي المرأة السعودية والنقاب لإخفاء عيونهن.

أرسلوا سيارات إسعاف
وفي البداية احتجت النساء على القيود الجديدة إلا أنهن طبقن الأوامر بعد تهديدهن بالضرب إن لم يلتزمن بالأوامر.
ويقوم الرجال بإجبار النساء على البقاء في البيت خشية مواجهة رجال الحسبة الذين يصدرون أوامر عبر الإنترنت أو يعلقون ملصقات على واجهات المحال تحذر المواطنين من انتهاك القوانين الإسلامية. وتنقل عن اختصاصية الأطفال مها صالح (36 عاما) من مدينة الموصل «لقد أجبروا النساء ومن معظم الأعمار على تغطية وجوههن مع أن غالبية نساء الموصل يرتدين الحجاب» وقالت «قد يضرب رجال الحسبة المرأة بالعصا على رأسها إن لم تكن مرتدية للنقاب». وتقول «في البداية، رفضت الطبيبات في المستشفى ارتداء النقاب وقمن بتنظيم إضراب وبقين في البيت. وقام رجال الحسبة بأخذ سيارات إسعاف إلى بيوتهن وأحضروهن بالإكراه إلى المستشفى».
وتضيف «واحدة من زميلاتي كانت لوحدها في المستشفى وشعرت بأنه يمكنها نزع حجابها، وفجأة وجدت أن اثنين من رجال الحسبة دخلا عليها وعنفاها على فعلتها و «حذراها من تكرارها». وفي الرقة التي تعتبر «عاصمة» تنظيم الدولة في سوريا، طلب من النساء ارتداء العباءة التي تغطي كل الجسد، وبعد ذلك طلب منهن ارتداء النقاب، وتبع ذلك أمر ثالث طلب منهن ارتداء غطاء فوق العباءة. وطلب منهن أن يكون لون الزي أسود، وكذلك لون الحذاء والقفازات.
وبعد ذلك أمر تنظيم الدولة النساء بتغطية عيونهن من خلال نقاب من طبقتين. وتنقل عن صباح نديم من مدينة الموصل أنه خرج مع زوجته إلى السوق القديم لقضاء بعض الحاجات وبعد وقت قصير انفصل عنها، وكان من الصعب التعرف عليها لأن كل النساء كن يلبسن العباءة السوداء وعندها أخذ يهتف بإسمها بصوت عال حتى وجدها «كنت خائفا من الحديث مع المرأة الخطأ» نظرا لوجود جماعة «الحسبة» ولم يكن بإمكانه استخدام الهاتف لأن الخدمة كانت مقطوعة. ولم يتم استثناء بنات المدارس من الزي الشرعي.
وتنقل عن سمر هادي أنها أرسلت ابنتيها في بداية العام الدراسي للمدرسة بدون حجاب، كما اعتادت في السابق، وبعد أيام طلبت مديرة المدرسة من البنات الالتزام بالحجاب.
وتبع ذلك تعميم من تنظيم الدولة يطلب من البنات طالبات الفصول الدراسية 4 و5 و6 ارتداء الحجاب واستثنى بنات السنتين الأولى والثانية.
وفي دير الزور يطلب من بنات الفصول الابتدائية حتى الفصل الرابع ارتداء العباءة، اما الفصول من خمسة إلى ستة فيجب الالتزام بالحجاب.
ورغم أن كل من في المدرسة من النساء إلا أنه يحظر عليهن خلع حجابهن ما دمن في داخل المدرسة. وتقول إن عائلتها توقفت عن إرسال البنات للمدرسة بعد الغارات التي شنها النظام على المدرسة. وبالنسبة للنساء في قسم الولادة بمستشفيات مدينة الموصل فقد أجبرن على الالتزام بزي معين.
وتقول مها صلاح إن الحسبة منعت العديد من النساء دخلن القسم وكن في فترة المخاض حيث لم يرتدين اللباس المناسب حسب رجال حسبة داعش.
وحتى النساء ممن هن فوق سن الخامسة والأربعين يجدن صعوبات، ففي رحلة بالتاكسي إلى جامعة الموصل حيث تدرس، ركبت صلاح إلى جانب سيدة لم تلبس النقاب، وعندما سألها السائق عن السبب قالت له إنها ليست مشمولة بالقرار، وعندها قال السائق إنه لا يستطيع أخذها معه خشية أن يوقفه رجال تنظيم على نقطة التفتيش.
ويتم وقف الحافلات من أجل التأكد من مرافقة النساء محارم. وعندما يجد رجال الحسبة إمرأة بدون محرم يتم إخلاء كل الحافلة وتعاد من حيث أتت لأن السائق قبل سيدة بدون محرم. وفي الموصل لا يسمح للمرأة أن تكون آخر راكبة تنزل من الحافلة.
وتقول باسمة عادل 35 عاما والتي تعمل في البنك أنها تنزل من الحافلة قبل محطتها حتى لا تجد نفسها آخر راكبة مع السائق.
ولم تعد الطبيبات والممرضات يعملن في مستشفيات الرقة بسبب فرض الحجاب عليهن، ويجب أن يرافق الطبيبة محرم ينتظرها خارج العيادة حتى تنهي عملها.
أخيرا، في الموصل قررت الحسبة إغلاق محل تصفيف شعر، لكن صاحبته سماح ناصر لم تأبه للقرار فهو المصدر الوحيد لها ولعائلتها، وتحتاج للمال كي تشتري دواء زوجها.
لكن الحسبة جاءت واعتقلتها وقدمتها لمحكمة شريعة، وأمرت المحكمة بتغريمها 1.500 دولار مع أربع جلدات على قدمها. ومنذ ذلك الوقت نادرا ما تخرج من البيت.

qal
إبراهيم درويش