من ذاكرة امراة اسمها حياة – ٦ – : صلاح حسن رڤو

قصص متفرقة لمأسي كثيرة
حُجزَ عمي ( زيندين) مرتين بين انقلابي 1963 و 1968، وكانت التُهمة مثبتة بألادلة على انتمائه لتنظيمات الحزب الشيوعي، كنا نسمع من الاشخاص الاكبر منا سناً في العائلة عن طرق تعذيبه بقلع اظافره بعد حجزه في ” نكرة السلمان” سيئة الصيت. اخذ والدي درساً من مصير اخيه الصغير، فكان يبتعد قدر الامكان من اي توجهٍ سياسي، ويقيم افضل العلاقات مع مسؤولي الدولة حسب امكانيته المتاحة حينذاك كـ”كاتب نفوس” في دوائر الدولة. تنقلنا معه بين نواحي عدة في الموصل كالقوش وكرسي واتروش وبه رداراش وتلكيف، هذه التغييرات والتحولات المناطقية_ كما اظن_ كانت كفيلة لتهذيب وتطوير شخصيته، ومحاولته الابتعاده دوماً عن المشاكل السياسية والعرقية التي كانت تُنتهج عمل معظم انظمة الحكم في البلاد، لذا بقت علاقاته طيبة وقوية في المجمل مع المرؤسين في دوائر الدولة.
على الطرف الاخر من التنقل الكثير كانت لي ذاكرة وحنين مع كل تغيير مناطقي يحدث، اذ كانت رحلتي الاولى غريبة في تعلم لغة جديدة غير لغتي الام، آلا وهي اللغة الكلدانية من صديقات المدرسة في القوش القريبة من مسقط راسي( الشيخان) والتي اجيد التحدث بها لحد الان مع رفيقاتي وقريناتي بالعمر. لم نمكث كثيراً هناك حتى انتقلنا الى ناحية (كرسي) التابعة لقضاء سنجار حيث الطبيعة الخلابة لهذه الناحية الواقعة في اعالي جبل سنجار. تُفصل البيوت والمناطق هنا بعضها عن البعض سواقي مياه صغيرة باردة قادمة من قلب الجبل، تتجمع حيناً لتُشكل مجموعة عيونٍ مائية تروى من خلالها معظم المزروعات لتلك المناطق وبشكلٍ دوريٍ متناسق، ولأجله تشتهر المنطقة بمسطحاتها المزروعة بعناية وهندسة فريدة وجميلة، اذ يزرع التبغ وبجوار حوافه اشجار التين والعنب والتفاح.
اجد ان طفولتي وذاكرتي الحقيقية بدات هنا ولا علم لي لذاكرة اقدم منها، تأخذني الذاكرة حيناً لأولى البيوت التي سكناها، كان منزل ( القوال مراد ابو خدر) وقد افرغه لنا مع حوشه الكبير الذي سرعان ما زرعه العم ( صالح عفدالله) بالخضار بمجهود بسيط و خبرة حريف، للعم صالح زوجتان وجيشٌ من الاطفال، مازلت اتوقُ الى اليوم لأكل الخبز من يدي زوجته( نظيفة) التي كانت رائحة خبزها يفوح من ارجاء منزلنا حين تجلبه مع ابتسامة قبل ان ننهض من النوم صبيحة كل يوم.
استذكرُ يومي كطفلة مدللة من الجميع لأبنة موظفٍ في الناحية، امرُ بدكانة “ميخا” ومن ثم دكانة ” انطوان” لشراء بعض السكاكر، اشاهد من بعيد السيدة ( نجمة) العجوز، لها ابنة وحيدة دون ذكر. نجمة تجاهد في الحياة و تحارب الموت بظهرها المعقوف، وتوظف مالها كما هو معروف بالسلف والدين، لذا لايتعاطف معها احد، وهي لا تستجدي ايضاً اية خدمة من شخص. كان العم ( حمي) قد استلفَ منها مبلغاً من المال لحين موسم الحصاد، او حال بيع حصته من التبغ المزروع وبفائدة متفق عليها مسبقاً، سمعتُه ينعتها بأقبح الالفاظ في منزلنا لتذمره من جشع وكمية الربح التي تطلبه نجمة منه، و بفضول الصغار لم اتمالك نفسي لأنقل الكلام نصهُ لنجمة التي ردت بشتائم اقبح وافظع، والتي نقلتها هي الاخرى بسرعة البرق الى العم حمي الذي ضحك بشكل هستيري من تصرفي ومعرفته بجهلي وسذاجتي رغم عدم ادراكي لأسباب ضحكته تلك، الا بعد سنواتٍ عدة. من الاشياء الاخرى العالقة في الذاكرة عن تلك البقعة الوديعة هو مجيء السيرك بمالكيه المتواضعين من الغجر، استعرضوا بأخشابهم الطويلة والوانهم الغريبة وابتساماتهم الذهبية فعالياتٍ مجنونة، واضحكونا كثيراً برفقة مزاميرهم و قرودهم المطيعة والجائعة لأي فاكهة، اسعدونا مقابلَ مبالغَ زهيدة تسد رمق حياتهم المتنقلة المتعبة.
اتذكرُ ايضا بشكل جيد كيف ذبح المختار(غانم قاسم) ذلك الجمل الكبير الحجم حال وصول ” السنجق” محملاً على اكتاف القوالين القادمين الى كرسي من بعشيقة وبحزاني في دورتهم السنوية المرتقبة، واتذكر ايضاً ولادة اخي هناك، في تلك الربوع الجميلة، اسماه والدي (شرف) تيمناً بشرف الدين بن حسن حاكم سنجار وماردين في ذات تاريخ قاسي لهذه الملة، يركض في خيال صورة ( خلف خديدة) ابن الناحية، ذلك الشاب النحيف والخدوم الذي عينه المضمد الصحي( شمعون) مرافقاً وفراشاً للمستوصف الوحيد للناحية، خلف الذي لا يفارق شمعون في المنزل والعمل اصبح فيما بعد هو المسؤول والمعالج الوحيد للناحية وعرف فيما بعد بـ” خلف تختور”. استذكر بشعف ركوبي على ظهر الحمار للمرة الاولى بحجة ذهابي لقرية “ملّك” القريبة لزيارة بيت العم حمي، مؤكدٌ انني شاهدتها وهي شاهدتني بين شلة الاطفال الراكضين بفرح على قارعة الطريق، او قرب مجرى المياه الذاهبة للحقول، وقد اكون قد لعبتُ معها وهي لاعبتني، اذ هي في نفس عمري تقريباً، اكبر قليلاً او اصغر قليلاً، لكنني لم اعرفها وهي لم تعرفني، ولم اسأل عن اسمها او سكنها، ولا اظن انها قد سألتني؟! رب صدفةٍ واحدة جعلت مني و من الطفلة (سيفي) التي تسكن في قرية ” ملّك” حينذاك، وبعد اكثر من عشرين سنة رفيقتين في زنزانة واحدة في مركز توقيفات الموصل!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*