“درويش عفدي” والجذور الملحمية للقومية الكردية : حسين جمو

Derwîş

حسين جمو *

كان للكرد في الإسلام قادة عظام أسسوا إمارات في عهود متعاقبة، أشهرها الدولة التي شيّدتها السلالة الأيوبية بقيادة صلاح الدين. لكن رغم ذلك، لم يصبح هؤلاء القادة مصدراً للإلهام البطولي، أو جزءاً من الميثولوجية الشعبية الكردية الحية إلى يومنا هذا.

خلال اضطرابات الربيع العربي، عرف العالم أبطال جميع الفئات الحزبية المنخرطة في القتال، الأبطال التاريخيون في ذهنية عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هم أولئك “الفاتحون الأوائل” حين ظهر الإسلام في جزيرة العرب. يتفق النظام الإيراني وأتباعه مع الشيعة العرب في صياغة البطولة حول الأئمة الاثني عشرية، أحفاد النبي محمد. في تركيا، يتمحور البطل الشعبي حول شخصيات تبلورت في القرن العاشر الميلادي حين وفد السلاجقة وقبائل تركية أخرى إلى الأناضول، إلى جانب أبطال “الفاتحين العرب” أيضاً. لا تنفصل صناعة الأبطال الأسطوريين لديهم عن التوسع الإسلامي. كيف لا؟ إن أبطالهم في التاريخ يمدونهم بالقوة والدافع لمواصلة المسار التوسعي.

إن الأبطال الذين أعاد المجتمع الكردي، عبر القرون، إنتاجهم وتقديمهم في حلّة مناسبة، وصولاً للزمن الحالي، تلبي خيالاتهم العاطفية في صورة “البطل الكامل”، كانوا منزوعين من أي أثر توسعي إسلامي. إن تجسيد الكرد لأبطالهم التاريخيين لا يتقاطع بأي شكل من الأشكال، مع التيارات الإسلامية، سواء المعتدلة أو المتطرفة. إنه بناء اجتماعي ميثيولوجي مستقل. إن هذا الأمر يفسّر- جزئياً- أنّ المجتمع الكردي كان تاريخياً الأقل عرضة للأفكار الدينية المتطرفة، رغم أن التطرف قد يأخذ مظاهر غير دينية أيضاً. وقد دوّن رحالة غربيون في القرن التاسع عشر مشاهداتهم عن الحضور السلس للنساء حين كانوا يدخلون إلى بلاد الكرد ويقارنون هذه الظاهرة مع مشاهداتهم في الأناضول والموصل وبغداد. وتحدث الرحالة البريطاني، كلوديوس ريج، في رحلته عام 1820 إلى كردستان، في أكثر من موضع في كتابه (Narrative of a residence in Koordistan, and on the site of ancient Nineveh) في عدة مواضع عن “السيطرة العظمى التي تنعم بها نساؤهم”.

إن البنية الأسطورية الحكائية في الذهنية الكردية تعمل كحائط صد دائم تجاه الاندماج مع أبطال الآخرين، حتى لو كان هناك مشترك ديني وقدسية مشتركة تجاههم. من النادر أن يتفاعل مقاتل كردي مع تشبيهه، على سبيل المثال، بخالد بن الوليد، القائد العربي المسلم الذي هزم الروم قرب دمشق قبل 15 قرناً. لن يمنحه هذا التشبيه قوة مقارنة مع نداء تحفيزي آخر مثل: الخان ذو الكف الذهبية، أو استجابتهم لنداء “درويش عفدي”. إنها القوة الروحية العميقة التي ترسم استقلالية ذهنية للكرد، ولن يكون من المبالغة القول إنها تساهم بدور كبير في صياغة الشخصية السياسية الكردية، وأحياناً كيفية خوضهم غمار الحروب ودهاليز السياسة.

كثيراً ما تكون الإجابة السائدة عن سبب عدم قابلية المجتمع الكردي لإنتاج التطرف الإسلامي، كظاهرة مجتمعية، رغم أنه مجتمع محافظ أيضاً، مستندة إلى اجتهادات سياسية عن ثقل تأثير الأحزاب اليسارية والعلمانية في المجتمع. وهذا لا يجعلنا نقفز على حقيقة أن هناك جيوباً جهادية برزت خلال السنوات الأخيرة بين الكرد، لكنها تبقى ظواهر معزولة عن محيطها الكردي الأوسع، وهي ظاهرة كانت أكثر ميلاً لتكون “نخبوية – دينية” وليست شعبية، ذلك أن البنية الاجتماعية الكردية من ناحية نمط الإسلام الشعبي هي بيئة صوفية بين طريقتين: النقشبندية، وهي الأكثر انتشاراً، والقادرية. والتصوف الكردي حائط صد اجتماعي أيضاً ضد التيارات السلفية. وإنّ تصدع التصوف يتيح المجال بشكل أكبر لتسلل التيارات الأكثر تشدداً.

للتصوف الكردي نفسه مادته الشعرية المنفصلة عن السياقات العربية للتصوف، وتعد ملحمة “مم وزين” الشهيرة واحدة من نتاجات هذه الشعرية الصوفية، كذلك قصة Zembil Froş (بائع السلال) التي تروي قصة أمير كردي من العصر الوسيط هجر قصر والده الأمير وامتهن بيع السلال، وانتحر لاحقاً حين أغوته أميرة وأغلقت عليه باب القصر، فرمى بنفسه من على الشرفة بعد أن أوهم الأميرة أنه يريد الصلاة. المعنى، أن هناك ملاحم كردية شهيرة حيّة إلى اليوم، بعضها يزيد عمرها الحدثي عن ألف عام، لكن المغزى يكون في الدعوة إلى الاستقامة الأخلاقية، دون أن تكون هوية البطل مهمة. من هذه الزاوية أيضاً، لا يتقاطع أبطال الكرد مع أبطال الشعوب المجاوة، حتى في البيئة الإسلامية الصوفية. والواقع هذا التقييم ينطبق – للمفارقة – على القسم السني من المجتمع الكردي، لأن أبطال الكرد العلويين والشيعة يبدأ من علي بن أبي طالب وأبنائه من أحفاد النبي محمد.

ليس فقط هذه العوامل هي التي تحول دون قابلية المجتمع الكردي للاندماج في الظاهرة الجهادية. فحتى وهي تقاوم أنظمة عرفت تاريخياً أنها علمانية، لم يختر الكرد الإسلام كمنصة للمقاومة منذ عام 1925. رغم ذلك، هناك عامل آخر غير ظاهر، ولا يمكن قياسه إلا إذا قضى باحث فترة طويلة من يومياته بين الكرد، وهو يسبر أغوار حكايات أبطال الثقافة الشعبية.

إعادة توظيف الملاحم 

إن روح المقاومة في الأدبيات الكردية مستمدة من ملاحم تاريخية تشكّل عماد الشخصية الكردية حتى يومنا هذا، حيث أن البنية النفسية للمقاومة الكردية من الصعب معرفتها لأي مختص من الخارج إذا لم يتوغل في عمق الأدبيات الشعبية الكردية. هنا ما زالت بضعة أساطير حيّة تعد بمثابة البطولة الفعلية في المعارك التي يخوضها الكرد دفاعاً عن وجودهم منذ مطلع القرن العشرين، حين باتت التقسيمات القومية تلوح على خرائط آخر امبراطورية قديمة “لا قومية” في العالم، الدولة العثمانية.

ما زالت الأساطير تصنع جزءاً كبير من دوافع صناعة الأحداث في هذه المنطقة. وبالنسبة للأكراد، هناك ركائز روحية للمقاومة مصدرها ملاحم تاريخية تناقلوها عبر التاريخ من خلال الأغاني والقصائد الشفهية، وباتت بعضها إلى حد كبير تدخل في صياغة الشخصية العامة، خصوصاً نمط المقاومة ضد العدو. هناك نموذجان راسخان في صناعة صورة المقاومة الكردية، هما المذكوران أعلاه. ورغم أنه توجد قصص أخرى ما زالت حيّة في منح الشخصية الكردية قوة دافعة للمقاومة، إلا أن النموذجين قلعة دمدم، وملحمة درويش عفدي، يتميزان بأنهما نموذجان عامّان للكرد قاطبة، وتجاوزا منطقة الحدث المحلية، وتتميزان بأن كل جيل من الأجيال الكردية يعيد إنتاج هاتين الملحمتين بطريقته. والقول إنّ الأساطير الحية، من نوع درويش عفدي، لها مكان في بنية الشخصية الكردية، فإن هذا يعني أيضاً أنّها جزء من حكايات كل عائلة كردية. لو جمعنا مناطق الكرد في الشرق الأوسط في أقصى أربعة أبعاد، من ديرسم شمالاً إلى أربيل جنوباً، ومن كرمانشاه شرقاً إلى عفرين غرباً، الحكايات الكبرى واحدة، بعضها تعد مصدر إنتاج للقومية الكردية مثل “مم وزين” لكنها تبقى ملحمة وجدانية، مكانها المجالس، غير ميدانية، على عكس دمدم ودرويش عبدي.

لقد أعيد إنتاج الملاحم الكردية التاريخية في القرن العشرين آلاف المرات، عبر الأداة الأكثر تأثيراً في التشكيل القومي الكردي، وهو الأغاني والمغنين المتجولين. بعض هذه الملاحم أخذت طابعاً راقياً من حيث تحولها إلى مواد أدبية مكتوبة منذ أول نشأتها، كملحمة مم وزين، التي دارت أحداثها في قلعة جزيرة بوطان. أما درويش عفدي، فكان ذو طابع شعبي أكثر تجذراً. إنها ملحمة الطبقات الشعبية عبر التاريخ.

ما هي قصة درويش عبدي؟

في نهاية فصل الربيع عام 1906، جلس السياسي والرحّالة البريطاني، مارك سايكس، تحت خيمة كبيرة في رحلة من رحلاته الخمس التي شكلت نتاجه الشهير “ميراث الخلفاء الأخير”. كانت هذه هي “خيمة خمس نجوم” في المسار الذي سلكه هذا السياسي الذي يحفظ سكان منطقة الشرق الأوسط اسمه أكثر من اسم نابليون وتشرتشل وجورج واشنطن، فقد ارتبط اسمه باتفاقية ثلاثية بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، عرفت باسم “سايكس – بيكو” وفيها يعتقد سكان المنطقة، أن هذا الرجل مسؤول عن تقسيم منطقتهم.

تحت هذه الخيمة التقى سايكس بأكبر زعيم في منطقة الجزيرة، وهو إبراهيم باشا الملّي، والأخير كان يقود تحالفاً عشائرياً فريداً من نوعه، توارثه عن أجداده. كانت الإمارة الملّية (نسبة لقبيلة كردية باسم ملان)، تاريخياً ذات قيادة كردية ومتعددة الإثنيات والأديان، فيها قبائل عربية وكردية وتركمانية، ومسلمون وإيزيديون مع رعاية استثنائية للطوائف المسيحية. كانت هذه الإمارة، في تركيبتها التعددية، وقيادتها، أشبه ما تكون، بقوات سوريا الديمقراطية اليوم. والجزء الأكبر من نفوذ الإمارة الملّية تقع اليوم في منطقة نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك المنطقة التي احتلتها تركيا هي أيضاً ضمن ما كانت يوما ما تشكل جزءاً من أراضي الإمارة الملية.

يعود وجود الإمارة الملّية، بشكلها “النصف دولة – أو شبه الدولة” إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، رغم أن وجودها كتشكيل  قبلي أقدم من ذلك بكثير، إلا أن “خلطتها المبدعة” كانت في تحويل تحدي التداخل الكردي العربي التركي إلى فرصة للقيادة، وتم تشكيل أول تحالف عابر للإثنيات وأنساب القبائل التي غالباً تأتلف ضمن قيادة أبوية سلالية. كانت الإمارة الملّية نمطاً مختلفاً، استطاعت أن تشكل وحدات مسلّحة تضم فرقاً خاصة للعرب والكرد بشكل أساسي، وكذلك الإيزيديين الذين كان لهم حضور فاعل في القيادة الملية، نظراً لأن الانتشار الإيزيدي في ذلك الوقت كان أوسع بكثير من مناطق انتشارهم الحالية. فكانوا في منطقة سروج جنوب ولاية أورفا، وغربي ماردين، وفي شمال حلب بمنطقة عفرين وأنحاء مختلفة من منطقة الجزيرة. لم يكن من الممكن لفئة قومية أو دينية واحدة تأسيس هيمنة سياسية في تلك الأنحاء. فكان نمط القيادة الملّية وصفة اجتماعية لإدارة التنوع وحماية وجود جميع مكونات هذا التحالف القبلي الممتد من جنوبي دياربكر وحتى جبل عبدالعزيز في محافظة الحسكة السورية، ومن ضفة الفرات الشرقية حتى ضفة دجلة الغربية.

حين وصل سايكس إلى مشارف بلدة رأس العين، شمالاً، خرج أمير التحالف الملّي القوي، إبراهيم باشا، لاستقباله، وسرد سايكس تفاصيل اللقاء في كتابه، مبدياً دهشته من الخيمة ذات الـ100 عمود.

من اللافت عدم كتابة سايكس عن ملحمة درويش عفدي في الفصل الخاص بمنطقتي الجزيرة وكردستان في كتابه، إلا في حال أن الزعيم إبراهيم باشا قد تفادى سرد هذه الملحمة، بسبب الحرج الذي قد يتضمنها لجدّه، تيمور باشا. فقد بدأت الملحمة تحت هذه الخيمة التي كان يجلس فيها مارك سايكس وإبراهيم باشا، قبل هذا التاريخ بأكثر من قرن، ومن غير المرجح أن تصميم الخيمة البدوية الكردية قد تغيّر منذ ذلك الوقت.

في التاريخ غير الملحمي، تتحدث المصادر التاريخية المدوّنة عن حملة نظّمها والي بغداد، سليمان الكبير سنة 1790، والوالي ينحدر من عائلة من أصل جورجي، أطلق عليهم اسم “المماليك”، وهو وصف يطلق على جنود يتم شراءهم بالمال من أماكن بعيدة. حكمت هذه العائلة نحو قرن من الزمن، وكانت نهايتها عام 1831م. كانت وجهة الحملة مركز الإمارة الملّية في ويرانشهر بولاية أورفا حين كان تمر باشا زعيماً لهذا الاتحاد القبلي. وفق المصادر المدوّنة في تلك الفترة، المتعلقة بحوادث سنة 1205 هجرية نقرأ ما يلي:

“في هذه السنة حارب (الوالي) ضد تمر باشا وهزمه وفرّق جمعهم، وأقام مكانه على الملّية أميراً أخاه إبراهيم باشا”. وكان هذا الأمير الكردي، تمر باشا، ذائع الصيت، وفشل والي دياربكر ووالي أورفا في هزيمته. وسيطر تمر باشا على جزء من طريق الحرير بين الموصل حلب، وفرض الرسوم على القوافل. وفي إحدى المرات، انهزم عسكر دياربكر، وانكسر رمح تمر باشا في المعركة، فجعل يأخذ من أهل دياربكر كل سنة عشرة آلاف رومي (قروش)، وسماها الرماحية.

لقد كانت هذه الإمارة بلا مقر ثابت، كانت خيمة متنقلة على حيز من طريق الحرير.

لكن الأمور تغيّرت حين طلب السلطان العثماني، سليم الثالث (1761م – 1808م) ، بنفسه تجهيز جيوش الولايات المجاورة للإمارة الملية وتقويض أركانها، وقتل عدد من كبار القبيلة الملّية، من بينهم شخص تذكره مصادر التاريخ العراقية “درويش آغا”، وهو بطل الملحمة الكردية.

على أنّ المصادر التاريخية المعاصرة، تقلل – ربما عن عمد – من مظاهر الاضطراب الاجتماعي الكبير في منطقة الجزيرة (ميزوبوتاميا) في تلك الفترة بسبب التحرك القبلي الهائل، والأخير، القادم من جزيرة العرب، باتجاه المراعي الخصبة في بادية الشام والعراق، والذي تزامن مع توسع الدعوة الوهابية. فاجتمعت عوامل الطبيعة (احتباس المطر) مع العوامل السياسية (الدعوة الوهابية)، في حدوث انزياح سكاني بدوي أدى إلى اضطراب على ضفتي الفرات. فسقطت قبائل وصعدت أخرى. يعود التوزع القبلي السائد اليوم في سوريا والعراق إلى نتائج الاضطرابات الممتدة بين 1790 و1850 حين اتضح الفائزون والخاسرون. من كبار الفائزين كانت أربعة قبائل كبيرة اليوم، تتجاور مع بعضها، في منطقة الجزيرة، هي العقيدات والبقارة وشمّر والملّية، والخامس كان الإيزيدية في سنجار.

كيف صاغ الكرد هذه الحرب؟

لقد اختصروها في ملحمة بدأت تحت خيمة الأمير الكردي تمر باشا، حين أقدم على تقليد نادر في عرف القبائل. فقد أرسل إلى زعماء قبائل التحالف الملّي رسائل تطلب منهم اجتماعاً طارئاً، فوفد إليه حلفاءه وجلسوا جميعاً تحت الخيمة الكبيرة التي تسهب الأغاني الملحمية في وصفها. كان من بين الحضور ممثل الإيزيديين، درويش عفدي آغا، وهو شاب وسيم- كما تصفه المرويات- في مطلع العشرينيات، وكان يعيش قصة حب مع ابنة الأمير الملّي المسلمة، وتدعى “عدّول الملّية”. هناك استحالة مبكّرة لتحقق قصة الحب هذه، إذ أن زواج الإيزيدي من مسلمة محرّم دينياً، وغير شائع اجتماعياً. كافة الصيغ الغنائية للملحمة تكون على لسان هذه الفتاة الكردية الحسناء.

يأمر الأمير تمر باشا بسكب فنجان من القهوة، وقد جرت عادات البدو أن يسكب الخادم القهوة للضيوف، وللقهوة طقوسها، وأحياناً تكون نقطة تحول في مسار العلاقات الاجتماعية. تحدث الباشا والفنجان في يد الخادم، وقال إنّ العدو قد جهّز جيشاً كبيراً وهو قادم نحو مركز القبيلة، والجيش مكوّن من 1700 من المحاربين الشجعان من قبيلة عربية تسمى (الجيس – قيس) ومن التركمان، وأنّ من يرد هذا الغزو سيكون له الحق في الزواج من ابنته عدّول وحصة كبيرة من الغنائم. لا تتطرق الملحمة الغنائية إلى حملة الولاة العثمانيين ولا إلى الغارة التي شنّتها قبيلة العبيد في الجزيرة على ممتلكات القبيلة الملّية.

يلتقط درويش عفدي فنجان الباشا الكردي. وهنا تأخذ الأغنية البعد المأساوي على لسان عدّول، التي تناشد حبيبها أن يرفض المهمة، وتعطي إشارات إلى أنّ والدها يريد التخلص منه بهذا الابتزاز. الملحمة تسرد حوارات شيّقة بين الحبيبين، ويبدو كلاهما قد أدرك مبكراً أن مصير درويش سيكون الموت، رغم ذلك، ينحاز الشاب الإيزيدي إلى نداء الواجب للدفاع عن الأرض والعرض. تتضمن الأغاني بصيغها العديدة، بعداً إيروتيكياً إلى حد كبير، حين تحاول عدّول ثني حبيبها عن الذهاب عبر وصف جسدها ونهديها، حيث أن وصف النهدين في الأغاني الكردية الكلاسيكية أمر شائع.

إذاً، الملحمة لها وجهان، الأول هو تضمنها لمظاهر التضييق على الإيزيديين من قبل الباشوات الكرد المسلمين، والثاني الصراع على البادية بين الكرد (مسلمين وإيزيديين) والعرب.

قبل أن يتوجه درويش إلى قتال الغزاة، جمعته عهد أخوة وصداقة مع زعيم قبيلة “قيس”، عَفَرْ. فقد كان درويش معتاداً على شن غارات على القوافل لوحده، كما تروي الأغاني، وفي إحدى المرات صادف قطيعاً مع الأغنام يحرسه فرسان، وصدف أن هذا القطيع لقبيلة قيس ويقوده عفر. فطلب درويش من زعيمهم القتال، فتقدم عفر ولم يستطع التغلب عليه، ثم طلب من أصدقائه الذين يراقبون أن يدفعوا بالأغنام باتجاه درويش، ففعلوا وقيدت الأغنام حركة درويش فتمكن منه عفر. هناك تعاهد الشابان على رباط الأخوة، وكتبا اسميهما على حجرة وطمروها بالتراب، وأهداه عفر مهرته الأصيلة المسماة “هدبان”.

كان قبول درويش فنجان القهوة ليس فقط فنجان الموت، إنما أيضاً خوض نزال نهائي ضد أعز أصدقائه. هناك، في ساحة المعركة، تتحدث الملحمة عن 12 فارساً كردياً في القوات الملية، هم ستة إيزيديين وستة مسلمين، ويتم تصوير المعركة وكأن هؤلاء الاثني عشر فارساً ذهبوا لوحدهم إلى الحرب.

إنه فخ وقع فيه درويش. هذا هو المضمون الذي تأخذه الملحمة على لسان الرواة، وهي السائدة حتى الآن. لقد انطلت عليه حيلة الباشا الكردي الذي يريد التخلص منه لأن درويش تجرأ وصرّح بحبه لابنته عدّول، وباتت الألسن تتناقل قصتهما. إنها من جانب تشكل محنة الإيزيديين الأبدية: هل يردون على الخيانة؟ أم ينسون جراحهم وينضموا للجموع الكردية لرد الغزو الأجنبي؟

يتلكأ عفر القيسي عن القتال حين يعلم أن صديقه درويش هو من يقود القوات الملية، لكن درويش حين يعلم بذلك يشعر بالإهانة، ويقول لعفر إنه لا يستطيع العودة بدون أن يخوض هذه الحرب، وأنه لا يستطيع العودة مهزوماً أيضاً، لذلك سيكون قتله خدمة يقدمها له عفر في حال هزم. يصر صديقه العربي على تفاديه، لكن فرسانه خاضوا قتالاً شرساً، وقد ألحق بهم درويش، خسائر كبيرة. فاتفقوا على نصب فخ له، واستدرجوه إلى تلة اسمها “تلة الفئران”، لا يعرفها درويش، فيلحق بهم إلى هناك حيث ترجلوا عن أحصنتهم وتسلقوا التلة، فيتابعهم درويش وهو على حصانه، فارتكب خطأ لأنه لم ينزل عن ظهر الهدبان، فتعثر الحصان وعلقت أقدامه في جحور الفئران على التلة، فوقع من على ظهر حصانه وتكسرت عظامه وبات غير قادر على الحركة، فاجتمع عليه الفرسان إلى أن تنبه عفر للأمر وصاح فيهم وأبعدهم عنه.

يجد عفر نفسه في ورطة بعد سقوط درويش المضرج بالدماء. فهو في غمار المعركة يقرر الانفصال عن الأتراك، وينفصل المعسكران ويتأهبان لحرب وشيكة، لكن سماعهم بوصول قوات جراراة من الملية الكردية والإيزيدية، حتّمت عليه الاستمرار في التحالف مع الأتراك إلى حين جلاء المعركة. كان مجموع القوات الملية حسب الملاحم الشعبية هو 32 ألفاً للتحالف الملي، و50 ألفاً من القوات الإيزيدية القادمة من سنجار، للاشتراك في المعركة. فقرر عفر الانسحاب من أرض المعركة.

وقبل الرحيل ذهب عفر إلى درويش الذي كان يتنفس أنفاسه الأخيرة وحمله بيديه وأوصله إلى قمة التلة وكان درويش مايزال يتنفس فرفع رأسه وطلب سحب جثث أصدقائه ووضعهم حوله، فكان له ما أراد. وقال له عفر بينما يسند رأس صديقه على ركبته: يا أخي كم مرة ترجيتك بأن تعود إلى الديار وقلت بأنك لا تستطيع أن تتراجع عن قرارك وقد شربت الفنجان في سبيل إبنة الباشا الملي. هل رأيت ما حصل لك فقد قتلتَ كل أصدقائك وقتلتَ نفسك وقتلتَ شقيقك الوحيد من أجل عدولة وأنت الآن تموت ولن ترى عدولة ولن ترى أباك ولا أمك فماذا كسبت بحربك هذه؟ هنا يطلب منه درويش تلبية طلب أخير له: أخي عفر إنك تعلم إن الذين في طريقهم إلينا فيهم من الأعداء لي ولعدّول وأنا متأكد بأن عدّول ستأتي معهم وإن فيهم من المليين وفيها من يريد السخرية مني، فأرجوك أن تهندم لباسي وترتب عباءتي وتنظف وجهي من الدماء وتجعل من مظهري وكأني لم أحارب”.

يلبي عفر طلب هذا الأمير الإيزيدي، ويضحي بسمعته في سبيل الصداقة. فأن يبدو درويش وكأنه لم يحارب يعني أنه قتلة غيلة وغدراً، وهو أمر قبله عفر على نفسه، من أجل أن يزيّن موت صديقه. تقول إحدى الروايات الأخرى إن درويش طلب من عفر أن يقتله قبل وصول نجدة المليين والإيزيديين، لأنه لم يكن يريد التحدث مع أحد وهو على هذه الحالة.

ينتهي المشهد الأخير من الملحمة بوصول “عدّول” برفقة قوات النجدة الملّية، فوضعت رأسه على ركبتها وبدأت تبكي وتلوم درويش على فعلته وهو بدأ يغازلها رغم وضعه السيئ وبقيت عدولة تبكي وتتكلم معه حتى فارق الحياة على تلة الفئران في معركة انتحارية.

التجسيد السياسي للملحمة

تجد بعض الملاحم الشعبية استمرارية رمزية لها بشكل ثوري. فقد زودت ملحمة “درويش عفدي” روح المقاومة الكردية بمخزون رومانسي ومصدراً للإقدام الفردي في وقت يكاد يستحيل فيه فعل شيء. هذا هو المعنى الذي عبره عنه زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، حين كان في روما بعد خروجه من سوريا وملاحقته من قبل الدولة التركية عام 1999. التقى في إحدى لقاءاته بفنانين كرد كبار، منهم، شفان برور، وكوليستان، بحضور السياسي والصحفي الكردي محمود باكسي. سرد أوجلان علاقته بملحمة درويش عفدي وكيف أثرت على مجرى حياته. كان سمع هذه الأغنية، وأذهل بطريقة السرد، فطلب دعم هذه الملحمة فنّياً. قال في ذلك اللقاء الذي جرى في روما: “حين يقف أحد مقاتلينا أمام جبلٍ والثلوج تقطع الطرق، فإن الهمّة التي سيستمدها من درويش عفدي تمده بطاقة خارقة”. وفي كتابه الذي ألفه في سجن إيمرالي بعنوان “القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية”  يقف عند هذه الملحمة ويقدم قراءة جديدة فيها، فهو يشير إلى أن قصة درويش عفدي وعدول تشير إلى “المقاومةِ اليائسةِ للروح الكردية المتجسدةً في الجيلِ الأخيرِ من الإيزيديين المتطلعين إلى الصمودِ في وجهِ الصهرِ والإبادة” ويفسر تجوال درويش بين جبلِ سنجار وسهلِ الموصلِ بأنه يمثل “المقاومةَ البطوليةَ ضد الإقطاعيةِ العربيةِ الإسلامية”. ويرى أن سقوط درويش عن ظهر حصانه على جبل الفئران هو “سقوطُ تاريخٍ بأكملِه ومجتمع برمتِه، وإصابتُهما بجروحٍ غائرة”. ولشدّة تأثره بها، كتب أوجلان للمرة الأولى، والوحيدة، قصيدة شعرية قصيرة مطلعها: “آهٍ لو كنتُ ودرويش عبدي على ذرى سنجار.. أَعدو به سهلَ الموصلِ على صهوةِ حصانٍ أبيض”.

بعيداً من أوجلان، أسهمت الحركة القومية الكردية في تعميق تراث المقاومة الكردية منذ مطلع القرن العشرين. القصص ذاتها موجودة شعبياً قبل ذلك، لكن تم تحميلها أبعاداً سياسية تخدم التعبئة الاجتماعية للمقاومة. وللكرد نمطان من الأبطال، الأول أبطال تاريخ إيران القديم حين كان الكرد والفرس وشعوب إيران الأخرى تتشارك في إدارة إمبراطوريات، وظهر هذا النوع من الاستحضار في فترة تأسيس المنفيين الكرد من تركيا إلى سوريا حركة سياسية قومية باسم “خويبون” وتأسست في بيروت عام 1927. فقد أعطت هذه الحركة دفعاً إضافياً لاسم “رستم بن زال” كأحد أبطال الشعوب الآرية الآسيوية، وهذا البطل جسدته ملحمة الفرس المكتوبة بصيغة شعرية وهي “الشاهنامة”، منذ القرن العاشر الميلادي. استذكر قائد ثورة آرارات، وعضو جمعية خويبون، “إحسان نوري باشا”، شخصية رستم بن زال خلال قيادته الثورة ضد الجمهورية التركية في أعوام 1927 – 1931. كانت هذه الاستعادة الرمزية تهدف أيضاً لاستعطاف الحكومة الإيرانية التي كان تغاضيها عن تحرك المسلحين الكرد عبر الحدود حاسماً في استمرارها. على أن الضربة المؤلمة التي تلقتها الثورة من طهران في عام 1931 قللت من حضور الرموز “الآريّة” المشتركة في التوظيف السياسي كردياً.

النمط الثاني هو البطل الشعبي الكردي، وأفضل تجسيد له هو “درويش عبدي”. فهو رمز تاريخي وجامع، يحمي الارتباط بين الكرد المسلمين والإيزيديين. وفي السنوات الأخيرة حاولت أصوات إيزيدية، تحت تأثير تداعيات كارثة الغزو الداعشي، فك الارتباط القومي مع الكرد المسلمين، وطرحوا قضيتهم كقضية شعب مستقل عن الكرد. هذا الشعور مستند لما يعتبرونه تقاعس قوات إقليم كردستان العراق عن حمايتهم، وعلى إثرها تعرضت آلاف النساء الإيزيديات للسبي، وحفرت جرحاً عميقاً من الصعب أن يندمل في نفوسهم. قالوا إن خيانة تمر باشا الملي لدرويش عبدي قد تكررت مجدداً. لكن في المقابل، هناك مقاومة ضد هذه النزعة. فالنجدة الكردية التي قادتها وحدات حماية الشعب (YPG) وحزب العمال الكردستاني (PKK) نجحت في فتح ممر آمن بين سنجار وشرق سوريا، وأثمر ذلك عن إنقاذ أكثر من 100 ألف إيزيدي، وقتل خلال عملية الإنقاذ بحسب ما صرح قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، نحو 300 مقاتل. فكان هذا التدخل الإنقاذي، في جانبه التراثي، إنقاذاً لملحمة درويش عبدي أيضاً من التفكك.

تغلغلت الملحمة عميقاً في نمط المقاومة الكردية في الوقت الحالي. لقد كانت معركة كوباني عام 2014 بين YPG وداعش تجسيداً لهذا النمط. وفق شهادات حيّة، كانت قيادة القوات قد أعطت المبادرة لاتخذا القرار للمجموعة المقاتلة الصغيرة التي بقيت في كوباني صامدة قبل تدخل التحالف الدولي ضد داعش. كان عناصر داعش قد أطبقوا على المدينة من ثلاث جهات، وكانت تركيا قد أغلقت الجهة الشمالية لكن كان متاحاً وقتها للمقاتلين الاستسلام والخروج، وتلقوا الضوء الأخضر من القيادة أنهم أحرار الآن في القرار. هذه المجموعة التي قررت الموت على الاستسلام هي إعادة تمثيل معاصرة لملحمة درويش عفدي. إن مثل هذه الهزيمة، في حال تمّت، تبقى محل فخر واعتزاز، ومصدراً للإلهام القومي. في الوقت الحالي، هذا النمط من المقاومة محفور عميقاً لدى الأكراد في غرب وشمال كردستان، بشكل خاص. وكان قبل ذلك نمطاً يعبر عنه أكثر أكراد العراق، في غمار المعارك البطولية خلال ثورات ملا مصطفى بارزاني، لكن ليس في السنوات الأخيرة. نمط الهزائم الأخيرة هناك، أمام داعش في 2014، وأمام الحشد الشعبي في 2017، بدون قتال، لا يدخل في أي إطار ملحمي يمكن البناء عليه للتعبئة القومية مستقبلاً.

**نشر الكاتب هذه المقالة باللغة الإنجليزية أولاً في مجلة Newlines الأميركية، والنسخة المنشورة في المركز الكردي للدراسات تتضمن تفاصيل إضافية حول عدة محاور.

تعليق واحد

  1. هل تعلم أن صلاح الدين هو مؤسس الديانة الئيزدية ؟ إذا كنت لا تعلم , أعد قراءة التاريخ في حساب الزمن .
    الذي غيَّب الإسم الأيوبي بين الكورد هو ليس صلاح الدين إنما أولاد أخيه الملك الكامل والآخر اللاأشرف اللذان نقلا مركز الحكم إلى مصر واللأأشرف وقع في أحضان مماليكه وزوجته فقضوا عليه , أما كيف نجا الئيزديون بعد موت الأيوبيين, فتلك كانت معجزة أخرى فقد زحف هولاكو على الحكم الداعشي في بغداد والموصل وأزالهما من الوجود وحتى اليوم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*