في الذكرى السابعة لإبادة الإيزيديين : فواز فرحان

تمر علينا الذكرى السابعة للإبادة التي تعرّض لها الايزيديون في سنجار وبعشيقة وبحزاني ونحن نعيش حالة من القلق المستمر الذي لا يزال يلاحقنا بسبب بقاء آلاف النساء والأطفال في غياهب المجهول وقسماً منهم في معسكرات داعش التي تدار من قبل اكثر من دولة في المنطقة ..

في الثالث من آب أثبتت لنا الإبادة بحق شعب مغلوب على أمره ان من يحكم عالمنا هم مجموعة من اللصوص وقطاعي الطرق يتحكمون في توجيه البشر كما يشاؤون وسط انعدام كامل للضمير الإنساني والجميع يشاهد مشاهد الإبادة وحرق الايزيديين على شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي دون ان يتمكن أحد من تقديم شيء لكوجو أو سنجار ، فقد تمت الإبادة وقتل وسبي الآلاف نساء وأطفال وشيوخ ولم يرف جفن لمن نسميهم مجتمع بشري ..

لقد علمتني قراءة التاريخ الايزيدي ومعه العراقي القديم أن كل من تطاول على هذا البلد أو من إقترب من الايزيدية تعرّض الى في نهاية المطاف الى الخزي والعار وانتهت مسيرته الى ان يكون نموذجاً للشر ونموذجاً للأفعال الخسيسة في التاريخ العالمي والقائمة طويلة في هذا الصدد !!

ما الذي تعلمناه من درس الإبادة ؟

هناك مثل يقول أن الإنسان عدو الشيء الذي يجهله ..

وما أن يطلع على تفاصيل ذلك الشيء حتى تتبدل نظرته لهُ ويبدأ بفهم سليم له ولتاريخه ، وهذا ما حدث لنا عبر مسيرة طويلة مع محيطنا ، ديانة مغلقة لا تريد لأحد أن يطلع على أسرارها الإلهية الصغرى والكبرى وكان محرّماً البوح بنصوصها المقدّسة ..!

أمام هذا الواقع المرّ الذي عشناه في كل بلدة وقرية في سنجار وبعشيقة وبحزاني كان لا بدّ للإيزيدي أن يخرج من هذه الأزمة بنظرة جديدة للحياة ، نظرة مختلفة تأخذ في نظر الإعتبار الأسباب الذاتية والموضوعية التي أدت الى إستهدافنا في آب عام 2014 ..

فلو عدنا الى عام 1969 حيث خرج أكثر من 72 عالم آثار تجمعوا لترجمة بعض المعطيات ( أكرر بعض المعطيات ) من الالواح السومرية المتعلقة برسائل بابل السرية والنقاشات والقوانين في سومر وآشور إكتشفوا أن العراقيين القدماء إستخدموا أنواعاً متعددة من الشفرات السرية المرتبطة بالفلك في طمر آثار معرفتهم وحتى يتمكن البشر في العصر الحديث من استخراج تلك الآثار المطمورة في مناطق مختلفة كان يتوجب عليهم اختيار التوقيت الفلكي المعيّن ، و كل كنوزها في نينوى الايزيدية وسنجار وبعشيقة وبحزاني ومناطق أخرى تفصل سهل نينوى عن تكريت ، إذا لعبت السياسة دوراً في استخراج الآثار ونهب المخطوطات في تاريخ معيّن محدد بدقة يبدأ من آب 2014 الى آب 2016 ..

لهذا كان إجماع دولي على غضّ النظر على تدريب نواة داعش في غوانتنامو الكوبية المحتلة من الولايات المتحدة وعلى غضّ النظر على إنشاء بنك لتمويل هذا التنظيم من فرنسا وعلى غضّ النظر لنقل هذه المجاميع عبر مطار فرانكفورت الألماني الى قاعدة أنجرليك ومن هناك يتم تحشيد أكبر قدر ممكن من العناصر الإرهابية لزجها في المشروع فكانت الحاضنة الاجتماعية وقاعدتهم كبيرة في مناطقنا من خونة الزاد والملح ..

والسبب الثاني الذي يشكل تكملة وإمتداد للأول هو أن النظام الرأسمالي العالمي القائم على شعار المسيحية الاوربية يشهد أنفاسه الأخيرة في هذين العقدين من الزمن بعد أن وصل أعلى مراحله بنفي نفسه في الولايات المتحدة وأوربا من خلال ترسيخ مجتمع الخدمات الذي يشكل اعلى مراحله والانتقال الى التجارة التقنية ( ديجيتاليزيغونكَ )  قبل ان يغيّر لونه ولباسه وكذلك من خلال اختراع اوبئة وامراض تفتك بالبشر لتؤكد صحة الأنفاس الأخيرة التي تعيشها الرأسمالية في أوربا حتى تتمكن من نقل مراكز قواها الى دول أخرى مثل روسيا والصين لتقود اللون الرأسمالي الجديد ( الرأسمالية الإسلامية ) ..

أسلمة الرأسمالية تطلبت إخراج القذارة الى السطح مثلما تطلبت الرأسمالية المسيحية إخراج القذارة النازية والعنصرية الاوربية الى السطح والتي ذهب ضحيتها ستة ملايين يهودي في محارق مخزية تعبّر عن انهيار أخلاقي وحضاري كبير في عصرنا والتي كانت رأس حربتها المانيا النازية ومعتوهها أدولف هتلر ، وكل مشروع حتى تتمكن من نشره عليك التخلّص من براثن قد تسبب لك عائق في تطبيقه ، هكذا يعيد التاريخ نفسه إخراج كل العناصر المريضة الى السطح للقضاء عليها افراد وأحزاب ( سنية وشيعية ) لهذا دعمت الولايات المتحدة بقوة داعش وأحزاب الإخوان والإسلام السياسي وغضّت النظر على نشوء نازية إسلامية جديدة في تركيا وأدولف أردوغان جديد لبسط نفوذ الشركات المتعددة الجنسيات من المغرب مرورواً بمصر والخليج والعراق وسوريا وايران وانتهاءاً بأفغانستان وكشمير ..

 

لذلك كل نظام عالمي جديد يقوم على مذبحة لخروف بريء على أيادي قصّابين جهلة وللأسف كان الشعب الايزيدي ذلك الخروف الذي ذُبحَ على مشارف هذا النظام وبدايتهِ !!

فالايزيديون شعب قديم قِدَمْ الحضارة في وادي الرافدين وأماكن تواجدهم سببت لهم ربما هذه الإبادة ، فالغرب منذ بداية الحضارة كان يبحث عن الآثار في الجنوب لكنه في سبعينات القرن الماضي إكتشف أن كل كنوز سومر في الشمال !! تقول الصحف الألمانية التي كانت تواكب الحدث أن الآثار التي تم استخراجها من بعشيقة وبحزاني وسنجار ومناطق معيّنة في الموصل تصل قيمتها المادية الى ( 11 مليار دولار أمريكي ) ناهيك عن قيمتها العلمية والمعرفية العظيمة التي لا تقدّر بكل كنوز الأرض ..

طلائع الناتو دخلت برداء إسلامي الى الموصل ومعها إرهابيين جندوا انفسهم لإله الشر والرذيلة ووضعوا كل قيم الأخلاق والفضيلة في مزبلة قبل ان يباشروا إبادة سنجار وأهلها ..

لذلك .. أحد أهم الدروس التي تعلمناها نحن هذا الجيل هو محاربة الشر بالخير وبالمحبة وبالمعرفة لنثبت للعالم أننا شعب مسالم محب للخير للسلام للمعرفة تعكس هذه القيم منظومة العادات والتقاليد الايزيدية ثيابهم البيض وراياتهم البيض وقبابهم المخروطية التي تنشر السلام في محيطها ..

فنشر المعرفة الايزيدية كان الخطوة الأولى لمحاربة أعدائنا بالقلم وليس بالسيف أو البندقية وبالتسامح وليس بالكراهية والعنصرية التي تعكس وعي متدني ينتمي الى عالم الجهل والظلام والشر ، عندما كنت في أحد المتاحف العالمية قبل سنوات قالت لي المشرفة على الجناح السومري أنه تم ترجمة أشياء كثيرة وغريبة كشفت لنا الكثير من الحقائق عن الايزيدية ونصوصها ..

قلت لها مثل ماذا مثلاً ؟

قالت .. مثل أحد النصوص عن شيخادي يقول أنه قَدِم من الشام ..

وأكملت حديثها .. عندما قام بعض علماء الآثار بتتبع بقية النصّ إكتشفوا أن النصّ كُتب قبل إنشاء مدينة الشام في سورية وحاروا في تفسير هذا النص ( أي شام يقصد النص ّ ؟ ) عندما ترجموا بقية الألواح والتي تعود الى ماقبل عشرة آلاف عام وجدوا مخطط كامل للمنظومة الشمسية والكواكب السبعة وهناك كوكب تحيط به هالة من الأشعة الحمراء مكتوب عليها ( شام ) وهو ما تسميه المخطوطات السومرية بالحيز الكوني المقدّس الذي تمر منه الكواكب أو تمر من أمامه وتخضع الكائنات فيه لتأثيره المباشر ..

وقفت مذهولاً أمام هكذا معلومات ..

لكنها في النهاية إتفقت معي على أن بيترود غيل هي التي شوّهت الكثير من الأديان في الشرق الأوسط ولسبب متعمد وليس عن جهل فجعلت الكثير من الكتب والنصوص الإسلامية ملصوقة بشخصيات ايزيدية عظيمة وزوّرت تاريخ العلويين ( الآولويين ــ يؤمنون بالآوول خالق الجميع ) الذين رافقوا إبراهيم الخليل من اور الى حاران بجعلهم علويين وتابعين لمذهب إسلامي ، وجعلت الدروز الشمسانيين اسماعيليين من مصر كما فعلت في التاريخ اليهودي نفس الشيء قبل أن يأتي مفكرين يهود أزالوا تلك التحريفات من تاريخهم الآرامي الشمساني ..

نحن اليوم شعب صغير نواجه نفس الحرب التي قسمت الى ساحتين حرب إبادة وتنكيل بنساءنا وأطفالنا وشيوخنا وبيوتنا وأملاكنا التي لا تزال محروقة الى اليوم ومهدمة ، وحرب أكاديمية يغذيها نفس المصدر لتحقير التاريخ السومري للايزيديين وتشويه حضارتهم العميقة ، كل ما علينا ان نتعلم دروساً وعبر من هذه المأساة وعقدنا العزم على أن نرّبي القرود السود في من وقف خلف داعش وفي من يقف خلف تحقير وتشويه تاريخنا وحضارتنا التي تمتد لأعماق التاريخ ليس من خلال العنف والكراهية بل من خلال المحبة والمعرفة التي تشكل أسس الديانة الايزيدية بكل عمق ..

يعمل معنا حاليا في ساحات اوربا ومصانعها الكثير من الإرهابيين الذين عملوا مع داعش وأنقذتهم اوربا واستقبلتهم برحابة صدر هم وعوائلهم ويتباهون برفع أعلام الشر في نوافذ شققهم أو واجهة أجهزة هواتفهم ..

يقول لي أحدهم بعد أن عمل معي لبعض الوقت ..

هل صحيح أنكم تؤمنون بإله الشرّ ؟

أجبته .. في الأول ما هو تعريفك للشر ؟

إذا كنت تقصد إله القتل والسبي والنهب وحرق أملاك الغير وإغتصاب شرف الآخرين فنحن شعب لو قرأت تاريخنا لن تجد ايزيديا واحداً يعبد إله الشر هذا أو مارس قذارة من هذا النوع .. نحن ديانتنا تقوم على المحبة والمعرفة وإذا ما لاحظت أننا تعرضنا لأكثر من سبعين حرب إبادة لا زلنا نسامح أعداءنا ونتعايش معهم رغم ا فعلوه بنا ..
من خلال فهمك لما شرحت تستطيع ان تقدّر من يعبد الشر من كل الأديان التي توجد على سطح ارضنا الجميلة !!

المجد والخلود لشهداء كوجو وسنجار وكل من سقط في بعشيقة وبحزاني من معوقين الى شهداء ممن دافعوا عن هذه الأماكن استعادوا حريتها الجزئية ، فحريتنا الكاملة سنستعيدها بإنسحاب كل القواعد العسكرية في جبل بعشيقة وجبل سنجار من أتراك الى حزب العمال الى باقي الفصائل لتكون أرضنا وبالأخصّ سهل نينوى خالي من السلاح ويعيش بأمان ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*