حب المكان الأولي : شفان شيخ علو

الحياة فرح وحزن، تعب وراحة، مرض وصحة، شقاء وهناء، توتر واستقرار…إلخ، والذين ينجحون فيها، هم الذين يعرفون كيف يتجاوزون الحزن، كيف يتحملون المرض والتعب والشقاء، ويتغلبون على التوتر والقلق، ليصبحوا في حالة استقرار، مدركين أهمية الفرح، الراحة، والصحة والعافية في الحياة…
والإرادة هي التي تفرّق بين من يفتقر إلى الرؤية العميقة للأمور، ومن يرى الأشياء بعمق ومن بعيد.. ولا بد أن أهلنا الإيزيديين يعرفون معاناة الغربة، والتوتر، والقلقن والحزن والخوف، بسبب الفرمانات التي تعرضوا لها، والمخاوف التي يعيشونها، وقد صار هناك نسبة كبيرة منها في المغتربات، في أوربا، وخاصة في ألمانيا.
أوربا التي احتضنت أهلنا الإيزيديين، وعرفتهم في أوجاعهم ومحنهم ومآسيهم، شكلت لهم عالمَ تجارب عرِف فيها صاحب الإرادة القوية وصاحب الإرادة الضعيفة، أي الذي نسي أنه إيزيدي كما يجب، وأن هناك أرضاً خرج منها، ووطناً عاش فيها أسلافه، وفيه أهله وأقاربه، وجذوره كذلك.
ولكي يثبت الإيزيدي أنه أهل للحياة، وأنه أقوى من كل المحن والمآسي التي قرأ عنها وعاش أوجاعها، وتكون له شخصية قوية يحترمها الاوربي وغير الأوربي، هناك طريق واحد لا بديل عنه، وهو أن يقبل على التعليم، على التزود بالمعرفة، وتعلم ثقافة البلد الذي حل فيه، واكتساب المهارات المطلوبة من خلال اللغة الأجنبية، لكي يوصل معاناته إلى أهل هذه اللغة، ويكسب ثقتهم، ويكون له اعتباره، باجتهاده وكسب المزيد من المعارف، والظهور في مختلف مجالات العمل بيده ولسانه، لئلا يأخذ الأوربي عنه فكرة سلبية وهي أنه عالة، أو غير مندمج في المجتمع الجديد.. إن تعلم اللغة، واكتساب معارف جديدة، ومهن جديدة، في مقام دخوله الحياة العصرية من أوسع أبوابها. دون ذلك تنعدم شخصيته.
وهناك جانب آخر، وهو مهم جداً، بالنسبة لأي إيزيدي، وأينما كان طبعاً، وهو أنه يجب عليه ألا ينسى بيته، قريته، بلدته، الأرض التي خرج منها، ولغته الأم. إنها أرض الآباء والأجداد، ذاكرة حياتية مكانية عريقة، لا بد من دوام الاتصال بها، والعودة إلى المكان الأول الذي خرج منه، فالحب للمكان الأولي، وهو الحب الذي يتجدد مع الثبات في هذا الثبات، ودوام تذكره .
لا بديل عن الوطن الذي يحمل أنفاس الآباء والأجداد، وذكريات أسلافنا الإيزيديين، بالوطن تكون قيمة الإنسان، وبالوطن، يشعر الإنسان بالقوة وأصالة الحياة بالمقابل .
أنا شفان شيخ علو، حيث أمضيت سنوات طويلة في أوربا ” ألمانيا ، خاصة ” لم أشعر يوماً أنني بعيد عن تربة الوطن الغالية، عن المكان المعطر بأنفاس آبائي وأجدادي، وليس عندي أي استعداد لأن أبدل مساحة شبر من هذه الأرض بأي أرض أخرى مهما كانت مساحتها وغناها.
صحيح أن الأرض حين تكون مخضرة، ومشبعة بالماء، والهواء العليل، وعامرة، تكون أفضل من تلك القاحلة، والفقيرة في بيئتها النباتية وغيرها، سوى أن الأرض تكون جميلة، حلوة، وخضراء، ومعطاءة، وملاذ أمان، لمن يحرص عليها، ويحرسها، ويعمل فيها بكل حب.
هكذا يكون الوطن عظيماً، كبيراً، ومحل فخار لمن يتشبث به، وتكون قيمة الإنسان بمقدار دفاعه عنه، وجعْله المكان الأول والأخير له في الحياة.
وأهلنا الإيزيديون حين يحرصون على تقوية هذه العلاقة يخلصون لتاريخ عقيدتهم وآبائهم وأجدادهم، ويقهرون أعداءهم، ويستحقون البقاء مرفوعي الرأس في الحياة !

تعليق واحد

  1. اذا لماذا لا ترجع الى هذة الارض (كردستان) طالما هي عزيزة عليك كثيرا؟ ولم تشعر يوما بإنك بعيد عنها! ماذا تفعل في المانيا!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*