نظام التفاهة: عالية بايزيد اسماعيل

في جلسة ضمتنا مجموعة من الصديقات دار الحديث حول تبدل الكثير من معايير الحياة العامة من سياسية واجتماعية وثقافية وقانونية وفنية وتدني مستوياتها واصبحت تتحكم بها الماديات والنزعات الاستهلاكية . وتحدثت احدى الصديقات وهي الان مدرسة متقاعدة وتعيش الغربة مثلنا عن كتاب ” نظام التفاهة ” للكاتب استاذ الفلسفة الدكتور الان دونوا الكندي وكيف ان هذا الكاتب قد شخص كل تلك الاوضاع السلبية التي طغت على المجتمعات في كتابه هذا فاعجبني الطرح والمضمون وطلبت استعارته منها .
الكتاب يقع في 360 صفحة وترجمته وحققته الى العربية الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري ، وهو كتاب ممتع وشيق حتى اني انهيت قرائته في ثلاثة ايام رغم المشاغل والمشاكل الحياتية .
فقد اباح الكاتب بما كنت استشعره واراه من واقع كئيب وصورة مظلمة عن العلاقات الاجتماعية واستشراء ظاهرة الفساد والنفاف وسيطرة التافهين على اغلب مناحي الحياة وباتت السطحية في المفاهيم والافكار هي السائدة ، وهيمنة لغة المال على مختلف انواع التعاملات وسلطة اصحاب رؤوس الاموال واستحواذهم على مناحي الحياة وشراء الذمم . اي بحسب مايصفه الان دونوا في كتابه من اننا نعيش في ظل ( الاوليغارشية) اي حكم الاقلية او ( البلوتوقراطية ) اي حكم الاثرياء .
لقد شخص الان دونوا الامراض المستشرية في العديد من جوانب الحياة واسباب تلك الهيمنة التافهة وغزوها لاغلب المعايير والقيم التي كانت سائدة ، لدرجةان العالم اصبح بيد مجموعة قليلة سطحية تافهة تتحكم في اغلب مفاصل الحياة في ظل غياب العقل النقدي وانزوائه مرغما من اجل المال وتامين مستوى معيشي مستقر ومصدر دخل ثابت . حتى اصبح المال هو المتحكم بكل القيم والمفاصل الحياتية لدرجة انه اصبح ساترا خافيا لكل العيوب والقبح .
فالكاتب ينتقد المؤسسات التي تغذي هذه النزعة التافهة التي بدات تسيطر تدريجيا وان لها الاثر الكبير في هذا الانحداى . ويورد الكاتب امثلة توضيحية ، فالجامعات اصبحت على سبيل المثال تخرج مجموعة من الحرفيين في مجال معيناي معلوماتيون الا انهم فارغين فكريا وايديولوجيا هدفهم الوظيفة لتامين معيشتهم . وتحولت الحرفة والمهنة ذات الشغف الى مجرد وظيفة روتينية من اجل الكسب المادي .والاقتصاد والتجارة تحكمها خوارزميات وذكاء اصطناعي من اصحاب الاعلانات ممن يملكون رؤوس الاموال حتى اصبح كل شيء تجاري بعيدا عن الجودة . اما الثقافة والفن فاصبحت خاضعة للممولين وما يحددوه من مستويات وانتاجات تعنى بالفن الهابط وفضائح المشاهير وملاحقة اخبارهم ، وفي وسائل الاعلام الاعتماد على وجوه المذيعات الجميلة والمذيعين الوسيمين ولو كانوا اغبياء ليسوقوا لهم . اما الكفاء والمضمون فلا اهمية لها ، لان هذا ما يشجعه التافهون من اصحاب الاموال ويدعموهم بالترقية والاموال لانهم بتلمقابل بحققون لهم المزيد من المال والشهرة .
فالعالم يسير نحو السقوط بايدي التافهين واننا محاطين بقدر كبير من العابثين اللامبالين المسيطرين على جميع مفاصل الحياة لايعرفون سوى لغة المال ومثال ذلك السلطات السياسية والحكومات والبرلمانات التي اصبحت تدافع عن اصحاب رؤوس الاموال واصبحت غطاءا لهم وبرامجها خاضعة لرغباتهم بعيدا عن التوجهات الديمقراطية .
الكتاب شيق ومفيد جدا يقع في اربعة فصول .
الفصل الاول في المعرفة والخبرة الذي يعاني من تسرب التفاهة اليها فلم يعد هناك دور للمثقف والعالم الحقيقي .
اما الفصل الثاني ففي التجارة والتمويل والاقتصاد الذي تغير اليوم في كل شي وسادت اسواق الاسهم والبورصات والضرائب التي تتحكم بها خوارزميات معروفة في عناوين براقة مزيفة وضبابية.
اما الفصل الثالث في الثقافة والحضارة والابعاد الروحية التي خضعت كلها للمال واصبح رجال الدين موظفين يستلمون رواتب شهرية وبالتالي تابعين خاضعين ذليلين لاصحاب المال والسلطة . وهذا بالضبط انعكاس لصورة واقعنا المزري ولاتحتاج الى اي دليل وحتى المراكز الثقافية والاجتماعية الممولة اصبحت تقوم بهذه المهام المشبوهة.
اما الفصل الرابع في مايتعلق بالصالح العام ومؤسساته الذي يشهد اداءا هزيلا وتحويل الابتذال والتفاهة الى حالة عامة . فعلى سبيل المثال سيطرة روايات سطحية وكتب هزيلة بديلا عن المراجع الثقافية والتاريخية المهمة .
الخلاصة ان العالم يسقط بايدي التافهين والكثير يتخلى عن مبادئه قناعاته من اجل تامين لقمة عيشه ومصدر دخله حتى اصبح الربح المادي هو الاساس والمعيار في النجاح والشهرة بدل القيم العليا والكفاءة والخبرة اللذان لم يعد لهما مجال في نظام التفاهة . انظروا حولكم سترون كل تلك النماذج التي تحدث عنها الكاتب وستدركون ان الجهل والنفاق اصبحا هم سيدا الموقف وان القيم العليا اصبحت تتوراى خلف مفاهيم تحكمها المادة والمصالح الضيقة واخيرا اقزاما تافهين يتصدرون المشاهد ولكن مما تقدموا فلن يطالوا العمالة ولوا تواروا .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*