الجمعة, يناير 27, 2023
Homeمقالاتفي اليوم الدولي للتعليم انهيار بمنظومة التعليم في العراق اشتباك مفاهيم ومعضلات...

في اليوم الدولي للتعليم انهيار بمنظومة التعليم في العراق اشتباك مفاهيم ومعضلات بلا حلول : د. تيسير عبد الجبار الآلوسي

هذه مطالعة أشبه بجولة بين بعض ما يجابه التعليم بخاصة في العراق اليوم وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتعليم.. وهي بحقيقتها معالجة جد موجزة لمحاور العملية التعليمة بين أبعادها النظرية وتلك التي تتسيد المشهد واقعيا فعليا.. والمحاولة تتطلع لاستكمالها عبر ما يرد من تداخلات بشأن كل محور تطرحه هنا.. فإلى ذلك أضع هذه التوطئة العجلى

1. قراءة أولية بإطار مفاهيم التعليم والتعلّم ومرادفاتها
في مجال التعليم هناك كثير من المحاور المهمة الرئيسة منها والفرعية، لكننا في إطار معالجتها نعاني باستمرار من إشكالات ضبط المصطلحات وتوظيفاتها الدقيقة ما يثير بكثير من الأحيان مشكلات عقدية في إدراك الظواهر وضبط اتجاهاتها أو مساراتها… وفي ميدان التربية والتعليم تستمر الإشكالية بقصد ومن دونه لغايات وأهداف مختلفة وعندنا هنا سنجد من بين أبرز محاور العملية ما يتركز في مصطلحات منها إدراك مفاهيم التعليم والتعلّم والتدريس. أولاَ
وعلى سبيل المثال، فإن التعليم تعددت تعريفاته وإن اتفقت بجوهرها عندما استند الباحثون إلى منطق العقل العلمي فأشروا إلى أنَّ التعليم يعني: عملية منظمّة تشكل أساس مشروع إنساني يستهدف دعم (تعلّم) الأفراد بتوفير الوسائل المادية والنفسية التي تنشّطهم وتسهّل تفاعلاتهم مع عناصر البيئة التعليمية التي تكسبهم جملة من الخبرات والمعارف ومنظومة القيم والمهارات بنقلها من المعلم إلى المتعلم بما يؤهلهم على مجاراة متغيرات حيواتهم ومراحلها الأحدث وتتحدد العملية التعليمية بأية عملية يكون فيها المتعلم بموقف تعليمي، وعلى استعداد ذهني نفسي بقصد امتلاك أدوات أو محتوى إدراك محيطه للاشتغال عليه بوسائل عصره وتُقاس العملية بقيمة التغيير في سلوك المتعلم وقدراته المستجدة في ضوء فعل التعليم.
ولأنَّ عملية التعليم تتجسد في مهمة يمكن رصدها ومتابعة خطى التفاعل اللفظي الدال بين أطرافها بات حتميا قياس متغيرات (سلوك) المتعلم لحساب النتائج وتقييم نتائجها أو للانتقال إلى رصد مهمة التدريس ومستويات نجاحها في تلبية أهداف العملية التعليمية. ونقصد بالتدريس هنا، فعل المدرس عند اتصاله بالمتعلم بنظام يبقى من جهة الأداء شخصيا فرديا حيثما تمّ النهوض بالدور المهني في عملية جرت تسميتها، التدريس بقصد الانتقال من وضع عقلي لآخر أكثر تقدما بما يحقق التنمية المتأتية عن مراكمة التجاريب التعليمية المخطط لها والهادفة الموجهة.
وهكذا بات لدينا وضوح الرؤيا بشأن التعليم والتدريس حيث يتسع المصطلح الأول لجملة المعارف والمهارات والقيم والخبرات ويتحصل بصورة مقصودة أو غير مقصودة فيما ندرك أن التدريس فعل مخطط مقصود، لن يشمل المهارات بقدر ما يركز على نقل المعارف والعلوم..
إننا بالتعليم يمكن أن نتحصل على تجاريب تفيدنا باكتساب موقف قيمي أخلاقي نتصدى به لمنطق الظلام وقواه ومآرب التخلف ولا نرى في ضوء هذا مجتمعا بلا تعليم إلا وكان الجهل والتخلف يسودان وتتفشى فيه أخلاقيات الفساد باختلافها..
وبالتعليم تظهر عملية التعلّم بوصفها تجسيداً لمجمل الفعاليات و\أو العمليات المعرفية الداخلية التي تتحول بدروس التعليم إلى جملة معالجات قادرة على إنتاج منظومات قيمية سلوكية ناجحة باستثمار استدعاءات ذاكرة المتعلم من عملية التعليم. بصيغة أخرى فإنّ التعلّم تغيير في السلوك أو القدرة على أداء فعل نتيجة عملية التعليم الأمر الذي لم يكن يستطيعه قبل فعل التعلّم، الذي يعد ضرورة للإنسان المعاصر بخصائص يلزم امتلاكها من تغيير سلوكه للتمكن من حل ما يجابهه من عقبات ومسائل ولتلبية فعل النمو وإدراك العالم المحيط به كيما يكون أكثر تكيفا مع البيئتين الطبيعية والاجتماعية الإنسانية فضلا عن تحقيق السعادة عبر استيعاب منطق الثقافة وقيم التمدن والحضارة الأحدث..
إن فعل التعلّم متشعب مركّب بما يمكنه أن ينتج مختلف أنماط السلوك الفردي الشخصي والجمعي الذي يجسد الأنشطة الإنسانية ومنها هنا خلق شخصية قادرة على التفكر والتدبر والأداء الحركي منه والاجتماعي وما يشمل أيضاً: النشاط الانفعالي واللغوي، بما ينجز فعل التراكم المعرفي العلمي والسلوكي الإنساني حيث يتم التناقل بين جيل وآخر لكل مفردات التنشئة والتنمية الاجتماعية التي تستثمر تربويا أشكال التفاعل مع العالم المادي والروحي المحيط بكل تنوعاته وغنى معارفه وقيمه واتجاهاته المرتبطة بالتعددية والتنوع للوجود الإنساني وبالمناسبة لا يمكننا إقرار حصر التعليم والتعلم بالأطفال وبعملية تربوية نفسية محدودة لأن فعل التعلّم ينفتح على منطق استمراريته مع الوجود الإنساني بخاصة عندما نرصد متغيراته جمعيا بجانب البعد الفردي له.
إنّ هذا التوقف الاصطلاحي ليس تحديدا أو حصرا للمعطيات الأعمق لفعل التعليم والتعلم وبإطارهما التدريس أيضاً؛ ولكنه كشف حساب لمنطق تبنيه الملزم والواجب في عصر لم يعد يسمح بالجمود والتخلف ومفارقة فعل التعليم والتعلم فمن دونهما سيبقى أي مجتمع وأي فرد فيه بانقطاع عن ركب التقدم وبمغارة ظلام وجهل، لا يمتلك من يومه ما يستطيع به لا إنتاج قوته، بل ولا تلبية ما يحقق له السعادة، دع عنكم كارثة استعباده باستغفال مشهود تحت مختلف المسميات…

2. اعتماد يوم دولي متخصص بالتعليم لتبني أولوية اهتمام به في الموازنات العامة ومعالجة مشكلاته
انطلاقا من كون التعليم ركناً مهما من أركان حقوق الإنسان ومن بناء شخصيته، فقد بات يحظى بأولوية اهتمام في المجتمعات الإنسانية المعاصرة.. ولابد هنا من القول: إنه لا فرصة لتلبية صحة الإنسان أو قدرته على المشاركة الاجتماعية وإدارة الحياة لا العامة حسب، بل وحتى الفردية الشخصية أيضا من دون التعليم.. ولا مجال لتلبية الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من دون امتلاك المعارف والعلوم وبناء الشخصية بما يمكّنها من أداء مهامها كافة.. ولهذا السبب فقد ثبَّت الإعلان الحقوقي الأممي والوثائق الأخرى المعنية مادة بشأن التعليم هي المادة 26 التي نصَّت على الآتي:
(1) لكلِّ شخص حقٌّ في التعليم. ويجب أن يُوفَّر التعليمُ مجَّانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساس. ويكون التعليمُ الابتدائيُّ إلزاميًّا. ويكون التعليمُ الفنِّي والمهني متاحًا للعموم. ويكون التعليمُ العالي مُتاحًا للجميع تبعًا لكفاءتهم.
(2) يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساس. كما يجب أن يعزِّز التفاهمَ والتسامحَ والصداقةَ بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِّد الأنشطةَ التي تضطلع بها الأممُ المتحدةُ لحفظ السلام.
(3) للآباء، على سبيل الأولوية، حقُّ اختيار نوع التعليم الذي يُعطى لأولادهم.
وهكذا نجد أنّ التعليم من الأهمية والضرورة العائدة لبعد فردي أم جمعي؛ قد استدعى إطلاق احتفالية مخصوصة بيوم عالمي دولي للتعليم. فالشخصية القوية قادرة على أن تبني مجتمعا إنسانيا سويا قويا والمجتمع المتماسك المستقر يمكنه توفير بيئة التعليم الأنجع.. أذكّر هنا بحجم الخلل البنيوي في التعليم بمجتمعات التخلف ولعل نموذج عراق ما بعد 2003 قد وقع في ذات المطبات السلبية من جهة مشكلات إهماله (أي إهمال التعليم) وانحدار مستوياته وتخلف مخرجاته دع عنك ظواهر تمزق المجتمع ومن ثم عدم تمكنه من توفير بيئة ملائمة للتعليم.. في ضوء ذلك وامتداده ليشمل دولا كثيرة جاء الاحتفال ويومه الدولي المحفز الدافع لاهتمام فعلي بالتعليم.
إنّ اليوم الدولي للتعليم هو مناسبة سنوية للاحتفال بالتعليم والتعلم بقصد التأكيد على الدور الاستثنائي المميز الذي يلعبه التعليم في تنمية المجتمع الإنساني وبنائه وتحقيق فرص التنمية بما يتجسد في: الوصول إلى التعليم الجيد والشامل، بحلول عام 2030 مع تلبية تعليم الأطفال تعليما وافيا موفقا في التعامل مع العصر وبيئته ما يعني أفضل إنجاز في الدفاع عن (حق) التعليم بوصفه ركنا جوهريا من أركان حقوق الإنسان.
لقد بات يوم الرابع والعشرين من يناير كانون الثاني من كل عام بدءاً بما أعلنت عنه الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمتها المعنية أي اليونسكو في 3 ديسمبر كانون أول 2018، باعتماد تاريخ 24 يناير كانون الثاني يوماً دولياً للتعليم، على وفق القرار ذي الرقم 73/25، توكيداً لأهمية التعليم وأدواره البنيوية في تحقيق التنمية والسلام في العالم عبر بناء الشخصية الإنسانية فردياً جمعياً.
على أننا هنا لا نتحدث عن أي شكل للتعليم يمكن أن يسوَّق بهذه الدولة أو تلك كما يحدث بوجود التعليم الشكلي المفرّغ من عمقه وغناه أي التعليم الفاشل بمخرجاته أو التعليم الذي يُنجز بنهج ملائي كتاتيبي قائم على الحشو بمنظومة التخلف الظلامية المبررة بذرائع التدين وما شابه! لكننا نتحدث عن قرار الأمم المتحدة المخصوص الذي يستهدف الآتي:
اعتماد التعليم الذي يحقق شروط الجودة وغنى مفرداته وهوية منهجه التنويري بجميع مراحله.
خلق بيئة تحمي حقوق الطلبة إناثاً وذكوراً بصورة متساوية عادلة ومنصفة مثلما تحمي كوادر التعليم وحرم فضائه من كل انتهاك قد يأتي مستنداً إلى أي مصدر أو ذريعة.
بذل جهود وافية يمكنها أن تعالج مشكلة الفقر عبر محو الأمية وتمكين المجتمعات من تجاوز معضلات الجهل والتخلف وما يستند إليها من استغلال واختراق بنيوي للمجتمعات كما يحدث فعليا من التعكز على ادعاء حماية الأخلاق أو التدين بزيف ما يرد من أباطيل وأضاليل..
تلبية أهداف خطة التنمية المستدامة (- 2030) بإعداد الإنسان القادر على إنجاز تلك الخطة.
والتعليم المنشود من قرار احتفالية المجتمع الدولي به، لا يقف عند المقررات النظرية أو حتى التطبيقية العملية المرافقة، بل يتطلب أنشطة جوهرية ووسائل بنيوية تنهض بما هو أبعد من مجرد كونها أداة مساعدة لتتوغل إلى حيث نهوضها بمهام بناء الشخصية.. ونحن نذكّر هنا بالمسرح المدرسي ومسرح الطفل ومجمل الأنشطة غير الصفية تلك التي ترد في حزم الموارد التعليمية التربوية بدءاً ببواكير مراحل التعليم ومروراً بأمور تكاملية بنيوية من تلفزة وعروض وألعاب كما (البازل) المعروفة ومثيلاتها عند الأطفال المستهدفين..
إنّ أهمية اليوم الدولي تعود إلى هول الأرقام التي تكشف ظروف الأطفال من حيث تلكؤ التحاق 258 مليون منهم بالمدارس والأنكى أن قسماً من التعليم يفتقد الجودة حدَّ أن مخرجاته لا تمكنهم من القراءة والكتابة وهو ما يجسده وجود أكثر من 617 مليون طفل ومراهق بهذي الفئة التي لا تستطيع إجراء الحسابات الأولية أيضا.. ويتراكم الحجم الكارثي عندما نضيف ملايين اللاجئين محرومين من الالتحاق بصفوف التعليم.
لهذا حاول احتفال العام المنصرم أن يفعل شيئاً تحت شعار: ” تغيير المسار، إحداث تحوُّل في التعليم ” مع استهداف إعادة بناء علاقات بينية ومع الطبيعة بما يستجيب لوقف تداعيات التغير المناخي واستثمار التكنولوجيا إيجابا لا سلبا بمعالجة مهام الاستفادة النوعية وتوفير أسس دمقرطة المشاركة في المنجز العلمي التكنولوجي الأحدث لتحقيق السلام والتنمية وتبني منصة نوعية للمتغيرات الرقمية بما لا يتعارض ودعم من ينهض بالتعليم أو ما يؤكد صيانة كوكبنا وبيئة نحيا فيها بسلامة…

3. اليوم الدولي للتعليم وبعض ما نرصده عراقيا
فلنتحدث عن تلك المحاور عراقيا، إذ سرعان ما تتكشف حال انهيار التعليم برمته حيث انتهاك حقوق الطفل فيها بخلفية مستوياته المتدنية وتشوهات نهجه بالمعطيات الكتاتيبية والمنطق الوعظي المرتدي لبوس جلابيب التدين الزائفة وإسقاطاتها (القدسية) المضللة دع عنكم عدم تناسب فرض تعليم تلك الجهالات والخرافات لأطفال ما قبل التعليم الأساس كما يرد في مجابهتهن ومجابهتهم بمشاهد الموت والقبر وسوداوية التعازي وتراجيدية بكائيات ليس سليما توجيه أذهان ذاك الجيل إليها ما سيؤدي ليس لتشويهه حسب بل سيؤدي إلى تخريبه بإيقاع الصدمات التربوية وما ينجم عنها من نتائج مأساوية.. وسنضيف مشكلات التسرب وتفشي المخدرات وإشاعة منظومات قيمية للعنصرية والشوفينية ونهج التمييز الطائفي وقبله وبعده التمييز الجندري وغيرها كثير..
إنّ المجتمع العراقي والأجيال الأكبر سناً تشهد حال الانهيار وتتحدث بمخاطره؛ إنما الجديد هو في إشارة البنك الدولي إلى أنّ 90% من طلبة العراق يعجزون عن فهم ما يقرؤونه أو فك الخط بأحيان أخرى أو حتى إجراء عملية حسابية بسيطة..، وهذا الواقع الكارثي لا يقف بنتائجه عند إمكانات توجيه هذه الفئة وجيلها باتجاهات عنفية إرهابية كما بتجنيدهم بالميليشيات أو إيقاعهم تحت تأثير المخدرات والاتجار بها بل أبعد من ذلك وأخطر بالمدى الاستراتيجي أن هذا الجيل لا يمكن أن يشكل بوصفه رأس المال البشري أكثر من 15% من إجمالي الثروة الوطنية وهو الرقم الأدنى والأضعف بين نسبه النظيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا! طبعا الأمر العائد إلى التعليم ومنظومته المنهارة على الرغم من كل التشدق المدَّعى والردود من قبيل قول وزارة التربية: إن تلك الأرقام غير صحيحة وأن البنك الدولي غير معني بتقييم العملية التعليمية والتربوية، في بلد لم يُكمل نصف الطلبة من الفئات الفقيرة تعليمهم وهو مازال يعاني من آثار الحروب وتنهش بناه المؤسسية أعمق مشكلات الفساد إذ تتحكم قوى مافيوية وميليشياوية بتفاصيل العيش اليومي ما أدى إلى تخريب الحياة العامة ومساراتها ومناهج إدارتها.. وهو ما اقتضى جهودا أممية منحها الصلاحيات الوافية في محاولة معالجة الواقع الخرب والتصدي لمعضلاته الهيكلية البنيوية..
إن محاولة بعض المسؤولين الحكوميين استخدام بعض ما تحصل عليه من معلومات للتغطية والتستر على ذاك الواقع المرير بادعاء استقلالية بلد تُلحقه سلطته الذيلية لإرادات غير وطنية ومن ثم الرد بعدم امتلاك صلاحية النظر في الواقع الأعمق للمشكلات وسبل معالجتها بوجود أممي هي محاولات متحذلقين يخضعون لمآرب طبقة كربتوقراط حاكمة تنبني من جناحي المافيا والميليشيا وتخترق مجمل المشهد العام للدولة المعطلة.. وما يرد من بعض أمثلة ضيقة الوجود هي مما يُسمح بوجوده ليكون حجة أو ذريعة للتظاهر محليا دوليا بما لا يتفق وحجم الشروخ الجوهرية في البلاد.. ومن هنا نؤكد أن صواب الأرقام هو أقرب لتلك الإحصاءات الدولية التي تتحدث عن كامل الحقيقة وخلفياتها ومرجعيات أسبابها لا في ادعاءات موظفين يخضعون لأطراف تابعة أو خانعة لسلطة موجودة في عواصم نشاهد ثورة شعبها عليها لخطر ما تقوده إليه..
إن الأبنية المدرسية في عددها وحجمها وفي مرفقاتها الداخلية الملحقة أيضا وبصورة جوهرية من الهزال أنها تستعمل الدوام الثلاثي وفي الدوام الواحد تعاني من الاكتظاظ والازدحام فوق الاستيعاب للبناية المدرسية وفصولها الدراسية التي تطحن حتى نسبة أوكسجين الصف نسبة لحجم ما فيه من طلاب دع عنك عدم توافر المقاعد الدراسية للجلوس وهناك طلبة بين الوقوف وبين الاكتظاظ نجد بعض المدارس يفترش طلبتها الأرض، بل أن بعضها الآخر أما مدارس طينية أو من مواد نباتية كسعف النخيل أو حتى في الهواء الطلق!! هذا بجانب الافتقار للخدمة الصحية أو المرفقات وحاجتها للمياه الصالحة أو توفير كهرباء على وفق الحاجة الضرورية الدنيا..
ومع أن العراق بلا إحصاء رسمي مكتمل منذ عقود بخاصة مع وجود الحظر على إجرائه بخلفية المرجعية (السياسية) فإنه يغطي الحاجة بتقديرات إحصائية أكدت أن حوالي خمس سكان البلاد من فوق عمر العشر سنوات هم أميون لكننا ندرك حجم الحقيقة عندما نتعامل مع مخرجات هزيلة لا تفك الخط ولا تستطيع إجراء عملية حسابية بسيطة!
لقد مارست منظومة التعليم، طوال عامين، نظام التعليم الإلكتروني في بلاد تعاني من نقص الكهرباء وفداحة في مشاهد عدم توافر إمكانات شراء أجهزة الكومبيوتر على سبيل المثال فماذا كنا ننتظر من مخرجات!؟ ها هي تلك المنظومة تعاود بأكثر من 11مليون من الطلبة يُحشرون في أكثر بقليل من 20 ألف مبنى بالحقيقة وبحسب تصريحات لمختصين أكثر من 80% منها بحاجة لإعادة تأهيل دع عنك الحاجة إلى ما يفرض ميزانيات لبناء ما بين 20 ألفا وثلاثين ألفا بحسب مسار النمو السكاني…
وما تؤكده الحقائق هي أرقام رسمية للحكومات المتعاقبة تسجل صرف أكثر من 28 مليار دولار على مشروعات كتلك التي مررنا عليها للتو ولكن من دون مخرجات سوى ما يطعن الآباء والأمهات وهم ينظرون بأسى إلى ضياع تلك المليارات بلا جدوى سوى ما يدخل في جيوب الفاسدين!
إن المتاح من المباني المتهالكة الخربة ينظر لنسبة التنفيذ والنمو الحالية بأسى ومواجع فاجعة إذ لا يمكن الوصول إلى سد جزء من النقص الخطير إلا بعد 15 سنةً!!
وإذا كنا ننظر إلى موازنة التنمية في العراق على أساس وجود وفرة مالية متأتية من ريع النفط ومحروق الغاز! فإننا نتساءل لماذا تلك الموارد مهدورة بدفعها لنظام يشتبك مع المجتمع الدولي بصراعات بلا منتهى بخاصة مع توصيفه إرهابيا هو وجيوشه الميليشياوية التركيب! وتساؤلنا يبحث عما يُرصد للتنمية واستثماراتها وركنها الأساس في التعليم وفي بناء رأس المال البشري كونه أس التنمية الحقيقية؟؟؟ إننا لا نجد فعليا ما يمكننا التحدث فيه سوى الأرقام الجوفاء بسبب ما ينخرها من فساد مطلق!
لكن غير مشكلة إجابة هذا التساؤل هناك عشرات المشكلات التي يعاني منها التعليم فاليوم هناك مشكلة الكتاب المقرر أو المدرسي ونوازع الالتجاء إلى القديم الممزق المستهلك أو الملزمة المدرسية والتدريس الخصوصي وطباعة الملازم والكتب وما يرافقها من اتجار بغايات أبعد من الفساد المالي المادي حيث اتفاقات تخدم نُظماً لدول مجاورة بمقاصد عديدة مختلفة.. هنا سنجد زعزعة ثقة الطلبة بالكتب المقررة التي لا تصلهم أو تصلهم رديئة ما يدفعهم للملازم ولآليات أخرى تدفع حتما لآلية حفظ المختصرات ومن ثمّ الوقوع بمصيدة منظومة وآلياتها السلبية، حيث لا فهم ولا علم.
وهناك مشكلة التعليم الإلكتروني والأهلي الخاص فلا الأول الذي أكدت ظروف كورونا فرضه ولا الثاني مما جرى تبني تشريعاتهما وضمنا إطلاق سراح قوانين حماية المعلم والتعليم الأهلي التي مازالت على مصاطب التريث خدمة لمآرب بعينها.. بوقت تتزايد نسب الاعتداء على التدريسي و\أو تعريضه لضغوط من بينها الرّشى ومآلات التأثير سواء على التدريس والعملية التعليمية أم على محاور مهمة في إطارها.. لكن أي حديث جدي بالموضوع ينبغي أن ينطلق من بناء شخصية المعلم وقدراته وكفاءة الأداء فضلا عن تأمين تطبيق القانون وفيه كثير من المواد الفاعلة إذا ما صادف تطبيقا مسؤولا وفرض سلطته لا سلطة الميليشيات والمافيات هذا مع رصد للتخريب في تنسيب معلمين بلا أهلية ولمجرد محاصصة تنتمي لتجسيد العبث الطائفي والعشائري ما يثير مشكلات بلا حصر تسمح لعناصر السلطة بوضع تفاصيل لن تكون كفيلة بالحماية أو المعالجة في ظل سلطة سياسية ذات نهج يتعارض واستراتيجيات العمل التنموي حيث شيوع ثقافة ماضوية متخلفة تتسبب في المشاجرات والاصطدامات المسلحة وما يخلق الاحتقانات وهذا مما يطال التدريسي المعلم ومثله نراه مع الأطباء والعاملين بميادين الصحة وكثرما وجدنا اعتداءات تخرج على منطق العقل المتمدن وعلى سياقات العصر واحترام سلطة القانون.
الكارثة أن الوعود التي باتت تقطعها الحكومات المتعاقبة صارت تتكرر على ألسنة الجهة التشريعية من البرلمانيات والبرلمانيين إذ عادت الوعود تُقطع للظهور الإعلامي بصيغة تخديرية من قبيل سنوفر وجبات التغذية وتأمين الصحة بجانب الحكاية المكرورة لطباعة المقررات المنهجية مع ترك موضوعة البناية المدرسية والترميم وما يقف بمصافها مما يتطلب أموالا لحوالي 13 مليون طالب ولتلبية مطالب بحجم أية وزارة يسمونها سيادية فيما لا يعدون التعليم من الفقرات السيادية ومن ثم فبناء العقل والشخصية مما يضمنه التعليم، أمر هامشي أو ثانوي عندهم وهو ما نشخص إهماله الواضح الفج وإلقاء التبعات على شؤون توفر لعناصر الإدارة والسلطة فرص التملص من المسؤولية والإنجازية المطلوبة الواجبة…

إن قضية الاهتمام بالتعليم كونه قضية (سيادية) تمتلك أعلى الأولويات لم تعد مجرد ملف مطروح على طاولة السجالات التمييعية سواء في الحكومة أم في مجالس التشريع والرقابة.. إن إشكالية لا تمضي معالجتها بحسابات استراتيجية حرة مستقلة وبقوانين تنتمي لمجتمعات التمدن والتنوير وحركة التقدم العلمي ستبقى أس التخلف وإشاعة منطق الخرافة وثقافتها!
وما ستدفعه المدرسة للتعليم المتخصص والجامعي العالي هو قوى متهالكة لا يمكنها أن تنجز مخرجات جاهزة لفعل البناء والتنمية بقدر ما ستفرض منطق الانحدار كما نشهده اليوم من خراب شامل لا في التعليم حسب بل في مجمل المنظومة العامة والقضية تعود للدولة العميقة وسلطة كليبتوفاشية تدفع باستمرار أوجها حكومية تتخفى وراء حراكها ووعودها بلا أية نتيجة.. فهل بعد ذلك من وضوح في أين يكمن السؤال وأين تكمن إجابته والحلول المؤملة؟؟؟
لمن يريد التوصل إلى الجوهر في المعالجة لن يجد كثير عناء في تناول أركان حرية التعليم وسلامته واستقلالية اشتغاله وضرورة تكامل عناصر العملية التعليمية وحق التنظيم للطلبة كما اتحاد الطلبة العام وللمعلمين كما نقابتهم ولأركان العملية برمتها بجانب ضوابط التعليم العام والأهلي ومساقات الرقابة للأداء وتوفير موازنات وتحويلها لحدث بنيوي فعلي من ميزانيات سنوية تقبل التنفيذ ومراجعة حمايته من الغش والتدليس إضافة على نهج العقلنة العلمية ورفض الملائية الوعظية التي تحيل المدرسة إلى معابد تخريف تدعي التدين وهي الأبعد عن الدين مضيفين هنا شرونا أمنية لا تقف عند حماية من عنف بل تتعمق لتصل إلى حماية من إخضاع لبلطجة مافيات المخدرات والاتجار بالبشر
فلنتفكر ونتدبر قبل فوات أوان سيقذف للمجتمع حتما مخرجات بائسة بلا حول ولا قوة، بل بتشوهات خطيرة!!!

RELATED ARTICLES

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular