الخميس, أبريل 18, 2024
Homeمقالاتالْمجنونُ والْبحرُ : الشاعر الأديب: وهيب نديم وهبة

الْمجنونُ والْبحرُ : الشاعر الأديب: وهيب نديم وهبة

مسرحةُ القصيدةِ العربيّةِ

الْمجنونُ والْبحرُ

الْحلقةُ السّابعةُ:

أشرقَتِ الشّمسُ… وغابَتْ… وأشرقَتْ… ودارَتْ،
كانَ الصّيفُ قبّعةً ملوّنةً، وحينَ أعتمَتِ السّماءُ…

تبدّلَتْ، ركضَ الشّتاءُ إلى الْبحرِ عاريًا.

جاءَتْ هالةُ، والشّتاءُ عاصفٌ،
حتّى الْقدمينِ غارقةً بالْمطرِ،
ترتعشُ كالْعصفورِ الْمقرورِ،
مشرقةً كالشّمسِ، دافئةً،
ورائعةً كورقِ الْوردِ.

تحتَ فستانِ الْقمحِ الْمعرّقِ، الْأصفرِ،
أغلقَتْ برجَ الْحمامِ الْعالي حتّى الْعنقِ…
حتّى اختبأَ الْحمامُ الدّاجنُ منَ الْبردِ…
وأمطرَتِ الدّنيا، أمطرَتْ…
في قلبِ الْمجنونِ كما لا يكونُ.

الْمجنونُ: “افتحي الْحقائبَ، فإنَّ وحشَ
الْخيرِ الْهمجيِّ قادمٌ.”

هالةُ: “لا تستطيعُ نصبَ الْخيمةِ،
الْمطرُ يضربُ بعنفِ عاصفةٍ.”

الْمجنونُ: “أستطيعُ!”

يفرشُ الْقماشَ، يزرعُ الْأوتادَ: “الْآنَ تسكنينَ.”

هالةُ: “سكنْتُ قلبَكَ، سيّدي، خذني خبّئني…
في جنونِكَ الْعاصفِ، منْ عتمةِ
جوعٍ قاتلٍ، منْ دنيا تفتحُ أبوابَها للْفقرِ.”
“هالةُ،” قالَ الْمجنونُ، وقطراتُ الْمطرِ تتساقطُ
منْ شعرِها الطّويلِ…
“إنَّ تاريخَ الْأثرياءِ مثيرٌ!”

قالَ لي: “نهرٌ فرنسيٌّ لا يصبُّ
في بحري.”

هالةُ: “ماذا قالَ النّهرُ؟”

الْمجنونُ: “في حينَ يُعبَّأُ ينبوعٌ واحدٌ في فرنسا،
ويُشحنُ للْمرفّهينَ في الْعالمِ،
فإنَّ ما يقربُ منْ ملايينِ ملايينٍ منَ الْبشرِ
يشربونَ ويغتسلونَ بمياهٍ ملوّثةٍ بالطّفيليّاتِ
الْقاتلةِ ومسبّباتِ الْأمراضِ!”

هالةُ: “أحبُّ جنونَكَ الْقاسي، وحنانَكَ
الثّائرَ مثلَ عاصفةِ الْبحرِ”
الْمجنونُ: “الْفقرُ، يا هالةُ،
أقوى منَ الْعاصفةِ وأقسى
منَ الْموتِ! قاطعًا يأتي،
عنيفًا يهزُّ أركانَ الْحياةِ.”

هالةُ: “والْأرضُ، ترابُ جسدِ الْإنسانِ،
والْمطرُ هذا الْمتساقطُ بالْخيرِ فوقَ
محاصيلِ الْعالمِ؟”

الْمجنونُ: “ازرعي صدري حقلًا بالسّنابلِ،
وحينَ تحصدينَ قمحي وتعجنينَ خبزي
تذكّري خبزَ الْآخرينَ.”

هالةُ: “منْ يستطيعُ إغلاقَ فمِ الْجوعِ!”

الْمجنونُ: “إنّي أتوقّعُ أنْ يتقوقعَ الْفقرُ
داخلَ أصدافِ الْموتِ الْحجريّةِ.”
هالةُ: “كيفَ؟، بينما تُعاني الْبشريّةُ منْ نقصِ التّغذيةِ.
سيّدي الْمجنونَ، أخافُ الْجوعَ.”

الْمجنونُ: “على موائدِ الْأغنياءِ الّتي تشبهُ حياةَ الْآلهةِ،
والْملوكِ الْغابرينَ – تستطيعُ أنْ تأكلَ وتشربَ كلُّ قططِ الْعالمِ.”

هالةُ: “وإنْ تجدِ الْفراشَ النّاعمَ تنمْ على أعذبِ
موسيقى وأحلى وسادةٍ.”

الْمجنونُ: “في حينَ أنَّ الْملايينِ حولَ الْعالمِ
يعيشونَ بلا مَأوَى، بلا بيتٍ بلا سقفٍ،
وقدْ يكونُ بلا غطاءٍ…
في حينَ يستطيعُ الْكلبُ الْأمريكيُّ والْقطُّ
الْفرنسيُّ والْفأرُ السّويسريُّ أنْ ينامَ على
ريشِ النّعامِ في الْقصرِ أوِ الْفيلا.”
هالةُ: “والْإنسانُ!”

الْمجنونُ: “الْإنسانُ” يا هالةُ، يدمّرُ
خمسَ مساحةِ الْعالمِ، الّتي تحوّلَتْ
إلى مصانعِ أسلحةٍ، ويستلْقي تحتَ
سماءِ الْيابسةِ الْواسعةِ.”

قالَتْ: “خبّئني في جنونِكَ الْعاصفِ…
منْ عتمةِ جوعٍ قاتلٍ، أخافُ الْجوعَ.”

ضمَّ الْمجنونُ وجهَ هالةَ بالرّاحتينِ…

وقالَ: “تعالي بكلِّ هذا الْخيرِ، الرّزقِ
والْحبِّ، نصنعُ منْ هذهِ الدّنيا عالمًا آخرَ
لا يعرفُ الْجوعَ، والْعطشَ والْأحزانَ.”

هالةُ: “وأينَ ننامُ؟”
الْمجنونُ: “في الْخيمةِ، أوْ فوقَ
هذا الرّملِ وعندَ أقدامِ هذا الْموجِ.”

توقّفَ الْمطرُ!
فتحَ الْحمامُ الدّاجنُ برجَ الصّدرِ الْعالي.

الْبحرُ – سريرُ الْموجِ والرّملِ…
وعلى الشّاطئِ تنامُ هالةُ والْمجنونُ.

إبداعية المجنون والبحر – مسرحة القصيدة العربية – مترجمة من العربية
إلى اللغة العبرية والفرنسية والإنجليزية وحلقات كاملة للغة الألمانية للمعرض
الدولي في فرانكفورت ومرفوعة على منصة – مكتبة المنارة العالمية –
بصوت الإعلامية: فادية نحاس.
صدرت الطبعة التاسعة عام 2022.

RELATED ARTICLES

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular