الثلاثاء, فبراير 7, 2023
Homeاراءالذكرى الرابعة بعد المائة لإبادة قبيلة باسان الايزيدية – الحلقة الرابعة (4-10)

الذكرى الرابعة بعد المائة لإبادة قبيلة باسان الايزيدية – الحلقة الرابعة (4-10)

مجزرة  قرية باسا (14/5/1916).

 

شن العثمانيين حملات عديدة على القرى الايزيدية في تركيا الحالية وخاصة عندما استلم السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909م) ومن أكثر الحملات دموية هي الحملة على قرية (باسا) في 14/5/1916 .

يقول السيد (كلش حجي الباسي) ان من مجموع (380) شخص في قرية واحدة لم يبقَ الا (45) شخصاً وقد أعد أسمائهم،  وقاد الحملة قائدين من قوات أزلام السلطة وهم (أحمد شاهين وفندي كول محمدي).

في البداية تم تطويقهم وطلب منهم القاء السلاح وإشهار إسلامهم، لكن الأهالي رفضوا، فبدأوا بقتل الايزيدية، وبدأت النساء بربط جدائلهن ببعضهن بعضا ويلقين بأنفسهن في نهر دجلة، لئلا تدنس أعراضهن ولكي لا تنتهك من قبل أعداء الله.

 

انتشال الجثث  

تم العثور على سبع جثث في قرية جكانة في بقعة مائية عميقة، من قبل الغواص (رشو سالو مراد الخالتي) كان مختار جكان، حيث كان سباحاً مشهوراً في نهر دجلة ومن عادته أنه كان يغطس الى أعماق النهر.

ذات يوم أراد السباحة والوصول الى عمق تلك البقعة العميقة، فحينها رأى مجموعة جثث للنساء مركونة في أسفل البقعة ومكدسة فوق بعضها البعض، اندهش من المظهر ولم يستطع فعل شيء، لذا صعد الى الأعلى وخرج من النهر، وصل الخبر إلى مسامع الأهالي، حينها كثرت التساؤلات عن العدد وملابس تلك النساء، وهوياتهن ، البعض لم يصدقوا.

  • هل كانت لديك معلومات بوجود جثث في القرية وغصت الى العمق ؟
  • لا … كما تعلمون أنا من المغامرين في سباحة النهر، بين فترة وأخرى أنزل الى أعماق النهر .
  • هل من بين الجثث هناك رجال أم أن جميعهن  نساء كما تذكر الآن ؟
  • ما شاهدته أربع جثث للنساء وهناك جثث أخرى تحت هذه الجثث الأربعة لا أعلم للرجال أم للنساء .
  • كيف عرفت أن هذه الجثث للنساء الايزيديات ؟
  • لم أقل أنهن إيزيديات، قد يكن أرمنيات ..
  • قال جميع الرجال بصوت واحد: بالتأكيد إنهن نساء أرمنيات، لان حملة الابادة مستمرة عليهم من قبل الجيش العثماني .
  • لماذا الجثث غير متناثرات في قاع حفرة النهر؟
  • يبدو أن العثمانيين قد قاموا بربطهن ثم قتلهن ورمي الجثث في النهر .
  • هكذا هي حملات الابادة، مساكين هؤلاء الأرمن أيضاً.
  • لكن من خلال نظرتي الى ملابسهن، إنهن لسن من الأرمن بل كل الظن أنهن ايزيديات .
  • أنت متوهم، نحن نعلم ماذا يحدث لأخوتنا الأرمن .

قرر أهالي قرية (جكان) بإرسال مجموعة من الرجال ومعهم الحبال الى تلك البقعة العميقة لانتشال الجثث ومعرفة هوياته صاحباتها.

طلب من مجيور القرية أن يوجه نداء إلى الأهالي للحضور غداً الى جلسة طارئة، صعد المجيور الى سطح بناية عالية منادياً بالتجمع يوم غد صباحاً لعمل جماعي خدمةً للإنسانية لوجود جثث في النهر لإنتشالهم.

خرج رجال القرية في الصباح الباكر إلى النهر، غاص (رشو سالو) مع ثلاثة آخرين باتجاه قاع النهر ، وتبين أن عدد الجثث سبع جثث، تشكل مجموعتين:

كانت عملية الانتشال صعبة لكون الجثث في مجموعتين .الأولى أربع نساء تم ربطهن بجدائل بعضهن بعضا، والمجموعة الثانية تتكون من ثلاث فتيات مربوطات الجدائل بعضها بعض، أيضاً.

صعد الرجال  إلى حافة النهر ليتشاوروا مع بقية الرجال .

قال أحد الحكماء:

  • يا رجال القرية، عدد الجثث سبع موزعة على مجموعتين،  تأكدنا من انهن ايزيديات من خلال (الكريفان – طوق دائري للباس في منطقة العنق)  .
  • رجال القرية : ما الصعوبة في انتشالهن ؟
  • قال رجال الانتشال : إنهن مربوطات ببعضهن بعضا في مجموعتين، ويشكلن كتلتين ثقيلتين.
  • رجال القرية : بالإمكان فك الحبال وانتشال كل جثة على حدة، لتسهيل الأمر .
  • تم ربط جدائلهن مع بعضهن ويبدو انهن رمين بأنفسهن في النهر حفاظاً على شرفهن.
  • رجال القرية : ما دام الأمر هكذا لتبقى الجثث مترابطة، دلالة الحفاظ على عفتهن .
  • بالتأكيد الموضوع هكذا .
  • رجال القرية : هل تعرضت الجثث الى التأكل من قبل الحيوانات ؟
  • الجثث سالمة تماماً .
  • رجال القرية : عليهن آثار العيارات النارية ؟
  • لا …. يبدو أنهن رمن بأنفسهن قبل وصول العدو اليهن .
  • رجال القرية : بالفعل عفيفات، ما الذي يجري لنا ولأخوتنا الأرمن من مذابح !
  • لنتخذ أمراً بعملية الانتشال الجماعي .
  • رجال القرية : لنقرب صخرة كبيرة الى حافة النهر ونربط به الحبل، ونربط رأس الحبل بالجثث ربطاً محكماً، وانتم الأربعة اربطوا الجثث ثم ارفعوها ونحن الرجال الموجودين على الشاطىء سنجر الحبل الى الأعلى، وبهذه العملية سنتمكن من الإنتشال .

تم الانتشال، لكن الرجال هلكوا إلى أن تم  إكمال العملية وقد استغرقت وقتاً، ودفنت الجثث في مقبرة جماعية بالقرب من مقبرة قرية جكانة، وقرأ العالم الديني (بير حمزو الهاجيالي الختاري) قول (سه ره مة رك – الفاتحة) على أرواحهن، وكان معه  ابنه بير عبو مواليد 1902م ،

وتم الدفن  عبر مراسيم تليق بمكانتهن، ثم بعد أيام اعلمنا انهن من قبيلة الباسان .

ويقول شيخ ميرزا الختاري: لقد حكى لنا المرحوم بير عبو حمزو الهاجيالي الختاري، كنت صغيراً وطلب من والدي حضور مراسيم دفن الجثث السبعة، ذهبت  مع الوالد، ورأيت الجثث:

كل ثلاثة او أربعة من تلك النساء جدائلهن مربوطة ببعضها بعضاً مربوطة جدائلهن بعضهن ببعض.

وبعدها سألت المرحوم بير عبو عن الحادثة أيضاً.

صورة الباحث مع بير عبو حمزو الختاري والحديث عن كيفية انتشال الجثث.

 

وذكر اسم قبيلة الباسان في مشور بير خطيب بسي، مما يعطي دلالة بانهم كانوا متواجدين في عهد الشيخ آدي الثاني وكانوا قوماً عظيماً ، لذلك ذكرهم في المشور (جملة باسان) ويمتلكون المراعي والمزارع وعيون المياه منها (طؤظةل، رزينىَ، بركا بةسا، بالاظا، بركا ملا ) .

عاش الباسيون في منطقتهم عيشة حسنة واقاموا علاقات طيبة مع العشائر المجاورة لهم  (شؤفا – هفيركا) العشيرة الاولى ترأسها (خلف شؤفي) وكان له دور مشرف في تنمية العلاقات .

وفي السنوات الاخيرة من حكم العثمانيين ونتيجة ضعف دولتهم، حدثت صراعات داخلية ونشوء حركات وجمعيات، وبرز دور الحركات الدينية المتطرفة والشخصيات الإقطاعية وهؤلاء أرادوا السطو على القرى الأخرى بحجة الدين والكفر وبالأخص القرى الإيزيدية والأرمنية، وكان للحكومة التركية دور في هذا المجال . في سنة 1915م اندلعت الحملات لإبادة الأرمن، كان هناك ناس اخياراً أرادوا إنقاذ الأرمن، لكن العديد من رؤساء العشائر الكورد والترك شاركوا في الإبادة .

عند إبادة الأرمن قام (عثمان عمر) بجمع مسيحي سبع قرى أرمنية من” سيرت” ومعهم مطرانهم أيضاً، للحفاظ عليهم من الحملات العثمانية مقابل مبالغ مالية، وأتى بهم إلى قرية الباسية للإيزيدية، فاضطر الأهالي لترك القرية والنزوح إلى البساتين حفاظاً على أرواحهم . كان رجاله يحرسون جبال المنطقة خوفاً من تعرضهم إلى هجوم .

قاد الجيش العثماني هجوماً على قرية باسا، التجأ عثمان عمر الى الجبل، وصلت قوة العسكر والمرتزقة الى جنوب القرية من جهة (الحبوات) .

حينما رأى عثمان تقدم القوات الحربية صوب المكان، قال : لو سعينا لقتالهم لتمكنا من إبادتهم، لكنه لم يطلق طلقة واحدة وتجنب القتال معهم،  وحقيقة، فإنه لو قاتلهم، لما استطاعت تلك القوة المهاجمة من الوصول إلى الجبل ، لوجود مسلك واحد للصعود إلى القرية في الجبل.

طوقت القرية من كافة الجهات وتم إضرام النيران فيها واحترق البشر والحيوان الموجود، استطاع البعض منهم الافلات وهربوا مشياً على الأقدام، وحينما دخلت القوات التركية والمرتزقة القرية قتلوا بقية الأفراد من القرى السبعة وأبادوهم جميعاً.

ونقلاً عن أهالي باسان المتواجدين في البساتين، كان صراخ الناس وعويلهم يصلان إلى السماء.

لقد تمت محرقة أليمة في القرية، والتهمت ألسنة النار الأخضر و اليابس : النساء والرجال. الشيوخ والأطفال. الدواجن والإبل والمواشي. كلهم على حد سواء.

اضطرت  بعض العوائل الإيزيدية للرحيل من المنطقة والتوجه نحو المركه هـ (شيخان) مشياً على الأقدام لثلاثة أيام . إذ كانوا يسيرون ليلاً ويختبئون نهاراً، إلى أن تم وصولهم إلى قرية (فنديكى) وقبل المغيب وصلوا إلى (معسكر فندك) ، ظن العسكر بأن هذه القافلة هي للأرمن وأنها هاربة من عمليات الإبادة التي تتم بحقهم،  وأن هؤلاء الأرمن يريدون النجاة من القوات التركية. بعد الاستفسار قال لهم المختار:

  • نحن إيزيديون ونود الذهاب إلى منطقة شيخان .
  • قال قائد المعسكر : نطلب منكم نزع الأسلحة التي بحوزتكم .
  • رد المختار: نحن نحمل الأسلحة خوفاً من اللصوص وعديمي الاخلاق من استغلال فرصة  الغدر بنا وقتلنا.
  • قانون الدولة لا يسمح للمدنيين بحمل السلاح .
  • كيف نصل إلى شيخان ونحن لا نحمل سلاحاً للدفاع عن أنفسنا؟
  • بإمكاننا ايصالكم إلى مبتغاكم .
  • كيف ؟
  • بعض من العسكر سيرافقونكم إلى تلك المنطقة .
  • اعتقد انكم على يقين باننا لا نتعرض لاي شخص لان العوائل معنا، لكن بامكان بعض الارهابيين التعرض لنا ونحن عزل، مجردين من السلاح.

في البداية اعترض بعض الأهالي على نزع اسلحتهم، لانهم لا يستطيعون الحفاظ على شرفهم  وهم عزل أمام أسلحتهم، لكنهم انصاعوا إلى العسكر بعد جدل طويل، لانهم أدركوا أنهم بهذا سيلحقون الأذى بالنساء والأطفال .

وطلب منهم البقاء بالقرب من المعسكر إلى الصباح الباكر، وسيتم اختيار مجموعة من العساكر لترافقهم إلى منطقة شيخان .

لكنهم خططوا لعملية ابادتهم في الليل، واتفقوا مع القرى المسلمة المجاورة للمعسكر بتنفيذ خطة تقتضي عدم إفلات أي شخص منهم .

وفي صباح يوم الأحد 14-5- 2016 ، انطلق موكبهم عبروا قرية (فندك) ووصلوا الى نهر دجلة، وهناك شاهدوا بعض المرتزقة العثمانيين بقيادة (أحمد شاهين و فندي كول محمد) من قرى (فندك – كورافا – جديد – مسيريك)، قد نصبوا كميناً لهم.

ولكون الايزيدية منزوعي الاسلحة، لم يستطيعوا محاربتهم، في البداية طلب منهم الدخول في ديانة الاسلام، لكنهم رفضوا .

تم إطلاق النار عليهم مع ظهور اول اشعاعات الشمس، في هذه الفترة كان  من المفترض أن يقوم الناس بفعل الخير، إلا أن  المجرمين أقدموا على قتل هؤلاء الأبرياء، وحدثت مجزرة رهيبة، لكن أكثر النساء والفتيات ربطن جدائلهن والقين بأنفسهن في نهر دجلة كي يحافظن على شرفهن، وكانت الامهات يضعن الأطفال على رؤوسهن ويسرن في وسط النهر إلى أن يغرقن، كي لا يرين موت أبنائهن.

كانوا يبقرون بطون الحوامل بالخناجر وتخرج الأجنة منها.

منظر مقزز لا يمكن وصفه، نجا القليل منهم، مجزرة رهيبة، اشلاء الأطفال داخل المهود والعجائز على عكاكيزهم.

RELATED ARTICLES

1 COMMENT

  1. اود ان اشكرك على جهودك اخ داود ختاري على اهتمامك بتوثيق هكذا مواضيع واحداث في تاريخنا وهي. واحداث موءلمه وفي نفس يجب توثيقها لعدم نسيانها وكل من تعاون معك من الخيريين
    هكذا احداث يبين وحشيه يبين كيف ان بعض ضعفاء النفوس والمغفلين من الأمور المسلمبين كيف اصبحوا مطيعا للأتراك العثمانيين قديما وحديثا كما حصل في جيتو سايد سنجار حيث شارك قسم من كورمانج (أكراد شنكار)مع الدولة الإسلاميين في قتل وسبي جيرتهم من الايزديين

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular