آراء وأفكار جدلية حول الايزيدية : فواز فرحان

قبل سنوات طويلة وبالتحديد في أواسط الثمانينات قررت كتابة كل سؤال يخطر ببالي يتعلق بالايزيدية وطرحه على رجال دين مرموقين كانوا يعيشوا في ذلك العصر في بعشيقة وكانت تلك الأسئلة تفرز عشرات أخرى كلما تلقيت جواباً عن أسئلة سابقة ، وتضاعفت الأسئلة حتى وصلت أعداد لا حصر لها من الصفحات بقيت تراود خيالي تلك الأجوبة التي لم أحصل عليها ..

بعد سنوات طويلة وقفت أمام نصب أثري في الفاتيكان في روما أعاد الى ذاكرتي شيء من تلك الأسئلة التي كنت أطرحها وكانت تشكل بالنسبة لي محور مهم لكشف طبيعة الهوية التي أحملها وعمقها في التاريخ ..

كانت بداية غير سليمة أعترف بها لأنها كانت نتاج عقلية ريفية ضيقة كنا نتحلى بها قبل الخروج الى مساحة أوسع في البحث تتجاوز المصادر المحلية التي تعكس طبيعة النظام السياسي الذي يحكمنا في كل الأزمنة ، ففي كل زمان كنا نضطر لتقديم تنازل في مواضيع دينية من أجل مواكبة العصر وتجنب حملات الإبادة ضدنا مع ذلك لم تنفع تنازلات أجدادنا ولا تنازلات الجيل الحالي أمام هول الحقيقة الساطعة التي تعيدنا الى بداية التاريخ في العراق القديم ..

والعودة لبداية البحث قد تفجر ينابيع المعرفة التي لم يألفها البعض الذي تربى على أوهام لا يمكنه التخلي عنها لأنها أصبحت جزء من كيانه ، هنا يكون الباحث بين خيارين .. الدفاع عن الحقيقة وكيانها أو مجاملة العقول التي لم تألف سوى العادات والتقاليد السطحية التي اندمج معها بحكم سيسولوجيا الوجود !!

لهذا تنطلي عملية البحث في التاريخ القديم للعراق واقلياته الدينية على الغام لا يمكن تجاوزها دون علم ومعرفة واسعين يتجاوزان تلك النرجسية التي وقفت خلف كتابة هذا التاريخ من وجهة نظر تقف خلفها اجندة سياسية ويرددها البعض بطريقة لا تنم عن ثقافة وادراك واسعين للأمر ..

فالحضارة في سومر وعدن لم تكن حضارة مادية بالمعنى الذي نتداوله اليوم ، بل كانت حضارة نوعية تختلف فيها حتى أعمار البشر وأشكال الحياة ( المادة الأثيرية الأكثر رهافة من عالمنا اليوم والتي كانت تشكل فسلجة الأجسام المادية في عالمنا )  فيها وهذا بكل تأكيد ما يتجنب ذكره في مناهج العلم الأكاديمي المتداول في عالمنا ، أما لماذا يتم تجنب ذكره في علومنا اليوم فالسبب واضح لأنه سيفند الكثير من النظريات والفرضيات التي وضعت في عالمنا على أساس أنها المصدر الذي قامت عليه الحضارة !!

ورؤية هذه الجوانب الحضارية ممزوجة بالقيم الروحية فيه لم تعد موضع دراسة وتحليل فحسب بل أصبحت موضع خلاف عند اغلب معتنقي الأديان في عالمنا ، فدراسة الجوانب الروحية لكل حضارة قد يأخذنا الى مكان مختلف في البحث من حيث أبوابه ونتائجه ، ورغم أن تراث وأساطير أغلب الشعوب تتحدث عن حضارات سابقة ومتقدمة عاشتها البشرية من قبل لكن تسليط الضوء عليها يجعلنا أقرب لفهم تلك الحقبة من التاريخ ..

والايزيدية كأقلية عاشت حقب مغرقة القدم في التاريخ وتعيش بالفعل حالة من القطيعة مع ذلك التاريخ الذي يتجاوز أوقات كتابة نصوصها ووضع شعائرها المقدسة موضع التطبيق ، والعودة لطبيعة البداية تلك تقودنا الى جدل عقيم لا ينبغي أن يأخذ منا الوقت في شرح تفاصيل وأبعاد البدايات الحقيقية للايزيدية كدين وكمجموعة بشرية بغض النظر عن انتمائها العرقي لهذا الطرف أو ذاك ..

وعملية تعريف النظام الفلسفي الذي حكم العادات والتقاليد في الايزيدية تعود في جذورها الى البحث في فلسفة الخلق والنشوء التي تناولتها بتعريف وشرح واسعين في مجموعة الأجزاء التي وضعتها عن المعرفة المقدسة عند الايزيديين ، تلك الحكمة المتعلقة بدراسة كوزمولوجيا الوجود والتي شكلت أساس مهم في الايزيدية ومعرفتها عبر العصور ، فقد كانت عملية التعريف هذه بمثابة الأساسَين الفلسفي والفكري اللذان قاما على أكتافهما باقي منظومة وادي الرافدين المعرفية والدينية والاجتماعية ..

لهذا قدمت المعرفة الايزيدية الخالق بشكل أعمق في التعريف من خلال هندسة واسعة تقوم على مجموعة من القوانين الهيكلية التي تنتهي عند الشمس كمحطة رئيسية لفهم منظومة التعاليم الروحية عند الانسان ، فنور العالم الروحي والفكري يحتاج الى تقريب العالم المحسوس عبر حواسنا الى تلك البقعة في اعماقنا للغوص في تلك التعاليم المقدسة بنظرة واسعة تتجاوز المفهوم الديني والغيبي والذي يريد البعض أن تبقى النظرة محدودة بهما ..

والسبب في تسليط الضوء في الايزيدية على فكرة الخلق والنشوء هو محاولة اختراق تلك العوالم والوصول للوحدة الجامعة وصورتها الكبرى في الوجود من خلال قدرات الانسان الروحية والفكرية وكذلك الأدوات والوسائل التي تمكنه من تطوير تلك القدرات للوصول الى الفكرة الشاملة وصورتها والتي مثلتها الايزيدية بمختصر ( بيت آديا ) وهو الثالوث المقدس الذي يحكم عالمنا ، هذا الثالوث كما ذكرت مؤلف من سلطان آدي وطاوسي ملك وسلطان ايزيد ، لذلك تم تسليط الضوء على العملية من الأعلى الى الأسفل عبر تدرجها في منظومة من التعاليم السرية التي انتقلت الينا عبر العصور من خلال بيار وشيوخ محترمين وحافظوا على تلك التعاليم بقداسة تنسجم مع يقينهم المطلق بتلك التعاليم ..

فدراسة الخلق والنشوء في الايزيدية لوحدها بحاجة الى أكثر من كتاب لشرحها لا سيما وانها تناولت جانب مهم في الوجود وهو العناصر الأساسية المؤلفة للوجود كالماء والهواء والتراب والنار ، وكذلك وصف عملية تجلي الخالق المقدس الذي خلق نفسه بنفسه في دائرة الخلق الأولى ، فالايزيدية كانت أولى الأديان التي شرحت ظاهرة تجلي النور الأقدس للخالق من هذه الزاوية الواسعة ووضعت أساس متين لفكر فلسفي عميق قامت على أساسه التعاليم المقدسة فيها ..

فتعاليم الايزيدية هي التي حددت الخالق ووصفت عملية التعدد التي نتجت في العرش الأقدس والذي نسميه بيت آديا ، لهذا هناك وحدة للخالق في هذه التعاليم وكذلك هناك تعدد للآلهة من خلال الثالوث المقدس الذي يحكم عوالمنا ومنظومة الوجود التي نعيش فيها ، وهذه الوحدة هي الخير المطلق بكل جوانبها فلا تجزئة هنا في تعريف الخالق فكل ما يأتي منه خير وتجارب خيّرة عبر دورة الضرورة الكونية وتناسخ الأرواح ..

وركزت هذه التعاليم عبر عملية الخلق المقدسة على تعذر وصف مستوى النور في الأعلى أو شكل ورائحة تلك المنطقة التي تشكل العرش الأقدس في الوجود ، وهناك الكثير من النصوص المقدسة في الايزيدية تناولت هذا الجانب وعبّرت عنه بصدق ..

دعاء لـ طاوسي ملك يتلوه الايزيديون ..

 

1 ــ يارب .. علا شأنك علا مكانك علا سلطانك .. يا رب أنت الذي خلقت نفسك بنفسك ..

2 ــ يارب .. أنت ملك الجان .. ملك المُلك الكريم .. انك أزلي وقديم .. إنك حتى الأبد تبقى أمنية الروح .. يا رب أنت الذي خلقت نفسك بنفسك ..

3 ــ يا رب أنت ملك الجن والأنس .. أنت ملك العرش والكرسي .. أنت الصمد الظاهر والمخفي .. انت الحي الحميد الواحد .. انت الذي خلقت نفسك بنفسك ..

4 ــ يارب .. أنت رب السماء ، رب الشمس ، ورب القمر ، رب جميع المخلوقات ، رب العطاء .. يا رب أنت الذي خلقت نفسك بنفسك ..

5 ــ يا رب .. اسمك فوق كل الأسماء .. كم هو اسمك عظيم .. كم أنت عظيم .. أنت المقدّس العالي الشأن يارب أنت خلقت نفسك بنفسك ..

6 ــ يا رب .. أنت خالق الحوت ومعطي القوت .. أنت الحليم والملكوت .. أنت عالم العلماء يارب .. انت خلقت نفسك بنفسك ..

7 ــ يا رب أنت صاحب المال والحياء .. مكانك في كل بقعة .. في كل مكان ، يا رب أنت خلقت نفسك بنفسك ..

8 ــ يا رب .. لا لون لك .. لا لحن ولا صوت لك .. أنت الغوث وأنت المدد .. يارب لا يدري أحد كيف أنت ؟

9 ــ يا رب .. أنت ولي الصلاة .. أنت الذي تُعطي الأموال والأملاك .. يا رب أنت خلقت نفسك بنفسك ..

10 ــ يا رب أنت حاكم الملوك والفقراء .. أنت حاكم جميع العالم ، أنت الذذي وضعت التوبة على آدم ، وأتيت بـ عيسى ومريم .. يارب أنت خلقت نفسك بنفسك ..

11 ــ يا رب .. أنت الرحم وأنت الكرم .. أنت الأمين وأنت الصمد .. لا شيء نحن يا رب  .. انت خلقت نفسك بنفسك ..

12 ــ يا رب أنت للعليل والمريض الدواء .. أنت الداء والدواء .. أنت الطبيب .. أنت الحكيم نحن الغرباء .. يا رب أنت تعلم أين يكمن دواءنا ..

13 ــ يا رب .. أنت أنيس الغرباء .. أنت الأسباب ونحن الخطايا .. ومشيئتك عرفناها .. يا رب أنت دائم الوجود . دائم الوجود . دائم الوجود ..

 

من خلال النص المؤلف من 13 عشر سبقة نستطيع استنباط الكثير من القيم المنشورة في التعاليم الفلسفية القديمة والنصوص الايزيدية ، فهي لم تكتب من أجل أن تقرأ بشكل سطحي كما أن واضعها في إطار الأرقام الثلاثة عشر كان يعلم أن عملية فهم جوهرا الإلهي يصل اليه من يصل عتبة البصيرة الروحية المتفتحة ، لهذا مثل هذا النصّ الخالق بأنه الواحد الأحد الذي خلق نفسه بنفسه وخلق الجميع من إطار واسع الشمول في المعرفة وليس الإطار البشري المجرّد القائم على فهم مبعثر ومشوّش للفكرة ..

إذاً الخالق هو الكل .. كلي الوجود في أرواحنا وأعماقنا وفي كل ذرة من ذرات الوجود بطريقة قد تبدو عصيّة الفهم علينا بسبب محدودية حواسنا في الاستيعاب ، فهو متعذر الوصف في المعرفة الايزيدية المقدّسة ، وهذا التعذر ليس سببه الجهل بل المحدودية وهي فكرة تبقى أسيرة القدرات التي نمتلكها في البحث ، وكلما تعمق وعينا وإحساسنا تعمق معهما سعة الإدراك لتلك الكلية وسعتها الحاكمة فهي تتسع كلما اتسع حجم إدراكنا لها كما أن منظومتها العلمية هي التي تجعلنا بحث في أعماقها بالمزيد من البحث والتأمل ..

واستخدم الايزيديون عبر العصور اسم الخالق بدلاً من التسمية الأصلية لآدي وبدلاً من استخدام اسم طاوسي ملك وكذلك ايزيد ، وهذه الاستعارة اللغوية لم تكن سوى لحفظ المقام والتعريف السليم على مصطلح العناية الإلهية وهيكلية قوانينها التي تحكم الوجود ، وقبل ظهور التفكير الديني المحض أدر ك القدماء أن هذا المبدأ هو الذي يحكم وجودنا ويجعل سيرورة الحياة لا تتوقف فكل شيء في حركة ، لذلك فصل الايزيديون في هذا الجانب بين مسألة مهمة تتعلق بالخالق وهي التسمية وبين الوصف ، فهو مبدأ أزلي من خلال النصّ كما يظهر بوضوح وهذا المبدأ حرّك الوجود من خلال ديمومة مستمرة لا تتوقف أفرزت لنا كل القوانين الكونية ..

ووصف الخالق بأنه كيان قائم بذاته أو يمتلك هيئة معيّنة لا يقبلها العلم الايزيدي على إعتبار أن أحداً لم يصل تلك المرحلة التي تؤهله لوصف العرش المقدس في أعماق الوجود ، لذلك تبقى فكرة المبادئ الثلاث او الثالوث المقدس هي الأقرب لتعريف هيكلية الخالق وقوانينه والتي إنبثق منها كل شيء ، وعندما نتطلع على أركان المعرفة المقدسة وعلمها الباطن في الايزيدية سنرى أن تدرّج عملية الخلق نفسها إنطلقت من مبدأ باطني أو مبدأ أزلي خفي لا يمكن وصفه لكن شكل نقطة البداية في التعددية التي تجلت من خلال عملية الخلق وقوانينها السرّية ، لهذا قسّم الايزيديون معرفهم الى قسمين ..

ــ أسرار صغرى ..

ــ أسرار كبرى ..

سابقاً كان الحديث عن الأسرار الصغرى من خلال الحكايات البسيطة المتداولة في المعابد والمزارات وحتى المجالس الاجتماعية التي كانت تناقش الكثير من هذه الأسرار من خلال القصص المستعارة أو التشبيهات الصورية والرمزية والشخصية لقوانين الأسرار الصغرى التي تحكم عالمنا ، فالطقوس والشعائر المقدسة في المناسبات الدينية ومعها مواقع المزارات واهميتها تشكل لطالب العلم الايزيدي أسرار صغرى يمكن ببساطة البحث فيها والوصول الى معرفة والمام شاملين بكل تفاصيلها ، لكن الخوض في فلسفة الطقوس وما تعكسه من علوم نوعية تدخل الايزيدي الى ساحة أخرى وهي الأسرار الكبرى المتعلقة بالسببية فيما يتعلق بكل شيء بدءاً من موضوع الخليقة ومروراً بأهمية الشمس والقمر والانقلابات والتغييرات الفلكية على طاقات البشر وانتهاءاً بأسباب تتعلق بصنع التراب المقدس في لالش او الدخول للجلخانة فهي جميعها ومن خلال ممارسات فكرية وروحية طويلة تقود الانسان لتلقي علم آديا ..

والحديث عن الأسرار الكبرى يشدنا الى تعريفات أخرى واسعة النطاق للخالق وطريقة أداء القوانين والإرادة المتجلية منه ، فالعقل الكلي الحضور في كل المستويات يخترق أعماق كل عمليات البحث ويشدها اليه في نفس الوقت ، ويتجاوز هذا المفهوم ليتجسّد في الكينونة المطلقة أو الروح الكونية التي تتخلل كل الأشياء والتي نسميها الروح المطلقة لنور طاوسي ملك ، هذا التجسّد ينتهي عند حدود نطلق عليها عالم المادة الموضوعي الذي نعيش فيه ونخضع لقوانينه ، وهو عالمنا الذي نريد من خلال مستوى وعينا فيه اختراق حواجز المجهول بسبب فقداننا للكثير من حواسنا وقدراتنا على التواصل مع ذلك المجهول ..

إن دراسة الجوانب الباطنية والخفيّة في المعرفة الايزيدية عبر تجارب عديدة قام بها ممارسوا طرق البرّ لا تقودنا سوى الى الدخول في مجال قد لا يحبذه المؤمنون بالعلم الأكاديمي ولا يجد له مصطلحات حقيقية تعبر عن تلك الجوانب بدقة ، كما أن الحديث عنها او نشرها سيجعلها تفقد قدسيتها التي تقوم عليها ، لهذا بقيت الأسرار الكبرى في الايزيدية محصنة وغير قابلة للنشر وتنقل بطريقة شفاهية أو التقبّل الفكري ، فدراسة كوزمولوجيا الوجود في المعرفة الايزيدية هي دراسة تأخذ في نظر الاعتبار الصورة الشاملة للوجود ووحدته وعند هذه النقطة تكون عملية الخوض في الأسرار الكبرى تقف عند حدود معيّنة كما ذكرت سابقاً وهذه الحدود تتمثل في عدم قدرتنا على اختراق ذلك الحصن المنيع من الكنوز طالما بقينا أسرى عالمنا المادي والصور الذهنية البسيطة التي نحاول من خلالها تصوّر أشياء غيرمادية في الأساس ..

كما أنها تبقى أسيرة حواسنا المحدودة وعدم امتلاكنا للغة التي من شأنها ان تنقل لنا بدقة وأمانة تلك المصطلحات المتعلقة بشكل آخر للمادة أو نوع مختلف من الطاقة أو عدم قدرتنا على الاقتراب من الشكل السليم لتخيّل عالم لا وجود فيه للزمان والمكان ..

من خلال التركيز على ما جاء في فلسفة العلوم النوعية لا بد لي التوقف عند نقطة تجمع هذه الأجزاء لتضعها في مسارها الصحيح إذا ما أردنا فهم طبيعة تسلسل الآلية التي انبلجت منها عملية الخلق والنشوء في الايزيدية ، وطريقة جمع هذه الأجزاء لا بد لها من أن تتجاوز عالمنا المادي وتذهب الى ما هو أبعد منها بكثير وهو عالم ما وراء المادة ولأن العادات والتقاليد في الايزيدية لا تشفي غليل البعض بالتشبع بقيم علمها المقدّس دأب البعض على المبالغة في وصف حبه لها بأنها أشبه ما تكون بالعشق الإلهي ، ذلك العشق الذي يحاول اشفاء غليل النفس من بحر المحبة والمعرفة في العلم الايزيدي ، لكن التركيز على موضوع جمع الأجزاء هذه يأخذنا الى عالم أوسع بكثير مما يمكن لنا تصوّره ، حيث تمثل العملية تطوير قدراتنا الحسّية والحدسية الى أبعاد تتجاوز قدرة حواسنا التقليدية العادية في العالم المادي الذي نعيش فيه وفي نفس الوقت ندخل أعماق حقيقتنا الإنسانية ونكتشف أسرارها ونعبر الى جادة الإلهي فيها ، فهي متماثلة كما ذكرت مع صورتها الكبرى من زاوية هاجعة مبطنة لا يمكننا اكتشافها قبل الدخول الى أعماق هذه الحقيقة ..

ورغم ان الكثيرون ممن تناولوا موضوع الايزيدية كانوا يجهلون تمام الجهل السبب الحقيقي الذي وقف خلف عدم اعتراف الايزيدية بالعلم الكمي لقرون عديدة ، إلاّ انهم لم يجدوا تلك الفسحة أو الضوء المتدفق من أعماقها لتنير لهم عمق الأسباب تلك والتي تتجاوز علمنا الكمي الأكاديمي في العالم المادي الى علوم نوعية معقدة للغاية تتطلب قدرات واسعة دأبت الايزيدية على تربية أبناءها عليها لتجاوز مثالب هذا العالم وسطحيته وأخذهم الى جادة تلك العلوم النوعية الفائقة التعقيد والتي تتطلب شروطاً روحية وفكرية متقدمة للولوج الى أعماق أسرارها ..

وبقيت الايزيدية عبر هذا التاريخ الطويل محتفظة بعلمها الخفي المقدّس المتناقل عبر الأجيال أو ما نسميه بعلم الصدر كإشعاع ينير الطريق لمن يرغب في عبور مستوى الوعي العادي الى مستويات عليا متفوّقة تتمكن من سبر أغوار أسرار منظومتنا الكونية والغائية والسببية التي وقفت خلف عملية الخلق والنشوء ولأن الإطلاع على هذه الأسرار يأخذ الكائن البشري الى حيز واسع لدراسة الأبعاد السبعة بقوانينها النوعية التي يسيطر فيها كل قانون على عالم منها ويفرز عشرة قوانين أخرى فيها من خلال السير المنتظم للآلية التي تحكم هذا البعد والأبعاد الأخرى ، فقانون الحياة والموت يحكم عالمنا المادي الموضوعي الأرضي الذي نعيش فيه ومن خلال هذا القانون نطل على تسعة قوانين أخرى لا يمكن دحضها أو إلغائها مهما تعاظمت الاكتشافات التي يسطرها لنا العلم الأكاديمي الكمي المنهجي وهذه القوانين تبقى متحكمة فينا الى أبعد درجات التحكم دون أن نتمكن من الفرار منها ، فموضوع الموت لا يمكن لأي عالم على هذا الكوكب مهما تعاظم علمه نفيه وكذلك موضوع دورة الضرورة الكونية وتناسخ الأرواح ، فهو ربما ينفي وجودها لكنه لا يستطيع إثبات العكس بأي شكل من الأشكال ، لهذا أطلقت الايزيدية على علمها بالعلم النوعي المعرفي العميق الذي لا يمكن الولوج اليه قبل التحلي بشرط الاستقامة الأخلاقية وكذلك نيل البصيرة الروحية المتفتحة التي تمكن الكائن من تلقيه بشكل منتظم ..

ورغم ان الكثيرون من ابناء الايزيدية تمكنوا من التحلي بهذه الشروط وعبروا الى مستويات الوعي العليا المتفوّقة من خلال تحليهم بتلك الشروط الروحية والأخلاقية وبالتالي وصلوا مراحل التحكم بالعقل والعاطفة الى أعلى المستويات إلاّ أن ما وصلوا اليه لم تتمكن الأغلبية من فهمه وأطلقوا عليه بـ الإدراك الغيبي الغير قابل للفهم والتفسير ، لكنهم لم يدركوا أن هذا الإدراك الغيبي هو المفتاح الى العوالم العليا المتفوّقة والكثير من المخطوطات والألواح السومرية التي تناولت التاريخ في ذلك الوقت جسّدت عمق هذا الإدراك من خلال الكثير من التعابير الرمزية التي لا يتمكن من فهمها إلاّ المطلعين على أسرار العلم الايزيدي الخفي المقدّس ، فلوحة واحدة من لوحات نينجيشيزيدا عبّرت بشكل دقيق عن العبور لتلك المستويات ورغم أنها تزيّن اليوم باحات الكثير من جامعات العالم ومتاحفها إلاّ أن القائمون على العلم الأكاديمي لا يستطيعون تعريف اللوحة كما جاءت من مصادرها الايزيدية ، هذا التفوّق في تناقل العلوم عبر العصور مكن الايزيديون من فهم الكثير من الأسرار التي تخص الخلق والنشوء في المنظومة الكونية وقسماً واسعاً من هذه العملية لم تعتمد على الأدوات القياسية المحدودة بل اعتمدت على علوم نوعية جسّدتها سبقات ونصوص مقدّسة في الايزيدية صنفت على أنها غيبيات ..

هذه العلوم النوعية في الايزيدية تشكل صرحاً واسعاً لعوالم وأبعاد متفوّقة للغاية قسمتها منذ البداية الى ثلاثة مستويات عليا ( قاتانية وشمسانية وآدانية ) وهذه الأبعاد مكملة لمستوى العالم المادي والتراكم الكمي والمعرفي والروحي في الحياة فيه والتي ينتقل عبرها الكائن البشري الى مستوى نوعي والمستوى النوعي للمعرفة هنا ليس غيبياً كما يحاول البعض تصوّره بل له أبعاد نتمكن من خلال فهمنا السليم لآلية تطور منظومتنا الروحية والفكرية من الاقتراب اليه بشكل دقيق للغاية ، فـ الكائن البشري بمجرّد أن يصل مراحل عليا في وعيه يبرمج حياته على الاستقامة والصدق ويبرمجها على المحبة التي تسمو على كل ضغائن عالمنا المادي وطبيعة الكراهية المنتشرة فيه وما أن يتمكن من الوصول الى برمجة دقيقة لهذه الجوانب حتى يصل عتبة مستويات الوعي العليا التي تؤهله لاكتساب قدرات عقلية وعاطفية خارقة بالنسبة لنا في العالم المادي ، خارقة من حيث تساميها وعلوّها على مستويات الوعي في عالمنا ، حيث يدخل الكائن البشري بالفعل مرحلة العين البيضاء ( كاني سبي ) في المعرفة ليتمكن من رؤية عوالم وأبعاد ماضية ومستقبلية ويسبر أسرار أغوار تلك العوالم وطبيعة القوانين الكونية التي تحكمها ومن هذه النقطة بالتحديد يبدأ مستوى الوعي المتفوّق بالعمل والتردد على هذه المستويات ومحاولة ابقاءها كتجسيد روحي وفكري لديه قبل الانتقال الكلي الى مرحلة التحرر من دورة الضرورة الكونية وتناسخ الأرواح ..

فالكثير من الشخصيات الايزيدية مارست هذا التفوق في مستوى الوعي من خلال الخروج عن الجسد الفيزيائي وعبور العوالم العليا من خلال خروج الوعي من الدماغ عبر أسفار لا يمكن تصوّرها إلاّ بعد الدخول لأبواب المعرفة الايزيدية الخفيّة المقدّسة وهذا التفوّق يمثل في نفس الوقت إدراك فوق حسّي يؤهل المرء لدخول عوالم وأبعاد تمتلك من القوانين المتحكمة بها وفق ما يتناسب وتفتح وعيها في تلك المستويات العليا ، فهذا الكائن البشري المؤلف كما ذكرت من مظهرين ظاهر في العلن والذي يمثل تركيبتنا الفسلجية الجسدية وخفي مبطن يشكل التركيبة الروحية والفكرية قادر بفعل تركيبته ممارسة هذا الإدراك بصورة تلقائية وهذه الطبيعة التركيبية للكائن البشري تتيح له العيش بشكل متوازن بين عالمين في نفس الوقت وهما عالم المادة ومستوى الوعي فيها والذي يعكس تفاصيل الحياة اليومية وأقسامها وكذلك العالم الروحي الذي يعكس تفاصيل الحياة الروحية في المنظومة الكونية بطريقة تعلو على مستوى إدراكنا واستيعاب حواسنا التقليدية العادية في العالم الأرضي ..

عالم المادة الذي نعيش فيه ونستقبل عبر حواسنا التقليدية البصر والسمع والشم واللمس والذوق كل المعلومات القادمة لنا منه أي من عالم المادة وهذه الحالة تؤخر في جانب من جوانبها عملية تلقينا للمعلومات من الجانب الروحي أي من العالم فوق الحسّي وهذا التأخر يجعلنا نشعر بعدم وجود ذلك الإدراك الخفي المبطن في عالم فوق حسّي يصعب علينا استيعاب وفهم معطياته ، فتلك المعطيات غالباً ما تكون على شكل همسات خفيفة قادمة من أعماق الفضاء الباطني لكن ما يجعلها غير مؤثرة هو ذلك العالم المليء بالصخب والذي نندمج فيه حد النخاع وهو العالم المادي وتفاصيل حياتنا اليومية فيه والايزيديون عبر التاريخ عرفوا الإدراك الخفي عبر الكثير من الشخصيات الجليلة التي انعزلت عن عالمنا سواء في لالش النورانية المقدّسة أو في مناطق سكانهم الأخرى وهذه العزلة والتأمل فرضا حالة روحية متفوقة لهذه الشخصيات نقلتهم من مستويات الوعي في عالمنا المادي الى مستويات عليا رغم أنهم لم يزوروا في حياتهم مدرسة من مدارس الحكومات الأرضية ..

وعند دراسة حالة تلك الشخصيات الجليلة لا بد لكل باحث في موضوع تطور مستويات الوعي في العلم الايزيدي إدراك أن هؤلاء تمكنوا من تجاوز الأصوات الصاخبة ومثالب عالمنا المادي وتفاصيله اليومية عبر جعل مستوى الوعي لديهم ينحرف تماماً عن مجال تأثيرات الحواس الفيزيائية وما تعكسه لنا من متاعب عالم المادة وهذه القدرات الحية اكتشفها الايزيديون القدماء من خلال تفسيرهم السليم لعملية الخلق والتجلي لسلطان آدي وتدرّج مستويات الوعي في المنظومة الكونية وعملية الانتقال الى هذه المرحلة لا تتطلب سوى التمتع بالتحكم بالعقل والعاطفة والسمو الروحي الذي يقود الى عدم التأثر بكل ما تفرزه لنا معطيات الحياة المادية من متاعب ومشاكل وهموم ، فالأمر فهمه القدماء على أنه يحصل تلقائياً بمجرد تركيز الوعي على مستويات عليا من التأمل وخوض تجربة الإدراك الخفي الذي يعلو على طبيعة الإدراك الفيزيائي لعالم المادة ..

ولأن هناك تركيبة ظاهرية وخفية لنا في الكينونة والوجود فبالتالي يمثل الإدراك هذا الجانب بأسطع صورة ، فمثلما هناك إدراك ظاهر لحقائق مادية تتجلى أمام حواسنا التقليدية هناك إدراك خفي يمثل السمة الفكرية للروح في العقل الفضائي الباطني ولها وظيفة في التفسير والتحليل تختلف عنها في تلك المتعلقة بالإدراك في العالم المادي وما نتلقاه من معطيات فيه وهذا الاختلاف يعود بالدرجة الأساس لطبيعتنا المركبة من جانبين خفي وظاهر في الصورة الكونية الصغرى التي نمثلها وهذا الكيان المتعدد الأبعاد والذي نسميه في العلم الايزيدي بالعقل الفضائي الباطني يلعب دوراً كبيراَ  في ترقي الروح الى عوالم عليا ومعها الوعي وهذا الانتقال بحد ذاته يجعل المرء مطلعاً على جوانب أخرى من الكينونة والوجود لم تكن ذات يوم موضع بحث وتقدير بالنسبة له لكنها تتحول فعلياً الى مدرسة علمية تزوده بالعلوم الكونية الواسعة الغير محدودة بطريقة سلسة للغاية حيث تنهال المعطيات هنا بطريقة متعددة الأبعاد من خلال الدخول لمكتبة الكون الرمزية وعبر التهذيب التدريجي للروح والوعي يتمكن المرء من تجاوز محدودية العقل في العالم المادي ليعبر الى شاطئ العلم اللا محدود ، فالكائن البشري لا يمكنه إطلاقاً الوصول الى أعلى درجات الوعي في المنظومة الكونية من خلال الاعتماد على مستوى العقل في العالم المادي لوحده ، لذلك يمثل الإدراك الخفي هنا الطريقة المكملة لمحدودية هذا الوعي وتأخذه الى أبعاد عليا وهذا الإدراك الخفي عرفته الايزيدية منذ بناء لالش وتشكيل أسس الهندسة الايزيدية الخفية المقدّسة والتي تشمل الكون بكل أجزاءه بما فيها تركيبة الكائن البشري المتعددة الأبعاد ..

والايزيديون القدماء كانوا على علم كامل بتركيبة الكون المؤلفة من العوالم السبعة ومستويات الوعي الأربعة وطبيعة القوانين الكونية المتحكمة في كل عالم وبُعدْ وبالتالي كانوا يدركوا تمام الإدراك ما الذي يعنيه الإدراك الخفي في الايزيدية وكانوا دائماً يطلقون على تلك العوالم بالعوالم الأفضل من العالم المادي الموضوعي الذي نعيش فيه ونتيجة لقدراتهم الطبيعية في سبر أغوار أعمق الأسرار الكونية كانت مستويات وعيهم تتجاوز تلك المتعلقة فقط بالحواس التقليدية الى مدى أوسع بكثير منها وعندما أقول قدرات طبيعية فهي بالفعل متأصلة في الكائن البشري وليست خارج نطاق تكوينه الطاقي الحيوي وهناك الكثير من العوامل التي تساعد هذا الكائن على اخراج هذه الطاقة الهاجعة وإبرازها للسطح ومن خلال المعالجة والتي نسميها في العلم الايزيدي بالتركيب والتعقيد للكثير من الحلول والمجسمات الهندسية يخترق الكائن البشري هذه العوالم ويتسلح بعلم نوعي رصين يكون من الصعب التخلي عنه وتركه للعبث الجنوني في عالم المادة ، وهو ما يثبت عملياً وحدة الصورتين في الكون ، الصورة الكبرى التي تمثلها المنظومة الكونية حتى المجرات والدهور والصورة الصغرى للكائن البشري الذي نمثله بكل أشكالنا المركبة وعندما نتمكن من التشبع بحقيقة أننا جزء من الكل فإن الصورة تتسع تدريجياً أمام أبصارنا لنرى ما لا يراه الآخرين من وحدة الصورة الشاملة في كل الأشياء كما سنتمكن من رؤية النور الآداني المشع فيها ..

لذلك عندما كان ممارسو طرق البرّ ( البرخك ) في العلم الايزيدي الخفي المقدس في لالش النورانية يمارسون طقوسهم الروحية فإنهم كانوا يضعوا نصب أعينهم الهدف الذي يمكن الوصول اليه وهو تفعيل هذه الطاقة الكامنة المتمثلة بالإدراك الخفي في أعماقهم والوصول الى مكتبة الكون الرمزية الغنية بالعلوم النوعية والتي تعلو على مستوى إدراكنا في العالم المادي وعندما يدرس المرء طرق تحفيز هذا النوع من الإدراك ما عليه إلاّ أن يتذكر أننا كائنات فيزيائية بحكم القوانين الكونية العاملة في مستوى العالم المادي الأرضي الذي نعيش فيه نتجسّد في المادة بطريقة نوعية ، كما يتوجب عليه فهم أنه لا يمكن ترجمة كل شيء الى عالمنا المادي مثلما لا يمكن ترجمة المشاعر حرفياً ، لهذا يمثل الإدراك الخفي النقلة التي تأخذ المرء الى مستوى أعلى يمكن أن نسميه المعرفة المسبقة بالمستقبل ورغم أن الايزيديون لا يفضلون التقرّب الى هذا الباب في العلم الايزيدي بسبب حساسيته إلاّ أن هذا الإدراك يقود المرء بالفعل للوصول الى هذا المستوى عبر وسائل فوق حسّية ويمثل في نفس الوقت مستوى متطور لحالة الوعي والمعرفة عند الكائن البشري ..

هذا الإدراك الذي يعتمد على تطوير القدرات الحسية والحدسية ينساب من تلقاء نفسه الى أعماق الوعي من خلال تطوير منظومة الوعي ومن خلال تفتح البصيرة الروحية الى أبعد درجة وكما ذكرت في فصول سابقة إن هذين الشرطين مرتبطان بالمعرفة والمحبة في العلم الايزيدي ومثلما هناك قواعد تسري على المبصرين روحياً كذلك هناك قواعد تسري على العميان من الذين لا يريدون رؤية الحقيقة بشكل جلي لأنها تعكس جهلهم ومنذ القدم كان الكثيرون يذهبون الى الكوجكين والمستبصرين من الذين يصلون حالة الإدراك العليا في رؤية الكثير من الجوانب المستقبلية في حياة البشر ورغم أن البعض كان يعطي لهذا الأمر بُعداً دينياً إلاّ أنه في جانب مهم من جوانبه مرتبط بتطوير القدرات الروحية وهو ما كان يجد ضالته في التحليل السليم عند من كان يتناول دراسة هذه الظاهرة دراسة نوعية للغاية ، فعملية تناول دراسة الإدراك الخفي لم تبدأ بدراسته عند الانسان في العلم الايزيدي بل أبعد من ذلك بكثير ، بدأت مع دراسة الإدراك في حالة الخلق والنشوء وتمركز الوعي وإدراكه لذاته وأناه ، هذا الإدراك وتناوله من زاوية نوعية أعظم بكثير من تناول هذا المصطلح من وجهة نظر علمية كمية مادية موضوعية بحته ، فالإدراك وحالاته من الأعلى الى الأسفل يقودنا الى فهم الصورة الشاملة في موضوع دراسة عملية الخلق والتجلي في الايزيدية ودون فهم هذا الإدراك ستكون عملية الإلمام بجانب مهم من جوانب العلم الايزيدي قاصرة عند القارئ إذا ما أراد فهم هذه الزاوية في العلم الايزيدي وفي فصل تناسخ الأرواح في الايزيدية توقفت عند هذا الموضوع بشكل عابر لكن عملية الإلمام بتفاصيله تحتاج لتسليط الضوء على مرحلة الإدراك التحولية النوعية في العلم الايزيدي وهي الفترة التي تفصل انتقال الانسان بين عالمين في الفترة التي نسميها نجاة وعي الذات الانسانية أو فترة انتقاله الى العالم الآخر والتي يحددها العلم الايزيدي بـ أربعين يوماً وهي الفترة الزمنية الفاصلة بين انتقال الوعي والروح والجسد الى الجرار الكونية وعودتها بحلة جديدة عبر دورة الضرورة الكونية أو تناسخ الأرواح ، هذا الإدراك يختفي تماماً في هذه الفترة الزمنية التي لا يمكن التحكم بها في ذلك العالم لحظة نجاة الوعي وانتقاله بين عالمين ..

وإذا ما نظرنا للموضوع من جانبين علمي أكاديمي كمي منهجي يكون النظر لها أشبه بالبحث في المواضيع الغيبية التي لا يرغب العلم الأكاديمي التطرق لها أو حتى الاعتراف بوجودها ، لكن وجهة النظر النوعية تجزم بوجودها وخاصة ما تركه العلم الايزيدي من جوهر للفكرة يقوم على التعقيد والتركيب ، فإغماءة الموت هنا لا يمكنها أن تدحض أي قانون من قوانين الطبيعة الكونية بل تشكل تجسيد لها لا يمكننا إدراكه بسهولة ..

فالقوانين الروحية للاستمرار في دورة الضرورة الكونية لا تتيح لأي استثناء بالعمل فيها ، لذلك كان العلم الايزيدي الخفي المقدّس عبر العصور يفسّر بطريقة نوعية موضوع استمرار المادي في البقاء بقاءاً واعياً لذاته بعد الموت أو في الفترة التحولية للإدراك ولا يمكن القول أن تغييرات طارئة على الشكل في الإدراك يمكنها أن تمثل الكل تمثيلاً مجرّداً في العملية بل تحول كمي بسيط يتطور تدريجياً نحو مستويات عليا وهذه المستويات العليا التي يحكمها طاوسي ملك تنتمي الى الوعي الجمعي للالوهية المتجلية لسلطان آدي ، لذلك يحتاج الايزيدي باستمرار الى الذهن المشع ليتمكن من سبر أغوار أسرار الإدراك الخفي في المستويات العليا من الوعي والتي يتم فيها الكشف عن الوحدة بين العقل الإلهي مع العقل البشري ووعي الذات ونور الروح بأعمق المعاني ..

ومثلت عملية تناول العلة والمعلول أو الجوهر والمظهر في العلم الايزيدي الأساس الذي تم عليه البناء الشامل للفكرة الكونية التي تستطيل الى أعماق تبدو خفية في بادئ الأمر لكنها سرعان ما تتضح تجلياتها بالشكل الذي يتلائم وتفتح مستوى الوعي البشري وعند دراسة المرحلة التحولية النوعية في الايزيدية والمتعلقة هنا بالإدراك بشقيه الظاهر والخفي فإن العلم الايزيدي الخفي المقدس تطرق الى أن القوانين الكونية الحاكمة في العين البيضاء ( كاني سبي ) الكونية لا تترك تأثيراتها بقوة على الآنية البشرية إلاّ في تجسّدها المقبل من خلال عبورها مرحلة نجاة وعي الذات في دورة الضرورة الكونية وإذا ما أردنا فهم هذه الجزئية ما علينا إلاّ دراسة طبيعة تأثير القوانين الكونية على الروح والوعي في تلك العوالم عبر بوابات العلم الايزيدي الخفي المقدّس وهذا العالم الذي يسيطر عليه قانون المحبة بكل اعماقه له دوراً بارزاً في كشف الحقائق المستورة تحت الحجاب السميك الذي يغلف عظمة الحقيقة الايزيدية وكلما تعمق في فهم وتركيب الحقائق كلما تعمق قانون المحبة في الروح والنفس التي تصاحب المرء الى أعماق هذا العالم الخفي ، فتتعمق الحقائق النوعية بالتوازي مع الكشف عن العلوم النوعية والقوانين التي تحكم هذا المستوى في الطبيعة الكونية ، وعندما يتجسّد العقل في كل مكان فإنه بكل تأكيد لا يحتاج الى عقلنته من جديد ، ففي عالمنا الأرضي نتحرك وفق مفهوم أحادي الجانب اسمه العقل الواعي ، هذا العقل مسؤول يقوم بمهامه من خلال تلقي المعلومات من البيئة المحيطة عبر الحواس التقليدية ودرسنا في الفصل السابق الحالات المتدرّجة لهذا العقل الواعي بدءاً من الادراك وانتهاءاً بتكوين الصورة الذهنية ووضعها في الهالة البلازمية المحيطة بنا ..

فهو يمثل الجهاز الفكري لنا في العالم المادي ويقوم بكل الإجراءات من خلال تحكمه في مجرى عملية الإدراك الظاهر والخفي منذ بدايتها ، فالإدراك الواعي يعكس لنا الطبيعة الخارجية كما هي وتحليل المعلومات وتفسيرها واتخاذ القرارات وفق للمنطق الذي يحكم عالمنا المادي الموضوعي ومستوى الوعي فيه والقوانين الكونية السارية المفعول في هذا العالم ولا بد من الإشارة الى أن العقل الواعي في عالمنا الأرضي محدود الطابع وموّجه نحو هدف واحد وفكرة واحدة وهو خاضع بذلك لطبيعة القانون الكوني الذي أدى الى انفصاله عن مصدره في الإدراك اللا محدود أي مصدره السببي الإلهي ، وهناك العقل الباطن الذي يقبع تحت مستوى الوعي تماماً والذي يؤلف المستوى الخفي الذي يعتمد عليه الكائن البشري في تلقي وتقبّل العلوم النوعية من المنظومة الكونية أي مستوى الادراك الخفي في بدايته ، وهو أيضاً تحت عتبة التفكير الواعي تماماً وحتى نميّر بين العقل الواعي والعقل الباطن واللاوعي يجب أن نفهم طبيعة الصورة جيداً قبل الانطلاق في عملية فهم الإدراك الخفي في الايزيدية من بدايته..

لذلك اعتمد العلم الايزيدي الخفي المقدّس في منظومته العلمية النوعية على المستويّين الأخيرين اللذين يحكمان النفس والروح اللتان تمثلان جوهر الصورة الكونية في حركتها النوعية وفي تجسيدها للقوانين الكونية في المستويات العليا للوعي والحديث هنا عن العقل الباطن يعني عملياً الدخول في المنظومة الجوهرية الحاكمة للكون من خلال الادراك الخفي لكل من الوعي والطاقة ، الروح والنفس ، القا و البا ، البير والمرّبي ، وكلها تعكس تسمية موحدة في العلم الايزيدي الخفي المقدس ، وظيفة هذا العقل الباطن هي تسجيل الانطباعات وخزنها في مكان معيّن من النفس عبر برمجة دقيقة للغاية لا نستطيع ادراكها وهذا الأمر يحدث لا إراديا وخارج سيطرة العقل الواعي والتراكم الكمي لتجارب الحياة سواء في العالم المادي أو ما يليه من العوالم كلها تشكل تراكمات كمية تحدث نقلة نوعية في ذكاء الكائن البشري وتجعله يقفز خطوات جبارة الى الأمام وهي تمثل السر الذي يقف خلف تعاملنا بسرعة مذهلة مع بعض الأحداث واتخاذ القرارات السريعة التي تتناسب والوقائع التي نعيشها في العالم الأرضي في البداية وتتطور الى مستويات عليا في العوالم والمستويات الأخرى وهذا العقل الباطن يمثل برمجة الرقيب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى اثناء خروج الكائن البشري عن المنطق في التصرف في كل عالم من العوالم ، فالفرق بين العقل الواعي والعقل الباطن كبير وجوهري لكنهما يعملان لوصول الكائن البشري الى هدفه وكل منهما حسب طريقته الخاصة ..

العقل الواعي يعتمد اعتماداً مباشراً على الحواس التقليدية الخمسة التي تقود الى المنطق والتفكير الموضوعي وفق مقتضيات العالم المادي الموضوعي وتجاربه الحياتية ، أي إدراك محدود ضمن قدرات الحواس الخمسة في أداء عملها وكل ما هو خارج عن إطار حواسنا التقليدية يصبح غيبياً بالنسبة لهذا الكائن البسيط والمحدود القدرات ، اما العقل الباطن وطريقة عمله فهي تعمد على مجالين العقل الواعي والمعلومات التي تم خزنها كتجارب حياتية في حياة الكائن البشري وهي خفية على العقل الواعي وتظهر في التحديات التي تواجه هذا الكائن في حياته ، أما اللاوعي فهو العقل الذي يخزن المعلومات القادمة من الجهتين ، أي من العقل الواعي الذي يسيطر على تسيير أمور الجسد والعقل الباطن المسؤول عن البرمجة المعلوماتية في النفس ، بالإضافة الى حالات نادرة يختزن فيها هذا اللاوعي معلومات من تناسخات سابقة في دورة الضرورة ، فهو المخزن المعرفي الكبير في حياة الكائن البشري منذ طفولته حتى اللحظة التي يكتشف فيها حقيقته ويعبر أبواب العلم الايزيدي الخفي المقدّس ، فهذا اللاوعي هو الذي يوصلنا بالمنظومة الكونية وهو الذي يمثل مكتبة معرفية للمعلومات مخزونة بطريقة فيها من الترتيب ما يفوق قدراتنا على تصوّرها ، وهذه الثلاثة مستويات في العقل تتصل جميعها بمستوى أعلى للاوعي نسميه مكتبة الكون الرمزية أو اللاوعي الفضائي الكوني ، فالعملية تتسلسل منذ البداية بطريقة متشابكة التعقيد ، فالوعي في العالم المادي الموضوعي هو الذي يتحكم في تفاصيل حياتنا اليومية وكما ذكرت في فصول سابقة أن جوهر وجودنا يعتمد على فهم الجانب السببي لوجود هذا الوعي وأخذه الى مستويات عليا متفوّقة ، من خلال الاستفادة القصوى من الطاقات التي ترسلها لنا المنظومة الشمسية والقمرية والموجات الكونية ومن خلال هذه الاستفادة تنتقل التأثيرات الايجابية الى الوعي الباطن لتسلحه ببرمجة معلوماتية جديدة نوعية للغاية ومن خلال الدخول الى أعماق حقيقتنا فإننا نجعل العقل الباطن يعيش في مستويات متفوّقة هو الآخر الى أن يأخذنا الى التواصل مع لا وعينا من خلال ممارسة التأمل وطرق البرّ ( البرخك ) في العلم الايزيدي الخفي المقدس ..

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


2 تعليقان

  1. العزيز فواز ..

    هل وجدت علاقة او صلة ميثولوجية بين مفهوم (مالا آديا ـ بيت آديا في الديانة الايزيدية) كما ورد في المقال ـ البحث .. و (بيت أدين) المقدس والمنسوب لأعلى الهرم الديني المقدس في العهد السومري ؟..
    مع مودتي

    صباح كنجي

  2. نعم عزيزي صباح .. هم أطلقوا إسم عدن ( آدان ) على الجنة أو المستوطنة التي بدأت بها الحياة على كوكبنا بها في سومر ، وتعرّضت للأسف تلك الحضارة الى تعتيم واضح على الجوانب الروحية فيها ، وهناك نقاش دار بين زكريا سيتشن الذي كان يجيد الأكدية والذي ترجم أغلب المخطوطات الايزيدية مع يشوع نوح مؤلف النيكرونوميكون والذي يضم نصوص رائعة عن الايزيدية في العهد السومري إقترح فيه سيتشن على نوح تسمية كتابه ديانة سومر الحقيقية لكنه أبقى تسمية الكتاب كما هي بناءاً على رأي دار النشر وبعض الذين أسندوه بترجمة للمخطوطات السومرية التي تناولت تسميات عديدة في الإيزيدية كـ ( آدين ) وزمزم وخورت وغيرها أنزلت الكثير من هذه الصفحات في بعض التعليقات على مقالات متعددة في الفيسبوك ومنها النقاش الذي دار بين سيتشن ونوح من مصدرها الأصلي .. فكلمة آدي بقيت تسميه للإله عند المندائيين ( آدهي ربي ) وعند اليهود ( آدوناي ) وعند الماريين الذين أطلقوا عليه باللوغاريتية ( آدونيس ) وأخذ الإغريق منهم التسمية وهناك جبل مقدس هو جمهورية مستقلة في اليونان إسمه ( آدوس ) وانتقلت تسمية آدي للكثير من الحضارات حتى اليوم الطاوديون والبوذيون يطلقون على الإله إسم آدي وأعلى مرحلة في مراحل التأمل البوذية هي الوصول لبيت آدي ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*