العدو يرى في عدوه جميع الصفات الرديئة!! الحلقة الرابعة (4-4) : د. خليل جندي

ختاماً، أود تلخيص أبرز التوجهات والنقاط التي ينطلق منه بعض الايزيديين في حملاتهم الظالمة بحق الشيخ آدي بن مسافر أو (عدي/عادي كما يحلو لهم تسميته) وبحق خلفائه والسلالة الآدانية، مستندين في ذلك على اجتهادات شخصية، وأحاديث المجالس، وأحداث لا يُعرف رأسها من أساسها، ونظرة قومية وايديولوجية عفا عليه الزمن. علماً ان توضيحاتي ليست موجة إلى هواة وسائل التواصل الاجتماعي الذين يوزعون الشتائم هنا وهنالك، بل لناشري المقالات والكتب التي تمكنت من الحصول عليهم لأول مرة وانتهيت من قرأتهم بتاريخ 13/10/2020.
ان استهانة وتحامل بعض الأخوة الكتاب على رموز دينية ايزيدية، وخاصة رمز كبير بمقام الشيخ آدي بن مسافر “لم يفعل شيئاً بتاتاً بل جاء لاجئاً..” شأن يخصهم شخصياً ويرتبط بمدى إدراكهم وفهمهم. إلاّ أن الذي استوقفني في تلك الكتابات وقمت بنشر هذه الحلقات بشأنها، هو وصول أولئك حد لوي عنق الحقائق باسم “الحقيقة” الماثلة في خيالهم تحديداً!
المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، بل وأحياناً نتائج مدمرة!
لا أنكر وجود شذرات معقولة في تلك المنشورات يمكن التوقف عندها ومناقشتها، إلاّ أن جلّ الحديث الآخر يدخل في باب التشويه والتجني على الحقائق، وخلط الأفكار، واستعلاء على مناهج البحث، ونظرة انتقائية كيفية، وقفز على الكثير من الوقائع، وتفضيل طرف على آخر، وربط الايزيدية بدون جدال وبكل عناد بالزرادشتية (مع جل احترامي للديانة الزرادشتية العريقة ولأتباعها المحترمين)، وبالتالي فان البنيان الذي يحاولون تأسيسه تحت يافطة “الحقيقة” يظهر بائساً يقود المجتمع الايزيدي، شئنا أم أبينا، إلى التناحر والطائفية والمذهبية المقيتة، ويؤدي إلى الشقاق والمزيد من التفرقة وتفسخ نسيج المجتمع، ويساهم، من حيث يعي أولئك الكتاب أم لا، في فعل معاول الهدم لبنيان الدين الايزيدي الحالي!!. وهنا لا أرغب ولا أود الدخول في سجال عقيم، ولن أريد أن أكون طرفاً مساهماً في زرع الطائفية داخل المجتمع الايزيدي الذي ما زال يئن تحت آثار الإبادة التي حلّ بها آب/2014. ولن أكون طرفاً في قضية تافهة تفرق بين بني البشر، لا بل تفرق بين العائلة الواحدة. علماً ان ما تضمنها الحلقات الثلاث من آراء علمية، تكفي لتفنيد ادعاءاتهم. هنا أود تسجيل ملاحظات سريعة إضافة إلى ما ورد في متن الحلقات الثلاث الماضية:
* يخطئ من يدعي امتلاك الحقيقة، فالحقيقة نسبية وليست مطلقة وخاصة في العلوم الإنسانية من تاريخ واجتماع وفلسفة ودين وسياسة وغيرها، وهي ليست كالعلوم الرياضية 1+1=2.
* من الأخطاء العلمية الفادحة النظر إلى التاريخ كمادة جامدة لا حركة ولا حياة ولا تأثير وتأثر فيها. التاريخ كأي كائن حي لها ديناميكيته وجدليته تسير حسب القوانين الموضوعية وليس حسب رغبة هذا الكاتب أو ذاك.
* اصابة بعض الكتاب بعقدة وهوس حدث مرّ عليه أكثر من 850 عاماً اسمه (الشفبرات/أي ليلة القدر) لم يذكر في كتب التاريخ ولا المراجع وإنما وصل الينا خبره من خلال التناقل الشفاهي! يأتي هذا البعض ليضخم الحدث ويرفعه إلى مصاف (الاسطورة والملحمة) لا بداية ولا نهاية لها، ويصفها بـ(انتفاضة شفبرات/انتفاضة ليلة القدر!!) ويجعلها منطلقاً لنفث آرائه، وتسخير كل قدراته للحط من دور ومكانة السلالة الآدانية بقيادة الشيخ حسن بن الشيخ عدي الثاني والصاق التهم به، وفي المقابل اعلاء شأن سلالة أو سلالات أخرى هم في الأساس أولاد عمومة وأولاد أخوال وجميعهم من سلالة (بيت آديان- مالا ئاديان) يحملون نفس الجينات كما تمت الإشارة اليها علمياً في الحلقتين الثانية والثالثة. المحصلة النهائية لمثل تلك طروحات هو تهديم المعتقد الذي تربى عليه الايزيديون، وتشويه للفكر وتزييف للتاريخ، وزرع للشك، تكريس للطائفية ودعوة للتناحر بين (الآدانية، الشمسانية، القاتانية، البيرانية، والمريد)، وبالتالي خدش وانتهاك صارخ لمشاعر آلاف المؤمنين الايزيديين.
* أعيد ما ذكرته في الحلقة الثالثة بأن “خودى، الشمس، طاؤوس ملك” في الميث الايزيدي، ثلاثة أسماء/أو ثلاث مفاهيم لمسمى واحد لا علاقة له بشخص مادي اسمه (شيخ شمس) لمجرد تشابه الاسم، وأن جميع الشعوب الذين تم ذكرهم من سومريين وبابليين وآشوريين وميتانيين وايرانيين وهنود وفراعنة وسبأئيين وايزيديين وغيرهم، ممن عبدوا /أو قدسوا الشمس هم (شمسانيون) وليست محصورة بعائلة واحدة أو بشعب واحد كما يريد البعض ايهام الناس بها. تقديس الشمس عند الشعوب مرتبطة تاريخياً باكتشاف الزراعة وبحياة التحضر، عكس تقديس القمر المرتبطة بحياة البداوة والترحال وتربية المواشي.
* يفترض بالكاتب الرصين في حقل العلوم الإنسانية، أن يترك الأبواب مفتوحة في كتاباته، يطرح آرائه من دون فرضها، وان لا يكون ذو اتجاه واحد (einbahnstrasse) كما تقال في اللغة الألمانية، لا يعترف بالمصادر ولا بكتب الأجانب ويعد جميعها خاطئة ومحرفة، ويتخذ من “الهمسات الخافتة” و “الهفوات” و “اقتناص الكلمات من أفواه الشياب” زاداً ومصدراً غير قابلاً للنقاش لديه، يبني عليه (تاريخه) الذي يؤمن به هو فقط! نعم التراث الشعبي وبعض العادات وبعض الأحاديث المتناقلة مهمة يمكن الإشارة إليهم، لكن ذلك لا يعد حجةً، ولا دليلاً تاريخياً ولا يعتبر (التاريخ كله)!
* ان ربط الديانة الايزيدية عنوة وبدون نقاش بالزرادشتية، مع جل احترامنا لهذه الديانة العريقة، وكأنه تحصيل حاصل، يعد خطأً فادحاً. نحن لا ننكر وجود مشابهات كثيرة بين عبادات وطقوس الديانتين، إلاّ أن الايزيدية وبناءً على بعض المعتقدات والطقوس كالموقف من (قوة الخير والشر) و (دفن الموتى) و (الصوم وتقديم الأضاحي) مثلاً، تبدو أقدم من الزرادشتية. السؤال: إذا كانت الايزيدية هي امتداد للديانة الزرادشتية، فلماذا لم يحتفظ الايزيديون، ومنهم أولئك الكتاب أنفسهم، بنسخة من (زند آفيستا) كتاب الزرادشتية المقدس على أقل تقدير؟!
* هنالك بعض الكُتاب أما أنهم يستهينون بعقول القراء، أو أنهم أنفسهم لا يدركون معاني الكثير من الأسماء ويتعمدون بتفسيرها حسب أهوائهم، فمثلاً كلمة (مير) اللاحقة باسم أحد أولياء الايزيدية يفسرونها ويترجموها بصفة (مير/ الأمير) بمعنى صاحب ورئيس الإمارة، ليؤسسوا بعدها جميع اوهامهم عليها، علماً اللاحقة (مير) اللاحق بالاسم هو (أمير) اسم والد ذلك الولي حذف منه (أ) للتخفيف. إذا كانت الكلمة فعلاً هي (صفة) دالة على رئيس الإمارة، حينها تسبق الاسم، كون الصفة في اللغة الكردية تسبق الاسم، فيكتب (مير براهيم، مير سجادين، مير ايزدين، مير حسن ممان)، ثانياً إذا كان هنالك (أمير) و (امارة) في منطقة لالش قبل مجئ الشيخ آدي بن مسافر، يطلب من هؤلاء الكتاب تزويد القراء بمصدر تأريخي واحد فقط يذكر فيه اسم الإمارة وعاصمتها واسم أميرها، فهل يعقل أن توجد هنالك امارة لم يذكره التاريخ؟!
* خرافة الاتكال على مقولة (البير) أقدم من (الشيخ)، ان ذلك تبسيط للأمور، بل قصر نظر وضحك على العقول. (البير، الشيخ، القوال، الكوجك، المجيور،المريد، الفقرا..الخ) عند الايزيدية، و (الكاهن، الموبذ، البابا، البطريرك، القس، الحاخام، الإمام، الخليفة..الخ) عند الأديان الأخرى هي صفات ووظائف دينية ظهروا في مراحل تاريخية محددة وبلغات تلك الشعوب. المجموعات البشرية قبل ظهور الأفكار الدينية وبناء المعابد لم تكن تعرف هذه المصطلحات والمفاهيم، وقد ظهرت هذه الأسماء كصفات ووظائف مرتبطة بمرحلة تاريخية من تطور المفاهيم الدينية وكل مجموعة سمتها بلغتها. نذكر هنا على سبيل المثال على الحصر كلمة الله الواردة في اللغات القديمة والحديثة: (دينكر- سومري، نابو- بابلي، آداد/آدات-آشوري، آري- براهم، هندي- راما، أكدي-ايلو، فارسي- Soru – سخش و خودا، سنسكريتي-Deva، أغريقي-Zeus، لاتيني-Deus، ألماني-Gott، إنكليزي-God أو Lord، فرنسي-Dieu، كنعاني-آتون، عبري-يهوه، آرامي وعربي- الله، و خودى عندنا…) المثير للانتباه في جميع اللغات يتكون اسم الله من أربع حروف. السؤال هنا، هل يحق لنا القول ان (براهم) الهندي أقدم من (Zeus) الأغريقي أو (Gott) الألماني؟! وكذا الحال بالنسبة لمفهوم (البير) و (الشيخ) فأن الأصل واحد جينياً (مالا ئاديان=سلالة آديان). (راجع جدول الجينات في الحلقة الثانية.
* عندما يفقد الكاتب الايزيدي حياديته وتغلب عليه الأهواء والرؤية الأحادية والجمود العقلي، يفقد المصداقية ويصل به الحال إلى الاضطراب والتخبط وتشويه صورة الأحداث والشخصيات والتاريخ عموماً، فضلاً عن تشويه صورة الذين يحاول الدفاع عنهم واظهارهم بلباس آخر. يضع أحدهم الشيخ شمس الدين بن ايزدين أمير والشيخ شمس الدين تبريزي كشخصية واحدة، قائلاً: “إننا نسمي شيشمس التبريزي وهو عم شيخ مند الحلبي، هذه التسمية -توريزي وأحيانا تتري- تدل على انهم كانوا من سكنة تبريز على ما يبدو وان الشيخ شمس عاد الى الوطن غاضباً من الشيخ عدي أو ربما متفقداً أو ذهب اليها للتبشير بقدوم ئيزي لنشر الدعوة هناك أو كحاكم إقليمي فسمي بها.” (انتهى الاقتباس). ومن المعروف أن الصوفي الكبير (شمس الدين تبريزي) اسمه محمد بن داد، هو تتري/تركماني مولود عام 1185م في مدينة تبريز التي تقع شمال غرب إيران. ترك منزله منذ صغره وبدأ بالتنقل، فزار بغداد وحلب ودمشق وقونيه وغيرها، تتلمذ على يد ركن الدين السجستاني وعنه أخذ مذهب التصوف، وكان يدعي أنه يكلم الله والملائكة من خلال الروى التي تراوده، ويقال انه قتل في مدينة قونيه أو خوي على أيدي جماعة من المعارضين لأفكاره في عام 1248م بعد أن عاش ما يقارب 63 سنة. وكان جلال الدين الرومي واحد من أهم تلامذة شمس الدين. وكان شمس الدين تبريزي يدعو الى وحدة الأديان ويؤمن بوحدة الوجود. (موقع سطور، 19/11/2019). فهل هذا هو (شيشمسى تبريزى) الذي يتكلم عنه الكاتب؟!! الحكم متروك للقارئات والقراء الكرام.
يجب الإشارة أيضاً أن النصوص الدينية والموروث الايزيدي يحمل اسم (شمسى ئاديا= شمس الآداني)، فمن هي هذه الشخصية؟ هل هو الشيخ شمس بن ايزدين أمير، أم هنالك شخصية أخرى؟ إذا كان المقصود الشيخ شمس الدين بن ايزدين أمير، فلماذا يكنى بـ (الآداني) تارة والتبريزي تارة أخرى؟ أما يحق الغور في تاريخ أبعد ونقول المقصود به (شمشي/أو شامس أداد) أحد اللولوبيين ومن ملوك الآشوريين (1814-1782 ق.م.) تزوج ابنه امرأة (هورية-حورية). (راجع كتابي: الدين الايزيدي/ المعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات الدينية، الطبعة الثالثة، بيروت 2018، ص262. وكذلك: دكتور أحمد محمود خليل، تاريخ مملكة ميتاني الحورية، مصدر سابق، ص20-21).
* نعم هنالك شخصيات لعبت دوراً محترماً ومشرفاً سواء بين الأديان أو المجتمعات، إلاّ أن التضخيم والمغالاة وأطلاق ألقاب كبيرة في غير محلها لشخصيات وأشياء، هو ملاذ الضعفاء. كنا نتمنى احتواء التاريخ الايزيدي أسماء العشرات من الفلاسفة والعباقرة، لكن مع الأسف لم نسمع بوجود هؤلاء، ربما كان هناك حكماء وأدباء وشعراء ودهاة سياسة قياساً لزمانهم.
* من السذاجة النظر الى المعتقدات والأديان بمنظار قومي عنصري أو ايديولوجي، فالمعتقد والدين مرتبط بفكر الانسان الذي يؤمن بقوة ما وراء الطبيعة، أو بقوى غيبية، أو الإيمان بقوة موجودة في الحجر أو الشجر أو الحيوانات أو في الظواهر الطبيعية، مقابل بشر لا يؤمنون بكل ما قيل. فما دام العقل هو سلطان الانسان في علاقته مع العالم الخارجي، بهذا المعنى تصبح الأفكار الدينية أممية عابرة للحدود والقارات لا دخل لهذه القومية أو تلك بها.
* إذا ظل الايزيديون يعيشون في التاريخ الماضي ويتمسكون بمآسيه ويتركون الواقع، سوف يكون مصيرهم انتكاسة بعد أخرى، وهزيمة تلو الهزيمة، وبالتالي الاضمحلال. فبعض الكتبة وتحت عنوان “الحقيقة” ينبش في ترهات التاريخ ويساهم من حيث يدري أم لا، في هدم ما تبقى من بنية الديانة الايزيدية!
• وصم البعض الدين الايزيدي الحالي بـ (الدين الداسني) وكونه (دين شمساني إيراني زردشتي ص 65) وإصراره على ربط كلمة (داسن- الداسنية) بالايزيديين، هو جهل بتاريخ وحيثيات ظهور كلمة (داسن) نفسها كونها بمثابة شتيمة وإهانة أطلقها زرادشت أو كهنته على أتباع المعتقدات الدينية الموجودة قبل ظهور الزرادشتية والذين لم يؤمنوا بما جاء به زرادشت ولم يدخلوا ديانته بل ظلوا متمسكين بمعتقداتهم القديمة، فوصفهم بـ (دئيفه يه سنا) أي عبدة إله الشرّ. هل رأيتم ايزيدياً تسأله عن انتمائه الديني يقول (أنا داسني!!). لاحظوا حتى انه في لغتنا الدارجة تستخدم كلمة (ديوس Deiwis) من (ده ئيفا- داسن) للاحتقار والأهانة!
* لا يجوز ربط اللغات والدول الحديثة بما كان قبل آلاف السنين، وأن اللغة لا تصبح في الكثير من الأحيان دليل الانتماء القومي أو العرقي، ولو صحت هذه المقاربة، كان بالإمكان تسمية شعوب: بريطانيا، أمريكا، نيوزيلندا، الفلبين، استراليا كشعب واحد، لأن سكان جميع هذه الدول يتحدثون باللغة الإنكليزية. كما أن معظم سكان الدول العربية قديماً (شمال أفريقيا، مصر، السودان، تونس، ليبيا، المغرب والجزائر) و (بلاد الشام سوريا ولبنان وفلسطين) قبل ظهور الدين الإسلامي لم يكونوا عرباً، إلا أنه الآن يتكلمون اللغة العربية. وكذلك الحال بالنسبة للشعب الكردي فليس جميع الذين يتكلمون اللغة الكردية أكراداً، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ محمود الحفيد الذي قاد الثورة ضد الإنكليز عام 1919. تاريخياً، اللغة الهندأوربية انقسمت إلى فروع لغوية مختلفة قبل حوالي 6000 آلاف سنة قبل الميلاد.
كوتنكن في 3/11/2020

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*