شؤون وشجون ايزيدية : عزيز شمو الياس

 

١
لنبدا اولا بما اثاره الاستاذ القدير حاجي علو (الكاتب المختص بالتاريخ الايزيدي وفلسفة عقيدتهم) مؤخرا في مقاله القيم والثري (من عرب إلى سوريين ثم إلى اشوريين ومنهم إلى اين..؟ ) حول موضوع قديم (دائم التجدد ) مهم وشيق عن تسمية ابناء الديانة الايزيدية لاضم صوتي إلى صوته الصادق والأمين في إعلان الاحتجاج وشديد الاستنكار على أولئك الذين نصبوا انفسهم أولياءا وسادة على شؤون وشجون أبناء هذه الديانة (الئيزديين -كما يود الاستاذ حاجي تسمية أبناء ديانتنا به في كتاباته) بتسميتنا (الكورد الئيزديين…!؟ ) وهذه التسمية (حسب رأي الاستاذ حجي وانا اؤيده واوافقه الرأي) (طالما أثارت إحتجاجاً لدى الكثير من الايزيديين) حيث يضيف ” ولو أنها لا تستحق الإلتفاتة، فالئيزدي هو كوردي ولا يحتاج إلى تشخيصٍ إضافي لا يُفيد في المعنى شيئاً..).
هنا تبادر الى ذهني مجموعة من مواقف نقدية كنت أتعرض لها على الدوام ايام كان مكتبنا (مكتب شؤون الايزيدية) في أربيل العاصمة فعالة خلال سنوات (2007-2016) وكانت تقدم مختلف انواع الخدمات إلى أبناء ديانتنا بكافة توجهاتهم وانتماءاتهم، وكان ضمن انشطتها نشر جريدة نصف شهرية خلال أعوام (2008_2011)، صدرت (59 عددا) باللغتين الكوردية والعربية باسم (شارستانیەت _ المدنية) حيث كان يتولى المرحوم الاستاذ عيدو بابا شيخ مسؤولية صاحب الامتياز وكنت أدير تحريرها، الاعتراض كان سببه رفضي كتابة المصطلح الجديد (کوردێن ئێزدی) للتعبير عن هويتي وهوية أبناء ديانتي من الايزيديين كسياسة ثابتة ومبدئية خاصة بالجريدة وكنت أتعرض اثرها لمختلف انواع الانتقاد ولا ابالغ أذ اقول كانت الاتهامات توجه لي من قبل (البعض – کوردێن رەسەن – موضة ظهرت بعد ٢٠٠٣…!؟) باحد أشد المنادين في كون الايزيدية (ديانة وقومية في أن واحد) حالي حال مجموعة (ايزيديكي – الجاليات الايزيدية في الخارج) والاحزاب الايزيدية المنادية بهكذا شعارات في الداخل انذاك، (المنبوذين) بنظر القيادات الحزبية الكوردية المسؤولة على مناطق تواجد الايزيديين في الإقليم والمركز.
تمكنت أبطال مفعول سموم المغرضين وتغير اتجاه وجهة نظر المسؤولين الى الجريدة والقائمين عليها ١٨٠’ وذلك بأعادة نشر مذكرة أستنكار التي قدمتها مجموعة من كوادر الايزيديين في صفوف الاحزاب الكوردستانية المتنفذة أبان فترة المفاوضات التي جرت بين الحكومة العراقية وقيادة الجبهة الكوردستانية منتصف عام ١٩٩١، حيث نشرت المذكرة حينها عبر الوسائل الاعلامية المختلفة والقت ترحيبا وصدا واسع بين أبناء الديانة الايزيدية بعد أن وافقت الأخيرة على إجراء استفتاء بين أبناء الديانة الايزيدية كبند مهم ضمن مواضيع الخلاف عليها بين الجانبين في المفاوضات، لذا كان خيار الاستفتاء الحل الأنسب لتحديد أبناء الديانة الايزيدية مصيرهم بأنفسهم وبيان حقيقة جذور نسبهم القومي (كورديا كان ام عربي) لذا كان اختيار عملية الاستفتاء بحد ذاتها دلالة على الشك في الموضوع وعدم القناعة في الأمر بخصوص الحقائق التاريخية حول (الايزيدياتي) التي كانت ديانة قومية الاكراد قبل الدخول في ديانتهم الحالية (الإسلام) حسب وجهة نظر عامة الايزيديين ومنهم الموقعين على بيان الاستنكار والتي على أثرها (فعالية أثر مذكرة الاستنكار هذه على الشارع الكوردستاني عموما وعلى الموقف الايزيدي خصوصا) قال المغفور له مام جلال ” برا ئێزیدیەکان کوردی رەسەنن..”.
وتصريح السيد مسعود بارزانى المهم حينما قال ” یان مللەتەک نینە ب ناڤێ کورد یان رەسەنترین کورد ئێزدینە..”.

٢
في الثمانينات من القرن الماضي واثناء سنوات الدراسة في جامعة صلاح الدين-اربيل (١٩٨٣-١٩٨٨) وبحكم الإقبال على موضة الملابس الكوردية عند الشباب انذاك، تعرفت على معلم متقاعد كان يملك محل خياطة قرب بوابة القلعة من جهة الشرق، بعد زيارات ولقاءت متعددة تبين لي ان (الخياط) من اتباع عشيرة (شێخان بەگی) و أخبرته بطبيعة الحال انني ايزيدي الديانة فيما بعد، تعمقت علاقتنا اكثر واكثر وكنا ننقاش ونتبادل المعلومات عن التاريخ واللغة ونخوض في ادق التفاصيل عن عاداتنا وتقاليدنا (عادات وتقاليد الديانة الايزيدية واتباع ال- شێخان بەگ ) لنتعرف على أوجه التشابه وما طرا من تغيرات بعد مرور ما يقرب قرنين من الزمن على أخر حملة إبادة تعرضوا لها مما اجبرهم إلى ترك مباديء عقيدة ديانتهم والدخول في الدين الجديد ورغم ذلك التمسك بالكثير من إرث آلاباء والاجداد واعتزازهم بتراثهم والاحتفاظ بتاريخهم، اتذكر في احدى زيارتي لدكانه المتواضع، كان هناك مجموعة من رجال جالسين، في الحقيقة لم أكن أعلم أن كانوا من الزبائن ام أصدقاء وضيوف حضروا عنده، رحب بي بحرارة أكثر من المعتاد اولا ومن ثم عرفني على الحاضرين الذين كانوا جميعا من الأخوة (شيخان بك) حسب ما قاله، بعد برهة من الجلوس والترحيب رأيت (مامؤستا سعدي- المعلم المتقاعد الخياط صاحب المحل) يقترب من احد الجالسين الذي كان عجوزا قد تجاوز الثمانين من العمر على أقل تقدير حسب مظهره وملامحه، لقد رأيته يصيح ويصرخ في أذن العجوز (الظاهر العم كان يعاني من ضعف السمع وبقية الحواس) وكان يخبره ” هذا هو الشاب الايزيدي الذي كلمتك عنه مام سمايل ..”.
نظر العم في وجهي عبر نظارته الطبية السمكية وقام من مكانه متكئا على عكاز وحضنني إلى صدره بكل قوة واضعا وجهه على كتفي مرتجفا باكيا غير مسيطر على عكازته، ساعدته ليظل قادرا على الوقوف دون عناء متاملا المنظر بحزن والم شديدين (شعور لا إرادي)، ساعتها أدركت حجم المعاناة وقساوة سنوات ما بعد حملات الابادة على أبناء ديانتنا الايزيديين، لا شك كان الموقف امتحانا صعبا على الاقل بالنسبة لي لافهم عمق المعاني والدلالات واستيعاب مدى قدرة تحمل اصحاب الارادات الفولاذية من أجل الحفاظ على هوية الانتماء رغم الصعاب والهلاك، في لحظة ما أحسست انه بدأ يضع خياشم أنفه على عنقي اولا ومن ثم على صدري وهو يشد كتفي بيديه الكريمتين الضعيفتين الاثنتين، سمعته يقول ” ڕاست دەکات بە خوا ئێزدیە.. وا بۆنی ئێزدیاتی لێ دێ .. هم هم ” وكان يأخذ نفسا عميقا اكثر من مرة ..
حكى لي استاذ سعدي فيما بعد قصة العجوز المأساوية، قال:
” مام سمايل الذي رايته قبل فترة كان قد عاصر جده الذي وافاه الاجل قبل اندلاع الحرب الكونية الأولى بسنوات وكان سمع في أكثر من مناسبة ولأكثر من مرة وهو طفل صغير تفاصيل أحداث عمليات القتل والنهب والسبي (الابادة الجماعية) التي تعرضت لها المواطنين الايزيديين العزل في منطقة ( کەلەکا خدر ئاغا داسنی) واطرافها عام ١٨٣١م بسبب انتمائهم الديني ومعتقد الخاص وتأثر جدا حين سمع قصة شجاعة الوالد وتصديه البطل والثار من قتلة شقيقه بالقضاء على عدد غير قليل من مرتزقة (میرێ کۆرە) إلى أن انتهى به المطاف بوقوعه في الأسر وهو جريح ومن ثم عملية اعدامه بدم بارد أمام اعين اهله وجمع من القرويين المستسلمين (ألاسرى) وهو صبي لم يبلغ السابعة من العمر بعد.
طيب ذكراكم ..

2 تعليقان

  1. الافضل أن ننادي الأيزيدي بالايزيدي فقط لان لا يمكن فصل اسم الكردي من الدين الاسلامي إما عن تسمية الكورد الايزيديين هذا كان لها هدف سياسي وحتى نصبح من التوابع كما نتمنئ أن نأسس طريقنا بأنفسنا وأن لا نتبع يتبع؟

  2. عزيزي عزيز أتذكر في التعداد العام
    كنا في موصل وبالذات في مقر محلية
    نينوى عندما أتوا موظفين للتسجيل
    سألوني عن الديانة قلت ايزيدي قال
    أحدهم يعني عربي؟ قلت لا أنا كردي
    والدليل لغتي الأم كردية في تلك الظروف
    ومع هذا استنكر إطلاق تسمية الكرد الأيزيديين
    علينا واعتبرها إهانة وليس فخر.
    وإلا لماذا لا يسمون الأكراد الآخرين أيضآ
    الكرد المسلم والمسيحي وما إلى ذلك.
    إذا قالها في وقت ما ولضرورة انذاك
    المرحوم جلال الطالباني أو السيد
    مسعود البرزاني لا يعني ننعت به.
    أعلم وكما تعلم أنت نحن أكراد وليس
    غير ذلك ولعلمك كثير من لأُسمي
    من الكرد المسلمين يسموننا کوردێت
    ڕەسەن کإهانة لنا في مجالسهم.
    ويتقهقهون کوردێت ڕەسەن
    ونحن الوحيدين الذين حافظنا
    على كرديتنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*