الايزيدية محاولة للبحث عن الجذور : حمودي عبد محسن

 

يقدم لنا الباحث صباح كنجي في كتابه الجديد الموسوم بعنوان (الايزيدية محاولة للبحث عن الجذور) دراسة تاريخية قيمة تمتاز بجهد كبير ومواصلة جادة معتمدا في بحثه على نصوص قديمة تعود إلى الحضارة السومرية والبابلية إضافة إلى مصادر تاريخية قديمة وحديثة، وهذا ما يعطي لكتابه ميزة خاصة لمحاولة الاعتماد على الدليل المكتوب، والاعتماد على الذهنية التاريخية التي صاغت تلك النصوص أو تلك التي سجلت في الكتب، ويتركز كتاب صباح كنجي أيضا على ما تم اكتشافه من آثار في عودة أصل الايزيدية. هذا وإن الكتاب معزز بصور كثيرة كما لو أنه بها أراد الكاتب أن يؤكد على تلك البراهين التي تتناول أصل جذر مفردة الأيزيدية، وماذا تعني، وما هو جوهرها، ثم أردف كذلك نظريات وآراء مختلفة عن كلمة أيزيدي، وهذا أدخلنا في بحث شيق ممتع يمتاز بالتركيز والعناية بغية الوصول إلى حقيقة واحدة وهي أن الديانة الأيزيدية رافدينية قديمة تعود أصولها إلى سومر ـ بابل وأورد في كتابه معطيات ودلائل لا يمكن تفاديها على الاطلاق.
هذه أول مرة أقرأ بحثا يتناول الآثار من أجل تحديد الأصل الايزيدي مما يعطي شوقا مميزا لمواصلة قراءة الكتاب وفهمه واستنباط نتائج ما توصل إليه الباحث في كتابه هذا، فهذا الكتاب يفتح بابا جديدا لاسيما المؤرخ الآن يعتمد بالدرجة الأساسية على الآثار في فهم وتفسير الجذر، وليس المرويات المتوارثة أو الشفوية المتناقلة، فالباحث يشير في كتابه عن (معبد أيزيدا في بورسيبا ـ بابل)أي في الطرف الآخر من نهر الفرات المواجه إلى بابل حيث فيه تمثال أيزيدا الذي هو حسب المصادر التي اطلعت عليها أنه كان ابن مردوخ الإله الرئيسي في العبادة البابلية، إذ أثناء أعياد رأس السنة كان ينقل التمثال إلى بابل، بأهازيج وهلاهيل ثم يضع قرب تمثال والده مردوخ، وكان يستقبله نبوخذنصر عند الجسر المؤدي إلى باب عشتار، ويسمى الطريق طريق الموكب المقدس، وهنا نلاحظ أن الأيزيدية في مراسيمهم تسميها بالطوافة حين يطوفون بالسنجق في القرية وكذلك بين قرية وأخرى. هذا ويبقى تمثال أيزيدا فترة أيام أعياد رأس السنة قرب والده مردوخ، وأعياد رأس السنة يعدها بعض الباحثين بتسعة أيام، وآخرين يعدونها اثنا عشر يوما. وفي آخر يوم يرجع تمثال أيزيدا إلى مكانه أيضا باهازيج وهلاهيل ورقص. ما أريد أن أقوله أنه لحد الآن هناك أشياء كثيرة مشتركة بين العيد البابلي والعيد الأيزيدي في رأس السنة، لذلك ليس غريبا عندما تشير الأيزيدية أن نبوخذنصر هو أحد ملوكها القدامى.

هذا الكتاب هو بحث أكاديمي متميز، نلمس منه الجهد الكبير للباحث، وقد يكون أنه تناول الحقبة إلى بدايات ظهور الايزيدية، فهنا تكمن أهميته وجدواه، وسوف ننتظر بشغف إلى ظهور الجزء الثاني من الكتاب، ونطلع على التطورات التي حدثت على الديانة الأيزيدية وعلاقتها بالأديان القديمة خاصة وأن هناك حلقات مفقودة لدى القاريء عن الديانة الأيزيدية إلا وهي بداياته الأولى، وما تحمل من منظور فلسفي للكون والوجود والخلق، وماهية تلك المفاهيم الشفوية المحفوظة في الصدور لدى رجال الدين. نشد على يد الباحث صباح كنجي في مواصلة بحثه، وننتظر صدور نشر الجزء الثاني من الكتاب الذي سنكتشف فيه أشياء كثيرة مثلما استكشفناها في هذا الجزء، وله الموفقية والنجاح على هذا الجهد المتميز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*