الإثنين, مارس 4, 2024
Homeاخبار عامة"سامكو".. الحلّاق الذي سرق آلاف العراقيين في زمن القحط

“سامكو”.. الحلّاق الذي سرق آلاف العراقيين في زمن القحط

 

 

يصفه كل من عاصره بـ”الشاب الودود حسن المظهر”. وصل إلى القمة في فترة الحصار الدولي الذي فُرض عليه في تسعينيات القرن الماضي. أصبح رقماً صعباً لعالم المال في زمن القحط. تحول خلال عامين من حلاق بسيط إلى ملياردير يتسابق الناس على حفظ ثرواتهم في شركته الاستثمارية.

جنان سامي التي تسكن منطقة الزعفرانية، مسقط رأس “سامكو”، كانت شاهدة على الفترة التي عاشتها المنطقة وأسمتها بـ”الفترة الذهبية”. تقول لـ”ارفع صوتك” إن “منطقتنا كانت مكاناً منسياً، حتى ظهر سامي (سامكو)، لتتحول إلى قبلة لرؤوس الأموال”.

بدأت الحكاية بين عامي 1992 – 1993، وخلال عامين فقط تحول الحلاق الذي يسكن منطقة شعبية فقيرة جنوبي بغداد، إلى أحد أكبر المستثمرين في العراق، قبل أن تتكشف خيوط اللعبة ويقبض عليه، تاركاً خلفه آلاف العوائل التي سحقها العوز، بعد أن سلمته ضمانات كل ما تملك من أموال.

بداياته

بدأت حكايته من محل حلاقة بسيط بمنطقة الزعفرانية الشعبية، ومع اشتداد الأزمة المالية بسبب الحصار، ضاقت به سبل العيش، فحاول استدانة مبلغ من المال لبدء مشروع بسيط يقوم من خلاله بشراء مستلزمات الحلاقة من سوق الجملة، ليبيعها بسعر التجزئة إلى محال الحلاقة في منطقته.

حينها، كان الوضع الاقتصادي للعراقيين في تدهور مستمر، بسبب ظروف الحصار الاقتصادي، لم يجد من يقرضه المال رغم تواضع المبلغ الذي كان بحاجته، ليعرض على صديق له بفائدة تصل إلى نصف المبلغ المقترض شهريا. وافق صديقه وبدأ العمل.

عند نهاية الشهر، لم يمتلك “سامكو” المبلغ كاملاً، فاضطر إلى مفاتحة صديق آخر للاقتراض منه، وبذات سعر الفائدة الشهري المغري. استلم المبلغ من المُقتَرِض الثاني ليمنحه إلى الأول. فرح الرجل بالفائدة وقرر تدوير المبلغ.

مع الوضع الاقتصادي المتردي وشح الأعمال، بدأ الصديقان بجمع المزيد من المال، وشيئا فشيئا ذاع صيت الرجل. تلك الفترة كانت “قاسية على العراقيين”، كما يقول محسد اللامي الذي كان يسكن منطقة الزعفرانية بالقرب من منزل سامي.

عاصر اللامي قصة صعود جاره ويقول لـ”ارفع صوتك” إن “المجتمع بدأ بالانهيار بسبب الحصار، وكان تشغيل المال مقابل فائدة عالية يمثل المنقذ من ذلك الوضع. آلاف العوائل باعت ممتلكاتها وسلمتها له مقابل ربح شهري مضمون، لا يمكن الحصول عليه من أي عمل في تلك الفترة الحرجة”.

في عام 1993، ذاع صيت منطقة الزعفرانية التي لم تكن موجودة على خارطة المناطق المهمة في بغداد. هناك من أسماها بـ”الكويت الصغيرة” نتيجة الرفاهية التي عاشتها بسبب “سامكو”، وكانت مقصداً للباحثين عن زيادة أموالهم من كل المحافظات العراقية.

تحول الرجل خلال فترة قصيرة إلى حديث المجتمع. كان يقوم بأعمال خيرية كثيرة، ولا يرد صاحب حاجة، وحين كانت منطقة الزعفرانية تفيض بمياه الأمطار خلال فصل الشتاء، كان سامكو يستقدم سيارات مخصصة لسحب المياه، وفقاً للشهادات.

تورط مسؤولين

توسع عمل سامي (سامكو) وخرج عن نطاق منطقة الزعفرانية إلى جميع محافظات العراق، وأصبح له 161 وكيلا يجمعون له المال، ووصل الأمر إلى أن يكون للوكلاء وكلاء يحصلون على نسب مالية معينة تستقطع من نسبة المودعين.

تورط في القضية المجتمع العراقي بأكمله، ربات بيوت وموظفين وتجار صغار وكبار، ورجال دين ورفاق منتمين لحزب البعث من كافة الدرجات الحزبية. عسكريون أيضاً تورطوا بالعمل معه. كان لتورط المتنفذين بالعمل معه، سبباً دفع العراقيين للثقة به، فخلق احساساً لدى الناس بأنه لا يعمل بمفرده، وأن لا غبار عليه.

لم يسلم من عملية الاحتيال تلك غير الرافضين للمبدأ “الربوي” الذي كانت تتسم به التعاملات المالية مع “سامكو” المخالف للشريعة الإسلامية.

في تلك الفترة كان أكرم عبد الرزاق المشهداني، يشغل منصب مدير شرطة بغداد الرصافة، ويقول لـ”ارفع صوتك”: “كنت أسمع حينها عن قصته من الناس، وفي يوم ما فوجئت بزيارة منه إلى مكتبي ويرافقه أحد الضباط. كان الغرض من الزيارة اقناعي للاشتراك في أحد مشاريعه”.

“سألته عن مجال عمله الذي يوفر مثل هذه الأرباح الهائلة، وكانت إجابته أنه كان يتاجر بالإطارات. أطلعني على بعض سجلات العمل لديه، وكانت فيها أسماء شخصيات معروفة” يقول المشهداني، الذي لم يقتنع بما قاله ضيفه.

ويضيف: “اعتذرت لأنني غير مقتنع بأن تجارة الإطارات يمكن أن تحقق مثل تلك الأرباح، خاصة وأن استيرادها توقف بسبب الحصار، وما كان في السوق المحلية بقايا المخزّن.

بعد أسابيع من هذا اللقاء، قبض الأمن الاقتصادي على “سامكو” وتشكلت لجنة خاصة للنظر في قضايا المتضررين وتعويضهم بقسمة الغرماء، وأشيع أن أموال المسجلين لديه تجاوزت الـ 10 مليارات دينار عراقي، لكن وفقاً للمشهداني “عوِض بعض المتضررين جزئياً”.

القبض على “سامكو”

لفت نشاط سامي (سامكو) أنظار السلطات بعد حادث سيارة أدى إلى وفاة أحد مساعديه. عثرت الشرطة في السيارة على أكياس كبيرة من المال. بعد التحري عن الشخص المتوفي تبين أنه مصري الجنسية، ويعمل مع سامي.

وحين أطلق سراح “سامكو” شهدت الزعفرانية احتفالات كبيرة أطلقت خلالها العيارات النارية ابتهاجا. جذبت الاحتفالات المزيد من الأنظار وفتح تحقيق لمعرفة أسبابها، لتحال القضية إلى الأمن الاقتصادي الذي أمر بالقبض عليه بتهمة الاحتيال.

بعد عدة أيام ظهر على شاشات التلفزيون وتحدث عن طرقه في النصب والاحتيال من خلال تدوير الأموال. صعق المجتمع العراقي بأكمله، وتأثرت آلاف العوائل. طاردت رؤوس الأموال الوكلاء الأساسيين والثانويين، وهرب الكثير منهم، واختفوا عن الأنظار، لكن بعضهم قبض عليه وحكم بالسجن.

يقول مالك وسام لـ”ارفع صوتك” إن “قريباً له كان وكيلا يجمع المال لحساب سامكو. بدأ عمله بجمع رأس المال من العائلة والأقارب، وجمع 15 مليون دينار عراقي ووضعها للاستثمار، وما أن انتشر خبر القبض على سامي، حتى سارع في الهرب واختبئ في محافظة أخرى، وعاد بعد ثلاثة أشهر عندما أغلقت القضية، وحكم على عليه وستة من وكلائه بالسجن”.

يتذكر وسام أنه “في إحدى المرات ذهب مع قريبه ودخل إلى أحد بيوت سامكو الكثيرة، وكان في منطقة المسبح ببغداد الجديدة. كان المال مكدسا في الغرف، وبعض الغرف كانت فعليا مملوءة بالمال من الأرضية إلى السقف بالكامل”.

تقول أم هبة التي كانت تسكن مقابل بيت أحد وكلاء “سامكو” في الزعفرانية لـ”ارفع صوتك” إن “الأموال كانت تأتي بسيارة نقل إلى بيت الوكيل، وما أن أعلن القبض، اختفى دون أثر، وتتذكر أن الدائنين كانوا يأتون ويطلقون النار على البيت الذي بقي فارغا لفترة طويلة”.

وتقول عفاف سامي لـ”ارفع صوتك” إن “ما خسرته عائلتي لا يعوضه أي مال. تعرض والدي إلى أزمة قلبية وتوفي بعد معرفته أنه خسر كل ما يملك بعد ثقته بموضوع الاستثمار مع شركة سامكو”.

من ملياردير إلى شحاذ

خرج “سامكو” من السجن بقرار السلطات العراقية لتبييض السجون عام 2002، أي قبل أشهر من سقوط نظام صدام حسين.

نص قرار مجلس قيادة الثورة على أن “عفوا كاملا وشاملا ونهائيا عن كل مواطن محكوم أو موقوف لأسباب سياسية أو أية أسباب أخرى”. وشمل العفو أيضاً “المحكوم عليهم بالإعدام أو من تؤدي القضايا المطلوبين بسببها إلى أحكام بالإعدام، سواء كانوا داخل العراق أو خارجه”.

قضى “سامكو” ثمان سنوات خلف القضبان، وخرج بعدها مريضاً فاقداً جزءاً من حاسة السمع، كما ضعف بصره.

لم يحصل على فرصة عمل،  فوضع ميزاناً لقياس وزن الأشخاص قرب جسر الجمهورية في بغداد، وشوهد وهو يحمل ميزانه على الجسر، ويطلب من المارة مساعدته عبر معرفة أوزانهم مقابل 500 دينار عراقي (30 سنتاً أميركياً).

عندما تعرف الناس عليه، بدأوا يزورونه لالتقاط الصور معه، قبل أن يفارق الحياة عام 2019، لتنتهي قصته.

ميادة داود

RELATED ARTICLES

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular