من ذاكرة امراة اسمها حياة ٥،٤،٣،٢،١ : صلاح حسن رڤو

1
جميعُ من في السجنِ اكثر مني شجاعة، هذا ما انا متيقنٌ منه ،اذ اقضي معظم يومي خاملة سارحة افكرُ بما سيقطعه مني منجل الايام القادمة، مئات الافكار السوداوية والعشرات من النهايات المأساوية تضربُ كالمهمازٍ في راسي، وكانت اخر هذه الوقائع نهاية طفلتي ” هيمان”، اذ رفضت صغيرتي هذا الظلم وهذه المعاملة وعدم الانصاف بين هذه الجدران الطويلة الباردة ، هيمان اعلنت العصيان بطريقتها وقررت الرحيل الى ” مزار شيخ مند” حيث يلعبُ هناك كل الاطفال الذين يفطرون قلوب امهاتهن، لم تمضي هيمان اكثر من ثلاثة اشهر معنا في السجن لتغادرني و تغادر اخوتها دون وداعٍ تعرفه او حنينٍ تشعره، اخذتها مني ” نجاة” اختي وحاملة همومي، و التي تصغرني بسنوات وقد جاءت لزيارتي صبيحة هذا اليوم بعدما ان سمحَت لي ادارة السجن بألاتصال بأهلي لهذه الحالة الطارئة، وكان الطارىُ هو وفاة هيمان، اخذتها نجاة كأنها تأخذ روحي معها وحسدتها لـلحظات لكونها ستقابل والديا قبلي وتطوف في بيت طفولتي لساعات قبل ان تدفن في مزار شيخ مند حيث ينتظرها كل اقاربها الاولين .هناك عند شيخ مند الذي كان حاكم حلب في ذات تاريخ غير مقروء كما تقول الاسطورة سيحتضنها كما احتضن وساند الشيخ حسن جدنا الاول ودافع عن فكرته ومبدئه الى الممات.
ستنام هيمان الليلة خارج حضني وخارج اسوار السجن الذي اعتقلتُ فيه. كانت اصغر المُعتقلات سناً…نعم فهي معتقلة كما قالها المفوض ” مشعل” وهو يلقي القبض علينا في الايام الاولى للسنة الجديدة 1981 عندما جاءت دورية الجيش من اجل ان يأخذوا عوائل المنتمين للاحزاب والحركات المناهضة لحزب البعث الحاكم.طوقوا بيت والدي الذي اعيشُ فيه مع اطفالي بعد التحاق والدهم بصفوف الانصار ورفضه الانتماء لحزب البعث وتركه لوظيفة التدريس بعد ملاحقاتٍ عدة، طلبتُ منهم ان اترك هيمان الصغيرة في المنزل مع اخواتي، الا ان الاوامر كانت واضحة وصارمة كما يقول احدهم: الطفلة هيمان معتقلة كحال امها واخواتها البقية.
سقنا في الحوض الخلفي للسيارات العسكرية الى مخفر شرطة الشيخان لتأكيد هويتنا. برفتي مجموعة مشابهة من الخائفين والمروعبين لما ستؤل اليه اقدارنا، والمتهمين بنفس الاسباب التي حجزنا من اجلها الا وهي انضمام اقاربنا من الدرجة الاولى للحزب الشيوعي، رايت من معي في المخفر وهم شيرين وابنتها الشابة هدية والعم كريت وزوجته شميه والعم جيجو بير مراد وعدلان زوجة ابنه جاويش، كذلك كانت معنا زوجة نمرود وامه المسيحيتان الساكنتان في الشيخان .
لم يمر وقتٌ طويل حتى غادرنا بنفس السيارات الى مدينة الموصل وهناك قاموا بفصل النساء عن الرجال فظننت مع نفسي انها لحظاتنا الاخيرة في هذه الحياة وسيقومون على الفور بقتلنا رمياً بالرصاص كما كان يشاع حينذاك عن طرق قتل الخارجين عن قانون الذي يرسمه حزب البعث لهذه البلاد، احتضنت اطفالي لوهلة وتجمد الدم في عروقنا وناجيتُ كل الاولياء والصالحين مع نفسي لحظتها الى ان تحرك بعض العساكر واقتادوا الرجال لسجونٍ خاصة وانطلقوا بالسيارات سريعاُ، وبقينا نحن لندخل الى ” موقف تسفيرات الموصل” حيث بيتي الجديد .
2
ما ان ترجلنا من سيارات ” الجيب” العسكرية حتى ادخلونا الى مركز تسفيرات الموصل في منطقة الفيصلية، بناية تتكون من ممر طويل تتوزع على طرفيه ثلاث غرف صغيرة للمسؤولين عن السجن وينتهي بقاعة كبيرة يفترشُ داخلها قرابة خمسينا نفرٍ من نساءٍ واطفال بأحلامهن ووجعهن وهواجسهن المخيفة والمجهولة الهوية كمستقبلهم ،حال اقترابنا من باب الزنزانة الموحش والذي اخذ مع مرور الزمن هيئة شرطيٍ ذو كرشٍ كبير لا يقوى على اداء مهامه بشكله السليم، لكنه يحمل ذات الاسم والصفة والتكوين، بابٌ حديدٌ ذو لونٍ باهت غير محدد، مقصوصٌ اسفله دون عناية تظهره كشخصٍ ببنطالٍ قصير متسخ ،بابٌ يعيق الرؤية للسجينات ويمنع اية فسحةٍ للضوء والحرية ولا يُقيهم في الوقت ذاته من برد الشتاء وقيظ الصيف. فَتح ذلك الباب الضاحك لبؤسنا وطلب الشرطي ان ندخل نحن المنهكين بعدما ان أمر احدى السجينات بأن تقوم بتفتيشنا كأجراء بائس لنساءٍ جلبنا عنوة وبشكل مفاجئ من بيوتنا التي كنا نظن انها امنة!، تقدمت امراة اقصر مني قليلاً لتفتشنا ، امراة في منتصف عقدها الثالث بملامح مألوفة وعيونٍ شاردة، فتشت بشكلٍ روتيني كأنها بانتظار ان يغلق الباب علينا ولا يُفتح، اعطت المراة اشارة للشرطي حال انتهاءها من اخر شخصٍ تفتشه : “ماكو وياهم شي” .
ما ان اُدارَ الباب بصريره المزعج ظهره لنا حتى قامت (شيرين) و(عدلي) بحضنٍ تلك المراة التي فتشتنا، والدموع تنسال من عيون الجميع: “الحمدلله انك على قيد الحياة…الجميع يظن انك قد قتلتِ ورميت جثتك بعد التعذيب”، لم افهم ما يحدث ولم اعرف تلك السيدة رغم ملبسها الايزيدي الظاهر، نظرات التسائل والدهشة التي على وجهي جعلت (عدلي) تلتفت لي وتزيل الشك من عيوني بالقول : انها (عمشة الياس) زوجة الشيوعي المعروف علي خليل .
روجَ الاهالي قبل اشهر بعدما ان القي القبض على عمشة وحماتها بهار بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي ،بأن رجال الامن قد عذبوهن وقتلوهن ورُميت جثتهن في مكان مجهول، الاشاعات التي كانت تتتفشى نتيجة الخوف من حزب البعث ودمويته لم تكن تُـكذبها الحكومة وفرق الحزب المتواجدة في كل الاقضية والنواحي ليبقى هاجس الخوف منهم مزروعاً فينا.
كانت عمشة وحماتها بهار من اوائل الايزيديات التي دخلن السجن بسبب انتماءاتهن السياسية ، العوائل التي تُجلب هنا من قبل دوائر الامن لم يكن يسمح لهن بمواجهة ذويهن بشكل دوري عكسنا نحن اللواتي القيٍ القبض علينا بواسطة الشرطة. استطعنا بعد اول مواجهة مع الاهل بأبلاغهم بان عمشة وبهار احياء مما حاول الكثيريين من الخيرين والاقارب بعدها بالتوسط لعمل مواجهة عائلية لهن ومساعدتهن بأية طريقة، الا ان اغلب تلك المحاولات كتبَ عليها الفشل. تأتي مواجهات خاصة لعمشة تحديداً تخبرنا هي بعد العودة وهي منهكة من شدة التفكير واليأس بأن الامن يجندون شخصاً يدعى خدر عزام وهو شيوعي سابق ترك التنظيم والتحق بالبعثيين ويتحدث لها في محاولة اقناعها للعمل لحسابهم مقابلة امكانية اطلاق سراحها اذا ما تركت الحزب،وكان جوابها بالنفي والرفض القاطع مما ادى الى استحالة خروجها او النظر و البت في قضيتها في القريب العاجل.
3
دخلت علينا كأنها اميرةٌ جاءت من بلادٍ بعيدة تتبعها وصيفةٌ اقلُ حسن وهيبة، تحمل الاخيرة ” بطانيتين” جديدتين_ وهذا بحد ذاته امرٌ غريبٌ في هذه الاجواء.قامت الوصيفة او الخادمة بمعنى ادق بفرش مكان سيدتها وكأنها في قصر وليس سجنٍ يقبعُ فيه نساء ينتظرن شطب اسماءهن من قوائم الشك او الحياة، امراةٌ بعيونٍ عسلية وجسمٍ ممتلئ وكبرياءٍ جم وملابسَ انيقة، تظهرُ كأي ملاك يسطع نوره على اجسادٍ نحيلة ويعكسُ اشعاعه على ملابسنا السوداء المعتمة، عيون النساء الباكية معظم الوقت والحائرة في هذا المجهول ترنو نحو هذا الكائن، جلست هذه المراة في نقطةٍ توسطناها دون ارادة، فتحت الحوار دون مقدمات وسألت السؤال بعد السؤال وجميعنا خاضعين لمشيئتها وسحر جمالها ورونقها، رغم اننا نجاوب في العادة لأي غريبٍ يأتينا على اي اسئلة ظنا منا بأن الكلام قد يـُسرع بفعل معجزة من خروجنا من هذا الجحيم، الا اننا كنا نتسامر ونرد بكل ود لكلام هذه السيدة المجهولة.
لم تنم معنا هذه المراة سوى ليلة واحدة ثم غادرت وكل ما خمناه او ادرك خيالنا حينذاك انها قد تكون احدى العاشقات السريات لرجال السلطة او احدى نساهن، دخلت بخلاف او شجارٍ ما، وخرجت بسلامٍ تام، معززة، مكرمة بعد التوسط لها، الا انها عرفت في تلك الليلة الوحيدة حكايات معظمنا، وعلمت ايضا من المحتجزات من منهن ليست لها مواجهة، او خبر ما من اهلها، لعدم معرفتهم بوجودهن هنا اصلاً، وشملَ هذا الحديث العائلة البصرية وعائلة الحجية النجفية والدكتورة فرح القادمة من بغداد. وزعت هذه الجميلة على كل عائلة من تلك العوائل مبلغ 25 ديناراً لتدبر امورهن، وكان مبلغاً ضخماً في سنة 1981، وتركت بطانيتها الجديدة للدكتورة فرح بعد تاثرها الواضح بقصتها مقارنة بالاخرين، اذ ان الدكتورة_ لا نعرف ان كانت طبيبة ام ان اللقب رادفها منذ وصولها_ مازالت لا تملك فراشاً تنام عليه، اذ انها تستلقي بين هدية وامها شيرين الايزيديتان من قضاء الشيخان وتتدفئ بأغطيتهن واجسادهن، ليس لهذه المراة ولأغلبنا سلوى سوى هذه الشابة هدية التي تهتم بنا وبمعظم الاطفال ، قصة شيرين وابنتها هدية بأختصار هو ان ابن العائلة الوحيد” مسطو” المنضوي تحت لواء الشيوعيين وهارب من الخدمة العسكرية ومعادي لفكرة البعث، فما كان من الحكومة الا ان تلقي القبض على امه واخته جزاءا لافعاله كما تفعلها الحكومة مع اغلب الموجودين هنا في هذه الزنزانة.
دخلت الدكتورة السجن بدشداشة منزلية ترهلت وتمزق قماشها مع الوقت والاستعمال، وهي الان حامل بأشهرها الاولى كما يتضح من انتفاخ بطنها في هذه الايام. تقضي معظم وقتها بالصلاة والدموع وتصوم عن الاكل اغلب الايام ، اذ تترك حصتها من اكل الظهيرة المتواضع لتفطر به بعد الغروب لتعود الى الصلاة من جديد على دعواتٍ تخرجها من محنتها وتعرف ولو الشيء النزير عن طفلها الصغير” حمودي” الذي تركته ورائها حين اقتادوها للسجن وحال زوجها المجهول المصير_ تقول انه طبيب اسنان_ . هذه العائلة الصغيرة متهمة بأنتمائها لحزب الدعوة الاسلامي المضاد لحكومة البعث.
سـُفرت الدكتورة بعد هذه الحادثة بأشهر الى سجن ابو غريب…ذلك السجن المخيف الاسم، وانقطعت اخبارها كحال كل من يغادر من هنا، اذ لا نعرف ان كنا نحن مقطوعي الاخبار ام ان العالم كله قد تركونا نموت هنا!
4
لم اكن اعلم بأن أشخاصاً لم اتحدث معهم او اراهم سيكونونَ جزءاً من احلامي المزعجة او كوابيسي القادمة التي لن تفارقني ابداً، اشخاصٌ يمكن قد لمحتهم لثواني او للحظاتٍ في السجن، يدقُ صراخهم و شكواهم وأنينهم كالنواقيسِ مضجعي معظم الليالي الطويلة. مازالت صرخات ( اسيا ) القادمة من منطقة (حمام العليل) ترنُ صداها في اذني دون رحمة : “خرب دينك صدااام….خرااا بالبعث”. ما ان نسمع صوت ضجيج في الممر المؤدي لقاعتنا وصراخ الشرطة المتحضرة هرواتها للضرب، تبدأ اسيا كالعادة الهجوم قبل ان نسمع ضجيج العصي والخيزران و” الصوندات”…خرب دينك صدام، وينهال الرجال بالضرب المبرح دون انقطاع مع نعوت وكلماتٍ بذيئة للحراس لحين يتحول الصراخ الى أنين موجع ومكسور غير مسموع، ونسمع جرجرة جسدٍ هزيلٍ مغادراً الحلبة في نزالٍ غير متكافئ ويفتح باب السجن ليرمى ذلك الجسد بيننا. لم تبقى اسيا سوى ايامٍ معدودة، وغادرتنا الى المجهول وصدى كلمات الحراس يدوي ارجاء المـمر: ” بنت القحبة …ماتتوب”.
امراة اخرى لم نستطع او لم يُسمح لنا ان نتعرف على اسمها، فمن المحرمات علينا التحدث معها، محجوزة بغرفة خاصة، لم تنم او تأكل او تستريح في قاعتنا، اظنُ انها تُعذب وتُضرب بصمتٍ لعدم سماعنا ادنى صراخ او استجاد منها، تدُخل الينا لقضاء حاجتها ويوصي الحرس المرافق احدانا بأن نجلبها من المرافق الصحية ونسلمهم اياها دون الحديث معها حال انتهاءها من حاجتها، هي في الاساس لا تقوى على الحديث وتترنح في المشي، فكل بقعة من جسدها مضرجٌ بذكرى ملحمة دموية وعليها اثارُ تعذيب، فكٌ متورم، شعرٌ منكوش، ملابسٌ متسخة وممزقة، سيقانُ عليها عشرات الندوب و الفُ رجاءٌ وتوسل، عندما اخذتها “الحجية ” الى التواليت في رحلتها الاخيرة لنا قالت انها تتبول دماً وتواجه صعوبة كبيرة في قضاء حاجتها. المعروف لدى الجميع عند دخول هذه السجينة الى القاعة ، يصرخ الاطفال ويتجمعون في زاوية بعيدة خوفاُ من منظرها المزري والمخيف نتيجة التعذيب الشديد. اجلسنا المسكينة لأقل من دقيقة بيننا لحين مجيء السجان لأخذها ،رفعت يدها ببطء حول شعرها وانزلته دلالة على امكانية ان نعدل شعرها او نعطيها مشط ، حركة بسيطة جداً لكنها غرزت في قلوبنا خناجر من الوجع الابدي الذي سيرافقنا ويرافق كوابيسنا نحن النساء ما حيينا، لم نستطع ان نلبي طلبها البسيط او نمدُ يدينا لها خوفاً، فها هو الشرطي يصرخ ويطلب بتسليمها دون ادنى حديث معها كما هو متفق، وقد كانت تلك المرة الاخيرة التي راينا فيها تلك المراة التي كانت تجسد كل حطامنا، وكل احلامنا ،وكل تمرد ابناء البلد على هذه الزمرة الطاغية.
5
خفٌ ضائع يطيرُ في اروقة الظلام المحمل بذراتٍ هواءٍ رطبة لتلك القاعة الطويلة، الخف المقطوع يرتطمُ بوجه ذلك الطفل البصراوي الناعس ليث،اخته امل تشتكي كالعادة بحسرة من الرامي المعروف:” الله يخليك”…ارحمنا من رميات احذيتك غير المتقنة في هذا السجن الموحش والتي تزيد هموماً على همومنا المتراكمة. يقـهقـهُ جردو في سره وهو يبحث عن اية ردة فعلٍ لكي يركض او يهرب او يتعارك مع ايٍ كان، اي شيء يغيرُ من هذا النظام الرتيب، وهذا السكون المميت لنسوةٍ كسولات، مريضات، ينمنَ طول النهار، او يبدئن بالأنين والنواح بصوتٍ مبحوح.
قصة عائلة الفتاة امل واخواتها الصغار ليث وثائر وامها وجدتها ليست فيها اية غرابة كقصصنا تماماً، فوالدها متهمٌ بأنتمائه لحزب الدعوة الاسلامي، وهاربٌ الى ايران ولأجله يسخر الحراس بين الحين والاخر من جدتهم العجوز بقولهم:” الايرانيين كم تومان ينطون لأبنج؟!”.
هذه العائلة ترافقها الشابة رجاء واخيها الصغير النحيف الممزق الثياب، الصدفة السيئة جعلت منهما في ضيافة بيت خالهم ابو امل ليحتجزهما الامن مع تلك العائلة، ورغم زعم رجال الحكومة بأن خروجهم من السجن مسألة وقت، الا انهم اذاقوا مر العذاب والانتهاك والانتظار في مديرية الامن لأربعة اشهر متتالية لحين مجيئهم اخيراً لهذا السجن.
لم تمر سوى دقائق معدودة من نداءٍ امل او شكواها واذا بجردو يرمي نعاله الثاني لا على التعيين من اجل عركةٍ جديدة او فوضى محتملة، تشتكي النساء من جديد لدى سيفي والدة جردو لافعالِ ابنها الشنيعة و المتكررة، تنهض سيفي من قيلولتها الطويلة لتعنف ابنها وتخبره بعيونٍ مازحة وبلغة كوردية لا يتقنها الا نحن: ما دمت لم تؤذي بحذاءك او افعالك اولاد الشيخة _تقصدني_فلا مشاكل كبيرة بيننا ولا عقوبة تنتظرك سوى صراخي المفتعل ، لكن اعلم ان اغضبتها فقد اغضبتَ جميع اوليائنا واسلافنا الصالحين، غضبها سيُطيل فترة بقائنا هنا وسيعقد كل حلول السماء لحريتنا يابني. في خضمٍ اندهاش وتجاوبِ جردو مع حديث والدته اضحك انا بسخرية في سري كثيراً من كلامِ سيفي الطيبة وايمانها الراسخ، رغم علمها المسبق بعدم قدرتي على مساعدة نفسي على النهوض والاعتناء بأطفالي من شدة الانهيار والبؤس، الا انها ما زالت مؤمنة بأقدارنا التي كتبها لنا اسلافنا منذ نشأة الخليقة. اطفالي المساكين التي تقوم العمة شيرين وابنتها هدية النشطة الرقيقة كالنسمة بالاعتناء بهم واللعب معهم معظم الوقت. تغسل العمة ابني الوحيد وتجفف جسده وتلبسه وتقبله وتشم تحت عنقه وتسأله السؤال المعتاد: ماهذه الراحة الزكية التي تنبعث منك، انها تشبه رائحة شخصٍ اعرفه. ياترى رائحة من… رائحة من، لا اتذكر؟ّ!.يرد اورديخان بكل ما للاطفال من عفوية: انها مثل رائحة ابنك مسطو!، فتقبله العمة شيرين مع دموع دافئة تسبح بحيرة على وجنتيها، نعم انها رائحة مسطو.
بعد هذه الاحداث بأقل من سنة كان مسطو احد الانصار الشيوعيين والابن الوحيد للعمة شيرين قد وقع في كمين بالقرب من قرية دوغات التابعة لقضاء القوش ليردوه قتيلاً. لم تسمح الحكومة ان تقام له دار عزاء. جُلبَ جثته بعد وفاته بأشهر و دفنَ ابن شيرين بصمت وسرية. ذلك الشخص الذي رائحة جسده تشبه رائحة الاطفال الابرياء.

تعليق واحد

  1. رائع ان تنشر ما بدأت بكتابته من فترة طويلة باسلوب يقترب من الرواية ليكشف لنا صفحات مغيبة من التاريخ المر من خلال ما تعرضت له ام اوردخان في الاعتقال ومشاهداتها للأحياء ـ الاموات في اقبية تلك المعتقلات .. ستكون شهادة مؤثرة وتوثيق مهم لتاريخ انساني يحمل في طياته الكثير من الظلم والكثير من الآلام .. آلام بشر وعذابات نسوة وأطفال ليس لهن ذنب اقتيدوا لتلك السجون والمعتقلات ومورست عليهن الضغوطات للعمل مع اجهزة القمع كما يتضح من النص المنشور .. وبقين صابرات يتجرعن المحنة لأشهر وسنوات وبعضهن زهقت ارواحهن بلا سبب او اي ذنب .. اتمنى ان تكون هذه الحلقة مقدمة لحلقات رواية قادمة ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*