لماذا تلاحق إيران طيارين المقاتلات العراقية إبان حرب الـثمان سنوات وتقتلهم؟ : محمد مندلاوي

بادئ ذي بدء، أقوله بكل صراحة ووضوح، أنا إنسان يساري قومي، لست يسارياً أمميا؟ وعلماني، لكني لست ملحدا. وفيما يخص اضطهاد الشعب الكوردي الجريح من قبل إيران الأعجمية، التي لا تختلف عندي عن تركيا الطورانية، وهكذا تركيا الطورانية، لا تختلف عندي عن سوريا العنصرية، وسوريا العنصرية لا تختلف عندي عن عراق أنس وعبد الزهرة؟، لذا أضعهم كلهم في مربع واحد وأسميهم بمربع الشر. لكن، بما أن تربيتي كوردية، أرفض رفضاً باتاً كل أنواع القتل والتنكيل لأي مخلوق، وتحت أية مسميات وعناوين، إلا أني،لا أرفض الحديث عن القتل وأسبابه ودوافعه، لكن بحيادية تامة ودون تحيّز لجهة ما على حساب أخرى.

عزيزي القارئ،إن حديثنا لهذا اليوم هو عن قتل الطيارين العراقيين من قبل إيران كما يقال. قبل أن نتحدث عن الأسباب والدوافع، دعوني أقول باختصار شديد عن ما شاهدته على الحدود المصطنعة – جنوب كوردستان مع شرقه- بين كل من الكيانين العراق وإيران. عزيزي المتابع، قبل الغزو العراقي لإيران بيوم أو يومين قمنا أنا واثنان من أقاربي بسيارة أحدهما بزيارة سريعة إلى ناحية (سومار)، بدأنا زيارتنا من مدينة (ئاروين آباد – هارون آباد) سميت بهذا الاسم نسبة للخليفة العباسي هارون الرشيد، أي: معمورة هارون. وبعد الحكم القاجاري ومجيء رضا بهلوي إلى دست الحكم في إيران بدعم بريطاني غير اسمها إلى (شاه آباد) أي: معمورة الشاه. وبعد ونجاح الثورة الإسلامية عام 1979 في إيران بقيادة رجل الدين روح الله الموسوي الخميني غيرت السلطات الإسلامية الشيعية اسمها إلى (إسلام آباد) أي: معمورة الإسلام؟ وهي إحدى مدن قبيلة كلهور الكوردية، وكذلك مدينة (سومار) هي الأخرى مركزاً من مراكز قبيلة كلهور، التي تقع قبالة مدينة مندلي في جنوب كوردستان، وبعد أن قضينا ليلة في (سومار) عدنا في اليوم الثاني إلى مدينة (إسلام آباد)، لكن من خلال الطريق الترابي التي على الحدود المصطنعة بين كل من (سومار) و(قصر شيرين)، وخلال المسافة الطويلة بينهما مرينا بـ(نفط شاه) التي تقابل (نفط خانة) التابعة للكيان العراقي، وهناك وقفت على الحدود المصطنعة وأقسمت أن أفرغ ما في مثانتي داخل ما تسمى بالحدود العراقية وقمت بما أقسمت من أجله. لكن للتاريخ أقول، خلال سيرنا بالسيارة على الشريط الحدودي بين (سومار) وقصر (شيرين) وجدنا أن المخافر (نقاطاً للشرطة على الحدود) الإيرانية على الحدود مع العراق فارغة، ليس فيها أي جندي أو شرطي من شرطة الحدود، وهكذا على طول الحدود لم نشاهد أية قوات إيرانية. لكن قرب قصر شيرين شاهدنا النساء والأطفال الكورد يهربون حفاة وينتحبون ويلطمون، سألناهم لماذا تبكون، ماذا حدث، قالوا: إن المدفعية العراقية قصفت قرانا وقتلت منا الكثير ونحن هربنا. هذا الذي شاهدته بأم عيني قبل الغزو العراقي لإيران عام 1980، لم يكن هناك لا جيش إيراني ولا أية قوات إيرانية على الحدود، أن ما زعمه نظام حزب البعث عن وجود جيش إيراني كالعادة كذب في كذب.

ماذا حدث في أول يوم الحرب؟، في هذا اليوم المشؤوم كنا واقفون في مركز مدينة (إسلام آباد) شاهدنا الطائرات العراقية وهي تقصف أحياء المدينة، ولم يكن أمامنا سوى الهروب إلى خارج المدينة، وبعد انتهاء القصف ذهبنا إلى مستشفى الوحيدة التي في المدينة وجدنا ما تفوق عن ثلاثمائة جثة ممددة من نساء وأطفال وشيخ طاعن بالسن وشاب في مقتبل العمر، وبعد هذا اليوم الدامي توالت هجمات الطائرات العراقية بشكل يومي على المدينة المذكورة، ولم يكن أمام أهلها سوى تركها واللجوء إلى القرى المحيطة بها. بما أن الشيء بالشيء يذكر، لقد شاهدت قبل عدة أيام على اليوتيوب أحد هؤلاء الطيارين… يتحدث عن سقوط طائرته داخل إيران، وعودته مشياً على الأقدام إلى العراق. قال الطيار: أنه سقط على بعد 200 كيلومتر من الحدود العراقية. هذا يعني، أن طائرته سقطت في وسط جبال شرق كوردستان؟. نحمد الخالق، لم يفلح بقصف قرى أو مدن الكورد الأبرياء. وتحدث الطيار عن طائر لم يعرف اسمه، قال: لونه أسود وأبيض. إنه طائر العقعق، الاسم العلمي له: Pica Pica متواجد بكثرة في شرقي كوردستان، ولە باللغة الكوردية عدة أسماء، منها “خومەڕژە،قشقەڕە، قشگە،بۆرەپنە”. وقال الطيار: إنه سمع بعض الإيرانيين يتحدثون لغة إيرانية. يا هذا، لا تعرف اسم الطير، ولا تعرف أن لا وجود للغة اسمها لغة إيرانية، اللغة التي تحدثوا بها إما لغة فارسية أو لغة كوردية، المنطقة التي سقطت فيها طائرتك لا يتحدثون سوى اللغة الكوردية، بلا أدنى شك، لو كان اسمٌ لسلاح فتاك لقتل الكورد الأبرياء كنت تعرفها على ظهر قلب!!. على أية حال. بعد أن رأينا لا نستطيع العيش في مدينة (إسلام آباد) وذلك بسبب القصف العشوائي للطائرات العراقية انتقلنا إلى مدينة آراك (عراق) التي تقع في وسط إيران، واستأجرنا في المدينة المذكورة داراً وسكنا فيها، لكن الطائرات العراقية أو الأصح الطيارون العراقيون لم يتركونا وشأننا، لقد بدؤوا يومياً يحلقوا فوق مدينة (آراك) ويكسروا حاجز الصوت ويقصفونا بلا رحمة ولا شفقة، وكالعادة كانت الضحايا من المدنيين العزل. لم نستطع أن نبقى في (آراك) تحت وابل قنابل الطائرات العراقية، فلذا انتقلنا مجدداً من (آراك) إلى العاصمة (طهران)، هذا المرة لم يكن الخوف فقط من الطائرات العراقية التي لا ترحم، بل دخلت على الخط صواريخ أرض أرض أيضاً، وضحايا كما أسلفت كانت من المدنيين الأبرياء، وبعضهم من الكورد الذين هجرهم نظام صدام حسين العنصري إلى إيران بحجة واهية إلا وهي، أنهم من أصول إيرانية!!. يا ترى، هل عرفت الآن عزيزي القارئ لماذا الأجهزة الأمنية الإيرانية تتابع هؤلاء الطيارين وتقتلهم بدم بارد؟ لأنهم خلال حرب السنوات الثمانية قتلوا مواطنيها الأبرياء ودمروا مدنها فوق رؤوس ساكنيها. بلا أدنى شك، أن الطيارين الإيرانيين قاموا بذات الشيء، وقتلوا المواطنين العراقيين الأبرياء، إلا أن لإيران الآن اليد الطولى، لذا تلاحق أولئك الطيارين الذين لم يرحموا لا مواطني إيران ولا مواطني كوردستان في كل من جنوب وشرق كوردستان، لقد قصف هؤلاء الأوباش القرى والمدن الكوردية كسردشت وكرماشان وإيلام وإيوان وخورم آباد وشهر كورد وغيرها في شرق كوردستان، وكذلك حلبجة وچیمەن وقلعة دزه ومنطقة بهدينان ومندلي وخانقين وبدره في جنوب كوردستان بالسلاح الكيماوي المحرم دوليا. لكن للتاريخ أقول، أن الكورد شعب عريق ومتحضر، ولديه مساحة كبيرة جداً للتسامح، ليس كالإيرانيين الأعاجم، أنهم – الكورد- لم يحقدوا ولم ينتقموا من الذين أجرموا بحقهم، لقد تركوا أمرهم لمن لا تضيع عنده المظالم، وها أنه بقدرته اللا متناهية سلط ظالم على ظالم؟. ونحن نقول: بعيداً عن الأبرياء “نارهم تحرق حطبهم؟.

03 08 2021

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*